Google
 

من نحن

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

 

 

هنا النمسا

كتاب المهجر :

 

 

حسـن بارود *

الأم العمياء

 

المكان؛ حي السيدة زينب، واحد من أحياء القاهرة القديمة، الشوارع أقرب إلى الحواري والأزقة الضيقة المكتظة بالمشاة وغيرهم من البشر الذين يقضون جل أوقاتهم أمام الحوانيت والمحلات وعلى الأرصفة وفي نهر الطريق، إلى جانب الزحام الذي تسببه ورش الحرف اليدوية، وعربات اليد البدائية التي تدفعها سواعد مرهقة، وقوافل "الكارو" تجرها الدواب الهزيلة مخلفة وراءها ما تجود به مؤخراتها من فضلات في إضافة تلقائية إلى أكوام القمامة المتراكمة مرتعا لجيوش القوارض والحشرات بطنينها الذي لا ينقطع إلا بعد حلول الظلام.....

نعم، إن على من تحتم عليه أقداره السير في مثل هذه الطرق أن يختار بين النظر إلى الأمام، مع ما يحفه من مخاطر العثرات في الحفر المنتشرة على طريقه، أو يقرر التركيز على مواطئ القدمين وما قد ينتج عن ذلك القرار من تصادم الواقفين أو المتحركين على الطريق.....

في مسكن ضيق فقير غاية في التواضع، عاشت سميحة مع ابنتها سماح ذات الأربع سنوات، بعد وفاة زوجها الأسطى سيد عزب "المكوجي الأفرنجي" قبل عامين نتيجة لإصابته بأزمة ربو شديدة أفقدته القدرة على التنفس ليلحق بعالم الغيب، تاركا وراءه زوجة جميلة في منتصف العشرينات، وابنة لم تكمل عامها الثاني في دنيا الأحياء، ودكانا للمكوى على بعد عدة أمتار من مسكن الأسرة الصغيرة، ورثه مع الربو، عن أبيه، وقد أجّرته سميحة "بالجدك" لأحد صبية المرحوم بجنيهات قليلة تعينها على سد حاجاتهما، وتغنيها عن مدّ يدها لخلق الله. وحمدت ربها كثيرا أن أقنعت المستأجر بالإبقاء على "محمود"، أصغر صبية زوجها الراحل للعمل في الدكان، يجلب "الغسيل" من الزبائن، ويعيده مكويا إليهم، ثم يتردد عليها مرة في الأسبوع لقضاء ما قد تحتاج إليه، أو تمضية بعض الوقت للعب مع سماح، إما داخل الشقة الضيقة، أو في الحارة الأرحب من المسكن.

صار محمود الأثر الحي الوحيد من بقايا الزمن الجميل منذ كان يتردد عليها كل يوم بتكليف من الأسطى سيد لمساعدتها في الأوقات التي لا يحتاج العمل في المحل إلى وجوده.

مرت 3 سنوات كاملة على ارتباط محمود بأسرة الأسطى سيد الذي كان قد استجاب لرجاء أم محمود بعد وفاة زوجها "العربجي" بتشغيل ابنها صبيا لديه كي يساعدها على تربية إخوته الثلاثة، وإغرائها إياه بإمداده بكل ما تغسل يداها من ملابس بيوت الطبقة المتوسطة إلى دكانه...

كان محمود أكبر إخوته الذين توالت وفادتهم إلى الدنيا خلال ست سنوات فقط، في "عز طفولته" حين انقطع عن المدرسة بعد وفاة أبيه، ليبدأ عمله صبيا في محل الأسطى سيد عزب، يجلب "الغسيل" من البيوت التي تعمل فيها والدته "غسالة" إلى المحل. إلا أن مهام محمود في دكان الأسطى سيد لم تقتصر على جلب وإرجاع الغسيل، فكان يعد الشاي أو القهوة للأسطى وضيوفه من الزبائن المقربين أو رفاق الكيف، الذين كانوا يترددون بصفة شبه منتظمة على المحل في ساعات متأخرة من يوم العمل الطويل لتدخين بعض أحجار الشيشة، ومحمود يقوم بتغيير الماء والحجارة للأسطى سيد و"أعمامه" من ضيوف المزاج. هذا بجانب أعمال الخدمة في بيت الأسطى سيد عزب وزوجته، خصوصا بعد أن صارت الست سميحة أما لطفلة جميلة أسمياها سماح....

