عودة إلى جسور

  1   

رسائل الكترونية

 

الرسالة الأولى

 

تلقيت على عنوان بريدي الإلكتروني رسالة من صديق عزيز يهنئني فيها بالعام الجديد 2008 ضمنها عتابا مسبقا رقيقا أبدى فيه خشيته من احتمال تأخري في الرد على رسالته الوحيدة التي تلقيتها منه طوال العام المنصرم، وإن كان قد عبر عن أمله في أن يكون المانع في حالة التأخير خيرا، ثم ضمن رسالته القصيرة سؤالا منه عن كيفية قضائي ليلة رأس السنة في فيينا عاصمة الثقافة والفنون والجمال، على حد وصفه لمدينتي الحبيبة.

و ها هو ردي على رسالة صديقي العزيز:

 

الصديق العزيز.....

 

مع بداية عام آخر جديد يسرني أن أبعث ردي الفوري على رسالتك الوحيدة التي وصلتني في العام الماضي، وها أنت تتلقى ردي عليها في العام الجديد. لذلك أرجوك المعذرة مع أملي في تعدد رسائلنا في المستقبل. ومن يدري فلعلنا نلتقي هذا العام، كما التقينا قبل عامين بعد غيبة طالت كثيرا لتتم أعواما ثلاثة كاملة.

إن بداية عام آخر جديد تعني لي دائما بداية أخرى جديدة للمجهول الذي يتجدد ويتواصل كتواصل دقّات الساعة؛ فلا تكاد تدق الثانية الأخيرة في اليوم الأخير لآخر شهر من السنة ـ بغض النظر عن اسم وهوية التقويم ـ حتى تعقبها دقّة أخرى لثانية أخرى من يوم آخر، في شهر آخر، بداية لعام آخر درجنا على أن نطلق عليه لسويعات قليلة "عاما جديدا". فما أقرب القديم للجديد، والدّقة للدقّة... بل ما أشبه الأشياء! أليست تلك الأشياء كلها بشائر لتواصل واتصال المجهول القادم؟!

أما الإنسان يا صديقي العزيز، فيحاول دائما أن يبدأ مواصلة رحلته مع المجهول الزائر ليلة بداية العام الجديد بداية مفتعلة متكررة لا تخلو من المبالغة؛ ضجيج صاخب، أنوار وأضواء يطلقها نحو السماء البعيدة العالية المتعالية، وكأنه يرجوها ويسألها أن تبدد بعضا من ظلماتها، ليستكشف بما أطلقه من أنوار وأضواء ـ قبل أن تذوب في الفضاء ـ بعض أركان ذلك الغيب الواسع الفسيح القابع تحت أجنحة ذلك المجهول الغامض.

بل لعل الإنسان بما يطلقه من قذائف وصواريخ مشتعلة مضيئة يتمنى لو أيقظ الكون الممتدة أطرافه من سباته الموحش، أو قل من صمته المريب، ليته يكشف لنا مواقع أقدامنا مع بداية أخرى جديدة لعام آخر جديد، وكأننا نطفئ أنوار الأرض لنبحث عنها بين أركان الكون الفسيح.

نعم، إن رحيل عام ومقدم آخر يعني أننا قد عشنا عاما آخر يضاف إلى أعمارنا، وربما لا تكون تلك الضجة التي نحدثها مع نهاية كل عام سوى تعبيرا عن فرحتنا بالقادم الجديد لبقائنا أحياء. ولكن، ألهذا الحد نخاف الموت ونخشاه؟ إن سألتني إجابة عن سؤالي هذا لأجبتك بنعم، لأن المرء منا يكره المجهول، وما الموت سوى البداية "الرسمية" الوحيدة المؤكدة لدخول الإنسان إلى عالم المجهول. إن وجودنا أحياء على ظهر الأرض ـ حتى ولو بدون دور إيجابي يذكر ـ يبقي على انتسابنا للكائنات "الحية". وهذا في حد ذاته سبب كاف للعديد من البشر كي تقرّ أعينهم حين يهجعون إلى مضاجعهم، وعندما توقظهم أنوار شمس يوم جديد.

إن خوف الناس من الموت يزيدهم تمسكا بالحياة، ربما مع جهل الكثيرين منهم لقيمتها ومعناها، ورغم افتقار البعض لدور يؤدونه. لذلك تجد أغلب الناس يحتقر ويمقت المنتحر منهم لأن من ينتحر يفضل الموت على الحياة، بل إنه يلجأ إلى المجهول فرارا من المعلوم والمعروف. نعم إنه بانتحاره يهرب إلى ظلام المجهول بعد يأسه من نور الحياة، مع أن الإنسان بطبيعته يخشى الظلمة ويقاومها، ولا يستسلم  لها إلا بعد أن يغلق عينيه، حيا في فراشه، أو ميتا في قبره. لذلك يرى الكثيرون منا في المنتحر عدوا ارتكب جرما كبيرا في حق الأحياء، لأنه عقد حلفا مع عدوهم، الموت، ضد معشوقتهم، الحياة. ولولا خشية الأحياء على حياتهم لما واروا جثة المنتحر في التراب.

ولو أنصف المرء، لآمن بأن الحياة والموت طرفا حبل الوجود، نمسك عند مولدنا بطرف، ونترك الآخر عند رحيلنا عن عالم الأحياء. ومع ذلك فمن الناس من يموت حيا، أو يحيا ميتا، إلا أن الاثنين لو خيرا لحبذا الخلود أحياء، حتى ولو بعد الموت. وإلا لما أبدع الإنسان  الفنون والصناعة، كي يحيا ميتا بين الأحياء. فالموت والحياة إذن متصلان اتصال الليل والنهار، وهذان الخيط الذي يفصلهما ويربطهما ـ  في نفس الوقت ـ ذو طرفان؛ الأسود في ناحية، والأبيض في الناحية الأخرى، تماما كطرفي حبل الوجود، الموت والحياة.

هذا التواصل الطبيعي بين الليل والنهار، لا يختلف إذن عن تواصل آخر ثانية في العام الراحل بأختها التي تبدأ اليوم الأول الجديد من العام المقبل الجديد، إنها دقّة لثانية واحدة بعد منتصف الليل نقول بعدها: "اليوم، وأمس"، أو لنقول عن عزيز لنا مات بعد أن كان حيا. كذلك فإن انتصاف الليل يوشي باقتراب النهار، كما يوشي انتصاف النهار ـ على طوله ـ باقتراب زحف الليل الذي ما يلبث أن يرحل من جديد، وهكذا تدور بنا الأيام.

حتى العقائد على تنوعها واختلافها قد اتفقت على أمر واحد يجمعها، وهو الموت، فلا توجد عقيدة واحدة تنكره، لأن الموت لا يسأل ولا يستأذن، بل هو فرض على كل من ذاق للحياة طعما. فالديانات والعقائد لا تنكر الموت لأنها لا تقدر على ذلك، لكنها ربما تختلف على معناه ومغزاه؛ فبعضها يرى بالموت انقطاعا تاما عن كل ما هو حي، وبعضها يرى فيه انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر ـ تناسخ الأرواح ـ، والبعض الآخر يرى فيه مرحلة انتقالية تسبق حياة أخرى في عالم آخر وتحت ظروف أخرى.

الاختلاف الأبرز إذن هو في مكانة الحياة في نفوس البشر، فمنهم من يوليها النصيب الأكبر من حبه واهتمامه على أساس أنها الحقيقة الوحيدة الملموسة، وما عداها ـ أي مرحلة ما بعدها من موت ـ  ضرب من الخيال والغيب، ومنهم من يعرض عنها طمعا في الحياة الآخرة، والقليلون منهم من يعملون على الإمساك بالعصا من منتصفها.

لكن أمرا واحدا يبقى القاسم المشترك بين مختلف أنواع البشر، وهو الخوف من الموت، حتى مع الإيمان بالقيامة كحقيقة، ذلك لأننا نرى في الموت هزيمة للحياة.

الصديق العزيز!

شاءت الأقدار أن تكون رسالتك دافعا لي إلى الكتابة في أمور تشغلني كلما اقترب عام من الرحيل، وأن تكون أنت أول من يتلقى خواطري. أهي الأقدار ؟ أم الصدف؟ ولعلك تعلم أن الكثيرين لا يؤمنون بالقضاء والقدر، مع أنهم يعتقدون في الصدفة، ويسلمون بوجود المجهول. أو ليست الأقدار سوى ما نجهل، أو ما يأتينا دون ترتيب منا، أو سابق توقع؟! فكلانا مثلا يتوقع انتهاء عام وبداية آخر، لكننا لا نعرف إن كنا سنشهد تلك اللحظة، فقد تشاء الأقدار أن يتصادف مولد العام الجديد مع بقائنا أحياء. فالقدر والصدفة مسميان لمجهول واحد.

إن من يتدبر قوله تعالى في الآية 12 من سورة الإسراء:" وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب، وكل شيء فصّلناه تفصيلا"، وجد أن إحدى الحكم من تعاقب الليل والنهار هي أن يسأل الأحياء الله بعضا من فضله، أي بعضا من خير ما قدر لنا ، وأن يعيننا على يومنا، ويحيي الأمل في نفوسنا وقلوبنا نحو الغد. فالزمن هو وسيلة لقياس وتحديد مدى ما خطونا في أمسنا، وما نخطوه  لتونا، وما قد نخطوه غدا ـ إن قدر لنا ـ نحو ما لا نعرف.

والآن أستودعك الله يا صديقي العزيز، فقد اقترب ليل العام الراحل من الانتصاف، وإن كان العام الجديد قد بدأ عندك قبل نحو ساعة نظرا لفارق التوقيت، مع تحياتي لزوجتك العزيزة والأولاد.

حسن بارود

فيينا في 31/12/2007

الموافق 1/1/2008 بتوقيت القاهرة

  ............................

 

الرسالة الثانية

 

 

فيينا في أول فبراير 2008

صديقي العزيز!

 

أرجو أن تكون قد قرأت ردي على رسالتك الوحيدة، ونظرا لأنني لم أتلق منك ردا عليها حتى الآن ـ لعل المانع خير ـ فها هي رسالتي الثانية، لمجرد التذكرة.

ملحوظة: أخشى أن تكون قد أطلعت زوجتك العزيزة على مضمون رسالتي الأولى، فنصحتك بعدم الاستمرار في مثل هذا النوع من الصداقة مع أناس يحتفون بمقدم عام جديد بالتفكير في الموت والليل والمجهول.

وعموما على المقيمين خارج إطار هذا النوع من التفكير مراعاة فروق التوقيت، مع تحياتي لزوجتك أم أولادك.

المخلص حسن

 

  2   

 خواطر حول مسألة الاندماج

في عصر العولمة

 

تحظى مسألة الاندماج، والمقصود بها هنا اندماج المهاجرين الأجانب في المجتمعات الأوروبية، بمساحة كبيرة من الاهتمام، سواء من جانب المشتغلين بالسياسة وصناعة القرار في دول المهجر، أو علماء الاجتماع، وممثلي الديانات المختلفة، بالإضافة إلى الاهتمام الخاص الذي توليه الأحزاب والتيارات السياسية اليمينية المتشددة أو المتطرفة في أوروبا، لما تسميه التهديدات القادمة لتركيبات المجتمعات الأوروبية التي قد تصل إلى حد الانقراض نتيجة لتزايد أعداد المسلمين في القارة الأوروبية المسيحية.

والذي لا شك فيه أن تنامي ظاهرة وجود الأجانب في أوروبا ـ والمسلمين بصفة خاصة ـ يحتم علينا الاقتراب من تلك الظاهرة، ومحاولة التعرف على العوائق التي تواجه اندماج الشرقيين عامة، والمسلمين بصفة خاصة، إذ لا يعقل ولا يتوقع أن يظلوا في أوروبا على أحوالهم التي تركوا بلادهم عليها، وجاءوا للعيش والاستقرار في بلاد تختلف تماما، مناخيا، وثقافيا، وحضاريا، ودينيا، عن أوطانهم الأصلية، وما مدى صحة المثل الشعبي القائل : "من عاشر القوم أربعين يوما، صار واحدا منهم!" في هذه القضية الشائكة؟

الواقع يقول أننا أمام عدة عوامل تؤثر بالسلب أو الإيجاب على اندماج الأجانب في بلاد المهجر بصفة عامة؛ منها ما هو خاص بالمهاجر، ومنها بما هو خاص بدولة المهجر، ومنها ما هو خارجي تماما يتمثل في مظاهر العولمة وإنجازات العصر الراهن.

ويمكن إيجاز ما يتصل بالمهاجر في العوامل الآتية:

  • المرحلة العمرية

  •  الجنس

  •  الخلفية التعليمية والثقافية والاجتماعية

  •  الدافع للهجرة

أولا: المرحلة العمرية

لا شك في أن المهاجر صغير السن أكثر وأسهل تقبلا لطبيعة ومظاهر الحياة في المجتمعات الجديدة، نظرا لقدرته على استيعاب لغة المجتمع الجديد بسرعة وسهولة أكثر من والديه مثلا، كما أن التحاق الأطفال والشباب بمؤسسات التعليم في الوطن الجديد يقرب من الفوارق الفكرية بين النظراء في العمر، ويجعل مهمة تلقين الثقافة الجديدة، وربما الغريبة أكثر يسرا وسهولة؛ فالتعليم في الصغر يبقى أثره كالنقش على الحجر. وقد يشكل هذا الأمر ناحية إيجابية للاندماج، أما الناحية السلبية فتتضح معالمها في حالة الصدام التي قد تنشأ حتما بين جيل الأبناء الصغار وآبائهم، نتيجة لما يطرأ على شخصياتهم من ملامح التشكيل المغاير لعادات وتقاليد ومعتقدات الآباء. يشترك في هذا الأمر جيل الآباء بصفة عامة بغض النظر عن خلفياتهم المجتمعية والثقافية، لوجود اختلاف ما بين خلفيات الآباء الشرقيين والواقع المعاش في المجتمعات الأوروبية، أي أن الصدام قادم لا محالة في أغلب الأحوال.

ثانيا جنس المهاجر:

هناك فرق كبير بين هجرة الرجال وهجرة النساء، فهجرة الرجال عادة ما تكون أسهل وأيسر، خاصة أن رجال المجتمعات الشرقية يتمتعون بحرية "حصرية"، لا تتاح لنساء تلك المجتمعات، كما أن القيود التي تضعها العادات والتقاليد الشرقية على النساء تجعل من أمر هجرتهن بدون "محارم" من الرجال "من الكبائر"  التي تستوجب الستر، أو الإزالة!

فالرجل الشرقي هو المؤهل لاتخاذ قرار الهجرة إلى الغرب، سواء كانت هجرة اختيارية، أو اضطرارية.

أما المرأة أو الفتاة فلا نصيب لها في هذا الرخاء، فغيرها يقرر لها؛ وفي أغلب الأحيان يكون الزوج الذي يصطحبها للتغلب على وحدته في الغربة، أو الأب الذي يسعى إلى لم شمل الأسرة، وفي كل الحالات عليها أن تستسلم كاملا للقيود التي يضعها لها "رجلها" في دولة المهجر لوقايتها من شرور الفتنة، ولصيانة عفتها وشرفها في مجتمعات تفتقد لتلك المفردات لغويا وسلوكيا.

لكل هذه العوامل تصبح المرأة المهاجرة الضحية الأولى للفوارق الاجتماعية والثقافية والشخصية بين مجتمعي النشأة والهجرة؛ مجتمع يشد إلى الخلف، أو على الأقل يسعى للتثبيت في المكان من منطلق "محلك سر!"، وآخر يجذب إلى الأمام ـ بما يتيحه من مظاهر للحرية والاستقلالية، والحقوق ـ ولكن ربما إلى مقاصد غير معلومة بحكم قلة الخبرة وغياب الثقة في النفس، والخشية من الوقوع في الخطأ.

هنا تبرز إلى السطح أعراض نوع من الانفصام في شخصية المهاجر؛ ذكرا كان أو أنثى، بالميل إلى العزلة، والابتعاد عن الانخراط في الحياة اليومية داخل المجتمعات الجديدة، والتقوقع داخل ما يشبه المعسكرات السكنية للمتشابهين، وقصر العلاقات الاجتماعية على "المثليين مجتمعيا"، وعمليات الشراء والبيع على حوانيت الشرقيين، وقضاء أوقات الفراغ في أماكن تكاد مقصورة عليهم، بل والسعي إلى دفع الأبناء إلى مؤسسات تعليمية خاصة بالمهاجرين دون غيرهم، ومن ثم تتحول العلاقات بين المهاجرين في المجتمعات الجديدة إلى نوع من "زواج الأقارب". لذلك يلاحظ وجود فوارق واضحة بين سلوكيات من يتلقى تعليمه في مؤسسات الدولة المضيفة، وأولئك الذين يتلقون تعليمهم في مؤسسات خاصة بالمهاجرين، كما يكرس الصورة السلبية للمرأة الشرقية عموما، والمسلمة تحديدا، في ضوء ما يتردد عن إحجام كثير من التلميذات المسلمات عن المشاركة في حصص التربية البدنية والأنشطة الرياضية المشتركة مع البنين، بل والمشاركة حتى في الرحلات المدرسية خارج محلات إقامة الأسرة، بل يصل الأمر في الكثير من الحالات إلى تحريم قراءة المطبوعات العربية أو الأجنبية التي تتضمن آراء أو مناظر غير مألوفة لفكر الآباء.

هذا عن جيل الشباب، أما جيل الوالدين، فحدث ولا حرج عن رفض الكثيرات من النساء المسلمات السماح لأطباء ذكور بتوقيع الكشف الطبي عليهن، ولم لا وجسم المرأة كله عورة؟! فتترتب على هذا الأمر عواقب وخيمة على حالاتهن الصحية.

