Bookmark and Share 

 

 

 

علي فرغلي

.........................................

كاتب مصري

يقيم في النمسا

 

صفحته

 

 

المقالات الواردة

في (أكثر من رأى)

تعبر عن رأى كاتبها

ولا تعبر بالضرورة عن

رأى هيئة تحرير جسور

 

أهلاً بكل قلم.. أهلاً بكل رأى.. لنجعل الحوار جسراً للتلاقي

 

الحب مقابل الإساءة

 

كان قد مضى على صداقتنا عام ونصف تقريباً حين سألني: تعرفني جيداً، أليس كذلك؟ كَسرتُ بالصمت ضجة الضوضاء التي كانت تحيط بنا آنذاك، تذكرت وجه أبي في الحال، الذي كان صريحاً في إجابته على مثل هذه الأسئلة، لدرجة تغضب الكثير من أصدقائه. قلتُ: لا أعرفك كما ينبغي! رأيت الدهشة على وجهه، فبالتأكيد هي إجابة محبطة له، لكن الأيام أثبتت فيما بعد أنني كنت محقاً.

أغلب البشر أصحاب طبائع متقلبة، وردود أفعال غير متوقعة! إن الأمر يحتاج إلى "عِشرة" وزمن يتخلله الكثير من المواقف والتفاصيل، التي بدورها تحدد طبيعة الإنسان. الشدائد تبين معادن الناس، وتحدد التجارب والمواقف التي يمرون بها، نوع العلاقة بينهم، إما محبة ووفاء وإما حقد وحسد وشقاق. كل ذلك يحتاج إلى صبر كأنك تبحث عن كنز، فالأصدقاء هم كنوزنا الحقيقية في الحياة.

وعلى الجانب الآخر، ربما تفقدك المواقف والتفاصيل الكثير ممن عرفتهم، فلكل إنسان قلب يمرض أحياناً أو يشيخ. ربما نلتمس لهم الأعذار حتى تستمر الحياة، لكن البعض الآخر لا يمكنك الاستمرار معه حين يكون مبتسماً ونذلاً. نعم، كما قال شكسبير: "المرء يستطيع أن يبتسم ويبتسم.. ويكون نذلاً ".

منذ أسبوع تقريبا، أرسل لي أحدهم رسالة على موقع التواصل الإجتماعي، يسأل فيها عني، وماذا فعلت بي الحياة؟ وهل مازلت أتذكره أم لا؟ علي الرغم من اللحية الجديدة وتغير شكله خلال السنوات الماضية، تذكرته. كنا في أول سنوات الجامعة حين التقينا، كانت مشاعرنا نقية وجياشة، وكان يجلس ويأكل ويذاكر معنا.. وبعد فترة اكتشفنا أنه "عصفورة " يكتب التقارير الأمنية عن أصدقائه.

أُصبت حينها بالغضب الشديد وحاولت الانتقام. أنقذني وأنقذه من الانتقام، أنني كنت شغوفا بقراءة الإنجيل بعد أن ختمت القرآن أكثر من مرة؛ عرفت كيف خان يهوذا السيد المسيح عليه السلام، الذي عاش معه أكثر من ثلاثة أعوام متصلة، بعد أن اختاره السيد ضمن الاثني عشر، ليكون تلميذًا له، ولتصبح له وظيفة رسولية. خانه بعد أن استمع إلى العظات الممتلئة بالحكمة والحياة، وبعد أن شاهد عن قرب محبة السيد المسيح الفياضة نحوه ونحو الآخرين، ولمس عطفه وترفقه بالضعفاء.

كانت هناك "عِشرة" وصداقة بين السيد المسيح وتلاميذه، أخذهم معه في خلوات روحية بعيدًا عن الجموع، يعلّمهم الصلاة، ويفسّر لهم الأمثال، ويقول لهم كل شيء وأعطى لهم أسرار ملكوت السماوات كلما اصطحبهم في ترحاله وجولاته. بل أكثر من ذلك أعطاهم سلطانًا أن يصنعوا الأشفية والآيات والعجائب باسمه المبارك. وكان يقول لهم: الأعمال التي أنا أعملها سوف تعملونها بل وأكثر منها. 

لكن أمام كل هذه العلاقة الوثيقة، اختلج قلب السيد المسيح في أسى، وهو ينظر إلى خيانة التلميذ الذي باعه بثلاثين من الفضة. ثمن بخس مقابل المحبة. لكن السيد المسيح أراد أن يغلب الشر بالخير وأن يقدّم الإحسان للمسيئين إليه، ولم يحاول مرة أن يفضحهم. أثرّت في نفسي هذه القصة، وأحببت هذا السلوك الإنساني وآثرت العفو على الانتقام. محبتي للناس أصبحت مختلفة ولها قوانينها الخاصة، متوقعاً مقابلة أمثال هؤلاء كل يوم. تعلمت أن أتركهم لعل ضمائرهم تبكتهم لِما أظهرته نحوهم من حب في مقابل إساءتهم. ربما يتذكروا أنني كنت لطيفا معهم وأعطيتهم الفرصة. مردداً تلك المقولة التي قيلت "كيف لم تشعر يا يهوذا بترفق السيد المسيح بك، ورغبته الأكيدة في خلاصك مثل الباقين، حينما قال لك: ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه" (مر14: 21).

 

 

 

 

 

postmaster@jusur.net

للتعليق على الموضوع