كل هذا ومحمود لم يكن قد تجاوز التاسعة من عمره حين هجر مدرسته ليساهم بأجره المتواضع في إعانة أمه على تدبير احتياجات أخته وأخويه الصغار، فتبدلت أحواله إلى ما يشبه الاكتئاب المزمن، فنسي اللعب في الشارع، والشقاوة والمرح مع أترابه، ومع كل هذا وذاك اختفت من على شفتيه ابتسامات وضحكات الأطفال، فبدا حزينا صامتا، لا يمل الصمت والسكينة. وها هو قد انتقل بعد وفاة الأسطى سيد ليعمل لدى "عنتر" الأسطى الجديد، زميل الأمس، صبيا وخادما، صامتا وحزينا.....

تغيرت حياة الأرملة الشابة بعد إصابتها بالعمى، ذلك أن عهدها بالظلمة والظلام كان حديثا منذ أطفأت حمى التيفود نور عينيها الجميلتين، لتبدأ تجربتها مع الظلام يحيط بها من كل جانب ولا يفرق بين ليل ونهار....

نعم، فقد وجدت سميحة نفسها حبيسة السواد بين جدران مسكن ضيق خانق، مع صغيرتها البريئة سماح التي لم تدرك أو تعي في أول الأمر ما ألم بأمها من نازلات القدر، وما طرأ على طبعها من تغيّر وتبدل، وسبب عزوفها عن مشاركتها ألعابها.

ثم إن سماح لا تفهم الدافع وراء ربطها بشريط من القماش يلتف حول معصمها النحيل، ليصلها في الطرف الآخر بمعصم أمها لتجذبها إليها متى شاءت، أو كلما اقتضت الضرورة! كرهت سماح التواجد في الشقة الضيقة التي تصير فيها - كالكلب الصغير – مربوطة بحبل يقيد حركتها، ويهدي إلى موضعها خطوات أمها البطيئة المترددة.

لكن بعد اكتمال العام الأول من عهد العمى، اعتادت سماح وأمها قيدهما المتبادل لا يتحرران من عقدتيه حول معصميهما إلا وقت النوم، أو كلما خرجتا من المسكن إلى الشارع لقضاء حاجة ملحة، حيث تحكم الأم قبضتها حول ذلك المعصم النحيف لصغيرتها، فلا تتركه من يد إلا لتقبض عليه اليد الأخرى، وسماح تنتقل مرة إلى يمين أمها، وأخرى إلى يسارها، لا تفهم لذلك دافعا أو مغزى....

أدركت سماح بفطرة الطفل ومع مرور الوقت أن أمها عمياء، والأهم من ذلك أنها تحتاج إلى مساعدتها، وأن رفضها الإذعان لطلبات أمها يؤكد لها مدى ضعف الأم وقلة حيلتها.

ابتكرت الصغيرة حيلا ومواقف لمداعبة أمها؛ إذ كانت تنهض من نومها قبل أمها ثم تطلب منها البحث عنها في مخبئها الذي كان عادة إما تحت السرير، أو خلف إحدى قطع الأثاث القليلة، ولا تعبأ لتوسلات الأم بالكف عن العبث بعاهتها، حتى تستسلم الصغيرة، وتقدم على أمها ضاحكة في براءة لا تخلو من ضجر، وتصر على أن تبدأ هي بلف القيد حول معصم الأمٌ، التي تطلب منها في حنوّ ألا تشد القيد أكثر من اللازم كي لا تحبس الدم في عروقها.