والغريب أن بعضهن قد يقبل مضطرا أن تنكشف "عوراتهن" على طبيب أجنبي، ولا تقبل ذلك من طبيب شرقي؛ ربما بدافع من الحياء تجاه "الأقارب أو أبناء البلد الواحد"، أو رغبة في الاختفاء وراء ستار السرية والخصوصية التي قد لا تتوافر لدى عدد من الأطباء الشرقيين الذين قد يذكرون في أحاديثهم العارضة بطريقة عفوية بعض أخبار مرضاهم.   

ثالثا الخلفية الاجتماعية والثقافية للمهاجر:

هناك حكمة عربية تقول: "كل إناء ينضح بما فيه". وهذا القول بالتحديد ينطبق تماما على تركيبة مجتمعات المهاجرين في الدول الأوروبية، حيث تتباين أنماط السلوك داخل الشرائح الاجتماعية المختلفة للمهاجرين بما يعكس في وضوح الحالة الاجتماعية والثقافية لأفراد تلك الشرائح، ويدل بجلاء على مرجعياتهم المجتمعية والفكرية في مواطن النشأة.

فالملاحظ، أن غالية المهاجرين من الفقراء ومحدودي التعليم والثقافة العامة تركز خلال تواجدها في المهجر على العيش في أحياء فقيرة لسهولة التخفي، ورخص المعيشة في تلك البيئات، لتزداد بذلك أعداد أبناء المهاجرين في المدارس لينقلوا تلقائيا سلوكيات أهلهم إلى فصول المدارس، وتتراجع معدلات استيعاب اللغة الجديدة في مراحل عمرية هامة، لتؤثر على مستوى التحصيل العلمي لصغار المهاجرين وأقرانهم من المواطنين الأصليين على حد سواء. كل ذلك وغيره مما نراه من مظاهر أخرى مثل انتشار الزى "الإسلامي" بصوره المختلفة أقلها تشددا غطاء الرأس "الحجاب"، وأكثرها تطرفا "النقاب"، سواء في الشارع أو المدرسة أو مكان العمل؛ وهي مناظر غير مألوفة لدى السكان الأصليين للبلاد، فتتصاعد صور المواجهات بين المهاجرين وأهالي تلك الأحياء، ويسود نوع من التوتر الاجتماعي، وتكثر أشكال الاستفزاز المتبادل التي تؤدي حتما إلى النفور والسخرية من الآخر، بل والازدراء والكراهية، والسعي إلى مضايقته،  والدعوة التي قد تصل إلى حد الإلحاح على التخلص من وجوده.

تفرز هذه الظروف المعيشية وتلك الأنماط من السلوك سلبيات كثيرة تؤثر بالطبع على اندماج المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة، وعلاقتهم بمواطني تلك المجتمعات من أبرزها العزلة شبه التامة داخل بلاد المهجر، وتشكيل ما يسمى بتجمعات موازية، والجهل المشين بلغة القوم والمفردات الأساسية للسلوك الاجتماعي. إذن نحن أمام شريحة إنسانية تتقوقع في "جيتو" بشري واجتماعي مغلق داخل مجتمعات غريبة عنها وعليها، المحصلة التلقائية والطبيعية لكل ذلك هي تدني مستويات التعليم، ومن ثم انتشار البطالة داخل تجمعات المهاجرين، والالتفاف على القوانين للحصول على أكبر قدر ممكن من المساعدات المالية التي تدفعها حكومات دول المهجر لمكافحة الفقر. وفي أغلب الحيان لا يخلو الأمر من قيام المهاجرين بأعمال خارج نطاق القانون، مثل "سوق العمالة السوداء" بجانب الاستمرار في الحصول على المزايا المالية التي تكفلها قوانين التكافل والتضامن الاجتماعي في بلاد المهجر.....

والنتيجة الطبيعية لهذا الواقع هي بروز عناصر سياسية ـ داخل مجتمعات ليست مؤهلة بطبيعتها لاستيعاب الغرباء وتسهيل انصهارهم داخلها ـ تتبني قضايا وهموم المواطنين الأصليين وطرحها على الرأي العام لكسب أصواتهم في الانتخابات، مستخدمين في حملاتهم أساليب لا تخلو من المبالغة في بعض الأحيان، ولا ترى غير واقع واحد هو واقع أصحاب الأرض، فتصورهم كالغرباء في بلادهم نتيجة لمزاحمة الغرباء "الحقيقيين" وسعيهم لفرض أنماط حياتهم وسلوكهم على المجتمع الجديد. بالإضافة إلى اتهام المهاجرين  بإساءة استغلال القوانين المحلية، وتكرار الخروج عليها.

رابعا الدافع للهجرة:

طرأت على معظم مجتمعاتنا العربية في العقود الأربعة الماضية ظاهرة غريبة على شعوبها، ألا وهي هجرة الشباب بوجه خاص في اتجاه الدول الغربية وشمال أمريكا واستراليا، بعد انحسار موجات الهجرة التقليدية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والتي خرجت  من بلاد الشام بالتحديد، هربا من ويلات الحكم العثماني التي طالت الطوائف المسيحية في الغالب.

وبالإضافة إلى الهجرة التقليدية لأبناء الدول العربية في شمال أفريقيا في اتجاه دولة الاستعمار السابقة فرنسا، وكذلك الظروف الخاصة وغير العادية التي يمر بها الشعب الفلسطيني منذ 6 عقود كاملة، إلا أن دولا مثل مصر أو العراق لم تكن من الدول الطاردة لأبنائها أو المصدرة للمهاجرين.

ولنا أن نتخيل الظروف المختلفة التي دفعت بأبناء تلك الدول الغنية سكانيا وربما ثقافيا، بالإضافة إلى الغنى المالي في حالة العراق مثلا، إلى الهجرة والعيش في الغربة داخل مجتمعات تختلف كثيرا في عاداتها وتقاليدها وعقائدها عن المجتمعات الأصلية للمغتربين العرب.

ويمكن حصر دوافع الهجرة لدى المهاجرين العرب في الدراسة والتعليم، العمل، اللجوء، والشعور بالاغتراب داخل الأوطان. ومن هنا تتفاوت درجات الاستعداد  للاندماج لدى المهاجرين باختلاف دوافعهم للهجرة.

ثمة تطور آخر جديد طرأ على العالم بأسره وهو ظاهرة انفتاح السماوات بانتشار القنوات الفضائية، وسهولة الاتصالات بين أرجاء العالم، الأمر الذي أزال المسافات تقريبا بين المهاجرين في المجتمعات الجديدة ومواطنهم الأصلية، فانكبوا على مشاهدة ومتابعة محطات التلفزيون الوافدة عبر الأثير إلى بيوتهم ومضاجعهم الجديدة، لتتسع الهوة بينهم وبين عادات وتقاليد وسلوكيات المجتمعات المضيفة، الأمر الذي يعيق حتما عملية الاندماج.    

أما ما يتعلق بدولة المهجر، فإن الأمر قد يختلف بعض الشيء، نظرا لأن الدولة المتلقية أدركت بعد فترة من الزمن أنها أمام نوعيات ربما تكون عشوائية من المهاجرين تعددت خلفياتهم ودوافعهم للهجرة. وقد يصبح الأمر أكثر تعقيدا إذا أدركنا أن بعض الدول الأوروبية فتحت أبوابها أمام قوى عاملة أجنبية، توقعت ـ أو تمنت ـ أن تكون إقامتها على أراضيها مؤقتة، أو أن من يبقي منهم سيسهل صهره أو انصهاره في المجتمعات الأوروبية الأكثر جاذبية للحياة الدنيا بكل مغرياتها المادية والحسية.

بالإضافة إلى ما سبق، فهناك عوامل ثلاثة رئيسية بالغة الأهمية تؤثر بشكل واضح على استعداد أهل الدولة المضيفة لاستيعاب المهاجرين الجدد وتسهيل اندماجهم في المجتمعات الجديدة، أولها ارتفاع درجة الجهل لدى مختلف شرائح المجتمعات الأوروبية عن الديانات والشعوب الأخرى، رغم ارتفاع معدلات التعليم، والانفتاح الإعلامي، وانتشار حرية الرأي والتعبير في المجتمعات الأوروبية. ومع ذلك نجد للأحكام المسبقة عن الآخرين اليد العليا في توجيه مسار وطبيعة العلاقة بين أهل البلد والوافدين إليه من الأجانب. لذلك ينحصر مفهوم معظم الغربيين عن الإسلام مثلا في تعدد الزوجات، وإقامة الحدود، واضطهاد واحتقار المرأة، ومن ثم ينعكس سلوك الغربيين مع أتباع الدين الإسلامي بتلك المفاهيم، فتزداد الفجوات بين الطرفين عمقا، ويهيمن التوجس والخوف من الآخر على العلاقات الإنسانية بينهما.

ولا شك أن تباين سلوكيات المسلمين داخل المجتمعات الجديدة، وإصرارهم على ربط تلك السلوكيات بأسباب دينية، يزيد من حالة الارتباك لدى المتلقي الغربي، فقد يجد مسلما يحلل ما يحرمه آخر، وحجة الاثنين هي الإسلام بالطبع، سواء كان ذلك في مجال المعاملات، أو السلوكيات اليومية، مثل مشروعية تلامس يد الأنثى المسلمة بيد رجل من غير المحارم، أو اختلاط الجنسين في مؤسسات التعليم ومزاولة الرياضة البدنية في المدارس، أو في مدى التشدد أو التساهل بشأن زى المرأة المسلمة.

العامل الثاني هو انتشار ظاهرة التعطش إلى السلطة والتلذذ بشهوة الحكم لدى التيارات السياسية اليمينية المتطرفة، التي تتخذ من تزايد أعداد المهاجرين من أصول عرقية "غريبة" أو خلفيات ثقافية وحضارية مغايرة للمألوف في المجتمعات الأوروبية، ذرائع لتأجيج مشاعر الجماهير تجاه الغرباء، والتحذير من عواقب ذلك على تركيبة المجتمع، وصورته العامة نتيجة لاختلاط الأنساب، وذوبان الهوية تدريجيا. وما التحذيرات من ضرورة التصدي لموجات "أسلمة أوروبا" سوى النتيجة الطبيعية لهذا الكم من الضغائن المتراكمة في عقول أولئك المتطرفين. كل ذلك وغيره بغرض الحصول على مزيد من الأصوات تمكن تلك القوى من التأثير على مجريات الأمور في البلاد، والتي تؤدي حتما إلى تشديد القوانين المنظمة لعلاقات المجتمعات الأوروبية بالوافدين من الغرباء.

أما العامل الثالث فتمثله مؤشرات التوجهات الواضحة لقيادات وممثلي مذاهب الطوائف الدينية المسيحية، التقليدية منها أو الأصولية التي بدأت تدرك عواقب التوجه الليبرالي والعلماني في المجتمعات الأوروبية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، واندلاع ثورة الشباب في أوروبا عام 1968، وما أعقب ذلك من تراجع معدلات الانتماء الشعبي للكنائس الأوروبية بصفة عامة، بالإضافة إلى تزايد أعداد المهاجرين من غير أتباع المذاهب المسيحية بصفة عامة ومن المسلمين بصفة خاصة.

لذلك ارتفعت أصوات الكثيرين من رموز الطوائف المسيحية في أوروبا لتأكيد الهوية المسيحية للقارة، والتحذير من اندثار التقاليد المسيحية ـ التي يختصون أنفسهم بها دون غيرهم ـ مثل التسامح والدعوة إلى المحبة، وتحكيم العقل، واحترام الحرية الشخصية. وبالطبع فإن وقف المد أو الزحف الإسلامي هو الغرض والهدف الأول لتلك الدعاوي.

خلاصة القول أن قضية الاندماج شائكة وتحتاج إلى تضافر جهود كل الأطراف لتحقيق  الهدف من طرحها للمناقشة، وعلى كل الأطراف أن تدرك أن حلها لن يتم بالابتزاز، أو التعسف، أو الانتهازية، وإنما بالسعي إلى التوصل إلى حلول وسط، بحيث تلتقي أطرافها في منتصف الطريق، ولا تتمسك كل طرف بالبقاء في مكانه على أطراف الطرق.

فالمهاجرون الجدد مطالبون بالتخلي عن مساعيهم في فرض عاداتهم وتقاليدهم الغريبة على المجتمعات الجديدة، وإظهار حسن النوايا تجاه تلك المجتمعات، وإبداء نوع من الولاء حيث يتعذر الشعور بالانتماء لدى الأجيال الأولى منهم لأوطانهم الجديدة.

وأهل البلد "الأصليون" مطالبون بتفهم تأثير ودور العوائق النفسية، وغلبة "الطبع على التطبع"  التي تحول دون اندماج المهاجرين. عليهم كذلك أن يتفهموا أن الاندماج لا يعني الذوبان، وفقدان الهوية، بل يعني التعايش والتفاعل مع شرائح المجتمع بالقدر الذي يتحمله كل طرف، فلن يفيد أحدا تحميل أي طرف بما يفوق  قدرته على الحمل.

يأتي دور الساسة وصناع القرار في عملية الاندماج، إذ يجب الاتفاق على "ميثاق شرف" للعمل السياسي يضع سقوفا وخطوطا حمراء للمساحة المسموح للتيارات السياسية على اختلاف أطيافها بالحركة داخلها، خاصة إذا تعلق الأمر بالأمن والسلم الاجتماعي للأوطان، وحرمة حقوق الإنسان، بغض النظر عن هويته العرقية أو العقائدية.

كل هذا في إطار منظومة إعلامية لا تنحاز للإثارة الرخيصة التي تؤجج مشاعر ونزعات التعصب والعنصرية.

 

 

  3 

خواطر حول

مسألة الاندماج في عصر العولمة

(2)

 

تعرضنا في طرحنا الأول لهذه القضية لعدد من الأمور، نظن أنها قوبلت بقبول من معظم من قرأها على صفحات مجلة " أخبار الأدب" المصرية التي نشرتها في 9 مارس الماضي، أو من قراء "جسور"، حيث تلقينا العديد من الرسائل يؤيد أصحابها أطروحتنا، ولم نتلق حتى الآن تعليقا واحداً يمكن أن يوصف بالسلبي. ومن منطلق أن السكوت علامة الرضا، يمكن القول بأن ما عرضناه يمثل نوعا من النقد الذاتي نراه الخطوة الأساسية نحو الإصلاح والتغيير الإيجابي، إذا صدقت نوايا الأطراف ذات المصلحة في حل مشاكل اندماج العرب والمسلمين في الغرب بصفة عامة، وفي النمسا التي نعيش على أراضيها وبين فئات مجتمعها المختلفة، ويحمل الكثيرون منا جنسيتها، بصفة خاصة.

والآن، هل لي أن أدعو إلى الدخول في صلب بعض المشاكل التي تعوق اندماجنا في المجتمعات الجديدة التي اخترنا أو أجبرنا على العيش داخلها؟

وحتى لا يتشعب الأمر، سأطرح في هذا المقال، والمقال الذي يتلوه قضيتين أساسيتين هما اللغة والتعليم.

أولا: قضية اللغة:

من المؤكد أن الجهل بلغة لغة البلاد الجديدة يؤثر مباشرة على مفردات حياتنا اليومية بكل صورها، الأمر الذي يؤدي إلى تأصيل حالات سوء الفهم لدى الطرفين الفاعلين في الحياة الاجتماعية، وتقليل فرص تبادل المنفعة، وتعظيم الفوائد من هذا التنوع البشري والثقافي، ومن ثم ترسيخ النزعات الانعزالية، وتأجيج مشاعر الرفض المتبادل، واندلاع الصراعات، وبالتالي تلاشي الرغبة أو القدرة على التحاور الإيجابي والبناء.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الشأن الخطير هو: ماذا فعلت الجمعيات الأهلية للجاليات العربية والإسلامية في النمسا ـ الدينية منها أو المدنية على حد سواء ـ لتغيير هذا الوضع المشين؟

هل نظمت دورات لتعليم اللغة الألمانية في المساجد، والكنائس، ومقار الأندية والمنظمات العديدة التي لا نشك في أن بعض بنود لوائح إشهارها تنص على تسهيل اندماج أعضائها في المجتمع النمساوي، وتوطيد العلاقات الثقافية بين المهاجرين وشعب بلد المهجر؟!!!

هل سأل القائمون على أمور تلك الجمعيات أنفسهم عن سبل تحقيق تلك الأهداف النبيلة في غياب لغة التفاهم والحوار؟!!!

هل أولت الهيئة الدينية الإسلامية الرسمية نفس العناية لتعليم اللغة الألمانية لآباء التلاميذ الذين تحرص على تعليمهم الديانة الإسلامية في المدارس النمساوية، خاصة وأن بها إدارة خاصة للاندماج؟ وهل خصصت إدارة شئون المرأة بالهيئة يوما في الأسبوع لتعليم النساء المسلمات لغة النمسا، بجانب حرصها على تخصيص يوم لسباحة أولئك النساء في حمامات مغلقة؟!!!

وأي دور قامت به المئات من "الزوايا"  للجمعيات الدينية التي انتشرت في ربوع النمسا خلال العقود الأخيرة كي تنهض بمستوى إجادة أعضائها ومريديها للغة البلاد؟!!!

وهل تحظى لغة الشعب النمساوي بمكانة تذكر لدى قيادات التيارات السلفية الحريصة على ترسيخ أفكار وسلوك السلف في عقول ونفوس أتباعها من مواطني القرن الحادي والعشرين؟!!!

وكذلك هل فتحت الكنائس العربية والشرقية أبوابها لأجيال الآباء لتعلم لغة البلاد التي يعيشون فيها؟!!!

وماذا فعلت المراكز والجمعيات والروابط الثقافية لتعليم الألمانية لأفراد الجاليات العربية في النمسا؟!!!

