![]()
![]()

|
جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة
©
تعنى
بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون
الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني |
|
|
|
|||
● كاتب وجائزة:
الأسواني أول مصري يفوز بجائزة «برونو كرايسكي» لحقوق الإنسان
أشرف جمال
الأديب المصري علاء الأسواني حصل علي جائزة «برونو كرايسكي» العالمية لحقوق الإنسان، التي تمنح كل عامين - منذ سنة ١٩٧٦- لناشط سياسي أو أديب علي مستوي العالم عن الأعمال والمساهمات الحقوقية. وأعلنت اللجنة المنظمة للجائزة - النمساوية الأصل - عن تنظيم احتفالية كبري لتسليم الجائزة للأسواني يوم ٧ مارس المقبل في فيينا، يحضرها الوزراء المسؤولون النمساويون والأدباء والمفكرون والفنانون. الأسواني حصل علي الجائزة - التي تحمل اسم مستشار النمسا الأسبق برونو كرايسكي - عن قصة «عمارة يعقوبيان» كنموذج محاك لمجموع أعماله الأدبية التي تتناول الوضع الحقوقي للمصريين تحديداً، ليصبح بذلك أول مصري وثالث شرق أوسطي يحصد هذه الجائزة بعد الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، والإعلامي السوري فيصل القاسم. وعن المعايير التي تم علي أساسها منح الجائزة العالمية له قال الأسواني: «الجائزة لا علاقة لها بالسياسة أو بالمواقف السياسية تجاه النظم والحكومات بشكل عام، ولكنها تمنح وفق معايير خاصة بالدعوة إلي العدالة وحقوق الإنسان من المنظور المهني لا السياسي».
|
||
|
التجربة السويسرية يرويها لكم د. علاء الأسواني
ماذا يكون شعورك إذا حكمت عليك الظروف أن تكون في مكان منعزل تماما، يبعد عن بلدك بعشرات الألوف من الكيلومترات، وفى ذلك المكان المنعزل يقيم معك شخص يشتمك ويشتم بلدك والشعب الذي تنتمي إليه، وأنت لا تستطيع أن تغادر هذا المكان ولا أن ترد على من يهينك ؟.. هذا بالضبط ما حدث لي خلال الأسابيع الماضية.. ونبدأ الحكاية من أولها: 1 بعد الحرب العالمية الثانية برز اسم الألماني لودفيج روولت كواحد من أهم الناشرين في أوروبا، ويكفى أن نعلم أنه كان ينشر إنتاج كبار الكتاب العالميين مثل جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار وارنست همنجواى وألبير كامو، وقد أحب السيد لودفيج راقصة فاتنة الجمال اسمها جين وتزوجها واشترى لها قصرا جميلا فى بلدة لافينى في الريف السويسري بالقرب من جنيف، يقع القصر على هضبة بارتفاع 700 متر فوق مستوى البحر ويشرف على بحيرة جنيف وجبال الألب وقد عاش الزوجان معا في منتهى السعادة حتى توفى روولت في عام 1988 أثناء رحلة إلى الهند.. وهنا قررت أرملته جين أن تهب قصرهما في بلدة لافينى ليكون بيتا للكتاب، وبيوت الكتاب نظام معمول به في الغرب منذ فترة طويلة حيث يتم استضافة الكتاب لمدة معينة مع تقديم الأكل والشرب وتوفير الهدوء اللازم للإبداع، وبيوت الكتاب نادرا ما