اكتشفت سماح بحكم خبرتها أن أمها تستطيع أن تجذبها إليها متى شاءت، لكنها لا تقدر على دفعها بالشريط الذي يصل بينهما إلى حيث لا تريد الصغيرة أن تذهب. وهكذا كانت بداية كل يوم جديد لا تختلف كثيرا عما سبقه من أيام.  عاشت سماح - ربما كمعظم أبناء الفقراء - طفولة زمنية فقط، حرمت خلالها من النزول إلى الشارع واللعب مع أقرانها، لخشية أمها عليها التي ازداد تعلقها بها يوما بعد يوم، بعد أن صارت كل ما تملك في الحياة. نعم... لقد تعودت سماح – تلك الزهرة الجميلة البريئة - على سماع مفردات غريبة على طفل في عمرها كالعمى، والقيد، والعقدة، واحتباس الدم في العروق، والخوف والعجز، وحفر الطريق، والعثرات... والظلام! 

ما أطوال الليالي التي أمضتها سميحة في وحدتها بين جدران غرفة النوم، تستمع إلى أنفاس صغيرتها على السرير، وهي مستلقية إلى جوارها تسترجع شريط ذكريات الماضي؛ حين كانت في عمر محمود وحديثة العهد باليتم مثله، قد بدأت عملها خادمة في بيت تاجر أقمشة في نفس الحي الذي تعيش فيه، حتى بلغت العشرين من عمرها واكتملت أنوثتها، فتزوجت الأسطى سيد بعد قصة حب جميلة، فتنتقل من بيت سيدها تاجر القماش إلى بيت زوجها سيد المكوجي...

تذكرت يوم ودعت أطفال الجيران قبل خروجها من بيتها الريفي الفقير في إحدى قرى الدلتا القريبة من القاهرة في صحبة والدتها وأحد الأقارب المقيمين في القاهرة متجهين إلى مصر أم الدنيا، لا تحمل معها سوى ما كانت تستر به جسدها النحيل من ملابس فقراء أهل الريف، وتجر بقدميها حذاء لإحدى جاراتها، تعهدت أمها بإعادته إليها بعد عودتها من مصر.

لم تشعر سميحة بغصة في حلقها وهي تتذكر السنوات العشر التي أمضتها في بيت الحاج علي القماش، ذلك الرجل الورع الذي أحسنت أسرته معاملتها، واعتبرتها – إلى حد ما – كابنتها، فلم تتعرض للقسوة التي تشكل في أغلب الأحيان القاسم الأعظم لحياة الخادمات في البيوت. لم تشعر سميحة أيضا بغصة في حلقها تجاه أمها التي اضطرت لتركها لدى جدتها، بعد أن مات أبوها في عمر الشباب، و"أجبرت " الأم على الزواج من فلاح في القرية، اشترط على أهل الأم أن تأتيه "العروسة" بمفردها... إلى أن توفيت الجدة، وكان أمام الأسرة خياران؛ إما أن تودع الصغيرة أحد ملاجئ الأيتام في عاصمة المحافظة، أو تعمل لدى أحد الأقارب في القاهرة، وتقرر لسميحة أن تعمل لدى الحاج علي!

كثيرا ما استرجعت ذكريات أيام زواجها الأولى، والنشوة التي غمرتها وهي تتردد على الدكان الخاص بزوجها، وشعورها بلذة غامرة، وهي تحمل كل يوم طوال سنتين كاملتين طعام الغداء أو العشاء إلى زوجها وصبيته في المحل، رغم إلحاح سيد عليها بالاكتفاء بإعداد الطعام وإرساله مع أحد الصبية، إلا أنها كانت حريصة على البقاء إلى جواره على الأقل خلال الدقائق التي يتناول فيها طعامه، ولا تفارقه إلا وقد أعدت له الشاي "المظبوط".  