ما الذي حققناه للنهوض بالمستوى اللغوي لربات البيوت العربيات المقيمات في مدن وقرى النمسا، لتيسير تعاملهن مع المجتمع الذي يعشن فيه؟!!!

أسئلة كثيرة، والإجابات عليها مؤلمة، وأكثرها إيلاما ما نشهده حاليا من تصارع بين تنظيمات أهلية لبعض الجاليات العربية لتحقيق الشهرة والرغبة في تسليط الأضواء على بعض قياداتها، بتوجيه الاتهامات بالتآمر، والسعي إلى تهميش الآخر، واستخدام المرأة ـ مرة أخرى المرأة ـ أداة في تحقيق تلك المآرب.

والغريب والمدهش أن جل ـ إن لم يكن كل ـ اهتمام تلك التنظيمات ـ باستثناء الدينية منها ـ ينحصر في استقدام الفنانين والفرق الموسيقية من دولنا لإقامة بعض الحفلات الترفيهية لأعضاء الجاليات العربية ـ وهذا أمر مهم لا يجب التقليل من فوائده ـ لكن الأهم في نظرنا أن نعتني بأمور تؤدي إلى رفع مستويات جاليتنا في مجتمعاتها الجديدة، خاصة وأن المؤسسات النمساوية الرسمية تساهم ماديا في تمويل أنشطة استقدام الفنانين، بنفس درجة حماسها في دعم أنشطة تعليم اللغة الألمانية للمهاجرين، لكن الرغبة ـ فيما يبدو ـ ليست متوفرة لدى الكثيرين منا في الاستفادة من التسهيلات والخدمات التي يقدمها الجانب النمساوي.

لماذا نلوم الدولة والمجتمع، ونتهم مؤسساتهما بالتخاذل، وإهمال شئون المهاجرين، وتعمد تأجيل حل مشاكلهم، بل والسعي إلى إغلاق أبواب ونوافذ الاندماج في المجتمع أمامهم؟

لماذا نقذف بيوت الآخرين بالحجارة، وكل بيوتنا من زجاج هش وليس شفافا؟!!

أسئلة أطرحها على كل من يقرأ هذا المقال، مع إدراكي بأن حديثي في المقال الأول اتسم بالعمومية، أما الآن فأحسب أنني وضعت نفسي أمام جبهات كثيرة، ستحاول بشتى الطرق الدفاع عن نفسها وإبراء ذمتها من المصير الذي آلت إليه أوضاعنا في هذه البلاد، بل وقد لا يخلو الأمر من ازدياد حدة ودرجة التصارع، وتبادل الاتهامات، والسعي للاستقواء بمؤسسات من خارج النمسا للدفاع عن حقوقنا "المهضومة أو المغتصبة" من جانب أناس منا وضعناهم ـ عن وهم ـ  في عداد الخصوم، بل وربما الأعداء.

 

  4 

دور الجالية المسلمة

في المجتمع النمساوي

 

قبل عدة أيام، وقبيل توجهنا إلى قاعة الاجتماعات بمبنى السفارة المصرية، لمناقشة مسألة تأسيس أول اتحاد عام للمصريين في النمسا، فاجأني صديق بسؤال عن موعد إجراء الانتخابات لاختيار مجلس الإدارة الجديد للهيئة الدينية الإسلامية، بعد الإعلان المفاجئ لرئيسها الحالي الأخ الأستاذ أنس الشقفة، الذي تحمل عناء ذلك المنصب طوال السنوات الماضية بجرأة وشجاعة يحسد عليهما، خاصة في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية التي مرت بالمجتمع الإنساني ككل، وبمجتمعاتنا الإسلامية بشكل خاص.

أجبت على سؤال صديقي بأنني أتوقع أن تجرى الانتخابات في نهاية شهر يونيو ـ حزيران ـ أو يوليو ـ تموز ـ، وإن كنت لا أعرف موعد إجرائها بالضبط، ثم أعقبت إجابتي المقتضبة على سؤاله الهام بتساؤل من جانبي عن الدافع وراء سؤاله، وهل ينوي ترشيح نفسه لأحد المراكز في مجلس الإدارة الجديد؟ فأجابني بأنه ليس عضوا في الجمعية العمومية، لكنه يفكر في مسألة العضوية، ثم قال جازما: "بالطبع أنت عضو في الجمعية العمومية للجالية"! فأردفت والخجل يغلف نبرات صوتي، بأنني ـ مثله ـ لست عضوا، لكنني سأسعى إلى عضوية الجالية، كي يكون لي صوت من داخل الجالية، وليس كعشرات الآلاف من أصوات "الكسالى" من خارجها.

واليوم بعثت برسالة عبر البريد الإلكتروني إلى قسم الخدمات بالهيئة أرجو من القائمين على أمره بإمدادي باستمارة للعضوية.

والآن، فإنني ـ من خلال منبر جسور ـ أناشد الأخوات والإخوة الحريصين على مصالح الجاليات الإسلامية أن ينضموا لعضوية الجمعية العمومية، وأن يدلي كل منا بدلوه من الطيبات، وأن يضع نصب عينيه أن في اتحادنا قوة نوظفها لأعمال الخير والتعايش السلمي والتفاعل الإيجابي داخل المجتمع الذي اخترنا أن نعيش بين ظهرانيه، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:" يد الله مع الجماعة".

 

فيينا في 21/4/  2008

 

  5 

خواطر حول

قضية التعليم في مصر

 

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن خطط إصلاح أو تطوير التعليم في مصر، ليجاري روح العصر وتحديات المستقبل، كما نشهد افتتاح مراكز تعليمية حديثة، يعد القائمون على أمرها بأنها ستكون فاتحة عهد جديد للعملية التعليمية في أرض الكنانة.

والواقع أن المتابع لتطور العملية التعليمية في السنوات الأخيرة، لا يملك إلا التعبير عن حيرته إزاء الكم الهائل من التجارب التي تجرى على مدارسنا وتلاميذنا، وكأننا بصدد "اختراع" التعليم أو "اكتشافه" لأول مرة؛ فتارة "نقرر" تخفيض عدد سنوات التعليم الابتدائي لتصبح خمسا بدلا من ست سنوات، مع ما ترتب على ذلك من دخول خريجي التعليم بمختلف أنواعه لمعترك الحياة مبكرين، فيصدمون بواقع مؤداه انعدام فرص العمل، وطول فترة انتظار الفرج، ولينضموا إلى طوابير العاطلين القدامى، مع ما يعنيه ذلك من شعور بالإحباط واليأس، وفقدان الثقة في نظم المجتمع ومؤسساته، ثم نعود بعد ذلك  و"نقرر" إعادة السنة الملغاة، وكأن شيئا لم يكن، لنجد في المدرسة الواحدة تلاميذا سوف ينتقلون إلى المرحلة الإعدادية بعد خمس سنوات فقط في التعليم الأساسي، وآخرين قرر "أولو الأمر" من المسئولين إطالة فترة بقائهم لعام آخر، حتى يتم نضجهم وتتناسب مداركهم وقدراتهم مع طبيعة المراحل التعليمية التالية.

هذا من ناحية الشكل، أما من ناحية المضمون فقد تفتق ذهن "أولي الأمر" عن قرارات أرادوا بها تطوير العملية التعليمية، تضمنت إجراء امتحانات رسمية لسنوات التعليم الابتدائي الأولية بكل ما تحمله الكلمة من معان، كلجان الامتحانات والمراقبين من خارج المدرسة وطقوس فض المظاريف وإغلاقها، ليدخلوا براعمنا البريئة وأسرهم المغلوبة على أمرها في مناخ تربوي ونفسي وعلمي ومادي ما كان لهم أن يدخلوه لو أنهم ولدوا وعاشوا على أرض دول أخرى أكثر منا تقدما. وأخيرا أعلن "أولوا الأمر" عن نيتهم في إلغاء امتحانات نهاية العام المدرسي لعدد من سنوات التعليم بمختلف مراحله، لأنهم "اكتشفوا" مرة أخرى ما يسمى بعملية التقييم المستمر.

وإذا انتقلنا بعد ذلك لمرحلة التعليم الثانوي العام لأدركنا ما سببته التجارب العديدة التي أجريت على أبنائنا وأسرهم من ضغوط نفسية ومبالغ مالية طائلة بسبب الدروس الخصوصية، لهثا وراء التحسين وغيرها من المسميات التي لا يوجد مثلها في غير بلادنا، ثم يعود "أولوا الأمر" مرة أخرى ويلغون "اختراع التحسين" ولتصبح أعلى نسبة للدرجات يمكن الحصول عليها هي 100% بدلا من 110% أو حتى أكثر من ذلك.

أما التعليم الفني فلم يسلم أيضا من تجارب عدة أدخلت ازدواجية في مراحله، إذ نجد مدارس صناعية تمتد الدراسة فيها إلى خمس سنوات، جنبا إلى جنب مع المدارس التقليدية ذات السنوات الثلاث، مع غياب التدريب العملي السليم في كل من النظامين، ناهيك عن مستوى الخريجين من المدارس الثانوية التجارية أو الزراعية.

وللإنصاف فإن جهودا كثيرة قد بذلت في مجالات متعددة كإنشاء المئات من المدارس ومراكز تدريب المعلمين وإدخال تعديلات على مناهج الدراسة وتطوير الكتاب المدرسي في العديد من المراحل التعليمية، كما ارتفعت ميزانية التعليم لتصل إلى المليارات التهمت الأجور والمرتبات الجزء الأكبر منها ـ وهذا في حد ذاته مطلوب وحيوي - لكن أمرا أساسيا ظل غائبا وهو النظر إلى التعليم كعنصر حيوي وأساسي في تقدم المجتمع ونهوضه وضرورة وجود علاقة قوية بين مستقبل الخريج وحاجة المجتمع لمجهوده وعطائه، إذ لا يكفي أن تخرج مؤسساتنا التعليمية مواطنين قادرين على استخدام "الإنترنت"، بقدر ما نحتاج إلى خريجين مؤهلين للابتكار والتطوير والاختراع وتصنيع ما نبتكر، لنصبح مبدعين فعلا في مختلف المجالات وليس مستهلكين فقط لما ينتجه غيرنا؛ فلا يكفي أن نهلل لتحليق قمرين صناعيين يحملان العلم المصري في الفضاء، في حين تم إنتاجهما من جانب دول أخرى، اخترعت وصممت وصنعت ثم باعتنا بضاعتها، وأخذنا نروج لأنفسنا بأننا نواكب التقدم التكنولوجي في العالم، وقس على ذلك كل شئ أخر نشتريه بالعملة الصعبة من منتجيه الأساسيين ثم ننسب لأنفسنا أفضالا ليست لنا.

وإذا اتسعت صدور "أولي الأمر " من المسئولين عن التعليم في مصر، سأسمح لنفسي بعرض بعض الأفكار العامة ـ دون الدخول في التفاصيل - التي أرى أنها قد تؤدي إلى نتائج طيبة تعود بالنفع على المشاركين في العملية التعليمية بمختلف انتماءاتهم أوجزها في النقاط التالية:

أولا حق المعلم في الإعداد المناسب:

يشكل المعلم الفاعل الرئيسي في العملية التعليمية، حيث تقع على عاتقه مسئوليات جسام في إعداد أجيال المستقبل. وإذا كانت واجبات المعلم تفرض عليه الكثير من المسئوليات، فإن حقوقه على المجتمع لا تقل أهمية عن واجباته، بل إنها تشكل الأرضية الأساسية التي تبنى عليها معادلة العلاقة المتبادلة بين المعلم والمجتمع.

لذلك فإن الإعداد المناسب للمعلم يشكل حقا أساسيا له، يؤهله للنهوض بمسئولياته في مجتمع يتطلع إلى النهوض ومسايرة حركة العصر، على أساس تكافؤ الفرص ومنح الحقوق لمستحقيها وتقدير عطائهم.

وأولى تلك الحقوق هو عدم التمييز في الأهمية والقيمة بين المعلمين القائمين على تربية أبنائنا في مختلف مراحل التعليم، مع الوضع في الاعتبار وجود فوارق معقولة في مرتباتهم، لا تؤدي إلى إحساس شرائح بعينها بالامتهان.

معلمو رياض الأطفال:

ليس صحيحا أن تكون معلمات رياض الأطفال بالضرورة من خريجات الجامعات، بل يمكن تدقيق الاختيار عند التحاقهن بمعاهد متخصصة لإعدادهن بحيث يتم اختبارهن نفسيا من ناحية القدرة على الصبر وقوة التحمل والتعامل مع الأطفال، وكذلك التركيز على مواهبهن الفنية كالرسم والمهارات اليدوية والموسيقى، وهي أساسيات لا غنـى عنهــا للراغبات في العمل في رياض الأطفال، مع الاهتمام بمستوى الدخل المادي لهن ليتقارب مع زملائهن من معلمي المراحل الأخرى، والتجربة التي عايشتها في عدد من المدارس الدولية في كثير من الدول الأوربية تؤكد أن تلك المدارس تدفع لمعلمات رياض الأطفال المؤهلات نفس المرتبات التي تدفعها لزملائهن في المراحل الأخرى، وتبقى سنوات الخبرة الحكم الأخير في تحديد قيمة المرتب.

أشير كذلك إلى ضرورة التعاقد مع معاهد ومؤسسات تربوية في الدول الأوروبية يمكن تحقيق ذلك في إطار الاتفاقيات الثنائية الثقافية والعلمية بين مصر وكثير من الدول لاستقدام خبراء ومحاضرين في إعداد معلمات رياض الأطفال، كما يمكن التنسيق مع المدارس الأجنبية أو الدولية الموجودة في مصر لإلحاق خريجات تلك المعاهد فيها للتدريب على العمل "كمساعد معلم" لفترة تكفي لاكتساب الخبرات وتبادل الأفكار، كذلك يمكن استضافة عدد من أولئك الممارسين الأجانب من تلك المدارس للمشاركة في دورات تدريبية للخريجات المصريات، وهذا أمر يمكن تقنينه في إطار التراخيص الممنوحة لتلك المدارس.

معلمو المراحل الأخرى:

ضرورة مراجعة مناهج ونظم التدريس في الكليات التربوية بما يمكن الطالب من التمتع بمساحة كبيرة من الحرية في إبداء رأيه في نوع وكيفية ما يتلقاه، مع إعطائه الفرصة للمبادرات الفردية وإمكانية تقييمها - على الأقل - أثناء فترات التدريب العملي من جانب زملائه وأساتذته دون خوف من عقاب، وكحافز على الابتكار والإبداع، كي يتعود معلمو المستقبل على حرية التفكير والنقد المسبب واحترام وتقدير أراء الآخرين، حتى ولو كانوا تلاميذهم الصغار، وهذا أمر أساسي في عملية التعليم.

كما يجب التفكير في أسلوب جديد لتدريب المعلم الشاب على وسائل التدريس الحديثة، سواء عن طريق استقدام خبراء في التخصصات المختلفة وعقد دورات تدريبية منتظمة، والاستعانة بخبرات المدارس الدولية والأجنبية العاملة في مصر، وتخصيص يوم على الأقل في كل فصل دراسي لعقد دورات تدريبية مكثفة داخل المدارس أو المناطق التعليمية، وإتاحة الفرص للمعلمين داخل تلك المدارس للتقدم بأفكار جديدة وعرضها على زملائهم وتبادل الخبرات والمعرفة، كما يجب تشجيعهم على إبداء آرائهم والتقدم باقتراحات بشأن المناهج التي يقومون بتدريسها.

ثمة عامل آخر بالغ الأهمية أرى ضرورة عرضه على أولي الأمر، يتمثل في حتمية رفع مرتبات المعلمين، لتصبح مماثلة لمرتبات غيرهم من شرائح المجتمع "المتميزة" اجتماعيا كالأطباء ورجال الجيش والشرطة، إذ يجب أن نعي أن مسئولية تربية الأجيال لا تقل أهمية عن مسئولية رعايتهم الصحية، أو حماية الوطن من التهديدات الخارجية أو الداخلية.

وهذا يقتضي إعادة ترتيب الأولويات في العديد من أمورنا بصراحة وموضوعية ودون انحياز لفئة من فئات المجتمع على حساب الفئات الأخرى، لأن المعلم "المستريح ماديا" هو الذي سيساهم بارتياح في بناء مستقبل أبناء العمال والأطباء والضباط وغيرهم من شرائح المجتمع.

ثانيا حقوق التلميذ في مراحل ما قبل التعليم العالي:

يمثل التلميذ المحور الأساسي في العملية التعليمية بشكل عام، وهذا يعني ضرورة ضمان وحماية حقوقه على مجتمعه، فيوفر له مدرسة صالحة لقضاء نصف ساعات يومه بين جدرانها في فصول لا تزيد كثافتها عن 30 تلميذا - وفي بيئة تعليمية وتربوية تنمي مواهبه وتساعد على بناء شخصيته وتوجيه سلوكياته وتصون كرامته منذ نشأته المبكرة، في إطار القيم العامة للمجتمع واحترام عادات وتقاليد الآخرين، وفي مناخ من الحرية التي تشجع على إبداء الرأي وتفرض احترام الرأي الآخر، في مسئولية يتدرب الصغير على تحملها تدريجيا، فيبادل معلميه احتراما باحترام، ويسعى للتعاون مع زملائه داخل المؤسسة التعليمية، وينعكس سلوكه الإيجابي في تعامله مع غيره خارجها. حينئذ تكون العملية التعليمية قد أنتجت مواطنا صالحا بكل المقاييس.

ولتحقيق ذلك يجب وضع ما يلي في الاعتبار:

* أن عهد العقاب الجسدي وامتهان كرامة التلميذ بحجة تهذيبه وتعليمه قد ولى، فمن يتعرض في صغره للإهانة الجسدية والنفسية، يصبح فيما بعد مرشحا لإهانة غيره أنى سنحت له الفرصة، سواء مع إخوته أو أترابه أو مع زوجته وأبنائه ومرؤوسيه، وسنؤصل فيه صفات الجبناء والانتهازيين ونشجعه على العنف، إذ لا إبداع تحت القهر.

