هنا النمسا

  Bookmark and Share

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حنان عاد

.........................................

شاعرة وكاتبة لبنانية

تقيم في النمسا

.........................................

موقعها

 

 

المقالات الواردة في (أكثر من رأى) تعبر عن رأى كاتبها.. ولا تعبر بالضرورة عن

رأى هيئة تحرير جسور

 

من نحن

 

المرأة وحظر قيادة السيارة

لم لا تحجب الشمس أيضاً

عن النساء؟!

 

لا أنسى البتّة السيدة التي كانت مشاركة في مؤتمر  عُقِد قبل أعوام في إحدى العواصم العربية، وتمحور حول مخاطر العمل الصحافي أثناء الحروب. كانت تسرق الأوقات الحرة التي تخّللت جلسات المؤتمر الطويلة المرهقة. لماذا؟ كي تنصرف إلى تعلّم قيادة السيارة. تذكّرتُ هذه الواقعة في هذا الوقت تحديداً إثر كثرة الحديث أخيراً عن "اقتراب خروج القرار المتعلق بقيادة المرأة السيارة في السعودية، إلى الشوارع والطرقات".

كنا نحن الصحافيات والصحافيين المشاركين نغتنم الاستراحات كي نشرب القهوة معاً وندردش ونتعرف بعضنا إلى بعض وأحياناً كثيرة لاستكمال أو متابعة نقاش شائك معين من صميم نقاشات المؤتمر. أما هي فكانت معظم الوقت متوترة ومرتبكة وتتعجل الوقت كي تتركنا وتذهب مسرعة.... حتى مشاركاتها في النقاشات أوحت لبعض المشاركين أنها كانت في مكان آخر. بل أكثر من هذا سمعتُ أحد الزملاء يعلّق بأن تلك المرأة غريبة الأطوار وسريعة الغضب وشديدة التوتر ويصعب التفاهم معها. لكن مهلاً.... وقليلاً من التفكير...

المرأة الصحافية مهتمة بالمؤتمر وبموضوعه.... هي صحافية تبادر وتكتب وتعترض وتذهب إلى أرض الواقع وتنقله وتدلّل إلى حيثياته وتؤمن بضرورة نقل المعرفة المجرّدة إلى الآخر... لكن كل هذا بلا سيارة... أي بلا سيارة تقودها بنفسها. جاءت إلى المؤتمر أصلاً لأنها صحافية وتختزن كما يُفتَرض كل ما ورد آنفاً.... لذا حضرت. لكن عقلها وقلبها وهواها كانت مشدودة في ذاك الوقت إلى خارج قاعة المؤتمر وأروقته وهموم الصحافيين والصحافيات وهموم مهنة المتاعب ومخاطرها.... المرأة المحرومة... بل المحرّم عليها أن تتعلّم قيادة السيارة وتقودها في بلدها، قادها عشقها لاستقلالها وحريتها ورفضها الرضوخ لما يُملى عليها أو يُنزّل تنزيلاً على حياتها ومصيرها، قادها إلى شوارع بلاد أخرى حيث يسعها أن تتعلّم قيادة السيارة....

متوترة نعم.... مرتبكة نعم... غريبة الأطوار نعم... عصبية نعم... المرأة كانت تحاول تعلُّم القيادة في أسرع وقت ممكن ومتاح لها... أيام قليلة وتعود إلى حيث كانت، حتى الأمس القريب، قيادة سيارة بيدين أنثويتين خطيئة أو حراماً أو عيباً....

إنّ تعلّم القيادة في حدّ ذاته ليس عامةً بالأمر اليسير والسريع جداً...

حتى المرء الحر أن يتعلّم قيادة السيارة لن يكون في منأى عن الارتباك والعصبية بسبب مشقّة تعلّم أمر ما مهما يكن سهلاً.... فكيف بتلك المرأة المخاطرة والمتحدّية؟ كيف بها وهي التي على رغم مخاطرتها وتحدّيها، كانت حتماً خائفة في سرّها، ليس إلاّ لأنها تقوم بما اعتُبر في بلدها مستحقاً العقاب والإدانة... حتى وهي بعيدة عن مكان تحريم القيادة عليها ثمة خشية وخوف ضمنيان ينعكسان على سلوكها وتصرفاتها أمام زميلاتها وزملائها... الأكيد أنها فُهِمَت على هذا النحو ليس إلاّ لأنها كانت متكتّمة بعض الشيء على أسباب تغيّبها عن مسامرات المشاركين والمشاركات، وأحياناً عن جلسات المؤتمر نفسها.

بلى أعوام كثيرة مضت على مشاركتي في ذلك المؤتمر لكنني لا أنفكّ أستذكر تلك الزميلة التي سُمِحَ لها أن تكون صحافية درست في كلية الإعلام، أن عملها الصحافي إنما هو" البحث عن الحقيقة" وقيادة الناس إليها.... لكنها في المقابل ممنوعة من قيادة سيارة! وكيف نتوقّع من تلك المرأة أن تكون مرتاحة في جلدها وهادئة وأنيسة؟ مجرّد تحظير القيادة عليها، إنْ لم نُثِرْ مسألة اللباس المفروض عليها وجملة القيود الأخرى التي تتحمّل وزرها، كافٍ لامرئ عاقل كي يتفهّمها ويهضم شخصيتها المأزومة، ليس إلا بفعل عوامل وأسباب خارجة على إرادتها وقاهرة إياها.