على أن ذكريات سميحة لم تكن كلها سعيدة، إذ كان يوم قدم فيه محمود إليها وقد امتلأت عينه بحيرة واضحة، جعلتها تسأله في حنان عما به، فأسر لها في أذنيها أن الأسطى سيد يدخن الشيشة بالحشيش مع بض الرجال الذين يأتون – تقريبا كل ليلة- إلى المحل بعد عودتها إلى البيت عقب طعام العشاء، فقررت أن تفاجئ زوجها ذات يوم بعد مغادرتها المحل، بأن تحججت بنسيان مفتاح الشقة بجانب  "وابور الجاز" لتشتم رائحة الحشيش وقد طغت على هواء الدكان الصغير، دون أن تبدي استغرابا أو ضجرا، كي لا تحرج زوجها أمام "شلة الأنس"!.

انتظرت عودة سيد "شبه مسطول"، وقد بدت عليه ملامح الحرج منها، لتبادره بقصة اخترعتها قائلة: "لقد تأكد لي كلام  "الظابط" ابن سيدي الحاج علي - مخدومها السابق - حينما كنت في زيارة لأسرة سيدي قبل عدة أيام، بأن المخبرين أبلغوه بأنك فاتح دكانك "غرزة للحشاشين"، وأن في هذا خطر كبير علينا كلنا يا سيد!"، ثم طلبت من زوجها وقد لفت ذراعيها حول عنقه، أن يتوقف عن هذا، وأن يحمد ربه على ما هما فيه من نعمة، وإلا فلن تعيش معه تحت سقف واحد، لأنها لن تقدر على تربية طفلهما القادم وحدها، وأبدت أسفها لإبلاغه بمفاجأة حملها في هذه الظروف، لكنها تخشى على سمعتها كزوجة لرجل هو الآن "حشاش"، وربما أصبح خريج سجون!!! وهددت بفضح أولئك الرجال، بل واستعدادها لأن تفرد "كراميش" وجوههم بمكوي اليد، إن عاودوا الحضور إلى الدكان! وسحبت ذراعيها لتحضر المصحف الذي أقسم عليه، ثم اتبع قسمه الأول بآخر  "بالطلاق" بأنه لن يعود إلى تدخين الحشيش مرة أخرى، وقبّل يديها شاكرا لها هذا الخبر السعيد، راجيا منها أن تستريح في البيت، لأن محمود سيتردد عليها أكثر من السابق خلال فترة الحمل وما بعد الولادة، حتى لو اضطر الأمر لتخصيصه لخدمتها، وهذا ما حدث فعلا، فقد أبلغها محمود الذي شعرت نحوه بعاطفة أمومة مبكرة بامتناع الرجال عن الحضور، واكتفاء الأسطى سيد بتدخين الشيشة "حاف".

ثم إنها تتذكر بامتنان استمرار وفاء محمود بعد وفاة الأسطى وإصابتها بالعمى، وحرصه على قضاء بعض الوقت من يوم أجازته معها وابنتها، يلعب مع سماح في الشقة، أو ينزل بها إلى الشارع لقضاء حاجة لأمها، قبل أن يعود إلى بيته ليمضي بقية يوم راحته مع إخوته الصغار. نعم إنها كانت تعني ما قالته أكثر من مرة لمحمود وهي تشجعه على تحمل مصاعب الحياة حتى يكبر ويصبح رجلا وأسطى كبيرا، تنقل إليه إيجار المحل، بل وتزوجه سماح ! 

ذات يوم من أيام شهر أغسطس، أسرت الأم إلى ابنتها خبر خروجهما آخر النهار إلى الشارع، فتهللت أسارير الصغيرة التي سألت أمها في حزم: "وستشتري لي شعر البنات والحلاوة والجيلاتي"! نعم.. ولكن بشرط أن تنامي وقت القيلولة، وتبقي شاطرة، ولا تعذبي أمك في الطريق!، فأومأت سماح بالإيجاب، وانتظرت بفارغ الصبر موعد خروجهما إلى الشارع...

