Bookmark and Share

هنا النمسا

 

 

 

 

 

 

 

 

د. أمل قصري

.........................................

موقعها

.........................................

 

المقالات الواردة

في (أكثر من رأى)

تعبر عن رأى كاتبها..

ولا تعبر بالضرورة عن

رأى هيئة تحرير جسور

من نحن

 

عم أبو جمعه

  

كان "عم أبو جمعه" مستأجراً لقطعة أرض زراعية كبيرة عندما بدأت تتحول الأراضي في منطقته من زراعية لسكنية. ظلت الأرض التي يزرعها عم أبو جمعه كما هي بينما ببطء وبالتدريج تزداد العمارات السكنية الأهلية حول الأرض، وكنا أحد سكان إحدى تلك العمارات، والتي شهدنا فيها هذا التحول.

أقام عم أبو جمعه مع أسرته في عشة صغيرة بناها بجانب الأرض التي كان يزرعها، عاشت الأسرة حياة فقيرة للغاية، رغم أن الأرض التي كان يزرعها كانت كبيره جداً وكان من المفترض أنها تُدِر دخلاً معقولاً. مع تزايد العمارات حوله، مزج عم أبو جمعه مهنته كمزارع بمهنة أخرى هي "البواب"، فأصبح يعمل كبواب للعمارة التي نسكنها، والأمر بالنسبة له سهل؛ لأن عشته التي بناها تقع على مرمى البصر، بينما عمل ابنه في الأرض، و حاولت زوجته وابنته العمل في المساعدة في تنظيف الشقق الجديدة، أو المساعدة في قضاء ما يحتاجه السكان. المشكلة أن عمل عم أبو جمعه وأسرته كان دائماً عملا فاشلا، فلم يحبهم سكان الحي، ولم ينجح أبو جمعه كبواب بل فشل بشدة، كانت أسرة غريبة، لم تحاول بأي شكل أن ُتحسِن من أحوالها المعيشية رغم ما كانوا يكسبونه من مال. كانوا مثال لأسرة سيطر عليها الجهل الشديد مع البخل في صرف المال والبخل في التعلم كذلك، حتى أن أبو جمعه دخل مرة الجامع الصغير الموجود بالحي لرفع الأذان، بعد أكثر من نصف ساعة من ميعاده، أي أنه قد سمعه وعرف أن ميعاده قد فات، وكان كله خطأ، فقال الله أكبر، حي على الفلاح، وحل آخر جملة في النداء محل أولها رغم أنه يسمع الآذان خمس مرات في اليوم، فأثار عليه سكان الحي الذين سمعوه وتعجبوا مما فعله.

تزوج ابنه جمعه وأنجب ودخلت أسرته في مرحلة التكاثر، بينما ظلوا جميعاً في نفس العشة! أصاب جمعه مرض الفشل الكلوي الذي اضطره لإجراء الغسيل الكلوي بانتظام، مع سلسلة الأمراض التي أصابت عم أبو جمعه نفسه نتيجة الكِبر وغالباً نتيجة حالة البؤس الشديد الذي كانوا يعيشونه. وبعد سنوات، عدت لأجد تغييرات جديدة، حدثت بطريقة غير مفهومة، أو لم أبحث فيها، فالأرض الكبيرة التي كان يزرعها أبو جمعه كمستأجر لها، تم بيعها ليتم تقسيمها كمبانٍ سكنية وأخذ عم أبو جمعه نسبة كبيرة جداً من البيع، في الغالب بسبب عقد الإيجار. وتداول أهل الحي معلومة أن ثمن الأرض يعادل الخمسة ملايين جنيه، أو هذا ما قيل. وهو ثمن مُتوقع بسبب المساحة الكبيرة والموقع وثمن الأراضي المرتفع في المحافظة. وحسب ما سمعت ظلت عشة عم أبو جمعه موجودة، وهم فيها حتى بعد تلك الملايين، وأن زوجة جمعه ظلت تجمع المال من سكان الحي لعلاجه. وأخيراً نشب حريق في العشة، ربما بسبب من يسكنها وإهمالهم وعدم تبنيهم أي نوع من أنواع التطور رغم رقم الملايين، وبعدها بنوا بيتاً محل العشة وأقامت باقي الأسرة فيه، ولا أعلم إن كانت الأسره تُمتِع نفسها بالمال الوفير الذي تملكه أم ما زالوا يعيشون كما تعودوا!