تستضيف كتابا غير غربيين حتى أن بعض البيوت في اسكتلندا وفرنسا تشترط بوضوح أن يكون الكاتب غربيا حتى تتم استضافته، لكن بيت الكتاب في لافينى سار على طريق مختلف، فمن أجل تحقيق رغبة أرملة الناشر روولت تم تشكيل مجلس من أهم أساتذة الأدب في سويسرا وهنا لم يكن من الممكن تجاهل اسم فوزية أسعد، وهى مصرية عاشت في سويسرا ثلاثين عاما وتعمل أستاذة للأدب الفرنسي وتحظى باحترام السويسريين، وعن طريق فوزية انفتح بيت الكتاب في لافينى ليستضيف كتابا عربا ومصريين، طبعا فوزية لا تملك إلا صوتا واحدا من ستة أصوات في المجلس لكن بدون وجودها، أشك كثيرا في أنه كان سيتم قبول أي كاتب عربي هناك.. وقد تقدمت بطلب إلى بيت الكتاب في لافينى للإقامة لمدة 3 أسابيع وأرفقت الطلب بنبذة عن التاريخ الشخصي والأدبي وبعض الترجمات لأعمالي، وتلقيت ما يفيد أنه تم قبولي للإقامة في بيت لافينى خلال شهر أغسطس، وخلال هذه الفترة ستكون هناك ليلة للقراءة حيث يأتي جمهور الأدب من أنحاء سويسرا ليستمع إلي الكتاب وهم يقرأون أعمالهم الأدبية . 2 وصلت إلى قصر لافينى يوم 4 أغسطس وعرفت أن كل حجرة فيه تحمل اسم كاتب شهير وكان نصيبي في حجرة همنجواى مما أسعدني لأنه فعلا من أحب الكتاب إلى، ثم أخذتني مشرفة البيت صوفي وهى سويسرية من أصل روسي حتى أتعرف على زملائي الكتاب في المجموعة: فرأيت لأول مرة الكاتبة النمساوية ليليان فاشينجر، وهى في الخامسة والخمسين وستلعب دورا مهما في الأحداث، ثم رأيت الكاتبة الاسكوتلاندية اليسون فيل، سيدة في السبعين تحمل في حركاتها كل مجد الإمبراطورية البريطانية الغابر ولها هذا البرود الانجليزي الشهير فهي قد تصمت لمدة ساعة كاملة ثم، تحرك رأسها ببطء لتنظر إلى السماء وتقول من أنفها على طريقة الارستقراطية الإنجليزية: "أوه.. ياله من طقس جميل" وبعد أن تنتهي من هذه الجملة المهمة للغاية، تعيد رأسها إلى مكانها وتصمت ساعة أخرى على الأقل قبل أن تلقى بجملة مماثلة.. الزميلة الثالثة كاتبة في الأربعينيات اسمها أتيمة، وهى هندية هندوسية مقيمة في لندن، و تنطق الإنجليزية بلكنة أمريكية مبالغ فيها ويبدو واضحا أنها تستمتع بذلك.. بقى الزميل الرابع، وهو كاتب مسرحي فرنسي مرموق اسمه كريستوف بوليه، تعرض مسرحياته في "الكوميدى فرانسيز"، وهو مثقف جدا ومحب للثقافة العربية لأنه نشأ في مرسيليا مع المهاجرين العرب، وهو أيضا حساس ومجامل ويساعد الناس دائما .. 3 كنت سعيدا بهذه التشكيلة المتنوعة من الكتاب، وكلهم بالمناسبة أسماء لامعة في بلادهم وكان النظام اليومي في القصر أن ينفرد كل واحد بنفسه ليكتب في هدوء حتى الثانية ظهرا حيث نجتمع لتناول وجبة خفيفة ثم نقضى الوقت معا حتى نتناول العشاء في السابعة .. وقد لاحظت من اليوم الأول أن ليليان النمساوية واليسون البريطانية تعاملانني ببرود وغلظة، فقلت لنفسي ربما يرجع ذلك إلى أنهما