تباينت مواقف الأم وابنتها تجاه الشارع، فسميحة تعد لتلك الساعة ألف حساب، فالطرق مزدحمة دائما بالناس، الأمر الذي يجعل مهمة سماح شاقة وعسيرة وهي تقود خطوات أمها بين كتل بشرية لا تسلم من الاصطدام ببعضها أو تتعثر قدماها في حفرة أو عائق من عوائق الطريق، فتتلقى أذناها عبارات التقريع من المشاة، لتبتلعها في صمت العاجزين...

أما سماح فكانت تسعد دائما عند خروجها مع أمها من سجنهما الضيق إلى الشارع الرحب الفسيح بمن عليه من مخلوقات وجماد يضفون عليه جاذبية خاصة فتطلق لناظريها العنان، تلتفت ذات اليمين وذات الشمال، لا تأبه بصرخات أمها بضرورة الانتباه والنظر إلى الأمام، إما لعثرة في حفرة أو لاصطدام ببشر أو عائق من الجماد، وهي تردد بصوت مسموع: "اللهم اكفنا شر الطريق!"، ثم لا تلبث أن تضغط في قسوة على معصم الصغيرة لتخرجها من عالمها الخيالي، أو لتجبرها على الانتقال إلى جانبها الآخر. لذلك كانت الأم تتنفس الصعداء حامدة الله على عودتهما سالمتين كل مرة من ذلك المشوار الشهري.

انتظرت سميحة حتى غربت شمس ذلك اليوم الحار، وخرجت مع صغيرتها إلى دكان "عم ميدو" البقال في الشارع الرئيسي لاستلام حصتهما الشهرية من "التموين"، بعد أن انتظرت حتى أوشك الأسبوع الثاني من الشهر على الانقضاء كي تتفادى زحام وتدافع الفقراء أمام محل البقالة.

الشوارع كما هي؛ مزدحمة، تتداخل في هوائها أصوات الموسيقى والأغاني الشعبية، مع أصوات قارئي القرآن، وصراخ المركبات الخاصة والعامة، ونداءات البائعين على الأرصفة، أو في نهر الشارع، زحام أمام محلات العصير، والخردوات، وروائح الشواء، والمخابز، ومحلات الحلويات، ودخان الشيشة، وروائح محلات العطارة، وتحميص البن، والمطاعم الشعبية المنتشرة بالقرب من مسجد السيدة زينب، تختلط بروائح كريهة تنبعث من أكوام الزبالة ومخلفات الدواب والبشر، وبالوعات المجاري. ورغم ذلك كان الأمر لا يخلو من نسمة أو لفحة حلوة تنفذ من أنفها إلى روحها لروائح وعطور من تحتك أو تصطدم بهم من الرجال والنساء.

كانت سميحة تدرك بأذنيها وأنفها كل ما تسمع أو تشم خلال رحلتها الشهرية، فتسترجع بعض مشاهد من ذكريات الزمن الجميل - زمن الحب والإبصار - فلا شك أن الشارع يعج ببحر من الألوان؛ إما على أجساد البشر، أو داخل "فترينات" عرض الملابس الصيفية، ثم إنها تتذكر كيف كانت تقيّم جودة أذواق الزبائن بمدى جودة "الغسيل"، حينما كانت تتردد على محل زوجها تساعده في "تطبيق المكوى".

استرجعت سميحة خلال مشوارها مع ابنتها ذكريات فترة الخطوبة مع الأسطى سيد حيث كانا يقضيان فترة "العصرية" من يوم عطلته الأسبوعية في دار السينما التي ستمر عليها بعد لحظات في طريقها إلى دكان البقالة، حيث لا تخلو الجلسة من تبادل اللمسات الحانية في ظلمة المكان، تؤجج مشاعرهما وعواطفهما طوال فترة العرض... ثم يتوجهان بعد السينما إلى أحد المطاعم الشعبية يتناولان وجبة خضار ولحمة، أو كوارع في مسمط شهير، ويشربان "حاجة ساقعة " في الصيف، وقرفة في الشتاء.....