احترت دائماً فيما يمثله عم أبو جمعه وأسرته، لكن كلما يمر الوقت ويزداد احتكاكنا بالواقع تقل حيرتي بالتدريج، رغم أنني في الغالب لن أستطيع أبداً أن أنظر للأمور من نافذتهم. فهل يختلف أبو جمعه كثيراً عن أغلب المصريين، غنيهم وفقيرهم، وعن كيفية ممارساتهم لحياتهم؟!

هل فشل أبو جمعه بسبب إهماله لما يفهم فيه وهو الزراعة واتجاهه لحراسة المباني؟ أم فشل بسبب جمود فكره هو وعائلته وعدم محاولاتهم التعلم مما حولهم، أو حتى تحسين ظروفهم المعيشية، رغم ما يرونه حولهم من مظاهر تحضر وتطور مثل شقق مغلقة على أصحابها مثلاً وبها وسائل حياة مريحة، والذي يمكن أن يستفز أي فرد، حتى لو غير متعلم، ويحُفزه على البحث عن التغيير والتطور؟

وإذا انتقلنا من أبو جمعه لصورة أوسع لمن حوله، هل يحاول المصريون على المستوى الفردي تغيير حياتهم للأفضل وممارسة شيء جديد يختلف عما تعودوا عليه، حتى ولو بدافع الفضول؟ توقف أبو جمعه الذي لم يتعلم عند عشته، لكن غيره ربما يكون متعلماً ويسكن في شقه فاخرة، بينما يتوقف فكره عند مرحلة القرون الوسطى، رغم ما يتعرض له من تغيرات عالمية يجب أن تُحفِز عقله على التفكير في أن ربما ما تعلمه أو تعود عليه خطأ ولو بنسبة واحد في المائة، حتى الشباب الصغير الذي يجب أن يكون من سماته الأساسية التطور، يتجمد فكره في مصر ويختلط الأمر بين كسل وعناد وخوف من الخروج على ما هو متعارف عليه.

إذا أصر النموذجين، الجاهل والمتعلم، على بقاء أوضاعهم كما هي، هل يمكن فرض هذا التغيير، من جانب المسؤول مثلاً، لما يمكن أن يؤدي لتحسن معيشة الفرد وبالتالي تحسن معيشة من حوله، أم أن هذا سيدخل في إطار التدخل في حياة الأفراد وسيكون فرض نمط معين عليهم ربما لا يريدونه؟ هل كان من حق عم أبو جمعه مثلاً أن يفرض على من حوله وجود عشته بما يمكن أن تسببه من أَذى لبقية سكان الحي والدليل الحريق الذي نشب فيها وكان من الممكن أن يؤدي لكارثة؟ هل كان من حق المسؤول التدخل في حياته وحياة أسرته فيزيل العشة مثلاً ويفرض عليه الحياة في شقة فيها من وسائل الأمان والنظافة ما يوفر على الدوله الكثير من سرقة الكهرباء ومجاري وأمراض علاجها يكلف الدولة الكثير؟ أم أن هذا سيدخل تحت بند التدخل في اختياراته وهو أمر مرفوض؟! هل ما حدث في الوراق مثلاً (وهو ربما نموذج مكبر لأبو جمعه، بوجد مثله كثير في أرجاء مصر بأشكال مختلفة) تنطبق عليه نفس الأسئلة؟ وهل إذا تم التدخل وتم نقله لمكان أفضل للعيش، هل كان ليساعد هذا في تغيير نمط حياته أم كان سيعيش بنفس الطريقة بين أربعة جدران بدلاً من عشة؟!

المشكله أن الدوائر في مصر قد أُغلِقت تماماً بين عقول وقلوب تحجرت وأصبحت موميات متحركة وبين مسؤولون فشلة، خرجوا من نفس الدائرة..... فحتى وفاة أبو جمعه وحريق عشته لم يكسروا الدائرة بل لف محيطها حول نفسه ورسم دائرة جديدة..... فكيف يمكن أن يحدث التطور والتغيير من رحم تلك الدوائر المعقدة بشده؟

 

 

 

 

زوروا صفحة الكاتب

للتعليق على الموضوع

 

postmaster@jusur.net

 

 

 

أهلاً بكل قلم.. أهلاً بكل رأى.. لنجعل الحوار جسراً للتلاقي