![]()
|
عبد الله شريف ......................................... صحافي سوداني يقيم في النمسا
|
|
المقالات الواردة في (أكثر من رأى) تعبر عن رأى كاتبها.. ولا تعبر بالضرورة عن رأى هيئة تحرير جسور
|
|
|
|
فاطمة حنفى كوستي صرة السودانقديما كانوا يقولون، كوستي بلد وأحمد كوكو ولد!!، وقبل سنوات قلائل، أثناء زيارة لي للسودان المبتور (لا أدري كم حجمه الأن)، وقع في يدي كتيب يحمل العنوان أعلاه، ومؤلفه الأستاذ على محمد يوسف الإمام، ويهديه الى رفيقة دربه التي صعدت معه سلم الوظيفة درجة درجة دون كلل أو ملل، وبالنفس الطويل الهادىء، وبالقناعة بما هو موجود، وبعداً عن النظر إلى ما عند الغير، فكان التوفيق من عند الله في حياة هادئة كريمة. تقول سيرته الذاتية أنه درس الأولية والمتوسطة والثانوي بمصر. وربما لهذا كان يلقب بالمصري!. كان أهله يسكنون في مدينة الحديد والنار والثورات ـ عطبره. يبدو أنه عمل بالسكة حديد في بداية مشواره العملي، ومن عطبرة جاء منقولاً إلى كوستي في العام 1954م ليعمل موظفاً بالسكة حديد ـ القسم التجاري ـ إدارة النهر. ثم عمل بعد ذلك مدرساً بمدارس كوستي الأولية - جبور، ثم ضابطاً لتعليم الكبار. كان رياضياً من الطراز الأول، حيث لعب لفريقي الرابطة والسكة حديد. هو أول من أنشأ الفرق الكشفية بكوستي، ولذلك يمكن أن نطلق عليه أبو الكشافة في كوستي.كاتب المقال من مواليد جزيرة أبا، وتربية قرية ربك، وتأديب وتوعية وتفتيحة داخليات كوستي. ذكرني كتيب الأستاذ على يوسف - أدعو له بطول العمر والعافية وحسن الخاتمة - بحكاية الكشافة التي سمعنا بها أول مرة في حياتنا عند دخولنا مدرسة كوستي الأميرية الوسطى في منتصف الستينات. إذ جمعنا في ساحة المدرسة الناظر وقتها، حسين عبد الله شدو وطلب منا أن ننتظم في الكشافة بعد أن عدد لنا مزاياها وفوائدها للشخص وللمجتمع. كنت من المتحمسين لأنني أمتلك قميصاً لونه كاكي ـ لون الكشافة - ولكن حدث بعد ذلك أن اندلعت ثورة أكتوبرفتثورنا وتركنا الكشافة.لقد سعدت أيما سعادة بالتهام سطور الأستاذ على يوسف، فأجتررتها اجتراراً حتى كدت أن أحفظ بعضاً من قصصه. ومن بواعث فرحتي أن تحدثت عبر الهاتف مع بنت كوستي - وهي عنصرية في محبتها وتعظيمها لمدينة كوستي - الكاتبة والشاعرة، د. إشراقة مصطفى عن الكتيب، وقيمته التاريخية والتعليمية والثقافية. طلبت مني أن أمدها به حالاً... سوف تقرأه حالاً..... وسوف تصوره حالاً.....اعترتها حالة هستيرية... ظار إسمه كوستي!!يقيني أن العنوان قد إستهواها... كوستي صرة السودان... هذا تعبير سبق به الأستاذ علي يوسف الأخرين. أجزم أنه ما فكر فيه، ولم يكن وليد عقله! وإنما خرج من قلبه روحاً ورسماً. ويقول في مقدمته إن الإنسان لا يقاس بما قضاه من سنين في الحياة الدنيا، ولكن يقاس في الدنيا والأخرة بما قدم للآخرين من أعمال ترضى الله ورسوله والناس من حوله. ويتوجه بسؤاله للقارىء: ماذا قدمت للناس من صالح الأعمال؟ فإن كنت فعلت فاستمر، وإن لم تفعل فقد آن الأوان لتسلك الطريق القويم!بقدر إستمتاعي بسفر الأستاذ على يوسف، إلا أن غمامة من الأسف تخيم عليّ!.. أنني ما تعرفت عليه في فترة إقامتي بمدينة كوستي! الشوق والفضول يدفعاني للتواصل معه. وأرجو صادقاً أن يصله ندائي هذا، عبر مقالي هذا، في يومنا هذا، لأنه نعم الأستاذ الخبير المحنك والعارف بشئون دنياه (أم قدود). إنه من ذلك الجيل الذي تدرب على يد الأنجليز (الكفرة الفجرة)، والذين تركوا لنا مشروع الجزيرة والسكة حديد، وخدمة مدنية صقلت أمثال أستاذنا على يوسف. لذلك فهو عملة نادرة في زماننا هذا. وأكبر ظني أن تواضعه حال دون أن يجعل من ذلك الكتيب مجلداً ضخماً، ينوء بحمله الولدان.جاء على قمة مشاهير كوستي، التيجاني محمد خير ـ رجل البر والإحسان والخير، ثم الأحمدين (عبد القادر + كوكو)، وأبوقمزة، وشلقامي، ومحمد موسى، وعبد القيوم، وأبو مرين، ومحمد نايل، ووهيب عبده ربه، وأخرون.