كاتبتان والمبدعون فنانون لهم أحوالهم الغريبة أو ربما لأن الغربيين من أهل الشمال لم يتعودوا على التعبير عن مشاعرهم مثلنا، لكنني لاحظت أن السيدتين تعاملان كريستوف الفرنسي بكثير من الود واللطف على عكس تصرفهما معي.. وسرعان ما بدأ التراشق: فلا يمضى يوم بغير أن تصرح ليليان بملاحظة تسيء إلى العرب والمسلمين، وفى البداية أخذت الأمر بجدية وهدوء وقلت لنفسي: هذه فرصة ذهبية لكي أشرح لهؤلاء الكتاب الغربيين الحقائق عن ثقافتنا العربية الإسلامية.. وقد جاءت ليليان أمام الجميع ونظرت إلى وتنهدت وقالت: لقد بدأت في قراءة الترجمة الإنجليزية لرواية.. "أصداء السيرة الذاتية" لكاتبكم نجيب محفوظ.. وقد أصبت بالإحباط وتوقفت عن القراءة.. لماذا يا ليليان..؟ لأن نجيب محفوظ عربي وهو مثلكم جميعا يحتقر المرأة وهو لا يرى فيها إلا مخلوقا جميلا يستعمل للمتعة الحسية.. وأنا كامرأة أوروبية لا يمكن أن أحترم هذا المفهوم.. ورددت عليها بهدوء: ليليان.. نجيب محفوظ كتب خمسين رواية فلا يجوز الحكم عليه من رواية واحدة.. كما أن الاحتفال بجمال المرأة لا يعنى بالضرورة النظرة المتخلفة إليها وأستطيع أن أذكر لك الآن عشرة أعمال أدبية كبرى من الغرب تحتفي بجمال المرأة.. كما أن أصداء السيرة الذاتية تجربة أدبية خاصة حيث كتبها محفوظ متأثرا بالصوفية وقاموس الصوفية خاص جدا ومختلف فالخمر عند الصوفية معناها الوجد في الحب الإلهي والمرأة الجميلة معناها الدنيا ..أنصحك أن تقرأي هذا العمل بحرص.. لن أقرأه هكذا قالت ليليان وهى تشيح بوجهها فى قرف.. وفى المساء جلست بجانب اليسون البريطانية فوجدتها تقول لمن يجلس بجوارها بصوت مسموع: أنا لا أفهم هذه العصابات الإسلامية في العراق.. إنهم يذبحون الغربيين أمام شاشة التليفزيون.. مع أن الإسلام يحرم التليفزيون.. ثم أطلقت ضحكة ساخرة جعلتني أستدير إليها وأقول : الإسلام لم يحرم التليفزيون وإذا كنت تقصدين ما تقوله حركة طالبان فهذه قراءة متعصبة وخاطئة للإسلام وهناك مثلها في كل الأديان.. لكن الإسلام الحقيقي ليس طالبان.. والذين يذبحون الغربيين يقاومون الاحتلال الأمريكي البريطاني لبلادهم، ورأيي أن هدفهم مشروع لكن طريقتهم خاطئة.. وهم في كل الأحوال لا يمثلون إلا أنفسهم وليس الإسلام وإلا.. فإنني لو طبقت منطقك على المتطرفين من اليمين المسيحي في أوروبا، الذين يقتلون المهاجرين العرب ويحرقون مساكنهم وهم فيها، هل أستطيع أن أقول هذه الجرائم تعبر عن العقيدة المسيحية..؟ تكررت المناقشات يوميا بنفس الطريقة، كلام استفزازي عن العرب والمسلمين منهم، ومحاولة هادئة منى لشرح الحقيقة، ولاحظت مندهشا أن ما أقوله لا يصادف رضي لديهم بل إن ليليان، بعد كل مرة أدافع فيها عن العرب تزداد نفورا منى، وهنا أيقنت أنها عنصرية صهيونية متعصبة، وحاولت تفادى المشاكل وقلت لنفسي إنني أمثل مصر في محفل أدبي مهم ومن الخطأ أن أتهور في أفعالي حتى لا يقال إن كاتبا عربيا تصرف بطريقة غير متحضرة.. أما عن موقف بقية الكتاب من الإساءة للعرب فالحق أن كريستوف الفرنسي كان يؤيدني دائما في الدفاع عن الثقافة العربية وكان يبين في وجهه أسى حقيقي كلما سمع من ليليان كلاما عنصريا.. أما " أتيمة" الهندية فكان موقفها متناقضا: فبيني وبينها كانت تهاجم ليليان وأليسون وتتهمهما بالعنصرية وتنصحني ألا أغضب لأنهما مجرد امرأتين متعصبتين، وفى نفس الوقت ما أن تراهما حتى تتودد إليهما بطريقة غير كريمة، وعرفت بعد ذلك أن أتيمة لها مطالب عند الكاتبتين فى مجال النشر فى ألمانيا وإنجلترا وأنها تجاريهما من أجل مصلحتها . 4 لم يقتصر الكلام الاستفزازي على ليليان وأليسون.. فقد فوجئت بصوفي مديرة المنزل تسألني فجأة أمام الناس: هل صحيح أن كل البنات في مصر يجرين العملية الجراحية..؟ أية عملية ..؟ عملية ترقيع غشاء البكارة.. لقد عرفت أن البنات فى مصر يستمتعن بحياة جنسية كاملة ثم قبل الزواج يجرين عملية ترقيع ليخدعن أزواجهن هذا غير صحيح إطلاقا لكن صديقة مصرية أخبرتني بذلك وأنا أثق فيها وقلت وأنا أبذل مجهودا لضبط نفسي قد تكون صديقتك المصرية هي التي أجرت عملية ترقيع لغشاء بكارتها وهذه مشكلتها.. لكنني أؤكد لك أن معظم البنات في مصر المسلمات والمسيحيات يمتنعن عن إقامة علاقات جنسية خارج الزواج ولكن هذا ظلم واحتقار للمرأة.. كيف تحرمونها من الجنس مادامت غير متزوجة..؟ قلت بهدوء: نحن لا نحرم أحدا ولا نرغم النساء على شيء.. إنها ببساطة ثقافتنا التي نعتز بها.. وليس لديك دليل على أن الطريقة الغربية في إباحة الجنس خارج الزواج أفضل من طريقتنا العربية في الحفاظ على كرامة المرأة هذه فكرة متخلفة للمرأة العلم والعمل والحقوق المتساوية هي معيار تقدم المرأة في رأيي وليست الإباحية الجنسية، وإذا كان الجنس معيار التقدم لديك فما رأيك في جمعيات الجنس الجماعي وتبادل الزوجات المنتشرة في أمريكا..؟ هل تقبلين الانضمام إليها أنت وزوجك حتى تكوني تقدمية...؟ ولماذا تخلفت بعض القبائل الأفريقية عن الحضارة بينما هم يتمتعون بإباحية جنسية كاملة ..؟ وهكذا ظللت أياما أتلقى الضربات والأسئلة المهينة وأحاول بقدر إمكاني أن أرد بموضوعية.. ثم جاءت ليلة القراءة وكنت أحمل بعض القصص من كتابي الأخير "نيران صديقة " فى ترجمة إنجليزية متقنة قامت بها الصديقة هالة كمال أستاذ الأدب الإنجليزي في آداب القاهرة، وأغلقت على نفسي وأخذت أمرن نفسي على إلقاء القصة التي اخترتها وعنوانها "مدام زتا منديس.. صورة أخيرة.."