Bookmark and Share

عودة إلى جسور

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

1

خريف فيينا الأخضر !

درجة الحرارة على شاشة هاتفي المحمول كانت "2" تحت الصفر، تَساقطت كل أوراق الشجر تقريباً، نحن في نهاية فصل الخريف، على غير العادة تَجلّت الشمس بنورها على مدينة فِيينا خلال عطلة نهاية الأسبوع "يوم الاحد"، يوم مُفضل ومُحَبب للجميع، فيه تكون الشوارع خالية من المّارة، المحلات التُجارية مغلقة، يوم مُخصص للعائلة. ربما لذلك اختارت الحكومة النمساوية "الرابع من ديسمبر" ليكون يوم إعادة إجراء المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بعد أن قررت المحكمة الدستورية إلغاء نتائج الانتخابات في مايو الماضي، وذلك بعد الطعن بوجود مخالفات كثيرة في عملية فرز بطاقات الاقتراع المرسلة من خلال البريد.

أثارت الحملات الإنتخابية لرئاسة النمسا "2016" جدلاً واسعاً، لايقل شيئاً عما شهدته انتخابات الرئاسة الامريكية قبل صعود المرشح الجمهوري "دونالد ترامب"، الذي عُرف بلهجته المتطّرفة، وصول "ترامب" إلى البيت الأبيض، آثار الدهشة، كانت مفاجأة غير متوقعة لدى الكثيرين. المنافسة شيئ مشروع، فالسياسية لا تَعرف الخط المستقيم، إنها منظومة تعتمد على استخدام كل الطرق والأساليب للوصول إلى الهدف.

ليس من الضروري أن نتطرق إلى الهجمات الشديدة التي بدأت منذ سنة تقريباً بين خصمين شديدين، ومرشحين متناقضين تماما "الكسندر فان دير بيلن" عن حزب الخضر المستقل "Grüne Partei"، و"نوربرت هوفر" عضو حزب الحرية "FPÖ" حول قضايا هامة وفارقة منها على سبيل المثال: قضايا اللجوء، الهجرة الغير شرعية، نسبة البطالة المتزايدة، وكذلك التعصب الذي تتعرض له الأقليات. رغم كل التوترات والقلق من التطور الصادم والضربة العنيفة التي تعرضت لها الديمقراطية في أوروبا بعد أن نُقلت سُلطة القرار السياسي إلى بروكسل، سارت العملية الانتخابية بيسر وسهولة، واختار الشعب النمساوي بالعقل والحكمة وليس بالعصبية والتهور رئيساً لهذه المرحلة.

صعود مرشح يَميني متطرف ليس جديداً على أوروبا، فقد اختار الشعب الألماني "أدولف هتلر" سابقاً، ثم عانت أوروبا بعدها لفترات طويلة، إنّ تكرار مثل هذه الظاهرة أمر وارد في أي وقت. الفجوات الاجتماعية التي نشأت في الفترات الأخيرة، والخوف من المجموعات الكبيرة المهاجرة إلى أوروبا بعد ثورات الربيع العربي، أدت إلى بروز الكثير من الصراعات منها صراع الهوية. يدعم هذه التيارات فئة ليست بالقليلة بين الشباب، يحملهم إلى ذلك الخوف من المجهول! أما عن فئة المتقاعدين، فالأمر يتعلق فقط بمسألة الرواتب ونقص المعاشات، هذه الشرائح تشعر الآن بعدم المساواة  "مادياً"، بعد دخول ما يقرب من 20 ألف من اللاجئين إلى النمسا، أدى ذلك إلى مايعرف "بصعود المشاعر القومية المتطرفة.." والتى بدأت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ومن أبرزها صعود واضح لليمين المتطرف، وتعصبه ضد الأقليات والأجانب، هذا قد يحول النمسا لاحقا إلى دولة قومية لا تتناسب أبدا مع المعايير الأوروبية القائمة.