* أن يقوم على أمر تعليمه معلمون مؤهلون يؤمنون بأن التدريس رسالة قبل أن يكون وظيفة أو مهنة مضمونة الدخل، وأن المعلم يؤدي واجباته تجاه مجتمعه عن إدراك لجسامة مسئوليته في تكوين عقول وشخصيات براعمه.

* أن تكون المناهج حافزا للتحصيل السليم للمعرفة ومثيرة لفضول التلميذ ومثرية لخياله، في إطار من الاحترام الكامل لعقله، وحافزا على التفكير والتعبير الحر المسئول وتنمية مواهبه وملكاته. كما يجب أن تتضمن مناهج التعليم في المراحل المختلفة دروسا جادة في العقيدة والأخلاق ودروسا في الدستور، تراعي تأصيل التسامح الديني بين أبناء الأمة على أساس المواطنة، وأهمية التعددية وتفاعلها واحترام الآخرين وحماية حقوقهم في حياة كريمة للجميع على تراب مصر الغالي.

* أن يكون الكتاب المدرسي شيئا يعتز به التلميذ ويسعى للاحتفاظ به، حتى بعد انقضاء الحاجة إليه، فنهتم بطباعة الكتاب المدرسي وطريقة إخراجه بنفس درجة اهتمامنا بمضمونه. ولتخفيض تكاليف طباعة الكتب يمكن تداولها مرتين على الأقل، إذا عودنا أبناءنا على العناية بكتبهم واقتنعوا بقيمتها، على أن يدفع التلميذ ثمن ما أتلفه من كتب عند نهاية العام الدراسي، وبالطبع يمكن البدء في تجربة كهذه في عدد من المدارس، ثم تعمم إذا ثبتت جدواها.

* أن تتاح له فرصة التعرف على بيئته ووطنه من خلال دراسة موضوعية ودون تمييز أو انحياز لتاريخ بلاده على مر العصور، بالإضافة إلى نواحي المعرفة النظرية والعملية الأخرى وممارسة الرياضة وصقل مواهبه وممارسة هواياته الفنية والإبداعية والاشتراك في المسابقات المختلفة بين مدارس المناطق التعليمية والقيام بالرحلات المدرسية داخل البلاد كي يتعرف النشء على بلادهم وينمو داخلهم الشعور بالانتماء والولاء لهذا الوطن الجميل.

* أن يحصل تلاميذ التعليم الفني على تدريب عملي مناسب في المؤسسات الصناعية أو التجارية أو الزراعية المتصلة بمجال دراسته فيما يسمى بنظام "التلمذة الصناعية أو المهنية" بحيث يدرس كل تلميذ نظريا في مدرسته ويطبق عمليا في الورش والمزارع والبنوك أو المؤسسات التجارية ما درسه نظريا في المؤسسة التعليمية. وهذا الأمر يتطلب التنسيق مع عدد من مؤسسات القطاع العام والخاص المشهود لها بالكفاءة والجدية والمصداقية لقبول أعداد من التلاميذ للتدريب داخلها وتحت الإشراف المزدوج، حتى نسهل انتقال الخريج إلى الحياة العملية، ونتيح له فرصة التدريب قبل التخرج ليدخل مرحلة الإنتاج في أسرع وقت ممكن.

* من حق النشء على المجتمع أن يقدم له القائمون على أمر التعليم في مصر أنماطا جديدة منه، فلا يقتصر المعروض على التعليم الثانوي العام والتعليم الفني التقليدي، فقد تعددت حاجات المجتمع في العصر الحديث بعد أن دخلت المرأة سوق العمل وأصبحت الأسر في حاجة إلى من يعاونها في أعمال البيت أو رعاية الأطفال. لذا يجب تقديم أنواع مختلفة من التعليم في مجال المهن "المجتمعية" كرعاية المسنين  والمرضى سواء في بيوتهم أو في مراكز الرعاية والمصحات أو المستشفيات، والمعاونة في الأعمال المنزلية، مع إتاحة فرص التدريب للملتحقين بهذا النمط من المدارس في الأماكن التي قد يعملون فيها مستقبلا. إن زيادة المعروض من فرص التعليم المهني ستخفف بلا شك من حدة البطالة التي يعاني منها شبابنا وستفتح مجالات جديدة أمامهم.

وكاتب هذه السطور عايش هذه التجربة عن قرب، حيث كانت تلميذة في السادسة عشرة من عمرها تتردد على بيته 4 مرات في الأسبوع لقضاء وقت يتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات في كل مرة، تتدرب خلالها على يد ربة المنزل على أشغال البيت كالطهي وإعداد السفرة وكي الملابس وترتيبها، ومجالسة الأطفال والتعود على التعامل معهم، تتجه بعدها أو قبلها إلى المدرسة لتلقي العلوم النظرية، ثم تقوم ربة المنزل بإعداد تقرير عن أداء المتدربة تعتمده المدرسة ويدخل ضمن التقييم الرسمي للتلميذ أو التلميذة.

ثالثا: حقوق طلبة التعليم العالي

تشكل الجامعات والمعاهد العليا الهدف الأسمى لأغلبية شباب مصر، وهذا في حد ذاته أمر طبيعي، خصوصا في مجتمع ينظر لحاملي الشهادات الجامعية نظرة تكاد تبلغ حد التقديس، وكأن من لم يحصل على واحدة منها لا قيمة له. من هنا بدأ التكالب على دخول الجامعات، فتكدس الطلبة بين جدرانها وأصبحت تلك المؤسسات "كالمفارخ" المنتشرة في البلاد، تدفع بدجاجها إلى المستهلك بعد فترة زمنية قصيرة وبأحجام وأوزان متقاربة، يسعى أصحابها إلى التعجيل بإنتاجها فيحقنون دجاجهم بالهرمونات ويعدون خلطات من العناصر الكيماوية والمضادات الحيوية المختلفة التي تساعد على زيادة الوزن، وإن كان كل ذلك على حساب صحة الطائر ومستهلكه.

وهكذا أضحى حال التعليم الجامعي وخريجيه في مصر؛ آلاف مؤلفة من الشباب تلفظهم الجامعات إلى معترك الحياة دون سابق خبرة أو حتى سلاح يعتمدون عليه في بداية تعاملهم مع المجتمع العامل، هذا إذا قدر لبعضهم أن يحصل على فرص عمل مناسبة.

وللخروج من هذا المأزق أطرح ما يلي من الأفكار:

أولا : حقوق الطالب الجامعي

* يجب على المجتمع الذي قرر التوسع في إنشاء مؤسسات التعليم العالي في كافة أنحاء البلاد، بما أطلقنا عليه الجامعات الإقليمية، أن يعدل بين طلبة الجامعات في مصر بشكل عام، فلا يحرم بعضهم من موارد بشرية أو مادية ينعم بها آخرون في الجامعات "الأم"، إن جاز لنا هذا التعبير، حتى يتقارب مستوى الخريجين من كافة الجامعات من حيث درجة الجودة طبعا. وربما تطلب الأمر إعادة هيكلة بعض الجامعات، فلا يشترط وجود كل التخصصات في كل الجامعات على حد سواء، إذا لم تتوافر الموارد البشرية والمادية.

* أن يتلقى الطالب علمه على يد معلم مؤهل بأسلوب صحيح، يشعر بالاستقرار النفسي والمادي، فلا يضطر إلى قضاء أكثر وقته متنقلا في وسائل المواصلات بين عواصم محافظات الجمهورية لهثا وراء بضعة جنيهات هي أجره عن  انتدابه للتدريس هنا وهناك.

* ومن حق طالب الجامعة أن يتمتع بالحرية التي تكفل له التعبير عن آرائه في قضايا وطنه دون وصاية من أحد كبر أو صغر، وأن يتدرب على ممارسة الحياة السياسية والاجتماعية في الجامعة، قبل أن يخرج إلى معترك الحياة، فيحسن التحاور والتعبير عن رأيه، ويحترم آراء غيره ويعرف كيف يختار من يمثله في المجالس المحلية والبرلمان، ومن ثم يتأصل انتماؤه وولاؤه لوطنه، ويدرك قيمته في مجتمعه، فلا يتقاعس عن أداء واجب ولا يتخاذل في تحمل مسئولية، ولا يستسلم ليأس.

* ومن حق الطالب في جامعات مصر أن يدرس في جامعات تستقبل أساتذة زائرين من خارج مصر ليدرسوا للطلبة المصريين، ولا تقتصر إقامتهم في أرض الكنانة على لقاءات احتفالية مع زملائهم المصريين، والانشغال في الترتيب لاستضافة نظرائهم في الدول الأجنبية، وأن تتاح لعدد من طلبة الجامعات المصرية فرص للدراسة في جامعات أجنبية داخل مصر وخارجها لفترات قصيرة، عن طريق تبادل الطلبة في إطار الاتفاقيات الثقافية والعلمية، كي تتسع مداركهم ويحصلوا خبرات ليست متاحة لهم فرص تحصيلها.

* كذلك من حق الطالب في الكليات العملية أن يمارس الشق العملي من دراسته في معامل مجهزة تجهيزا مناسبا، وأن يتردد على مراكز الأبحاث للتعرف عليها وأن يتدرب على البحث العلمي في وقت مبكر، وأن يشجع الموهوبون من الطلبة من جانب أساتذتهم وإدارات جامعاتهم، مع وجود تخصصات في دراسة صيانة الأجهزة والمعدات التقنية، ولا حرج من تأسيسها على أيد خبراء ومعلمين من الأجانب، يتم الاستغناء عن بعضهم تدريجيا.

هذا إن أردنا نهضة علمية حقيقية في بلادنا ولم نكتف بشراء ما نحتاج إليه من "أحدث" ما أنتجته عقول ومصانع غيرنا - وسط تهليل إعلامي ممجوج - ما تلبث أن تصبح تلك الأجهزة بعد فترة قصيرة جثثا لا حياة فيها بسبب سوء استخدامها، أو نقص قطع غيارها، أو عدم وجود المؤهلين لصيانتها.

* من حق طالب الجامعة في مصر على أساتذته أن يكونوا قدوته الطيبة ومثله الحميد، يحترمون آدميته ويوجهونه في لين أو حزم عند الضرورة، وأن يخلصوا في عملهم ويراعوا ضمائرهم في أجيال المستقبل، فلا يقومون بتعديل المناهج الدراسية على أهوائهم، ووفقا لظروفهم الشخصية وضيق وقتهم وذات أياديهم، فيتصارعون في إعداد "مذكرات" هزيلة يفرضونها على طلبتهم فرضا، ويقلصون برنامج ومناهج الدراسة في صفحات معدودة، لا شئ سواها، وكأن لا وجود لمكتبات الجامعات ومؤلفات غيرهم، فيصبح الأستاذ "رب" المادة ولا "رب" سواه.

* وأخيرا من حق كل طلبة مصر أن يحتفل المجتمع بتخرجهم، ولا يقتصر الأمر على حفلات التخرج الضخمة والفخمة التي تقام لخريجي المؤسسات العسكرية والبوليسية، كي نؤصل في مواطني مصر دون تمييز أو تفرقة بين أبنائها - الانتماء للمجتمع المدني القائم على قواعد ومبادئ ديموقراطية حقيقية.

ثانيا: حقوق أعضاء هيئة التدريس

يعد المعلم في الجامعة الركيزة الأساسية في التعليم العالي، لأنه يمثل مفتاح المعرفة، فقد يكون الكتاب ضعيفا وقد تكون الموارد المادية الأخرى محدودة ، لكن قدرة الأستاذ على توصيل المعرفة هي في النهاية الدعامة الرئيسية في التعليم بشكل عام، وفي المراحل الجامعية بشكل خاص نظرا لارتفاع مستوى النضوج الفكري والذهني لكل من الأستاذ وتلميذه، ولأهمية توجيهات المعلم الجامعي لطلبته وإشرافه المباشر على أدائهم.

* لذلك فإن من حق المعلم في الجامعة أن ينعم بالاستقرار المادي والمعنوي، فلا يشعر في بداية حياته بعد التخرج بالغبن عند التعيين أو الاختيار، فتكون الكفاءة وليست المحسوبية هي المعول الأساسي، بل الوحيد لاختيار معلم المستقبل.

* من حقه كذلك أن يجد - منذ بداية عمله - المناخ المناسب لإجراء الأبحاث العلمية وتحفيز الهمم  للابتكار والإبداع، دون حاجة إلى السعي لمصادر إضافية لتعديل أوضاعه  المادية، كي تستقيم أمور حياته اليومية، فلا كرامة لأستاذ المستقبل إذا اضطر في بداية نشأته أن يبيع علمه لتلاميذه في بيوتهم.

* من حق المعلم في الجامعة كغيره من زملائه في مراحل التعليم المختلفة أن يشعر بكرامته داخل وخارج الحرم الجامعي، وأن تتاح له فرص حقيقية للاحتكاك بزملائه في الجامعات الأجنبية، وليس فقط عن طريق زيارات المجاملة والمهام الشكلية أو الوهمية، كما يحق له أن تتيح له مؤسسته العلمية فرصة دعوة أساتذة أجانب للتدريس لطلبتها، مما يحقق الاستفادة المزدوجة لطالب العلم ومعلمه في آن واحد.

وبعد، فقد يطول الحديث ويمتد حول العملية التعليمية في مصر التي تعد واحدة من أكثر القضايا أهمية، لأنها تمثل معامل إعداد الأجيال التي تنهض الأمة بعقولها وعلى أكتافها، ولتفرض لنفسها مكانا متقدما بين الأمم الأخرى.

مع ذلك كله يبقى السؤال مطروحا؛ عن أي تعليم نتحدث ؟

هل عن التعليم الحكومي المجاني؟ أم عن التعليم الأزهري أو الديني بشكل عام؟ أم عن التعليم الخاص الاستثماري؟ أم عن التعليم الأجنبي داخل مصر؟

وهل فكرنا في أسلوب التعامل مع خريجي هذا الخليط المتنافر، و تحقيق اندماج عناصره في المجتمع بعد ذلك؟ هل فكرنا في كيفية تحقيق التجانس بين خريجي أنماط التعليم المختلفة في المدارس والجامعات المصرية بحيث يكون الولاء في البداية والنهاية لمصرنا الحبيبة وليس لغيرها؟

إذا أمكن لنا أن نجيب على تلك الأسئلة بموضوعية ودون انفعال أو عصبية، نكون قد قطعنا نصف الطريق في مشوار إصلاح التعليم وتطويره في مصر

نقطة أخيرة أود الإشارة إليها، وهي أن عملية التعليم لا تنفصل عن السياق العام للحياة في مصر، ولا يمكن أن تشذ عن المناخ السياسي والاجتماعي في البلاد، فالتقدم في المجتمعات وحدة متكاملة تتكون من عناصر متعددة، فلا تقدم في التعليم أو الفنون، أو الصناعة، أو الاقتصاد خارج إطار الحرية واحترام حقوق الإنسان وصيانة كرامته.......

وللحديث بقية،،،

 

  6 

وصفة لعلاج بعض مشاكل مصر

"من يركب البحر لا يخشى من الغرق"! قول يعجبني كثيراً ويدفعني إلى التفكير في بعض مشاكل مصر، والبحث عن حلول لها. ولا أدعي انفرادي بامتلاك الحقيقة، أو قدرتي غير العادية على تشخيص أمراض مصر المزمنة، لكنني أدعي لنفسي – كما لغيري إن أرادوا - حقا في التفكير، وطرح رؤيتي لمستقبل مصر مهد الحضارات من خلال نتائج الممارسات التي عانت منها مصر في الماضي القريب والحاضر الراهن. لذلك سأغامر في السطور القادمة بطرح مشروع سياسي، اجتماعي، اقتصادي، ثقافي، في إطار أو صورة نصوص لميثاق مصري جديد يراعي الأبعاد السابق ذكرها. وكل ما أطلبه من القارئ العزيز أن يفسح لي مساحة من وقته وفكره وصبره، والله المستعان.

 

ميثاق العمل الوطني في مصر:

 

1- مصر دولة حرة مستقلة وطن لكل من يعيش على أرضها وتحت سمائها، لا تميز في حقوق مواطنيها بسبب العقيدة أو اللون أو الجنس، فكل المصريين سواسية أمام القانون، ولا فضل لمصري على آخر إلا بالولاء للوطن والالتزام بدستوره، والوفاء بواجباته نحو هذا الوطن.

2- تمثل مبادئ الديانات السماوية الثلاثة الإطار الأخلاقي والتشريعي للبلاد، مع الأخذ في الاعتبار أن الدين الإسلامي دين أغلبية المصريين.

3- تاريخ مصر الطويل بحقبه الفرعونية والمسيحية والإسلامية وانتماؤها لأفريقيا والعالم العربي والإسلامي يشكلان الدعائم الرئيسية الصلبة للشخصية المصرية المعاصرة.  

4- مصر دولة تحترم الشرعية الدولية، وتعلي قدر حقوق الإنسان، وتحترم معاهداتها واتفاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف، وتحترم سيادة الدول، وتؤمن بالعدل والسلام، وأن الحكمة من تعدد الثقافات والأعراق تكمن في أهمية وضرورة التعارف بين الشعوب بمختلف خلفياتها الثقافية والعقائدية، على أساس احترام الآخر، والحرص على إقامة علاقات توازن بين مصالحها وأمنها القومي وحماية حقوق مواطنيها.

5- نظام الحكم في مصر جمهوري رئاسي.