إلى الآن، وفيما يبدو التحظير الآنف الذكر آخذاً طريقه إلى الزوال وإنْ على مراحل، ولو بـ "شروط وضوابط"، ينتابني تعاطف هائل مع تلك المرأة، ولكن مشوباً بغضب عارم أيضاً.

السيارة منذ اختراعها نعمة حلّت على البشرية جمعاء كي تتيح السفر والتنقل للإنسان سواء في أوقات عمله أو ضيقه أو نزهاته. لقد قلب هذا الاختراع في حينه موازين الحياة الاجتماعية والاقتصادية رأساً على عقب ومنح الإنسان احتمالات وهوامش إضافية رحبة لحياة أكثر حيوية وطواعية وسهولة، وتالياً أكثر إنتاجية وتطوراً ورفاهية وراحة.... الاختراعات يحرزها عظماء وأذكياء وباحثون وعلماء، وهي تصير إثر حدوثها ملك البشرية جمعاء.

أيّ اختراع مماثل لاختراع السيارة ليست ثماره  حكراً على رجل أو امرأة... إنه لهما على حدّ سواء... حقهما الطبيعي في استخدامه والإفادة منه وتوظيفه لخدمتهما وتسهيل حياتهما في جوانبها كافة.... فكيف وبأي حقّ يأتي من يقول أنّ للرجل وحده الحقّ والسلطان لقيادة سيارة والتنعّم بفوائدها حين أنّ المرأة لا شأن لها إطلاقاً بالسيارة وقيادتها، وتالياً لا حق ولا فرصة لها للإفادة منها كما يفيد الرجل.... إذا كان الأمر كذلك حقّاً فلمَ أيضاً لا تُحجَب الشمس أيضاً عن النساء، ولم لا يغطّى القمر بستار حديدي كي لا يرينه أو يتمتعن بالنظر إليه؟ ولم أيضاً لا يكون الهواء حكراً على ذكور هذا العالم دون سواهم؟ ولم أيضاً وأيضاً لا تكون البحار والأنهار والينابيع والسهول والأشجار والزهور والعصافير برمتها لرجال هذا الكون؟! أما النساء فتُحرّم عليهنّ أيضاً وأيضاً هذه بأسرها؟ ولمَ لا تُجيّر الابتسامة للرجل وحده دون سواه؟ ولم لا تغطّى حتى عينا المرأة بـ "الخمار الأسود" فيصير مشهد البشرية كلّها في مرمى نظر الرجل وحده... وحده... وحده...

حتماً ما تقدّم مبالغات سوريالية ذات فكاهة سوداء فرضها سياق تناول الموضوع، لكنه في بعض منه مشروع لطرحه ولو مجازاً، كنتيجة لعبثية بعض الطروحات الجازمة بأحقية الرجل في أمر ما فيما يُحكَم بحرمان المرأة منه، حين أن هذا حقها الطبيعي والشرعي، تماماً كما هو حق الرجل، ولا فرق على الإطلاق يجيز أو يعلّل أو يبرّر حرمانها هذا الحقّ... إلا طبعاً وحتماً ما أجازه الرجل لنفسه عبر القرون، وهنا تحديداً العربي، من تحليل وتحريم وتحكّم بحياة المرأة ومصيرها وتسلّط مقزّز تارةً ومرعب طوراً على حقوقها في أبسط وجوهها.

في أي حال ليس سلوك الزميلة الصحافية خلال المؤتمر في تلك الأثناء سوى واحد من المسامير الكثيرة الكثيرة المتراكمة مع مرور الأعوام الطويلة الماضية والتي تضافرت من هنا وهناك، سواء من جانب نساء جريئات واعيات ومتنورات أو من جانب رجال أيضاً جريئين ومتنورين وواعين، كي تُدَقّ جميعها في نعش تحريم قيادة السيارة على المرأة. لم يكن سوى مثابة "لا" صرخت بها خارج بلدها، على غرار تشكيل ثورة أو حكومة أو جمهورية في المنفى، حين الأمر مستحيل في البلد الأصيل. لا قالتها وجسّدتها على طريقتها وطبعاً لا بدّ كان ثمة لاءات قوية أخرى مماثلة في ذلك الحين وقبله وبعده... ولا ننسى في هذا السياق البادرة الجبارة التي كانت قامت بها مجموعة سعوديات إذْ تجمّعت سبع وأربعون امرأة وشابة سعودية وقدن سياراتهن في موكب جماعي في الرياض العام 1990، فقوبلت خطوتهن الريادية تلك "بهجمة عنيفة بلغت في جانب منها حدّ المطالبة بقتلهنّ لقيامهنّ بفتح باب فتنة بتأثير من الغرب".

ختاماً ثمة أمل بأن تمسي "تحريمات" أخرى مماثلة، خاصة في حق المرأة، ماضياً بالياً لا يتذكّره أحدٌ إلا حؤولاً دون تكراره.

............................

عن مجلّة الأسبوعية العراقية     

 

 

 

   

 

 

 

 

  

 

 

          

 

 

للتعليق على الموضوع

 
 

postmaster@jusur.net

 

Bookmark and Share

 

أهلاً بكل قلم.. أهلاً بكل رأى.. لنجعل الحوار جسراً للتلاقي