لذلك رافق الانتخابات النمساوية ترقب وحذر شديد في أوروبا، كان الخوف من أن تؤدي لفوز اليمين المتطرف، مما قد يعطي زخما قويا للأحزاب الشعبوية والعنصرية في أوروبا، وخصوصا في فرنسا وألمانيا وهولندا. التعصب والعنصرية لا دين لهما، فكلنا عنصريين بشكل أو بآخر.. لكن كيف يقنن النظام والدولة هذا التعصب!؟ هذا هو لُب القضية. لقد وعي المجتمع النمساوي بأن نجاح "هوفر" الممثل عن الحزب اليميني المتطرف FPÖ سوف يتعلق بالتغيير الجذري الذي يطرأ على المنظومة السياسية في أوروبا، وقد يُدخل النمسا ودول الجوار في مرحلة جديدة ربما أكثر خطورة.

لم أكن متخوفاً كـ بعض الأصدقاء من فوز حزب بعينه، وجود نظام وكيان دستوري يحمي الفرد وحقوق المواطنين في بلد "neutral" لا تتدخل فيه أي صراعات على الساحة بعد مأسأة الحرب العالمية الثانية، يعطي شيئاً من الطمأنينة. مما لا شك فيه أن الأمور والقوانين قد تتغير على المدى البعيد، فهذا أمر طبيعي، لا شئ ثابت على الإطلاق. حتى أنّ الأحزاب الأخرى مثل "الحزب الاجتماعيSPÖ ، وحزب الخضر GRÜNEN وغيرهما "حدثت بعض التغيرات في سياستهم حتى لا يَخسروا الشعب.

لا نستطيع القول أنّ الجميع يتجه إلى اليمين.. لكن متطلبات الشعب حتى لو من قِبل المعارضة فهي محل فحص ودراسة وتغير.. يظل الاختيار هنا للأكثر تحيزاً إلى الوسطية والاعتدال، ومراعاة حقوق الجميع سواء نمساويين أو أجانب.

خرج من الشعب النمساوي نحو 6.4 ملايين ناخب من إجمالي 8,5 مليون تقريبا توجهوا إلى صناديق الاقتراع، وبدأ الإدلاء بالأصوات عند تمام الساعة السابعة صباحا، سارت الانتخابات في هدوء وانتظام بدون شعارات ولا تهليل كما نرى في دولنا العربية، مواطنين يعرفون حقوقهم، ودول تعرف وتُقّدر قِيمة الفرد. الدعاية والإعلانات، اللقاءات والبرامج كانت كافية ليعرف المواطنين كل مرشح وحزبه، والأهم من ذلك برنامجه الانتخابي.

لست نمساوياً حتى يحق لي التصويت في هذه الانتخابات، خرجت لكي أشاهد هذه العملية الديمقراطية الصعبة والسلسة في نفس الوقت. كل مغترب يعيش في النمسا يخاف عليها ويشعر أنها وطنه. ربما لأننا مازلنا نفتقد الديمقراطية في بلادنا.

لم يكن للخطاب الديني داخل الكنائس صوت، لا يوجد ترهيب ولا ترغيب بآيات الإنجيل، لم يكن لشنطة المرشح "السكر والمكرونة" مكان، لا توجد مبالغ مادية تدفع لاختيار مرشح بعينه، لا أحد يمارس عليك سلطة التصويت ولا فرض مرشح بعينه، فقط العقل، هو من يمارس سلطته، العقل الناتج من القراءة.. شعب لا تستطيع السيطرة عليه - شعب يقرأ - في المواصلات، في الطرقات في الحدائق، في المكتبات.

لقد اُسدَل الستار على اختيار رئيس دولة قوية ومؤثرة.. وقالت النمسا كلمتها "لا" لمرشح حزب الحرية FPÖ "نوربرت هوفر"، وأظهرت النتائج أن "فان دير بيلين" زعيم حزب الخضر GRÜNEN سجل تقدما في العديد من الدوائر، وكسا اللون الأخضر فيينا، بنسبة 53.6%  من الأصوات، مقابل 46.4% لنوربرت هوفر، مرشح حزب الحرية FPÖ الذي ينتمي لليمين المتطرف. نسبة ضئيلة، لكن جعلته يُقر بهزيمته، وقال كلمته للتلفزيون العام "أرغب في تهنئة فان دير بيلين بهذا الفوز".