6- يختار الشعب رئيسه بالانتخاب الحر المباشر مرة كل خمس سنوات، ويجوز للرئيس الترشيح لدورة ثانية وأخيرة، ويحق للأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان ترشيح من تراه مناسبا لخوض انتخابات رئيس الجمهورية، ويعضد هذا الترشيح بتزكية 50 عضوا على الأقل من مجالس التمثيل الشعبي (الشعب والشورى، والمجالس المحلية بالمحافظات).

7- من حق كل مواطن مصري (ذكرا كان أو أنثى) يتمتع بالأهلية القانونية والسمعة الطيبة بغض النظر عن عقيدته أو جنسه الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية في حالة حصوله على تزكية 10 آلاف توقيع لمواطنين مصريي الجنسية يمثلون سكان ثلثي محافظات مصر الأقل.

8- يشترط في اعتماد صحة المرشح الحزبي لانتخابات رئيس الجمهورية التخلي عن عضويته الحزبية قبل تقدمه بأوراق ترشيحه، باعتباره – في حالة فوزه - رئيسا لكل المصريين، ويتعهد بالحياد التام في تعاملاته مع الأحزاب والقوى السياسية في البلاد، ويلتزم الرئيس المنتخب بالتعاون والتنسيق مع رئيس مجلس الوزراء بغض النظر عن الانتماء الحزبي للأخير.

9- تداول السلطة مبدأ أساسي للعمل السياسي في مصر، والدولة ملتزمة أمام مواطنيها بضمان نزاهة الانتخابات، وحرية كل مواطن في التعبير عن اختياره في سرية تامة، وتحت إشراف القضاء والمنظمات غير الحكومية.

10- يتولى التشريع مجلسان للنواب منتخبان انتخابا حرا مباشرا، هما مجلسا الشعب والشورى، بحيث يتم انتخاب مجلس الشعب لدورة تشريعية عادية مدتها خمس سنوات، إلا إذا حل المجلس قبل إكمال فترته القانونية، فيتم إجراء انتخابات مبكرة. أما مجلس الشورى فدورته التشريعية مستمرة بلا توقف لأنه مجلس يمثل محافظات مصر وأعضاؤه من مجالسها المحلية المنتخبة انتخابا حرا مباشرا، ويتم تمثيل كل محافظة بمجلس الشورى حسب عدد سكانها، كما تتوقف تركيبة الوفد الممثل لكل محافظة على عدد النواب الممثلين لكل حزب سياسي في المجلس المحلي للمحافظة، بحيث تمثل جميع الأحزاب بنسبة تمثيلها في مجلس محلي المحافظة، ويتولى رئاسة مجلس الشورى ممثل لكل محافظة حسب الترتيب الأبجدي لأسماء محافظات مصر، بغض النظر عن الانتماء الحزبي، ومدة رئاسة مجلس الشورى 6 أشهر.

11- لمجلس الشورى صلاحيات دستورية تتمثل في إقرار القوانين ذات الطبيعة الدستورية أو المكملة للدستور بعد مناقشتها في مجلس النواب (البرلمان)، و يجوز للمجلس اقتراح التعديلات على نصوص مشروعات القوانين المعروضة عليه وإعادة عرضها على مجلس النواب، كما يتولى مجلس الشورى فض الاشتباكات والنزاعات التشريعية بين محافظات مصر. وفي حالة عجز المجلس عن حل الخلافات أو النزاعات بين المحافظات يوصي بعرضها على القضاء المختص.

12-أ- تجرى الانتخابات للمجالس التشريعية على أساس القوائم الحزبية التي يلزم أن تعبر عن تركيبة السكان فلا تقتصر على جنس بعينه أو أتباع عقيدة بعينها، كما يجب ألا تميز بين المهن والوظائف بحيث تعكس التمثيل الحقيقي لأهل الدائرة الانتخابية.

 ب- يجوز ترشيح أفراد بدون انتماء حزبي في حالة وجود قائمة تزكية للفرد من نحو 3 آلاف مواطن من سكان الدائرة الانتخابية أو المحافظة. 

13- يشكل الحزب الحائز على أغلبية مطلقة أو نسبية الحكومة الجديدة، سواء منفردا، أو بالائتلاف مع حزب أو أكثر من الممثلين في البرلمان، ولا يتدخل رئيس الجمهورية في تسمية رئيس الحكومة الجديدة، إلا في حالات بعينها يحددها القانون. ويحق لرئيس الجمهورية تعيين 3 وزراء يختارهم بمعرفته هم وزراء الخارجية والدفاع والعدل، مع مراعاة عدم انتماء أي منهم لأحزاب سياسية.

14- تنقسم مصر إداريا إلى 28 محافظة تتمتع كل منها بميزانية مستقلة يقرها المجلس الشعبي (المحلي) المنتخب انتخابا حرا مباشرا، وتدير شئونها حكومة محلية يشكلها حزب أو أكثر وفقا لنتائج الانتخابات المحلية، ويرأسها المحافظ المنتخب على رأس قائمة حزبه في الانتخابات، بعد انتخابه من جانب أعضاء المجلس المحلي.

16- حكومة المحافظة مسئولة أمام المجلس المحلي، وله الحق في مراقبتها ومساءلتها، وسحب الثقة منها مجتمعة أو من بعض أعضائها.

17- تتولى كل محافظة إدارة شؤونها بالتنسيق مع الحكومة المركزية، في إطار ما ينظمه دستور البلاد من أطر للعلاقة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية.

18- يتم انتخاب عمد القرى ورؤساء المدن والأحياء، سواء بنظام القوائم الحزبية أو الانتخاب الفردي.

19- تكفل الدولة لكل مواطنيها حرية ممارسة العقائد في أماكن العبادة الخاصة بكل فئة أو طائفة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية المشاركة في الحياة السياسية بدون أي تمييز بسبب العقيدة أو الجنس، وكذلك حرية التظاهر والإضراب، وتشكيل أحزاب سياسية أو نقابات مهنية، أو جمعيات أهلية، وإصدار المطبوعات، وإقامة منابر إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية تلتزم باحترام الدستور وسيادة القانون، ولا تقوم على أسس عرقية أو عنصرية، أو التمييز بسبب العقيدة أو الجنس.

20- تلتزم الدولة بحماية وصيانة حقوق الإنسان انطلاقا من إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وغيره من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في هذا الصدد.

21- المرأة إنسان كامل الأهلية لها ما للرجل من حقوق على الدولة، وعليها ما عليه من واجبات تجاهها.

22- ينشأ ديوان عام للمظالم يتلقى شكاوى المواطنين ضد جهات ومؤسسات الدولة، ويتولى جهاز يسمى "النيابة الشعبية" تابع للبرلمان تمثيل المتضررين من المواطنين ومقاضاة أجهزة الدولة أمام المحاكم المختصة.

23- التعليم حق أساسي من حقوق المصريين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو العقائدية أو الجنسية، تكفله الدولة مجانا في جميع مراحله في مدارسها ومعاهدها ومؤسساتها العلمية، لكنها في نفس الوقت تشجع وجود تعليم خاص يخضع لإشرافها بحكم السيادة وبشرط عدم إخلاله بمبادئ الدستور وسيادة القانون وأمن البلاد القومي، واعتماد مناهجه وشهاداته من مؤسسات الدولة. وتلتزم الدولة بتطوير مقار ومناهج التعليم، وإعداد الكوادر البشرية الإعداد العصري المناسب.

24- تقر مصر بحق المواطن في المثول أمام محاكم عادية تكفل له محاكمة عادلة وفقا لمبادئ الدستور، وحقوق الإنسان والقوانين والمعاهدات الدولية.

25- الاقتصاد عصب الحياة في المجتمعات والدولة ملزمة بمراعاة البعد الاجتماعي في تحديد سياساتها الاقتصادية بحيث تمزج بين سياسة السوق الحر، والظروف الاجتماعية الراهنة، وتتعهد الدولة بضمان توفير الحد الأدنى لمعيشة المواطنين بكرامة، ومواجهة الفقر والاحتكار والاستغلال من خلال مؤسسات رقابية تابعة للدولة وتحت إشراف المجالس التشريعية في البلاد.

26- العمل الشريف حق لكل مواطن بغض النظر عن قدراته الذهنية والعلمية، والبدنية، وكذلك جنسه أو دينه، وتلتزم الدولة بتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص.

27- الرعاية الصحية حق أصيل لكل مواطني مصر تتحمل الدولة مسئوليته، وذلك من خلال منظومة للتأمين الصحي تشمل كل المصريين، وتتحمل الدولة حصص غير القادرين لهيئات التأمين الصحي، سواء بسبب العجز أو الفقر أو البطالة.

28- القطاع الخاص جزء هام من منظومة العمل الاقتصادي والاجتماعي في مصر، وتلتزم الدولة بوضع التشريعات المناسبة لتعظيم دوره في المجتمع، بمساهماته في المشروعات الصناعية وغيرها من مجالات الإنتاج، مع مراعاة حقوق العمال في إطار قوانين ومواثيق العمل القومية والدولية.

29- تلتزم الدولة بتسهيل عمل المنظمات الأهلية غير الحكومية في القيام بمهامها في إثراء العمل الطوعي، وتحفيز المواطنين لخدمة المجتمع.

30- الزراعة دعامة رئيسية للحياة في مصر، توليها الدولة عناية خاصة نظرا لحساسية وأهمية الأمن الغذائي في استقلال الإرادة الوطنية. ويمثل قطاع الزراعة واحدا من القطاعات التي تشرف الدولة عليها بالتنسيق مع القطاع الخاص لتدبير احتياجات البلاد من السلع والمحاصيل، وتوفر الدولة بالقانون الحماية اللازمة للمنتجين، وتعويضهم في حالة الكوارث عن خسائرهم من خلال صندوق خاص يتم تدبير موارده المالية من خلال استقطاع جزء يسير من ضريبة المبيعات العامة، باعتبار إغاثة الفلاح المصري فرضا على كل المصريين.

31- تلتزم الدولة بالحفاظ على مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وتعمل على توسيع رقعتها بغزو الصحراء، وابتكار واستخدام طرق الري والزراعة الحديثة لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني، وتلتزم الدولة بإعادة النظر في قوانين توريث الأراضي الزراعية بما يضمن عدم تفتتها بين الورثة، مع مراعاة القواعد الشرعية لضمان حقوق الورثة. ويمكن في هذا الأمر دراسة تجارب عدد من الدول الأوروبية في هذا الشأن.

32- المياه ثروة قومية لا تقدر بأموال ولا يمكن تعويضها؛ لذلك تلتزم الدولة بسن التشريعات والقوانين التي تنظم إدارة الموارد المائية بكفاءة وتخضع عملية إدارة الموارد المائية لإشراف جهاز خاص بذلك يراقب سلوكيات المجتمع في التعامل مع الموارد المائية للبلاد، بحيث يمنع استخدام المياه الصالحة للشرب أو ري الزراعات في ملاعب الجولف وحمامات السباحة، بل تلزم الدولة أصحاب تلك المشروعات بتنقية مياه الصرف الصحي، أو تحلية مياه البحار.

33- يشكل البحث العلمي أحد أهم الأعمدة للتقدم، والدولة ملزمة بتحفيز المؤسسات والجامعات والمعاهد العلمية على إجراء الأبحاث، وتطوير وسائل الإنتاج وتحسين المنتجات في إطار سياسة عامة واضحة للدولة بالتنسيق مع المؤسسات الصناعية العامة والخاصة.

34- الطاقة شريان الحياة في العصر الحديث، والدولة ملزمة بحسن إدارة مصادرها، وتطويرها وتعظيم الاستفادة منها جميعا، كما تلتزم بالسعي لتطوير واستحداث مصادر بديلة أتاحتها لنا الطبيعة، كالشمس والرياح وغيرهما. وتخصص الدولة نسبة محددة من إجمالي ناتج الدخل القومي – يحددها الخبراء - كل عام لتطوير مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، كما تتولى الدولة حملة قومية للتنوير والدعاية بين المواطنين لترشيد استخدام الطاقة، وتقديم حوافز عينية ومعنوية لتشجيع المواطنين على استخدام وسائل بديلة للمصادر التقليدية للطاقة.  

35- خدمة الوطن واجب على كل مصري ومصرية، سواء بالخدمة الإلزامية في القوات المسلحة ومدتها 14 شهراً، أو الخدمة المدنية الاختيارية ومدتها 20 شهراً، وتؤدى الخدمة المدنية في قطاعات الصحة، والزراعة، والتعليم، والرعاية الاجتماعية، والنظافة العامة، وحماية البيئة، ويمكن أن تتولى مسئوليتها هيئة خاصة تابعة للقوات المسلحة تسهم في تقديم خدمات متميزة للمجتمع بالتنسيق مع الوزارات المركزية أو المحلية المعنية.

36- الإعلام الحر النزيه ركن أساسي من أركان الحياة الثقافية في المجتمع، ولا سلطان للحكومة على استقلالية المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة، وتتولى شؤونها هيئة مستقلة تمثل فيها الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان ومنظمات المجتمع المدني غير الحكومية، وبعض الشخصيات العامة من ذوي الخبرة والسمعة الطيبة، وينظم أداؤها ميثاق شرف للعمل الإعلامي، ثم محكمة خاصة بفض النزاعات، وتخضع ميزانياتها لمراقبة الجهاز المركزي للمحاسبات.

37- يسري هذا أيضا على دور المسرح والثقافة الجماهيرية التابعة للدولة التي تلتزم بتقديم خطط عمل سنوية لمشروعاتها وتتلقى الدعم المالي من الدولة بقرار من هيئة مستقلة تابعة للمجلس القومي للثقافة الذي يتبع رئاسة الجمهورية ويصدر قرار تشكيله من رئيس الجمهورية بحيث يراعى في تمثيل أعضائه تحقيق التوازن بين القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

38- يتولى المجلس القومي للثقافة رعاية الآداب والفنون، وحماية التراث وتطوير الصناعات البيئية ذات الجذور التاريخية والشعبية.

39- يتم انتخاب رؤساء الطوائف الدينية مباشرة، ولا سلطان للدولة في اختيار أو تعيين أي منهم. يتم انتخاب رؤساء الجامعات من جانب مجالس الكليات التابعة لكل جامعة، ويقتصر دور الدولة في إصدار القرارات الخاصة باعتماد نتيجة الانتخابات.

40- الحفاظ على سلامة ونظافة البيئة مهمة قومية من الواجبات الأساسية للدولة .

 ........................

حسن بارود

فيينا في 23 يوليو 2008  

 

 

  7 

موائد الوحدة الوطنية الرمضانية

خواطر صائم يسعده الإفطار على مائدة إخوته المسيحيين

تذكرت وأنا في طريقي إلى مقر مجلس وزراء النمسا "المستشارية" تلبية لدعوة المستشار ألفريد جوزنباور لعشرات من المسلمين لتناول إفطار جماعي في هذا المبنى العريق مع ممثلي الديانات الأخرى في النمسا أنني حتى ذلك اليوم السابع عشر من شهر رمضان لم أتلق أو أسمع عن تلقي غيري دعوة إفطار من الكنيسة المصرية كسابق عهدها في سنوات كثيرة خلت، لكنني فضلت الانتظار وعدم استباق الأحداث فربما كانت الدعوات في الطريق، ومن يدريني فمازال أمامنا 12 يوما على نهاية شهر الصيام...

عصر يوم عشرين من رمضان الموافق العشرين من سبتمبر تلقيت اتصالا هاتفيا من الدكتور سمير شنودة يدعوني فيه إلى إفطار بقوله: "إن شاء الله نفطر سويا يوم السبت 26 في مقر الاتحاد العام للمصريين بمناسبة توديع المستشار طارق سلام"!.

طبعا ما كان هذا فقط ما كنت أتوقع سماعه من الدكتور شنودة، خاصة وأنه فيما يبدو مسئول العلاقات العامة في الكنيسة المصرية في فيينا، لكن الجملة التي كنت أنتظر سماعها لم تكن ضمن ما نطق به الصديق العزيز على الهاتف.

انقضى رمضان فلكيا وعمليا عن 30 يوما كاملة ولم تبادر الكنيسة المصرية في فيينا خلال أي من أيامه الثلاثين بدعوة مصريين مسلمين أو غير مصريين لتناول إفطار جماعي كنت شخصيا حريصا على حضوره والاستمتاع بتناول وجبة المحبة مع وإلى جوار إخوتي وأخواتي من الجالية المصرية المسيحية في فيينا. نعم لقد أصبحت أشتاق إلى دعوة لوجبة إفطار مع مصريين مسيحيين بعد أن كنت ورفاقي وأصحابي المسيحيين - في أول عهدنا بالغربة في فيينا في منتصف سبعينات القرن الماضي - نتناول تحت سقف واحد وعلى مائدة واحدة ، وفي مرات كثيرة من طبق واحد، وجبتين على الأقل كل يوم كأصدقاء وشركاء في أكثر من شقة انتقلنا إليها في أحياء فيينا، أو على مائدة طعام واحدة في النادي المصري سواء في رمضان أو غيره من شهور السنة.