وهى تحكى حياة راقصة يونانية عاشت في مصر وتصف حياة العجائز الأوروبيين الذين قضوا حياتهم في مصر ورفضوا أن يهاجروا منها.. وفى الموعد المحدد دخلت إلى القاعة فوجدتها تغص بجمهور كبير من محبي الأدب الذين جاءوا من كل مكان في سويسرا ليستمعوا إلى كتاب العالم وهم يقرأون إنتاجهم.. ووزعت صورا من القصة على الحاضرين حتى يتابعوا القراءة، ودعوت الله في سرى ألا يخذلني لأنني الكاتب العربي الوحيد في هذه المجموعة.. وكان ترتيبي الأبجدي يجعلني أول من يقرأ.. وبدأت في الإلقاء بالطريقة التي تمرنت عليها طوال النهار.. وما أن انتهيت من الكلمة الأخيرة في القصة حتى حدثت المفاجأة: ..فقد دوى التصفيق الحماسي في أنحاء القاعة أكثر من دقيقتين مما دفعني بعد أن جلست إلى النهوض من جديد لتحية الجمهور ورأيت وجه فوزية أسعد المصرية المخلصة يضيء بالسعادة وهى ترى أعضاء المجلس يندفعون إلى تهنئتي بل وتحلق حولي جمهور كبير من المهتمين بمصر والأدب المصري ظللت أجيب على أسئلتهم عن بلادي وأنا أحمد الله على هذا النجاح.. ولم أكن أدرى ساعتها أن ذلك النجاح سيجر على متاعب كبيرة . 5 بعد نجاحي في ليلة القراءة، تحولت ليليان إلى العداء الصريح ناحيتي.. وبعد أن انصرف الجمهور وجدتها في وجهي فقلت لها بدافع من الذوق: لقد أعجبتني قراءتك الليلة يا ليليان فنظرت إلى شذرا وقالت : في الواقع أنا أعرف أنني قدمت قراءة ممتازة.. وأنا لا أحتاج إلى رأيك.. فاحتفظ به لنفسك .. وهكذا تحول الأمر من المناقشات الاستفزازية إلى الإهانات المباشرة.. وفى اليوم التالي أبديت ملاحظة عابرة عن نظام الأتوبيسات في الريف السويسري فإذا بالسيدة ليليان تقول : أنت يا مصري لا يعجبك نظام الأتوبيس في سويسرا؟.. ماذا لديكم أنتم في مصر؟ انتم عاجزون عن تنظيم أي شيء.. ليس لديكم إلا كلمة "إن شاء الله". وفى مناسبة أخرى قالت وهى تنظر إلى بسخرية: سائق التاكسي في سويسرا لا يكون كذابا أو لصا إلا إذا كان تركيا أو إيرانيا.. أو شيئا من هذا القبيل".. وتحولت إقامتي إلى جحيم حقيقي.. وحاولت أن أتفادى ليليان لكنها ما أن تراني على مائدة العشاء حتى تعاجلني بكلماتها المهينة.. وحاولت جاهدا أن أبكر موعد العودة إلى القاهرة لكي أنجو من هذا الضغط العصبي لكنني لم أستطع.. وفى لحظة ما، قررت ألا أسكت على الإهانة وأرد لها الصاع صاعين وليكن ما يكون.. وفى نفس الليلة، على مائدة العشاء، قلت رأيا ما فإذا بها تقول لي : عموما أنا لا أتوقع من عربي أفضل من ذلك .. وهنا قمت من مكاني وقلت بصوت عال أمام الجميع : اسمعي يا ليليان أنت عنصرية كريهة وأنا لن أتحمل إهاناتك أكثر من هذا.. سوف أكتب تقريرا عن الكلام العنصري الذي ترددينه ضد العرب والمسلمين.. وهو كلام يعاقب عليه القانون كما تعرفين.. ومن الآن فصاعدا إياك أن تكلميني وإلا فسوف أرد عليك بإهانات لن تنسيها أبد .. سكت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير ما عدا اليسون البريطانية التي تدخلت لصالح ليليان طبعا فقلت لها بعنف وقد تخلصت من اللياقة تماماً: هذا الموضوع لا يخصك يا اليسون.. اسكتي أفضل. وفعلا، قدمت شكوى رسمية لمجلس البيت ذكرت فيها نماذج من التصريحات العنصرية