قوبلت تلك الهزيمة بارتياح واسع في أوروبا. وتنفسنا الصعداء جميعاً.. أتوقع أن هزيمة اليمين المتطرف في النمسا سيكون لها تأثير في أوروبا كلها، خاصة في الانتخابات المقبلة في فرنسا وألمانيا، ربما ستمنع وصول اليمين المتطرف في فرنسا إلى السلطة.

لكن ينخدع من يظن أن هزيمة اليمين تعني دحرا نهائيا له في أوروبا، إن خطر هذا اليمين لم ينته بعد.. والدليل على ذلك أن نتائج الاستفتاء في إيطاليا تؤكد أن الشعبويين ما زالوا أقوياء، وأن نمو اليمين لن يتوقف خاصة في فرنسا وألمانيا. اليمين في النمسا يختلف تماما عن اليمين في فرنسا، لا يوجد بين الحركات اليمينية في أوروبا ترابط موضوعي، وذلك لتعلق النمساويين بالاتحاد الأوروبي، أما الفرنسيون فهم غير متعلقين به. المشكلة تبدو واحدة ، كما في العراق ومصر وسوريا وليبيا.. الخ، مواجهة الفكر ليست أمراً سهلا. كما صرح في وقت سابق، ألكسندر فان دير بيلين بأن الأمر يتعلق "بالاتجاه الذي ستسلكه النمسا، كيف نرى مستقبلنا وكيف نريد أن ينظر إلينا العالم؟".

 

2

 

خناجر في ظهر الوطن

 

"انت يا رب عرفت. اذكرني وتعهدني وانتقم لي من مضطهديّ. بطول أناتك لا تأخذني. اعرف احتمالي العار لأجلك".

هذا لسان حال كل من قتلوا ظُلماً وغدرا أو بصورة عشوائية، في أحداث الكنيسة البطرسية.. طوبى لشهداء الوطن "المصريين" في كل مكان ومن كل الديانات، لهم رحمة ومغفرة من الله، ونسأله أن يسكب سلاماَ ومحبة على أرض مصر كلها.

بعد ما شاهدناه من أحداث في الفترة السابقة، وأخيرا أحداث الكنيسة البطرسية، لم يعد الألم أمراَ يتعلق بالجسد، بل أحزاناً تسببت في شرخ عميق بجدار الروح، خناجر تطعن في جدار الوطن كلما طاب أو التأم أخشى أن لا تُنسى وتظل محفورة داخل قلوبنا جميعاً.

إنفجار قنبلة في بيت من بيوت الله، لا يَمت بصلة لأي ديانة، ولا للانسانية بشيء. لست بصدد اتهام أحد بعينه، فمازالت هناك تحقيقات نأمل أن تتوصل إلى من كانوا وراء هذا الحدث المفجع والمؤلم لكل إنسان يعيش على أرض مصر المحروسة. مصر التي مّر على أرضها الانبياء، كليم الله موسى "عليه السلام"، وكلمة الله عيسى "عليه السلام" "إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ"، عيسى عليه السلام كلمة من نوع خاص، ألقاها إلى مريم فسارت سرا ـ روحٌ منه ـ  ونبياً، كنبي الرحمة "محمد" عليهما وعلى آل بيتهما الصلاة والسلام. بدل أن نفرح بمولدهما في هذه الأيام، تقاسمنا الحزن جميعا.. هذا أسوأ ما ابتُلينا به، مجموعة تعتقد أنها بهذه الافعال الخسيسة تتقرب إلى الرب.

الأمر ليس بعيدا عن ثالوث جد خطير، أوله: الجهل، الفوضى وغياب الأمن والأمان، وتأجيج الاحتقان الطائفي بين المسلمين والمسيحيين من فترة لأخرى، ثالوث يشعل نيران ضخمة وخطيرة، إن لم ننتبه لها ستهوي بمصر إلى متاهات لانهائية. هناك أحداث ملتوية تهدف لتفجير وتفكك النسيج الواحد وإصابته بفيرس الفتنة الداخلية، التي إن استمرت فلن يكون هناك فارق بين لغتنا ولغة الحيوانات.