عدت بذاكرتي إلى الوراء - نعم لأكثر من 30 سنة خلت - حين قدمنا لأول مرة إلى النمسا. تذكرت رفاقي الذين التقيت بهم في رحلة الغربة؛ نبيل يعقوب وعوض فرج وألفونس أمين وسمير بقطر ويحيى زغلول ونشأت خليل ورضا ناشد، وجرجس إسحاق، ونبيل يني وصبحي يعقوب، وحسن رمضان وعمر شكل، وأحمد القاضي ومحمد مرسي وخليل رزق الله، ونبيل برسوم، وكامل تادرس وأولاد غانم الأربعة "مدحت ونبيل وأحمد ومحمد" والسيد إبراهيم وأحمد خشبة، ونبيل البغدادي، وعادل البغدادي وسعيد الشاعر والرياضيين عبد العزيز حنفي ومحمود قاسم ومحمد بصري وغيرهم الكثيرين ممن باعدت الأيام بيننا وتفرقت أوطاننا ومواقع اغترابنا، فقد هاجر ألفونس الطبيب البيطري ومعه سمير إلى كندا، وعاد نبيل يعقوب بسيارة "بيجو" على الأقل إلى مصر ليخدم الآن في بلاط الكنيسة مقربا من قداسة البابا شنودة، ومثله عاد يحيى سعد زغلول المهندس الزراعي ليصبح مسئولا كبيرا في سوق روض الفرج وربما أيضا في سوق العبور، وبقيت أنا في فيينا مع نبيل وصبحي وخليل وكامل وفيليب لنسعد بالتعرف على رواد الرعيل الأول من أبناء مصر في النمسا مسلمين ومسيحيين، سواء من رحل منهم إلى عالم الغيب أو بقي مع من بقي في عالم الأحياء مع حفظ الألقاب طبعا، مثل نبيل زكي وسمير ستينو، ومحمد الشحومي، والعمدة الراحل حسن حافظ والسيدين؛ العربي والمهدي، فنابليون فرج، وعابد يني والسميرين؛ شحاته وشنودة، وفوزي نخلة، وكمال عاشور ومحمود فوزي والعادلين؛ ثابت وزعزوع وأحمد أبو العينين وخطاب لاودن، وإدمون فركوح، ثم مصطفى عبد الله وعبد المنعم توفيق ومنصور الجنادي وسهير الشيشيني وجورج يونان وأحمد جاويش ومحمد عزام، وأديبة الخولي وماجدة متولي وسامية تادرس وليلى طناش وميري عطية ونادية عزيز وحليم جرجس وأشرف وكيم، وعشرات آخرين أسعد في كل مرة ألتقي واحدا منهم، وأشعر بصدق مشاعره نحوي عند كل لقاء.

نعم كان النادي المصري في تلك الأيام بيتنا نلتقي بين جدرانه في ساعات الفرح والترح نتحادث، نتسامر، نتناقش ونأكل على مائدة واحدة طعاما قد يعده الطباخ المسلم أو المسيحي. ولم يخل الأمر أحيانا من تصايح أو تشاجر البعض كما يحدث في بيت الأسرة الواحدة. نعم كنا مصريين خرجنا من وطننا مصر لنعيش كمصريين في وطننا الثاني النمسا، أما عقائدنا فتمارس في بيوتنا ودور عبادتنا.

في تلك الأيام لم يكن غريبا أن يتقاسم المصريون - مسيحيين ومسلمين - شقة واحدة، بل وفي أحيان كثيرة غرفة واحدة تختلط فيها أنفاسهما، ويتقاسمان رغيف العيش الواحد في مودة ومحبة واحترام متبادل لآدمية وعقيدة الآخر.

لا أريد أن أفك مزيدا من قيود ذاكرتي لتعود بي إلى أيام الطفولة والصبا والشباب في القرية التي نشأت فيها، والقاهرة التي كنت أتردد عليها في زيارات متقاربة لأبناء عماتي في أحيائها المختلفة، قبل أن أنتقل للدراسة في جامعة الأزهر بالدراسة. وإن كانت أخصب ذكرياتي في حي شبرا – مسرة وروض الفرج – في منزل مكون من ثلاث طوابق وست شقق تسكن ثلاثة منها أسر مسلمة والثلاثة الأخرى لمثلها مسيحية. كنا نلعب على السلم وفي الشارع؛ محمد ومصطفى وحسن وفخري وفيكتور ومراد ويسري، ونذهب إلى السينما، ونؤجر دراجات نرتع بها في الشوارع، ونلعب كرة القدم، ونتخاصم ونتصالح، ونتقارب ونتباعد، لكن خيوط المودة الواصلة بين قلوبنا متينة، شأنها شأن الخيوط التي - كانت وما زالت - تربط وتصل الشرفات على جانبي كل شارع في شبرا وقد علقت عليها الزينات بالهلال والصليب احتفالا واحتفاء بأعياد المسلمين والمسيحيين.

نعم كم شاهدت وعايشت – طفلا وصبيا وشابا - الأسر المصرية المتجاورة تتبادل أطباق الأطعمة في الأعياد والمناسبات الدينية والخاصة، وفي أحيان كثيرة أرغفة الخبز أو الشاي والسكر والزيت والبصل والثوم عند الحاجة. وكم من مرة حل بعض أفراد الأسر المسيحية من جيران أقاربي في القاهرة ضيوفا علينا في القرية خلال العطلات الصيفية، وكم من مرة رافق الجيران المسيحيون- قادمين من القاهرة - جثمان من توفي من الأقارب المسلمين إلى مثواه الأخير في مدافن القرية. كم ... وكم... وكم...؟؟؟

 لقد كنا لبعضنا سترا وغطاء كما يقال، وسيبقى حي شبرا هذا يمثل لي بوتقة الحضارة والثقافة والعادات والتقاليد المصرية الأصيلة بكل ما تعنيه من المودة والرحمة والصفاء والعفة والنقاء.

نعم...، كنا في الأمس القريب، قبل ثلاثين سنة، مصريين مسيحيين ومسلمين متقاربين متحابين متسامحين، والآن نقول هم ونحن، كانوا وكنا، أصبحوا وأصبحنا، صاروا وصرنا في المقام الأول مسيحيين أو مسلمين متباعدين متعصبين متشددين متطرفين متحاقدين متباغضين، وربما في المقام الثاني أو الأخير مصريين، نتزاحم ونتصارع ونتقاتل.

صرنا نصادر حق الله الواحد في تصريف أمور خلقه وعباده ومحاسبتهم يوم القيامة، ننبذ هذا، ونضايق ذاك، نسخر من هذا ونكفر ذاك، وننسى أو نتناسى أن الله وحده هو الذي سيفصل بين كل الناس يوم القيامة فيما اختلفوا فيه!

خلاصة القول؛ استجابت الكنيسة المصرية في النمسا لقرار الكنيسة الأم في مصر بعدم إقامة موائد إفطار الوحدة الوطنية هذا العام، بسبب وجود قداسة البابا شنودة خارج البلاد للعلاج، وهذا صحيح، ولكن هل هذا يمنع من إقامة المائدة السنوية في الكاتدرائية ويسعد الحاضرون بتلقي رسالة تحية بالفيديو من قداسة البابا من مقر إقامته وهو الذي حرص طوال أسابيع عدة على متابعة تطورات قضية دير "أبو فانا" بالمنيا، بل وكم من مرة استدعى قداسته أطراف الأزمة إلى أمريكا فهرع إليه مسلمون وقديسون ورهبان وسياسيون ورجال أعمال؟!

قد أميل وغيري كثيرون إلى تفهم الموقف الحساس لقيادات الكنيسة الأم في مصر تجاه عدد من الأمور مثل: من سينوب عن البابا ويجلس إلى جوار شيخ الأزهر على مائدة الوحدة الوطنية؟ وهل هو الخليفة القادم – أقصد البابا القادم؟ ولكن حل هذه المشكلة كما ذكرت بالحضور "الإلكتروني " لقداسة البابا من خلال "الفيديو كونفرانس". ولم لا وقداسته رجل عصري واسع الأفق والصدر كذلك؟ وما أظنه كان سيتردد أو يرفض تمثيله الإلكتروني بين ضيوف الكاتدرائية المرقسية بالعباسية!

سمعت مبررات أخرى عديدة من بينها تشكيك الكثيرين في جدوى تلك الموائد السنوية حيث يتبادل عنصرا الأمة الأحضان والقبلات مع بقاء أزمات البلاد ومشاكلها بدون حلول، وكأن أولئك المشككون والمتشككون يستكثرون علينا مسلمين ومسيحيين ما تبقى لنا من هذه الأحضان وتلك القبلات التي اختفت من حياتنا اليومية المشتركة ليقتصر تبادلها على مرة أو مرتين وربما ثلاثة في السنة بكل ما تعنيه سنواتنا من أزمات وضائقات معيشية وفكرية.

ماذا يضيركم أيها السادة إن بقي على أرض مصر من المسلمين والمسيحيين من يتعانقون ويتبادلون التحية والتهنئة بل وحتى القبل؟! إن مشاعر أغلبيتهم صادقة وهم متحابون رغم اختلاف العقيدة، بل وربما لاختلاف العقيدة، لكنهم مصريون قبل كل شيء، فالإنسان يولد على أرض وطن، ثم ينسب أو ينتسب بعد ذلك لعقيدة.

قيل أيضا إن توتر العلاقة بين مصر الدولة ومواطنيها من مسيحيي المهجر، خاصة بعد مظاهرات بعضهم التي شهدتها عدة عواصم ومدن أوروبية وأمريكية سبب آخر للتخلي عن عادة حميدة استنها قداسة البابا شنودة منذ سنوات، وأقول لؤلئك: وهل العلاقة متوترة فقط بين مصر الدولة ومواطنيها المسيحيين في الخارج؟ وماذا عن علاقتها بأغلبية مواطنيها المسلمين والمسيحيين في الداخل؟ هل توقف الاحتجاج والاعتصام والإضراب والتظاهر في مدن مصر، حتى لا يتزاور المصريون ولا يتعازمون؟!!

ولكن لماذا أكتب الآن عن هذا الموضوع؟ وماذا يضيرني أو يسعد غيري إن أقيمت موائد وحدة وطنية أم لا؟

الإجابة في منتهى البساطة أيها السادة، ولا تخلو من أنانية مشروعة!

روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: " للصائم فرحتان؛ فرحة عند فطوره وفرحة عند لقاء ربه ". وأصدقكم القول أنني أشعر بسعادة بالغة عندما يشاركني صديقي وأخي في الله والوطن المصري المسيحي فرحتي عند فطوري بعد غروب شمس يوم من أيام رمضان، وتزداد فرحتي إن دعاني هذا المصري المسيحي للإحساس بالفرحة الأولى على مائدته.

هل هذا كثير على المصريين أن يتشاركوا في الفرحة، ليبددوا ولو قليلا من ضباب الجهل والتعصب والكراهية؟

هل هذا بكثير على المصريين الذين يحرصون على التردد على المساجد والكنائس وترديد آيات القرآن والإنجيل والاستشهاد بها، أن يدركوا أن مصر وطن يتسع لهم جميعا وأن أرض مصر لن تضيق بمساجد وكنائس المصريين، وأن فضاءها يخلط في توليفة رائعة ترانيم الآذان ودقات أجراس الكنائس ؟!

هل تستكثرون علينا أن نلتقي مرة في السنة على مائدة واحدة نقتسم طعامنا وشرابنا ثم نتعانق  ونتبادل القبلات، إخوة مصريين متحابين متوادين متعاطفين متسامحين مسلمين ومسيحيين؟!

وهل نكتفي الآن باللقاء على موائد الوحدة الوطنية النمساوية؟!!!

أيها المصريون اتقوا الله في مصر ! ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر!!!    

 

  8 

قليل من السياسة

فلسطين في الذكرى الستين لتقسيمها 

نقلت وسائل الإعلام تصريحات لوزيرة خارجية إسرائيل "تزيبي ليفني" بشرت فيها عرب 48 باحتمال إقامة دولة فلسطينية مستقلة بجانب دولة إسرائيل، ونصحتهم الوزيرة الإسرائيلية بالنزوح عن أراضي دولة إسرائيل والتوجه إلى مناطق الدولة الفلسطينية الجديدة حيث الانسجام العرقي والديني والشعور بالانتماء الوطني الحقيقي. وعللت رئيسة حزب كاديما نصيحتها الغالية لعرب 48 بأن دولة إسرائيل أقيمت لتكون وطنا قوميا خالصا لليهود من شتى أنحاء المعمورة، وأنه من الأفضل لسكان إسرائيل من العرب – مسيحيين ومسلمين - أن يدركوا الحقيقة التاريخية والدينية لدولة اليهود التي لا مكان فيها لغير اليهود.

لم أفاجأ بتصريح " ليفني" وغيرها من ساسة وقادة إسرائيل، فقد كانت كلمات أستاذ إسرائيلي يدعى "إيلان بابّه Ilan Pappe" – 54 عاما - الذي يعمل أستاذا للعلوم السياسية بجامعة "Exeter" البريطانية، حول سياسة التطهير العرقي التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، في محاضرة له يوم 6 ديسمبر بقاعة الاحتفالات بمبنى رئاسة الحي التاسع في فيينا، ما تزال تملأ سمعي وتشغل حيزا كبيرا من ذاكرتي.

نعم لقد استعرض أستاذ التاريخ والعلوم السياسية – الإسرائيلي الجنسية - على مدار قرابة الساعتين تاريخ واستراتيجية الحركة الصهيونية منذ تأسيسها في 1898 على يد النمساوي "تيودور هرتزل"، والتي توجت بإنشاء دولة إسرائيل في سنة 1947، بل وقبل ذلك التاريخ بعقود شهدت العديم من ممارسات الحركة الصهيونية التي وصفها المحاضر بالاستعمارية منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى بهزيمة الإمبراطورية العثمانية وخلال فترة الوصاية البريطانية على فلسطين عمليات تطهير عرقي فظيعة ضد عرب فلسطين بمساعدة السلطات البريطانية حينا، ومن وراء ظهرها أحيانا.

وقد يكون من المفيد أن أبدأ باستدعاء ما احتفظت به ذاكرتي من أقوال وآراء المحاضر المتميز قبل أن أستطرد في طرح خواطري وانطباعاتي الشخصية عن الوضع الراهن للقضية الفلسطينية وعلاقة هذا الواقع بنصيحة السيدة ليفني لعرب 48 .

- أكد المحاضر أن الحركة الصهيونية ذات توجهات عنصرية منذ نشأتها في نهاية القرن التاسع عشر، رغم وجود مبررات منطقية لتأسيسها، كرد فعل لما تعرض له يهود أوروبا، وحاجة الجاليات اليهودية لرابطة تدافع عن هويتهم الدينية والثقافية، ومن ثم فإن إقامة دولة إسرائيل في فلسطين شكل الهدف الأكبر للحركة الصهيونية. لذلك دأب الصهاينة الأوائل على تفريغ فلسطين من العرب لتصبح على حد وصفه "أرضا بلا شعب"، يسهل على اليهود التي اعتبرتهم الحركة الصهيونية "شعبا بلا أرض"، ملأ الفراغ السكاني في فلسطين.

- أن العرب لم يدركوا في بداية العقود الأولى للقرن العشرين المغزى الحقيقي من تدفق المهاجرين من دول شرق أوروبا على فلسطين، وانتقدوا أوروبا لطردها فقراء اليهود من أراضيها، في حين كانت موجات الهجرة اليهودية تنفيذا دقيقا لسياسة الحركة الصهيونية الرامية إلى التغيير التدريجي للتركيبة السكانية في فلسطين.

- بانتهاء فترة المواجهات العسكرية بين إسرائيل وبعض الدول العربية المجاورة في 1948 كانت إسرائيل قد تمكنت من تدمير نصف القرى والمدن الفلسطينية وإخلاء فلسطين من نصف شعبها، سواء بالقتل أو الطرد.

- نجح "دافيد بن جوريون" الأب الروحي للدولة العبرية ومن بعده  قادة إسرائيل مثل رابين، وآلون، وبيريز، وشامير، وشارون، وديان، وجولدا مائير وغيرهم في انتهاج نفس السياسة الرامية إلى بسط نفوذ إسرائيل على معظم الأراضي الفلسطينية، وإجبار المزيد من الفلسطينيين على الرحيل عن ديارهم.

- أحسن ساسة إسرائيل استغلال "الهولوكوست" في كسب ود وتأييد المجتمعات والحكومات الغربية، بل وفرض الصمت على دول أوروبا وأمريكا والمنظمات الدولية على حد سواء تجاه عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي مارستها إسرائيل ضد الفلسطينيين خلال حرب 48، لخشية المنظمات الدولية من احتمال تبرير أفعال النظام النازي ضد اليهود من خلال توجيه انتقادات لممارسات الدولة اليهودية ضد الشعب الفلسطيني.

- أكد أن إسرائيل استفادت كثيرا من تباين مواقف الدول العربية واتساع هوة الخلاف بينها بالإضافة إلى التمزق الفلسطيني، وتمكنت من إقناع الإدارات الأمريكية المتعاقبة بتبني سياسات الدعم المطلق للدولة العبرية باعتبارها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط وخط الدفاع الأول لحماية مصالح العالم المتمدن في الشرق الأوسط.

- حذر من عواقب استمرار الصمت الدولي، وبالتحديد صمت الشعوب الأوروبية والأمريكية تجاه السياسة العنصرية لإسرائيل ضد الفلسطينيين. وأكد أن ممارسة شعوب أوروبا ضغوطا على حكوماتها يصب في مصلحة إسرائيل واليهود والمنطقة، بل إنه يدعو إلى مقاطعة إسرائيل سياسيا واقتصاديا وثقافيا لحث حكوماتها على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، ورفع أياديها عن مصير الفلسطينيين.

- أوضح أن إسرائيل تمارس حاليا سياسة فجة لدرجة أنها تعطي لنفسها وحدها الحق المطلق في اختيار فريق المفاوضات بتحديدها هوية الفلسطينيين، حيث تنكر وجود  حقوق للاجئين، وتستبعد من المفاوضات من تشاء، كما تسمح لنفسها بتحديد المناطق التي يمكن لمن ترغب من الفلسطينيين التفاوض بشأنها، فتصر على الاحتفاظ بالقدس وأجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وتقيم الجدار العازل لتمزق ما تبقي من تجمعات متجانسة للفلسطينيين.

