هنا النمسا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كرم حسن

 

محامي مصري

مقيم في النمسا

.........................................

karamhassan7@hotmail.com

 

المقالات الواردة

في (أكثر من رأى)

تعبر عن رأى كاتبها..

ولا تعبر بالضرورة عن

رأى هيئة تحرير جسور

من نحن

 

 

الأزمة بين القضاة والمحامين

السبيل إلى إزالة أسباب الاحتقان

 

ما زالت الأزمة التي نشبت مؤخراً بين المحامين من جانب، ورجال النيابة والقضاء من جانب آخر، مستمرة وآخذة في التفاقم..

وأتساءل، أحياناً، وأنا أتابع مجريات الأزمة ـ ما كل هذا الانزعاج من اللاشيء؟!..

فقد صدر حكم جنائي، ضد محاميان قاما بالاعتداء على أحد أعضاء النيابة. صحيح أن الحكم شديد "5 سنوات" إلا أننا لا نعرف مدى الإصابات التي أحدثها المحاميان بالسيد وكيل النيابة المحترم؛ فقد يكونا قد أصاباه إصابة بالغة، أحدثت له عاهة مستديمة، أو قاما بالاعتداء عليه بسكين أو آلة حادة، وأن إصابته تحتاج إلى علاج لأكثر من 21 يوماً. ولا يجب أن نقارن، هنا، هذا الحكم بالحكم الذي صدر بحق الصحفي العراقي، الذي قذف بفردتي حذائه في وجه الرئيس الأمريكي السابق بوش الثاني ـ حكم عليه بعام واحد، خفف إلى ستة أشهر ـ لا نقارن هذا بذاك؛ فربما كان القاضي العراقي الذي أصدر الحكم المشار إليه قاض غير نزيه، أو أنه تعرض للضغط من جهة ما في الحكم أو سلطة الاحتلال.. أما قاضينا هنا فهو يمتع بالتأكيد بالنزاهة التامة، إلى الحد الذي وجد نفسه ليس بحاجة إلى مرافعات الدفاع، فأصدر أسرع الأحكام "العادلة"  وفي جلسة واحدة!

وقد ألح بعض الزملاء في التساؤل: كيف يكون الموقف لو حدث ذلك في إحدى الدول الأوروبية؟

دفعني التساؤل إلى إمعان التفكير في الأمر، وعدت بالذاكرة إلى بدايات القدوم إلى النمسا، عندما حصلت على منحة ما نهاية سنوات التسعينيات، من أحد المؤسسات القانونية، للتعرف على النظام القانوني الأوروبي، وعملت كمتدرب في الفترة ما بين 1997 و 1999، في ثلاث محاكم مختلفة؛ جنائية، تجارية ومدنية. وتذكرت أنه في إحدى جلسات المحكمة الابتدائية المدنية، حدثت مشادة بين القاضي الذي كنت أتدرب على يديه وبين أحد المحامين، فما كان من القاضي إلا أن رفع الجلسة، وحرر مذكرة بما حدث، ودون فيها اسمي كشاهد على الواقعة، ورفعت تلك المذكرة إلى نقابة المحامين.

سارعت النقابة فور تلقيها المذكرة بالأمر بتسليم ملف الدعوى لمحام آخر يختاره الموكل، على أن يرد المحامي الأول قيمة الأتعاب  التي تقاضاها إلى موكله، وبالطبع لم يسعد القاضي بإجراء النقابة ـ فقد طاله هو أيضاً إجراء مماثل من الجهة التي يتبعها ـ وتقرر أن لا يستمر في نظر الدعوى، وأن يحال النظر فيها إلى قاض آخر، وبهذا لن يشعر القاضي بنشوة الانتصار ولن يتذوق المحامي طعم مرارة الهزيمة.. وأغلق بهذين الإجراءين باب الضغينة..

تقودنا الحادثة التي رويتها إلى أنه من المستحيل أن يحدث في دولة من دول الاتحاد الأوروبي ما حدث في مصر مؤخراً.. ما حدث في مصر، مرجعه في تقديري إلى أن قانون السلطة القضائية عندنا، هو الذي قاد إلى هذا الاحتقان الذي نشهد وقائعه الآن؛ فقد انصهرت النيابة والقضاء في كيان واحد، فوكيل نيابة اليوم هو قاض الغد، بل أن المحامي العام يتم اختياره عن طريق رئيس المجلس الأعلى للقضاء..

أعمدة العدالة ثلاث، ومن الضروري أن يفصل بينها، دون تداخل يفقدها دورها.. النيابة تمثل الادعاء والمحامي يمثل الدفاع والقاضي هو الحكم بين الطرفان.. وعليه فإن بعض المحامين يرون ـ ونحن معهم في هذا الرأي ـ أن انصهار النيابة والقضاء في كيان واحد يجعل من القاضي خصماً وحكماً في ذات الوقت، ولو أننا نشهد أن معظم القضاة حرصوا في أغلب الأحوال على تجنب شبهة الانحياز.

لكن ما يعزز هذا الشعور بالانحياز لدى بعض المحامين، أن شواهد الانحياز ليست فقط في الموضوع، بل تعدته ـ أيضاً ـ إلى الشكل؛ فوكيل النيابة يجلس إلى جوار القاضي وعلى نفس مستواه، بينما يقف المحامي في موضع تحت مستوى النظر، مقارنة بموقع جلوس وكيل النيابة، وهذا غير معهود في أى دولة من دول الاتحاد الأوروبي التي أوردناها للمقارنة، فالمسافة التي تفصل ما بين القاضي الجالس على المنصة، وكلا من ممثلي الدفاع والاتهام متساوية تماماً، وفي ذات المستوى عند النظر.

في الكادر أيضاً.. النيابة والقضاء لكل منهما كادره الخاص، ولا انصهار بينهما، كما هو الحال عندنا.. وهذا مما يدفع إلى الاطمئنان إلى انتفاء الانحياز ويوفر الثقة في القضاء، ولا يمكن أن تحتقن الأمور إذا ما أصدر قاض ما حكم ما على محامي أو وكيل نيابة في نزاع من النزاعات، لاطمئنان الطرفين لحياد القاضي.

ما أوردناه كان مدخلا للدعوة لفصل النيابة عن القضاء كادراً وقانوناً، وأن يكون جلوس الاثنان: ممثل الدفاع ومثل الاتهام، على مسافة متساوية من المنصة التي يجلس عليها القاضي وفي نفس مستوى النظر.. بهذا تتوفر الثقة، وتنتفي أسباب الاحتقان، وتتحقق للعدالة هيبتها وقدسيتها.

   

  Bookmark and Share

 

 

للتعليق على الموضوع

 
 

postmaster@jusur.net

 

 

أهلاً بكل قلم.. أهلاً بكل رأى.. لنجعل الحوار جسراً للتلاقي