إن الأمر يتطلب سرعة عزل ومعاقبة كل من يتورط في فساد مصر سياسيا واجتماعياً، والضرب بيد من حديد والتصدي لكل من يريد بمصر السقوط في الهاوية. ما يحدث الآن هو عنف ضد أبرياء مسالمين، مرحلة خطرة في عمر مصر نأمل أن لا نصل إلى العنف الكامل، لأننا إذا وصلنا إليه لن ندرك سوء العاقبة.

إن الفوضى تشكل إحدى الإغراءات الكبيرة والباهرة للفكر البشري.. لا يوجد اختلاف بين الفوضوي والمتعصب أو المتدين بدون فهم صحيح وتطبيق فعلي لواقع الدين، كلاهما يؤدي للعنف.. والعنف هي اللغة المشتركة التي تجعل كلا منهما يقول "إني أثبت ذاتي ضد الجميع وضد كل شيء" وكلاهما نسى أن إثبات الانسان لذاته يكمن بقبول الواقع.

الفوضى يدفع ثمنها الكثير من أبناء الوطن الغالي،  هي ليست سوى فعل أناس يعبثون بالمقدسات ويريدونها فتنة ونار في ظل غياب الأمن، الذي يعتبر الضلع الأهم في كل زمان ومكان، غياب الأمن يهدد ويعطل مسيرة الإصلاح. وعدم إدراكنا لهذ الخطر سيؤدي إلى كثير من الأحداث الشبيهة بأحداث مشابهة.......، بل أشد عنفا وتفرقة وتقطيعا في جسد الوطن، والخوف كل الخوف من ثورة "شعب ضد شعب" تحرق من غير حساب!

إن صياغة الواقع تكمن في التفاعل بين جميع الأطراف في المجتمع، مسلم، مسيحي، وحتى الغير ديني. التفاعل الذي من خلاله نُعمل العقل لنصل إلى الأحلام والأهداف.. فنحن نتشكل على مدار الوقت بما نصنع وهذا هو العنصر المبشر في جنس البشرية. إن صياغة الواقع في الأساس هي عملية لا يمكن فهمها دون تفاعل نسيج المجتمع بأكمله. وحدنا نستطيع أن ندع الخلافات تموت بدلا منا.. كما نستطيع أن نهدم أي محاولات وأي مخطاطات مندسة بتقبل الآخر من خلال تغير الخطاب الديني المتشدد، بالنقد البناء.. ونبذ النقد العنيف الذي لا يزال يستخدم حتى الآن.     

فطوبى للشهداء ولذوي الشهداء ولشعب الشهداء.

 

3

الشمعة المقدسة

لا يليق بها يوماً واحداً

"أياً كان ما تعطيه للمرأة، سوف تصنع منه الأعظم. إذا أعطيتها حيوانات منوية سوف تنجب لك طفلاً.. إذا قدمت لها بيتاً سوف توهبك وطناً.. إذا اشتريت لها البقالة سوف تعطيك وجبة عذاء.. إذا منحتها ابتسامة سوف تهديك قلبها. المرأة تُضاعف كل ما يُعطى لها. لذا، "إذا ارتكبت معها أي حماقة كُن على استعداد لأن تتلقى منها طناً من القرف"! (ايرك جراي)

مازال البعض يعتقد، وخاصة، في مجتمعات العالم الثالث أنَ المرأة ناقصة عقل ودين! وأنها قاصرة وغير مؤهلة لبعض الوظائف.. إنهم لا يفهمونها جيداً، أو ربما يفهمون ويخشون الحقيقة والمواجهة. وفي المقابل نجد نساء يكافحن من أجل المساواة مع الذكور، بالرغم من أن قدراتهن وإمكاناتهن الأعلى منهم، فكما يعتقد "وليم جولدن" أن: المرأة الحمقاء هي التي تطلب المساواة مع الرجال، فهي دائماً أعلى من هذه المساواة!

يميل الرجال إلى أن يكونوا، بصورة واعية أو غير واعية منحازين لنوعهم، الأمر الذي يجعلك تصطدم بكثير من الأفكار الظلامية، حين تقرأ كيف كانت ومازالت ثقافة العالم الثالث في التعامل مع المرأة، حيث تحرمها حق التعليم، والمناصب العليا، والإرث أحيانا، شعوب تعيش في وحل الجهل. 