- شبه سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين بسياسة التفرقة العنصرية "الأبارتايد" في جنوب أفريقيا، وأشار إلى أن إسرائيل تطبق أكثر من 15 صيغة قانونية على الفلسطينيين داخل وخارج إسرائيل، في حين تطبق قانونا موحدا على مواطنيها من اليهود.

- يرفض المحاضر الإسرائيلي حل الدولتين ويستبعد احتمال استمراره في حالة التوصل إليه نظرا للأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل داخل المناطق الفلسطينية التي تتخللها المستعمرات اليهودية، ووجود مواطنين لكل دولة داخل أراضي الدولة الأخرى.

- يرى أن حل الدولة الواحدة أفضل الحلول بحيث يسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أوطانهم، وللمهاجرين اليهود بالبقاء، والتوصل إلى حلول للنزاعات حول الملكية التي ستنشأ بين أصحاب الأرض الأصليين من الفلسطينيين والسكان الجدد من اليهود.

- أكد أنه يسعى مع عدد من المثقفين الإسرائيليين والفلسطينيين من مختلف الاتجاهات لوضع مشروع لدستور الدولة الموحدة يتناول فيه شكل الدولة، وطريقة حكمها، ونظام التعليم فيها وغير ذلك من الأمور، وأوضح أن الوقت لم يحن بعد لإعلان هذه الوثيقة، في ضوء الصمت الدولي على الممارسات الإسرائيلية.

هذا تقريبا معظم ما احتفظت به ذاكرتي من المحاضرة التي ألقاها الرجل باللغة الانجليزية رغم أنه ابن لوالدين ألمانيين اضطرا إلى الهجرة من ألمانيا إلى فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي هربا من اضطهاد الحكم النازي، ورغم خدمته في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر/تشرين 1973 على هضبة الجولان السورية، إلا أنه كان من أول المعارضين لاستمرار احتلال إسرائيل للأرضي العربية، وعارض بشدة حرب إسرائيل على لبنان في صيف 2006، كما أعلن تأييده أكثر من مرة للمقاومة الفلسطينية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، مع اختلافه مع التوجهات السياسية لحركة حماس.

قد يتفق معي القارئ الكريم على أهمية وضرورة الاهتمام بترجمة مؤلفات هذا الرجل إلى اللغة العربية، والتي من أبرزها كتابه الأخير "The Ethnic Cleansing of Palestine التطهير العرقي لفلسطين" الذي صدر بالإنجليزية عام 2007، وصدرت ترجمته الألمانية هذا العام. وما المانع من قيام كل منا بإهداء نسخة بالألمانية  لأصدقائنا ومعارفنا من النمساويين والأجانب؟

عودة إلى تصريحات " تزيبي ليفني" الواضحة في ظاهرها وباطنها لأنها تندرج ضمن قائمة ممارسات تفريغ فلسطين من العرب بإقصاء كل من وما هو فلسطيني، أي التطهير العرقي الذي كتب وتحدث عنه البروفسور الإسرائيلي.

يخطئ من يظن أن إسرائيل قد تتخلى طواعية عن أراضي الضفة الغربية مقابل نزوح عرب 48 عن أراضيهم في إسرائيل، بل المؤكد أن إسرائيل قد تتكرم بترك ما تبقى من الفتات للفلسطينيين لإقامة دولتهم المزعومة، لأنها لن تسمح بأي حال من الأحوال بوجود يهود داخل أراضي الضفة يخضعون لسيادة الدولة الفلسطينية. لذلك ليس من المستبعد أن تضغط إسرائيل في اتجاه اعتبار قطاع غزة الدولة الفلسطينية المرتقبة بعد إضافة "هلاهيل" من الأرض الفلسطينية التي مزقتها المستعمرات والجدار العازل إلى القطاع. وعلى الفرقاء الفلسطينيين مواصلة نزاعاتهم على السلطة والسطوة في دولة المستقبل. 

ويخطئ من يظن أن المجتمع الدولي سيسمح في المستقبل المنظور بإخراج اليهود من المستوطنات التي أقاموها على ربوع أراضي فلسطين خلال العقود الأخيرة، تمكنت فيها حكومات إسرائيل المتعاقبة من فرض أمر واقع، على الفلسطينيين والعالم أن يتعايشوا معه، ومن الأفضل لهم أن يتعايشوا مع هذا الواقع في سلام.

لكن لا يخطئ من يظن أن حالة التفكك والتشرذم الفلسطينية الراهنة تصب في المقام الأول والأخير في مصلحة التوجه الإسرائيلي الذي عبرت عنه وزيرة خارجية إسرائيل بصراحة. وهل في مقدور عاقل أن يقنعني بجدوى الصراعات الفلسطينية، وفي مصلحة أي فريق تصب؟

لماذا لا يجتمع الفلسطينيون على كلمة سواء فيما بينهم؟ فلا يجعلوا سدة الحكم هدفهم، وأن يتخلوا عن خدمة أكثر من "سيد" من خارج فلسطين، فالشعب الفلسطيني هو السيد الوحيد على ما تبقى من أرضه وفي الشتات.

أيها الفلسطينيون، أفيقوا من غفلتكم وتخلوا عن غلوائكم وتناحركم، فلن يفيدكم غير عقولكم وسواعدكم، واعلموا أن فيكم أناسا شتى مغلوبين على أمرهم جراء ما تقترفه أيادي المتصارعين منكم، أعمت السلطة أبصارهم عن مصالحكم، فأصبحتم هوانا لأعدائكم - وما أكثرهم – تستجدونهم  رفع الحصار والتفضل بالمساعدات الإنسانية والصدقات، وتتلهفون على جرعة ماء أو لقمة خبز، ولا أقول دواء للعلاج، أو وقودا يقيكم برد الشتاء!!!

إعلموا أيها الناس أن أمريكا ساعدت ما أسمتهم مجاهدي أفغانستان نكاية في الاتحاد السوفيتي السابق، وليس حبا في الأفغان!

واعلموا أنها تتحالف الآن مع الروس وغيرهم ضد إرهابيي اليوم ومجاهدي الأمس، بعد انقلاب السحر على الساحر!

ألم تتساهل إسرائيل في الماضي القريب مع تنظيم حماس نكاية في منظمة التحرير الفلسطينية؟ ثم ألا تسعى إسرائيل الآن للإيحاء بأنها تساعد فتح نكاية في حماس؟

وهكذا سلوك كل القوى التي تتطوعون حبا أو كرها للعمل لمصلحتهم ونيابة عنهم، بينما يبقى الشعب الفلسطيني الأعزل تائها حائرا وسط نيران الفصائل المتصارعة، ربما لمصلحة قوى خارجية تدعي الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.

أيها الفلسطينيون، غيروا أنفسكم قبل أن تغيركم إسرائيل! وتأكدوا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم!

 

   9 

خواطر حول

المقذوفات وحالات الهوس

التي أعقبت واقعة

الصحفي العراقي

في ثقافة التظاهرات والاحتجاجات الشعبية في الدول الأوروبية وغيرها من دول العالم غير العربية، رأينا قبل ذلك تطاير مقذوفات مختلفة في الهواء في اتجاه إما قوات الشرطة أو المسئولين السياسيين، ففي بعض الأحيان يقذف المتظاهرون الطرف الآخر بالبيض الفاسد، أو الطماطم، أو بالكعكة كما في الأفلام، لكنها كلها أدوات ومواد تستخدم للتعبير عن سخط وغضب جماعة ما من البشر ضد مسئول بعينه أو حكومة في دولة تسمح بالمظاهرات باعتبارها حقا طبيعيا من حقوق الإنسان.

وقبل عدة سنوات احتجت قطاعات عريضة من شعب أوكرانيا ضد رئيس البلاد فخرج الناس إلى الشوارع وقد لفوا حول أعناقهم شرائط من القماش لونها برتقالي، وحملوا في أيديهم أواني معدنية أخذوا يطرقونها لأيام طويلة حتى سقطت الحكومة وأجريت انتخابات حرة.

وقبل عدة أسابيع خرج عشرات الآلاف من مواطني تايلاند في مظاهرات حاشدة استمرت عدة أيام واحتلوا مطار العاصمة مطالبين باستقالة رئيس الوزراء لتورطه في عمليات فساد، ولضلوع حزبه في تزوير الانتخابات البرلمانية، ثم انفضوا بعد قرار المحكمة الدستورية في بلادهم بحل حزب رئيس الحكومة وحرمانه مع كثيرين من رفاقه من ممارسة العمل السياسي لخمس سنوات قادمة.

أما في اليونان وعلى مدار الأسابيع الماضية تشهد العاصمة أثينا مظاهرات واحتجاجات صاخبة لشرائح عديدة من المجتمع احتجاجا على مصرع فتى عمره 15 عاما برصاصة من أحد جنود الشرطة. وفي مظاهرات أثينا شاهدنا أنواعا شتى من المقذوفات مثل زجاجات المولوتوف الحارقة وغيرها.

ومن منا ينسى أطفال وشباب الحجارة في فلسطين أثناء انتفاضتهم الشهيرة التي استمرت سنوات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، قذف خلالها الفلسطينيون أطنانا من الحجارة ضد جنود الاحتلال المدججين بأحدث الأسلحة.

لكن واقعة المقذوف "الحذائي" للصحفي العراقي تجاه الرئيس الأمريكي "الراحل" جورج بوش قبيل بدء مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس وزراء العراق احتلت مساحة واسعة من اهتمام الرأي العام في مختلف أرجاء العالم. وقد انصب معظم هذا الاهتمام على نقل ردود الفعل في العالم العربي بالذات وتحليل دوافع الشعوب العربية لحالات التلذذ والنشوة التي عكستها تعليقات الصحافة ووسائل الإعلام، بالإضافة إلى ما سطرته أقلام الكتاب وأنتجته قرائح الشعراء، وريشة الرسامين، وكذلك وقفات وبيانات التضامن من شتى التنظيمات الأهلية وشبه الرسمية تمتدح الصحفي وتعلي قدر حذائه، رغم بل وربما لوضاعة النعال والأحذية في الثقافة العربية.

لعلنا نتفق على أن أثمان النعال أو الأحذية لا تعلي من شأنها رغم الارتفاع الكبير في أسعار الأحذية بصفة عامة، وأحذية علية القوم من الماركات العالمية بصفة خاصة، لكن قيمة الحذاء في المفهوم العربي تبقى ملتصقة بالأرض وبسطح الشارع مهما كان نظيفا. فالحذاء هو المداس مهما ارتفع سعره ومهما كانت قيمته في إراحة القدمين اللتان تنتعلانه حتى لو كان حذاء طبيا.

عودة إلى ردود الأفعال والتي كان من بينها على ما يبدو احتجاج مكتوب تقدمت به السفيرة الأمريكية في القاهرة للحكومة المصرية تنتقد فيها ردود الفعل في الصحافة ووسائل الإعلام المصرية التي ركزت على إهانة الرئيس الأمريكي، واعتبار السفيرة أن الصحافة "القومية " على الأقل ما كان لها أن تسمح بنشر مثل هذه الإهانات إلا بتلقي الضوء الأخضر من الحكومة المصرية.

استهجن كثير من المصريين سلوك السفيرة الأمريكية لدى مصر، واعتبروا ذلك تدخلا في الشأن الداخلي لبلدهم، وقبل ذلك بأيام استهجنوا قيام متظاهرين إيرانيين بالهجوم على مكاتب البعثة المصرية في طهران وعدد من العواصم الأخرى احتجاجا على موقف مصر الرسمية من استمرار إغلاق المعابر بين مصر وقطاع غزة، ومنذ سنوات طويلة يستهجنون ويدينون موقف إيران من الإرهابي قاتل الرئيس الراحل أنور السادات، باعتبار تلك الأفعال إهانة لمصر والمصريين، لكن فيما يبدو ليس من حق السفيرة الأمريكية الممثلة الرسمية لبلادها الاعتراض على إهانة رئيس دولتها.

وقبل أن يشطح خيال بعض القراء باتهامي بالعمالة لأمريكا والدفاع عن رئيسها أسمح لنفسي بطرح وجه نظري في هذه المسألة:

أولا: في رأيي أن حذاء الصحفي العراقي رمز لأحذية ملايين من مواطني الشعوب المستضعفة والمغلوبة عل أمرها تمنوا لو استخدموها كمقذوفات في اتجاه الطغاة لكنهم عاجزون حتى عن مجرد خلعها ليس أمام حكامهم، بل أمام شرطي صغير في بلادهم. أما الحالات المشروعة لخلع الحذاء في الثقافة العربية المعاصرة فهي إما عند النوم، أو الصلاة، أو في غرف التعذيب لإزالة الحواجز بين هراوات المعذبين وأقدام الضحايا. أما الحالات الطبيعية لاختفاء الحذاء فهي العجز عن حيازته من الأساس، والاكتفاء بالحفاء الاضطراري لضيق ذات اليد والاقتناع بعدم حاجة القدمين للرفاهية الحذائية.

ثانيا: الاختلاف الأكبر بين أحذية أغلبية المواطنين العرب وحذاء الصحفي العراقي أنه بعد خروجه من السجن سيحتار في اختيار ما ينتعله من أحذية ستنهال تحت قدميه – لاحظ أنني تعمدت استخدام كلمة تحت قدميه بدلا من عليه - كهدايا من مختلف مصانع الأحذية، بل وربما فكر الرجل في تغيير مهنته ليعمل في مجال الدعاية والإعلان للأحذية المتميزة. أما المواطنون العرب فمن يجرؤ منهم على خلع حذائه في غير الحالات المشروعة سالفة الذكر، ومن ثم رفع الحذاء في وجه  أي من الأكابر، ولا سمح الله إذا أخذته العزة بالإثم وقذفه في تجاه هدفه فمن الأرجح أنه - في حالة بقائه على قيد الحياة - لن يتمكن من تعويض ما فقده بعد ضياع حذائه الذي سيتم التحفظ عليه كأحد الأحراز القانونية لاستخدامه كدليل دامغ على جرمه الحقير في حق الأكابر.

ثالثا: ربما كان من الأفضل للصحفي العراقي أن يطرح سؤاله بالصيغة التي يراها على الرئيس الأميركي ويستمع إلى إجابته، ثم يقدم على فعلته تلك، باعتبار الرئيس وممثلي الصحافة في حالة حوار لغوي وليس في معركة تراشق بالأحذية من طرف واحد.

ثم ما ذا لو كان الرئيس الأمريكي قد خلع حذاءه وصوبه نحو خصمه العراقي عملا بمبدأ القصاص والمعاملة بالمثل؟!!!

رابعا: ثم ألم يضرب عشرات من العراقيين بأحذيتهم تماثيل رئيس العراق السابق صدام حسين جهرا وعلانية على مرأى ومسمع من العالم؟ أو لم يستهجن كثيرون منا تلك الأفعال، رغم اقتناع مرتكبيها بدوافعهم نحوها؟!!!

خامسا: ألا يوجد بيننا كثيرون يترحمون على أيام صدام حسين مقابل آخرين يلعنون تلك الأيام، ولكل فريق مبرراته؟!!!

سادسا: هل يطغى ضجيج فرحتنا بالحذاء المقذوف صوب الرئيس الأمريكي على حالة عجزنا عن توحيد صفوف الفلسطينيين المتناحرين على السلطة في قطاع غزة رغم كثافة وتنوع المقذوفات الإسرائيلية من قنابل عنقودية وأسلحة فتاكة على رؤوس الفلسطينيين العزّل، وكذلك عجزنا عن وقف الصراع بين طوائف العراق ولبنان، والسودان وغيرها؟!!!

سابعا: هل تنسينا النشوة بما أقدم عليه الصحفي العراقي واقعنا اليومي الذي نعيش فيه وقد تخلفنا عن ركب الحضارة، وحصرنا اهتماماتنا بالقشور من أمور ديننا ودنيانا؟!!!

ثامنا: هل نحن حقا مؤمنون بتحرير أنفسنا من التبعية للغير بأحذيتنا، أم بالعمل الجاد وإنتاج غذائنا وكسائنا بأيدينا وعلى أرضنا وباستثمار أموالنا فيما ينفع شعوبنا ويحقق لها الازدهار؟

تاسعا: هل نحن قادرون على نزع الخوف من أنفسنا في مواجهة المتسلطين على أقدارنا والمتحكمين في مصائرنا من بني جلدتنا ومن الغرباء؟!!!

عاشرا: هل صرنا نخشى النظر في مرايانا لنرى بأعيننا حقيقة أنفسنا، أم أن مرايانا مشروخة لا ترينا حقيقتنا، وهل نعجز عن التفكير بهدوء في سبل الخروج من مأزقنا، ولا ننتظر حذاء آخر يصوبه أحدنا نحو هدف غريب؟!!!

فيينا في 19 ديسمبر 2008

 

 

   10 

قليل من السياسة

خواطر حول الآثار النفسية

للحرب الإسرائيلية

 على الناجين من محرقة غزة 2008

 

من منا ومن غيرنا في شتى بقاع الأرض لم يشاهد مئات بلا آلاف الصور المشينة لآثار العمليات العسكرية الإسرائيلية طوال الأسابيع الأخيرة على ضحايا القنابل المتساقطة من الجو وقذائف المدفعية والدبابات والأسلحة الأخرى من البر والبحر على رؤوس وبيوت المدنيين الفلسطينيين في مختلف أنحاء قطاع غزة، لتخلف وراءها تحت أنقاض البيوت والمدارس والمساجد والشوارع والأزقة والحقول آلافا من الضحايا بين قتلى وجرحى من كل شرائح المجتمع الفلسطيني العمرية والاجتماعية دون تمييز؟!