وذكر أحيائها، السكة حديد، والمرابيع، والنصر، والرديف، والجديدة، وأبوشريف، والمطار، والدريسة، والكرو، وفلاتة، والحسانية، ولكنه نسى الزندية وأمكم هليمة!وروى لنا قصصاً حياتية ممتعة وشيقة، وفيها عظات وعبر، رأيت أن أختار لكم منها واحدة بعنوان: إذا دعتك قوتك إلى ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك!!يقول الأستاذ على يوسف أنه كان يعمل بأحد أقاليم السودان، وكانت هناك ترقيات للمعلمين، وكان هو المسئول عن ذلك. فبدأ بحصر الملفات ومعه مجموعة من الموظفين. وبعد جهد جهيد تم الحصر ما عدا ملف واحد كان غير موجود في مكاتب التعليم. وبتكثيف البحث اتضح أن الملف المفقود بإسم الأستاذ...... معلم بالدرجة العاشرة (أ)، هذا الملف موجود بمكتب السيد وزير التعليم الإقليمي. فطلب من السيد الوزير موافاتهم بالملف بأسرع ما يمكن لضمه إلى الملفات المنافسة للترقى.أرسل السيد الوزير الملف المذكور مع سكرتيره ومعه توصية شفهية بفصل هذا المعلم عن العمل لغيابه عن العمل بدون إذن لفترة زمنية طويلة. استلم الأستاذ على يوسف الملف وأكرم السيد السكرتير، وعند مغادرته أبلغه تحياته للسيد الوزير مؤكداً له أنه سوف يعقد مجلس محاسبة مصلحي لذلك المعلم ليرى إن كان يستحق الفصل من العمل أو خلاف ذلك. قال السكرتير: لا... السيد الوزير قال أفصلوه!! فقال له الأستاذ على أنهم يتعاملون بالقانون وليس بالأقوال. كانت المرة الأولى في تاريخ عمل الأستاذ على يوسف أن يطلب منه فصل موظف أو عامل دون عمل مجلس محاسبة!!في اليوم الثاني اطلع على الملف وقام بتشكيل مجلس محاسبة مصلحي برئاسته وعضوية اثنين من التربية والتعليم، واستدعوا المعلم وحددوا له الزمان والمكان، وحضر المعلم المتهم، وبدأ الرئيس الجلسة: هذا المجلس مكون من السيد.... رئيساً، والسيد...... عضواً، والسيد..... عضواً، فهل لديك اعتراض على كل أو أي عضو من أعضاء هذا المجلس؟ فأجاب المعلم: لا. فسأله رئيس المجلس: أنت متهم بالغياب عن العمل بدون إذن لمدة....! فأجاب بأنه لم يتغيب عن العمل أصلاً بل كان في إجازة دراسية بموجب طلب تقدم به للوزارة وتم التصديق عليه للالتحاق بجامعة الخرطوم وبعد انقضاء مدة الدراسة تقدم بطلب للوزارة لدراسة الماجستير وتم التصديق بعام واحد رغم أن الجميع يعلم أن دراسة الماجستير يتم التصديق لها بعامين، فانتظم في الدراسة وحصل على الماجستير وتقدم لدراسة ما بعد الماجستير وبحمد الله حصل على درجة الدكتوراة.طلبوا من المعلم المتهم أن ينتظر في الخارج، وبسطوا الملف أمام المجلس، ووجد المجلس أن كل ما قاله الأستاذ صحيح وموجود بالملف، وفي هذه الحالة ثبت أن المعلم لم يتغيب عن العمل بل كان في إجازة بدون مرتب بغرض الدراسة، وانتهى المجلس إلى الإشادة بطموح هذا المعلم وجده واجتهاده في الدراسة على نفقته الخاصة حتى وصل إلى أعلى الدرجات العلمية، وكانت آخر جملة في الحيثيات (( يعود إلى العمل إذا رغب))، وطبعاً لا يعقل أن يعمل معلم يحمل درجة دكتوراة في مدرسة متوسطة موجودة في ريف الريف السوداني وإن فعلها كانت ستكون مفخرة لنا ولوزارة التربية في السودان بل لحكومة السودان كلها.ووقع المجلس على الأورنيك المخصص وانتهي الموضوع، ولكن بالنسبة للاَخرين كانوا يقولون: كيف تتم محاكمة رجل يحمل درجة الدكتوراة من موظفين هم أقل منه درجة مما يتنافى مع ما جاء بقانون محاسبة العاملين بلائحة الخدمة، ونسوا أو تناسوا أن الشخص الذي تمت محاسيته هو معلم بالدرجة العاشرة "أ" ومع أنه يحمل درجة الدكتوراة إلا أنه ما زال معلم بالتربية والتعليم!يقول الأستاذ على محمد يوسف الإمام: كثير من الناس يفتون في أشياء لا علم لهم بها ويعتقدون أنهم على دراية بكل شىء. وكاتب المقال يذكر مثل دارفوري - ما تغالتي زول في سينأتو، أي لا تجادل أحداً في صنعته!!
|
||
|
|
|
أهلاً بكل قلم.. أهلاً بكل رأى.. لنجعل الحوار جسراً للتلاقي |