ولعل الأمر يتعلق بالاتساق الداخلي وصفاء النفس والتخلص من العقد النفسية تجاه "البنت". وعلمنا أبي وأمي درساً واقعياً وحقيقياً في ذلك، حين تمردا على تقاليد وأعراف، ربما لأول مرة في تاريخ الصعيد والغالبية العظمى من المصريين والعرب، حين اتفقا على توزيع الميراث بيننا بالتساوي لتأخذ أختي مثلما أخذت أنا وأخواني الذكور. فكما كان يعاملها أبي في حياته، استمرت المعاملة الراقية بعد رحيله، كأخوة متساويين في الحقوق والواجبات بعيدا عن كونها أنثى ونحن ذكور، أي كإنسان كامل الأهلية.

ولا يمكن إنكار تحسن وضع المرأة خلال السنوات الماضية لكن مازالت هناك فوارق صارخة إلى يومنا هذا. في التاريخ الفرعوني تجاوزت المرأة المصرية هذه المكانة الهشة التي عليها الآن، حتى وصلت إلى درجة التقديس، كانوا يعرفون قدرها ومكانتها، ظهرت المرأة الإلهة إلى جانب الآلهة الذكور، بل إن آلهة الحكمة كانت في صورة امرأة، فـ "إيزيس" كانت رمزًا للوفاء والإخلاص.. "ماعت" كانت إلهة العدل.. "حتحور" إلهة الحب. شغلت المرأة الوظائف الدينية ودخلت في العديد من ميادين العمل المختلفة، وشاركت في جميع مناحي الحياة، وكانت تحضر مجالس الحكم حتى رفعت إلى عرش البلاد ومنهن كليوباترا وحتشبسوت وحتب أم الملك خوفو.

مع التمزق البطيء لستار الجهل أصبح للمرأة عيداً وللأم عيداً، نحن في حاجة ماسة إلى الاعتراف بحقوق المرأة ودمجها بصورة أفضل في المجتمع لنحصل على القدرة الكامنة المنتجة للنساء، لا بأس من أن ننطلق من مثل هذه المناسبات لتكون رمزًا للتفتح والصفاء والمشاعر الجميلة للمرأة الأم والأخت والحبيبة.. على الرغم من أنني مازالت أتساءل: كيف نحتفل بالأم؟ عندما كنت صغيراً كنت أعتقد أنَ أمي "نصف إله" وأبي هو "النصف الثاني".. كنت لا أعرف سواهما، اللذان يأتيان بكل شيء أريده لي ولإخوتي الأربعة.. وبمنطق العقل الطفولي، كيف يرضي الإنسان إلهه؟ كيف يرد له جزءا من عطائه؟ إنه أمر صعب أنَ ترد الجميل أو حتى جزء منه لمن كانوا سبباً في وجودك! يوم واحد.. سنة واحدة.. دهر كامل، لا يكفي.

حكايات كثيرة لأمهات ذقن المُر وتحملن صعاب يخشى منها معظم الذكور حتى وصلن بأولادهن إلى الأمان، فمثلا هل يكفي يوما للاحتفال بامرأة تركها زوجها لأي سبب فكافحت وحرمت نفسها وكرست حياتها من أجل أولادها حتى تراهم "أحسن الناس"؟ أنا ممن يرفضون فكرة اليوم الواحد، بل كل أيام العمر لا تكفي للاحتفال بالأم.. الأمهات الشمعة المقدسة التي تضيئ لنا عتمة الحياة.

 

4

الوجه الآخر للحياة

 

رغم كل القصائد، والكتابات والأحاديث التي تناولت الحب، إلا أن المسافة بين الناس تزداد، ويزداد معها الكراهية والقتل والحرب! 

أثناء العودة إلى منزلي في فيينا "المدينة التي نالت هذا العام الترتيب الثامن كأجمل مدينة على مستوى العالم من حيث جودة الحياة"، دخل من الباب الخلفي لـ "الترام" ثلاث بنات صغيرات تتراوح أعمارهن مابين العاشرة والخامسة عشر، إحساسهن بالحرية والأمان جعلهن يتسمن بالثقة، يضحكن بصوت عالٍ، قلوبهن الصغيرة تغمرها الفرحة والحب، يتكلمن بتلقائية فائقة دون خوف من متحرش أو نظرة ذكورية مريبة، ترتدين ملابس نظيفة و"إكسسوارات" أنيقة، تعلو البسمة وجوههن وتحملن في قلوبهن آمال المستقبل.