التي قالتها ليليان.. وظللت متوتر الأعصاب واشعر بأسف وحزن على ما يحدث.. حتى أن كاتبة سويسرية تدعى كارين كانت في زيارة عابرة إلى البيت وتعرفت إلى وشكوت لها من كل ذلك الهجوم العنصري الذي أعانيه، فتعاطفت السيدة الرقيقة معي ودعتني إلى بيتها حيث تناولت العشاء مع أطفالها الثلاثة وزوجها مارك الذي يعمل موظفا في الحكومة السويسرية، وكان الزوجان في غاية الرقة معي فقاما بدعوتي إلى حفل موسيقى ثم عادا بي إلى المنزل وعرضا على أن أبيت معهما وقال لي مارك: إنني حقا أشعر بالأسف لأن كاتبا مصريا يزور بلادنا ليتعرف على ثقافتنا فيقابل أناسا عنصريين بهذه البشاعة.. أرجو أن تتأكد أن هؤلاء لا يمثلون بلادنا أبدا 6 في تلك الأثناء كان ثمة أصدقاء كبار يطمئنون على.. الروائي الكبير بهاء طاهر اتصل بي من جنيف وشجعني على موقفي قائلا: أنت على حق لا يمكن قبول هذا الكلام عن العرب والمسلمين.. هل تعلم أنك لو قلت ربع هذا الكلام عن اليهود لانقلبت الدنيا عليك..؟ أما الكاتب الكبير جميل عطية إبراهيم فقد اتصل بى من لوزان وعندما عرف بالأمر قال : "احترس.. لأن هناك من يغضبه أن يأتي كتاب مصريون إلى هذا المكان فربما كان الأمر مدبرا فخذ حذرك لئلا يعتدي أحد عليك أو يلفق لك تهمة.." وقضيت وقتا صعبا جدا فبعد تقديمي للشكوى انقلب معظم الموجودين على.. ليليان تزمجر بالألمانية كلما رأتني واليسون تنظر إلى من فوق لتحت بعنجهية، أما أتيمة الهندية فقد انقلبت تماما، إرضاء لخاطر السيدتين،.. صارت الهندية لا تكلمني أو فجأة تحدثني بطريقة مستفزة كأنما هي تتحرش بى حتى أهينها فينقلب الأمر على.. وظللت لمدة يومين جالسا وحيدا في غرفتي لا أريد أن أرى أحدا على أن أعجب موقف اتخذته مديرة المنزل صوفي التي حاولت إقناعي بشتى الطرق بأن الموضوع ليس فيه أية عنصرية وإنما مجرد سوء تفاهم بسيط ورفضت طبعا أن أتنازل عن الشكوى وأصررت عليها وجاءتني اليسون وقالت بغطرستها المعتادة: اسمع.. أنا أنصحك بقوة أن تتنازل عن الشكوى ضد ليليان فقلت: وأنا أنصحك بقوة أن تخرجي من هذا الموضوع وإلا سوف أقدم شكوى ضدك لأنك عنصرية أيضا. 7 من تقاليد المكان أن يسجل كل كاتب في آخر إقامته في لافينى انطباعه عن الرحلة في كتاب الضيوف وتهتم الإدارة كثيرا بما يكتب فيه.. وقد حاولت صوفي مشرفة البيت أن تثنينى عن كتابة ما حدث لكنني تظاهرت بالموافقة وفى الدقائق التي سبقت رحيلي عن البيت سجلت كل ما حدث لي من مضايقات عنصرية في كتاب الضيوف.. وكتبت إنني أتمنى ألا يتعرض أي كاتب عربي في المستقبل إلى هذه العنصرية التي لم أكن أتوقعها أبدا من كتاب غربيين معروفين. * منذ أن انتهى هذا الكابوس ورجعت إلى مصر وأنا أفكر في هذا السؤال: لماذا يكرهنا بعض الغربيين إلى هذا الحد ..؟ ومازلت لا أجد الإجابة.. ....................................... المصدر: العربي الناصرية/القاهرة
|
||