نعم لقد داهمتها حالة ارتخاء لذيذة في مشاعرها وأحاسيسها كلما اقتربت خطواتها من دار السينما التي اكتشفا فيها متعة الإثارة العاطفية، فأخذتها غفوة حسية، أكملتها بسمة شاحبة على شفتيها، ما لبثت أن اختفت بعد أن وجدت نفسها وابنتها وسط موجات متدافعة من رواد السينما الخارجين من أبوابها بعد انتهاء عرض العصرية، في نفس اللحظة التي كانت تحاول فيها استبدال معصم سماح ونقلها إلى اليد الأخرى، فلم تجد استجابة من سماح، التي دفعتها بعيدا عن أمها في عشوائية قاسية سواعد وأجساد العشرات من ذلك الطوفان البشري الذي لفظته دار السينما.

أفاقت الأم من لحظة ذهول مفاجئة، فأطلقت صرخة مدوية تنادي بها على ابنتها:

"سماح!.. أين أنت يا حبيبتي؟! تعالي إلى أمك يا سماح!"... "هاهي يدي أمدها إليك يا حبيبة قلبي! 

سماح.. ! ألا تسمعين أمك؟! ألا ترين أمك؟! ارحميني يا بنتي! كفي عن الهزار!".

لم تجد سميحة استجابة لنداءاتها وصراخها، فتوجهت إلى الناس في الشارع:

"أيها الناس! من رأى منكم بنتا صغيرة.. إنها ابنتي، وأنا ضريرة... ساعدوني يكرمكم ربنا!"...

ثم تعود لتوجه نداءها إلى ابنتها: "سماح! أين أنت يا نور عيني؟ أين أنت يا روح أمك؟"...

ثم طفقت تصرخ وتلطم خديها وهي تهذي: "لعنة الله على الشارع ومن عليه!، أيها الناس! ألا ترون أنني عمياء؟، من منكم يأتيني بابنتي؟ أخشى عليها من ويلات الطريق...إنها صغيرة ليس لها خبرة بالطرق والشوارع، إنها يتيمة... فقدت أباها... وأمها عمياء... إنها وحيدتي... سماح! سماح!".

لم تكتف بالنداء والصراخ فأخذت تصفع في ارتجالية وهوس شديدين كل من تصطدم يداها به من الناس، كي تتمكن من لفت الأنظار إلى مصيبتها. استوقفت بأظافرها - وكأنها المخالب - بعض المتدافعين نحو الشارع بعد أن بدا لها صراخها وعويلها كالتثاؤب تحت الماء، فأصغى إليها بعض الصبية والشباب، وأسرعوا للبحث عن الصغيرة في المحيط الضيق للمكان، لكن من عاد منهم إليها رجع خالي الوفاض، في حين وقف بعضهم إلى جوارها يخفف عنها ويواسيها، مؤكدا أنها حتما ستعود، بعد أن ينفض الزحام، ويخلو المكان بدخول رواد السينما المنتظرين أمام أبوابها.

إلا أن سماح لم تعد، والملتفون حول أمها يوجهون أبصارهم في حيرة واضطراب في كل اتجاه، ونحيب الأم في ازدياد، والتأثر بالفاجعة باد على الوجوه، إلى أن اقترح أحدهم على الأم أن يصطحبها إلى بيتها، عسى أن تكون الصغيرة قد عادت إليه، فلقي اقتراحه استحسانا من الجميع، فأسلمت له سميحة يدها ليقودها إلى البيت.