جلست إحداهن على الكرسي المقابل لي، تحمل ملامحهن أصولا عربية لكن لا أعرف من أي دولة، فالنمسا بلد جميل يبدو كطوق نجاة لكثير من الهاربين من جحيم الحكومات المستبدة.

وقعت عيناي على يد إحداهن، فرأيت على أظافرها لوحة فنية جميلة من "المانيكير". لا يبدو على الفتاة أنها ذاهبة إلى حفلة أو عائدة من سهرة، ما لفت انتباهي شكل وكمية الألوان والنقوش المستخدمة ما جعلني أتساءل: كم استغرقت هذه الفتاة من الوقت والمال لعمل كل هذا؟ الذين يقومون به في أوروبا مختصين يحتاجون إلى مدارس وتدريبات عملية، فهي مهنة ووظيفة لها شروط ومتطلبات لذا أظنها مكلفة حتى على المستوى المادي. وبالرغم من أنني على المستوى الشخصي، لا أحب تركيب الأظافر والرموش الصناعية بل أحب أكثر ما هو طبيعي دون مبالغة أو تشويه، لكن في النهاية كل إنسان حر طالما أنه يستمتع بحياته دون أن يتعدى على حرية الآخرين.

لكن وجدتني أفكر في موت الأطفال في مجتمعاتنا من الفقر. هنا دول ومجتمعات وفرت الأمن والأمان والتقدم والحرية والرفاهية وسبقتنا بمئات السنين. مازالنا نعيش في غيبوبة لم نفق منها، قد يغضب مني البعض مردداً بفخر: "إننا نمتلك حضارة آلاف السنين، نحن من صدّرنا للغرب التقدم والعلم.. الخ"، لكن علينا أن نعترف أن حاضرنا مخزي ومحزن.. الحضارة هي أن نواكب العصر.. أن نقدم للبشرية الجديد والمفيد.. أن تحمي نفسك بسلاح العلم والمعرفة.. أن نستمتع بالحياة دون خوف.

اقتربت محطة وصولي للبيت، نزلت من "الترام" وتركت الفتيات يضحكن ويتحدثن بلغة غير لغة بلادهن الأصلية وهوية غير الهوية. في طريقي قابلت إحدى الصديقات، ألمانية تسكن معي في العمارة نفسها، كلما رأيتها تنتابني مشاعر متناقضة، قالت لي ذات مرة: أقصى أمانيّ أن أحصل على عمل جيد وراتب أستطيع به شراء طعام جيد من سوبر ماركت فاخر يقع بجوارنا في الحي الذي نسكن فيه". من حق كل إنسان أن يعيش ويحلم كما يريد مهما كان الحلم تافها في نظر الآخرين، لكن حين أتذكر هذه الآمنيات تحاصرني بعض المشاهد لأشخاص رأيتهم يأكلون من صناديق القمامة فقط ليخففوا ألم الجوع.. للحياة أوجه كثيرة مختلفة ومتناقضة أحياناً!

وصلت البيت وجلست لمتابعة الأخبار على "الفيس بوك" الذي أصبح نافذة هامة لكثير من البشر وفي كل المجالات، بل أصبح مرآة فاضحة لكل المزيفين ومساحة شاسعة لـ"الحرية"، نكتب، نتعارف، نتحدث عن الحب والحرب وبرغم كل القصائد وأحاديث الحب، إلا أن المسافة بين الناس تزداد ويزداد معها الكراهية والقتل والحرب! مجازر تضعنا كـ جنس بشري في موضع الإدانة. إننا أمام لغز كبير مهما حاولنا لن نستطيع فهمه، الحياة تحولت إلى دماء سائلة في كل مكان، صراع أتمنى أن ينتهي قريبا لا أعرف كيف!

 

 

 

 

 

 

   Alifarghly.1980@gmail.com راسلوني