أما سماح التي دفعها الطوفان البشري أمام دار السينما بعيدا عن أمها فقد وجدت نفسها وسط عشرات من الأطفال يهرولون لاهثين وراء بائع "الدندرمة" بدراجته المزركشة، ومزماره النحاسي العتيق، يرددون وراءه ما يطلقه من نداءات على بضاعته، منهم من يوقفه لشراء "قمع"، ومنهم من يكتفي بنظرات الحسرة لضيق ذات اليد، ومنهم من يتجرأ ويستجدي "لحسة" من رفيق. كل هذا وهم ينتقلون وراء البائع من حارة إلى أخرى وأعدادهم في تزايد مضطرد، يتسابقون ويتدافعون، يتساقطون، ثم ينهض أقوياؤهم، ليسقط آخرون تحت أقدام الكبار منهم.....

رفضت سميحة الصعود إلى شقتها في الدور الرابع، وأصرت على البقاء أمام مدخل البيت، وسرعان ما تجمعت حولها أغلبية نساء الحارة وأطفالهن، ثم توافد بعد ذلك عدد من الرجال، حاولوا جميعا التهوين عليها، وهي لا تكف عن بكاء يتخلله صراخ يمزق القلوب، وتساؤلات كثيرة عن الحكمة فيما أصابها من نوازل الدهر، فقد كانت زوجة وفية مخلصة لزوجها، أمينة على بيت سيدها الذي خدمت أسرته أكثر من عشر سنوات، محبة لابنتها، راضية بحظها في الدنيا، ولا تتمنى من الله سوى الستر والعون على تربية صغيرتها اليتيمة....

انقضت خمس ساعات كاملة، وسميحة ترقب في لوعة وأسى عودة الموفدين من الصبية والأطفال للبحث عن سماح بدون صغيرتها، بينما الآباء يؤكدون أن لديهم أحاسيس بأنها لا شك ستعود، وبينما الساعات تمر، انفضّ كثير من الناس عائدين إلى بيوتهم، ليأتي غيرهم، وسميحة أوشكت على فقدان صوتها من كثرة النحيب والصراخ......

ضغط محمود على جرس آخر شقة يحمل إليها "المكوى"، وناول ربة المنزل اللوح الخشبي بما عليه، وانتظر حتى عادت وأعطته الأجر بزيادة خمسة قروش مكافأة له، فدس المبلغ في جيبه وألقى بنظره على ساعة الحائط في مدخل الشقة فوجدها تشير إلى الحادية عشر ليلا، قبل أن ينطلق إلى المحل ليسلم الأسطى "عنتر" الإيراد، ويتوجه إلى بيته، وقرر أن يسلك أقصر الطرق إلى الدكان، فاتجه إلى حارة جانبية خرج منها إلى الشارع الرئيسي، فرأى تجمعا كبيرا من الناس، وقد توقف المرور في الشارع مع ارتفاع لأصوات آلات التنبيه يصم الآذان، ثم رأى على بعد أضواء زرقاء تنعكس على زجاج النوافذ والمحلات، فدفعه فضوله إلى مواصلة السير حتى ذلك الموضع، بدلا من الدخول في الحارة المقابلة...

اقترب محمود من التجمهر ليرى سيارة شرطة تقف وسط هذا الحشد البشري، وعلى بعد عدة أمتار تقف سيارة مطافئ، فالتقطت أذناه أصوات بعض الواقفين تسب الحكومة والمسئولين عن المجاري، وأخرى تلعن الطرق والشوارع، بل والحياة في هذا الجحيم، فأخذ يتسلل بين الواقفين حتى اقترب من مركز الأحداث، فسأل أحد الرجال الواقفين عن حقيقة الأمر، لكن الرجل لم يرد عليه بعد أن أدرك أن السائل صبي صغير.

اندسّ محمود بين الحشد ليجد نفسه أمام جثتين لطفلين وقد غطيتا بورق جرائد، فاستفسر من صبي في مثل عمره عما حدث، فأجابه بأن ثلاثة أطفال سقطوا مرة واحدة في بالوعة المجاري المكشوفة، وأن رجال الإنقاذ تمكنوا من انتشال جثتين، ومازال البحث جاريا عن الجثة الثالثة!......

اصطف عدد من رجال الشرطة وسط الشارع لتغيير مسار المرور إلى الشوارع الفرعية، كي يتمكن رجال الإنقاذ من انتشال الجثة الثالثة من بحر المجاري المظلم، بينما الجماهير الغفيرة بين ناقم، وآسف، منهم من اتهم أهالي الأطفال بالإهمال، لتركهم أبناءهم بلا رقيب في الشارع، ومنهم من اعتبر موت طفلين أو ثلاثة أمرا عاديا مع كثرة الأطفال في البلد، وكثير من الناس اتهم البلدية بإهمال الأحياء الفقيرة، بدليل وجود عشرات البالوعات المكشوفة، وكأنها تركت هكذا عن عمد لالتقاط الناس داخل أحشائها. تداخلت أصوات المحتشدين، وتباينت حدتها، إلى أن استمع الحشد لصوت ضابط شرطة آتيا من مكبر للصوت يحمله بيديه، طالبا من الجمع التقدم في نظام وهدوء نحو الجثث الممدة على رصيف الشارع للتعرف على الضحايا واتخاذ اللازم...

تمكن محمود من الظفر بمكان له وسط الطابور البشري، وعلم من الحضور أن الجثة الثالثة قد انتشلت لتوها، ومددت إلى جوار الجثتين الأخريين، بعد أن صبّ عليها شرطي دلوا من الماء لإزالة ما علق بها من قاذورات وتخفيف الرائحة النفاذة...

بدأت حركة الطابور في اتجاه الضحايا، فاجتاح محمود شعور بأهميته ربما للمرة الأولى في حياته، فهاهو يقف وسط رجال في مهمة إنسانية، لا يقل أهمية عن أي منهم، بل خالجه إحساس قوي بأنه أكثر الناس معرفة بأطفال المنطقة، لأنه يتردد على معظم بيوتها، وتناسى أن بيوت الفقراء لا تخرج "غسيلا" للمكوى..!   

حتما سيصير له شأن آخر لدى الأسطى عنتر، وبين صبيان المحل، وربما في الحي كله، إن تمكن من التعرف على أي من الضحايا، وسيتناقل الناس أخباره، وربما اضطر لإعادة الحكاية عشرات المرات على الزبائن.

أفاق محمود من رحلة خياله على صوت الضابط يسأله إن كان يعرف أيا من الجثث، فوضع لوح الخشب الذي يحمل عليه الغسيل المكوي جانبا، وانحنى نحو جثث الضحايا، فأصابته رجفة تخللت كل فرائسه، واصطكت منها أسنانه وهو يرى ثلاثة من الوجوه الصغيرة وقد امتقعت ألوانها، وكستها آثار هزيمة ساحقة أمام الموت المفاجئ، فغشي بصره ولم يتمكن للوهلة الأولى من تمييز أي من تلك الوجوه، لكنه مد يده إلى وجه جثة في الوسط  وأمعن نظره في وجهها ليرى وجها يعرفه تمام المعرفة، فانطلق صارخا: "نعم أعرفها، ثم انحنى مرة أخرى على الجثة الممدة، وكأنه يرفض أن يصدق عينيه، إذ كيف أمكن لهذه الصغيرة أن تخرج وحدها، وهي التي لا تبرح المسكن إلا بصحبة أمها أو في صحبته هو!! وما عساها فاعلة في هذا المكان البعيد، ثم إنه لم ير هذين الطفلين الممدين إلى جوارها من قبل، فهما ليسا من الأقارب أو الجيران، فلا أقارب لها...!

اعتدل محمود مهزوما من الصدمة، وقال في صوت ينتحب ورأس منكس:  "دي عروستي"! ... سماح... بنت المرحوم الأسطى سيد عزب المكوجي... واحد درب السلامة ، الدحديرة......"! 

 

 

 

عودة إلى

صفحة أدب وفن

للتعليق على الموضوع

postmaster@jusur.net