ومن منا ومن غيرنا لم ينفطر قلبه لصور الضحايا من الأطفال الأبرياء والنساء الحوامل والمرضعات وقد تكومت جثثهن المشوهة إلى جانب من يحتضن من صغارهن القتلى أو أولئك من الصغار الأحياء الصارخين والباكين لصمت أمهاتهم، غير مدركين أن تلك الأمهات لا ولن تسمعن أو تستجبن لصراخ ونداءات أبنائهن وقد قضت الآلة العسكرية الإسرائيلية برحيلهن عن الحياة الدنيا إلى الأبد بهذه الصورة الوحشية؟!

ولكن ما ذا سيقول ممثلو مدارس ومذاهب التحليل النفسي التي أسستها العقلية والثقافة الأوروبية التي تربط بين تجارب الجنين منذ بدايته الأولى في رحم أمه وسنوات طفولته المبكرة وسلوكه الشخصي مع نفسه وفي المجتمع في أمر الناجين من أطفال غزة وشبابها ونسائها ورجالها بعد كل ما عانوه وعايشوه من مآس يندى لها جبين البشرية والعالم "المتحضر والمتمدن" في القرن الواحد والعشرين؟!

ما قول تلاميذ سيجموند فرويد في تأثير تلك العمليات على أجيال فلسطينية قادمة؟ هل سترسخ تجارب ومعاناة أولئك الناس في نفوسهم وعقولهم ثقافة السلام ونبذ العنف والتعايش السلمي والإيجابي بين القاتل وأهالي القتلى والضحايا؟

هل فكر دعاة حقوق الإنسان وحماية البيئة والرحمة بالحيوان في مستقبل أولئك الضحايا من الناجين؟ وهل يفترض العلماء والمتخصصون في علم النفس أن المواطنين العرب مخلوقون من طينة أخرى لا تتأثر بالجراح في الجسد والروح، غير طينة الأوروبيين والأمريكيين وسكان إسرائيل الذين وفدوا إلى أرض فلسطين من شتى بقاع الأرض؟!

نحن ندرك مدى الهلع والخوف الذي يعانيه مواطنو القرى والمدن الإسرائيلية التي تسقط عليها صواريخ فصائل المقاومة الفلسطينية، ليضطروا إلى البقاء في ملاجئ الحماية وتحرمهم من الخروج إلى حدائق بيوتهم، أو التوجه إلى أعمالهم!

من حقنا أيضا أن نتمنى للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية أن يجدوا ملاذا آمنا يقيهم ويلات القنابل الإسرائيلية الفسفورية، والصواريخ وقذائف المدافع والدبابات والرشاشات الآلية خفيفها وثقيلها، قبل أن تنهار على رؤوسهم أسقف وجدران مخيمات اللاجئين وبيوت المواطنين ومدارسهم، لتتحول كل غزة إلى مقابر جماعية لآلاف من الضحايا الأبرياء.

لكن من حقنا أيضا أن نطلب من أولئك الإسرائيليين من شتى أرجاء العالم الاكتفاء بما قررته لهم الأمم المتحدة قبل 60 عاما من أراضٍ لإقامة دولتهم عليها، والإقرار بحق الفلسطينيين الأصليين في حياة آمنة وإنسانية على ما من عليهم به المجتمع الدولي من مناطق لإقامة دولتهم، وحينئذ ربما لن يكون أي من الجانبين في حاجة لإنشاء ملاجئ لحمايتهم من تهديدات الآخر لأمنهم وسلامه، ومن يدري فقد يتمكن الفلسطينيون في يوم ما من الخروج مثلكم إلى حدائق بيوتهم.

لقد صدق رئيس النمسا في تعبيره عن مخاوفه من تزايد التطرف نتيجة للحرب الدائرة على قطاع غزة، وتوقع أن يبرر متطرفو المستقبل سلوكهم المتطرف بما شاهدوه من صور لضحايا الحرب البشعة على أطفال ونساء وشباب القطاع الفلسطيني.

 لكني أهمس في أذن الرئيس فيشر وآذان المسئولين في النمسا والاتحاد الأوروبي وأقول: "أيها السادة! معكم حق في التحذير من تزايد التطرف في الشرق الأوسط وغيره من مناطق العالم، لخشيتكم على أمن وسلامة أوطانكم وبلادكم من تبعات التطرف.

إنني أذكركم بواجباتكم أيضا نحو الناجين من الضحايا بأن توقفوا الحرب ضدهم، وتعيدوا لهم حقوقهم المشروعة، كي يتمكنوا من التغلب تدريجيا على آثار المحرقة الدائرة رحاها في غزة. ولكم في تاريخ بلادكم الحديث عبرة، وقد تحليتم بالشجاعة واعترفتم بمسئولية قطاعات عريضة من شعوبكم عن "الهولوكوست"، فلتراجعوا أنفسكم، واعملوا بما تمليه عليكم ضمائركم، واستجيبوا لنداء الإنسانية بأن تحبوا لغيركم ما تحبونه لأنفسكم من العيش في أمن وسلام، ولا تدعوا ثقافة العين بالعين والسن بالسن تهيمن على السلوك الإنساني، وإلا حملكم التاريخ مسئولية تهاونكم وتخاذلكم عن نصرة الحق، لأن التاريخ علمنا أيضا أن البادئ بالظلم أظلم.  

  Bookmark and Share

   11 

معذرة إن كتبت!

خواطر عابرة حول ما وقع من أحداث

في الآونة الأخيرة

 

أقر وأعترف أن ميلي للكتابة في الآونة الأخيرة أصابه الوهن والضعف، لا لندرة ما يدور في رأسي من أفكار، أو لعجزي عن التعبير عنها، ولكن لأنني بدأت أتشكك في جدوى الكتابة لقوم لا تقرأ أغلبيتهم، وإن قرأ بعضهم، فأكثرهم لا يحركون ساكنا - سلبا أو إيجابا - وكأن العلاقة بين الكاتب والقارئ ذات اتجاه واحد، فأنت تكتب، وهو يقرأ، وانتهى الأمر! لذلك أخذت أطرح الأسئلة على نفسي: ما جدوى ما تكتب أنت ويكتب غيرك، مادام مردود معظم ما يكتب يكاد يكون هباء؟!

لكن وكما يقول المثل: "يموت الزمار وأصابعه تلعب"، فإن داء الكتابة من "العلل" التي يستعصى اجتثاث جذورها، وربما أغراني هذا الموقف إلى القياس على المثل السابق بطريقة أخرى على نحو: "يموت الكاتب وقريحته تنضح أفكارا"! ومن هذا المنطلق قررت العودة إلى صياغة ما تنضح به قريحتي من أفكار في كلمات أردتها صادقة ومعبرة عما يجول في خاطري حول بعض التطورات والأحداث التي عايشناها خلال الأسابيع الأخيرة.

شهدت مدينة نجع حمادي بصعيد مصر ليلة السابع من الشهر الأول في سنة 2010 مجزرة أطفأت أنوار الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، وغمرت القلوب بالألم والحزن والأسى، وراح ضحيتها مواطنون مصريون أبرياء، خرجوا لتوهم من بيت لله يحتفون معا بمناسبة مقدسة، صاموا قبل حلولها نحو شهر ونصف، وكانوا مقبلين على العودة إلى الحياة الطبيعية، إلا أن آثمين أرادوا لهم مصيراً آخر، وبهذه الصورة البشعة، فنقلوهم إلى عالم الأبدية شهداء أبرارا للغل والكراهية!

تأزمت نفسيتي كثيرا لهذا العمل الإجرامي، وانهالت تساؤلاتي عن دوافع مثل أولئك الأشرار؛ هل لبشر أن يستأثر لنفسه وحدها بحق الحياة على أرض لها خالق ومالك غيره؟ وهل لضيف في الحياة الدنيا سويّ السريرة أن يعاند مضيّفه، رب البيت وصاحبه، ويحرم غيره من ضيوف الأرض حقهم في ضيافة الخالق؟ هل يتوقع هؤلاء الأشرار أنهم بقتلهم من يخالفهم في عقيدة أو توجه أو فكر سينالون رضا الله ويحظون برحمته، وينعمون بجنته التي لن تتسع لسواهم، كما أنكروا دنياهم على غيرهم؟ بأي رب يؤمن هؤلاء، حتى يريقوا الدماء ويروعوا الأبرياء ويقذفوا بالهلع في قلوب الأهل والأصحاب والأحباب، ييتموا أطفالا، ويرملوا زوجات، ويثكلوا أمهات؟

ألا إنه رب غير من نعبد وبه نؤمن، إنه صنم وليس إلها! صنم شيطاني صنعته أياد لا تجري في عروقها دماء بشرية، لأن الصنم بلا قلب.

إلى متى سنظل نقاسي ونعاني ونتألم من شرور التعصب والتطرف ونتلظى بنيران الإرهاب، أما حان الوقت كي يتروى مدعو ملاك الحقيقة دون غيرهم ويراجعوا أنفسهم في زعمهم بأحقيتهم في اعتلاء منصة المحكمة الإلهية في الدنيا والآخرة بدلا من الخالق؟

تساؤل آخر استلهمته من عملية محاولة تفجير إحدى الطائرات المدنية في الجو ليلة الخامس والعشرين من آخر شهور سنة 2009، سعى المخططون لها ومعهم من حاول تنفيذها أن يقذف بالركاب الأبرياء إلى الحياة الآخرة، متوهمين أنهم آلة طيعّة لتنفيذ إرادة الله، لكن إرادة الله كانت غير إرادتهم، فحبط عملهم، وافتضح أمرهم. وتساؤلي البريء هو: ما قول هؤلاء الأشرار في إقدام بعض الدول على استخدام آلة المسح الضوئي لأبدان البشر في المطارات والموانئ، والمراكز التجارية، وربما الفنادق، ووسائل المواصلات العامة، لضمان عدم إخفاء متفجرات في فروج النساء أو الرجال؟ وهل توهم عتاة الترويع أن التقنية الحديثة ستعجز عن إظهار أو كشف ما يستر الخمار أو الحجاب أو النقاب أو غيره من ثياب؟ هل سيفتي شيوخ الإرهاب بمنع النساء - وإن تنقبن - من مبارحة بيوتهن للسفر أو التسوق في المراكز التجارية، أو دخول الفنادق، وأماكن تستخدم فيها أجهزة المسح الضوئي للأبدان؟ ألا يخشون من إساءة استخدام ما تصوره أجهزة المسح الضوئي للأبدان في ابتزاز المحصنات من النساء، بعد أن كشفت المستور وربما بالألوان؟

هل يعتقد فقهاء الإرهاب أن غيرهم غير قادر على التصدي لحيلهم الشريرة وكشف عوراتهم بالعلم والتقنية الحديثة للوقاية من شرهم وحماية مواطنيهم الأبرياء من غدرهم؟

أسئلة وتساؤلات أرددها وأطرحها على من يقرأ، لعلها تنشّط أفكار البعض، وتضيء ولو شمعة صغيرة في نفق التعصب والتطرف والإرهاب المظلم!

 

 

   12 

خواطر في المقابر

 

شاركت يوم الاثنين 15 فبراير 2010 في جنازة الأستاذ جلال جبريل، أحد رجال الجيل الأول من شباب المصريين، الذين وفدوا إلى النمسا نهايات خمسينيات القرن الماضي لغرض الدراسة. لا أزعم أنني كنت واحدا من المقربين للراحل، لسبب بسيط هو حكم فرق السن؛ فقد رحل الفقيد عن عالم الأحياء عن عمر ناهز الرابعة والسبعين، بينما أقترب أنا من إكمال عامي السادس والخمسين بين أحياء هذا العالم. هذا إن قدر لي ذلك!

وصلت إلى المقابر الرئيسية بفيينا قبل الموعد المحدد لمراسم الجنازة بساعة كاملة، وقبل أن أتوجه صوب محل لبيع الزهور، رأيت السيد رضا شكري وزوجته في سيارته على بعد خطوات مني فتبادلنا التحية وفاجأني بقوله إنه متأثر جدا لرحيل جلال، وسألني إن كنت أعلم أنهما عاشا سويا في شقة واحدة لمدة ثلاث سنوات كاملة، كانا يتقاسمان كل شيء بدءا بالهواء وانتهاء بالملابس، ولفت نظري إلى رشاقة الفقيد في شبابه، وقد وبدت عليه علامات التأثر واضحة وهو يحدثني عن قرية الفقيد،  نزلة حنّا، مركز الفشن بمحافظة بني سويف، وجذور رضا شكري الصعيدية أيضا.

تجاورنا في المقاعد داخل قاعة المراسم التي كنا أول من دخلها، وانتهزت فرصة جلوس السيدة هيلجا شكري بيني وبين زوجها مع فسحة الوقت التي سبقت بدء طقوس الصلاة على روح الفقيد لأطوف بذكرياتي عن الفقيد الراحل ورفاقه منذ أول مرة رأيته فيها في النادي المصري، أنيقا، ودودا، مجاملا، بشوشا، لا تفارق شفتيه ابتسامة صادقة، ليّن الجانب، حلو الحديث، لا يلغو ولا يغتاب، ولا يسعى وراء نميمة.

كانت المرة الأولى التي دخلت فيها النادي المصري في صيف عام 1974 لتبدأ علاقتي بهذا المكان ومن يتردد عليه من البشر، حيث بدأت معرفتي عن قرب بالرجل ورفاقه فترة من الزمن تربو على 30 عاما ترددت خلالها على النادي المصري وسط مدينة فيينا عشرات المرات، وربما مئات المرات، جالست وتحاورت خلالها مع جلال جبريل، وأحمد أبو العينين، وإدمون فركوح، ومحمد الشحومي، ونابليون فرج، والسيد العربي، وسمير ستينو، وكمال عاشور، ونبيل البنايوتي، ومحمود فوزي، وأنور البطرماني، والسيد المهدي، ورضا شكري، وسمير شنودة، وحسن حافظ، وحنا زكي، وعلي سالم، ونبيل زكي، ومحمد زكي، وعادل زعزوع، وعابد ينّي، وفوزي متولي، وسمير شحاته، وعلوي الزيات، وعبد القوي بركة، واحتفينا بكل تقدير واحترام بالرواد أمثال المهندس شكري فرج المسيحي أبا وأما، والدكتور برادة المسلم أبا وأما، أو الدكتور حسين ضو من أب مسلم وأم مسيحية، وغيرهم الكثيرين من المصريين الذين عاشوا في الغربة الإرادية وقلوبهم في مصر، لا نشعر بفرق بين مسلم ومسيحي، نحتفل سويا بأعيادنا الدينية والقومية تحت سقف واحد، نتناول طعامنا من طبق واحد وعلى مائدة واحدة، نتسامر، نتناقش، نتفق وقد نختلف حول أمر أو أمور، وفي نهاية الجلسة أو السهرة تجد مسلما في سيارة مسيحي أو مسيحي في سيارة مسلم في طريق العودة إلى بيوتهم، حيث كان الكثيرون منهم يقيم في شقة واحدة. هكذا كانت تجاربي الأولى في المجتمع المصري في فيينا طوال عقود ثلاثة مع الجيل الأول.

لم تختلف تجاربي كثيرا مع الجيل الثاني من المصريين، فقد كان بيت خليل رزق الله مفتوحا للكثيرين من الشباب الوافدين إلى فيينا، كما عشت مع نبيل يعقوب ومصريين آخرين مسيحيين ومسلمين في الحي الثالث، وفي الحي العاشر مع نبيل وأحمد ومحمد غانم المسلمين ورضا ناشد ونشأت تادرس من مسيحيي بني مزار، وفي الحي السابع عشر مع يحيى زغلول المسلم وألفونس أمين وسمير تادرس من مسيحيي شبرا، وفي الحي التاسع عشر مع أحمد الصعيدي السكندري، ومحمود عثمان القاهري، وعوض فرج وثلة من أقاربه من مسيحيي الظاهر، نتناوب إعداد طعامنا لوجبتي الفطور والعشاء، أما وجبة الغداء فكنا نتناولها خارج بيوتنا لظروف عملنا.

ولمن يشاء أن يسأل صبحي يعقوب عمن درّبه على العمل في توزيع الإعلانات بشركة "فايبرا"، أو يسأل نبيل ينّي ومحمد مرسي ملكي محطة الجنوب عن علاقة المحبة والمودة التي سادت بين المصريين وكيف كانت مصريتنا هي سر قوتنا في مواجهة الغربة، وعامل توحدنا وتضامننا!

مع توافد المشاركين في الجنازة الذين تساوت أعدادهم تقريبا بين مسلمين ومسيحيين، أغلقت نافذة ذاكرتي ووجدتني أنظر بتأمل في واقع الجالية المصرية في النمسا، وما نسمعه ونقرؤه عن أحوال المصريين في الخارج، فهالني واقعنا المعاصر؛ فقد تفرقنا وتشرذمنا، وصرنا طوائف أصبحت العقيدة جنسيتنا الأصلية، وما عداها قشرة رقيقة لا تستر عورات سلوكنا!

صار النادي المصري ـ وأخشى أن يصبح اتحاد المصريين الوليد مثله ـ امتدادا للمسجد لا يدخل أيهما ـ تقريبا ـ إلا المتوضئون، وأصبحت الكنيسة بيت العائلة والنادي الاجتماعي ونقطة الجذب الوحيدة المجمعة لأتباعها. اختلط الحابل بالنابل وتبدلت وظائف الأماكن، وتداخلت الأمور عند الناس، وانهمك رجال الدين في السياسة، وتقمص الناشطون في العمل الاجتماعي والخدمي للجالية أدوار الوعاظ والنساّك، وتوهّم كثيرون ممن هبّوا ودبّوا أنهم حملة مشاعل الصحوة ـ عفوا ـ النعرة الطائفية التي ستأتي على الأخضر واليابس، ومضى كل فريق منا في طريق!

سألت نفسي: "هل كان المصريون في النمسا أو في بلاد الغربة خارج الوطن حالة استثنائية آنذاك؟"، فأجابتني: "لا، بل كانت مصر منذ فجر التاريخ وعاء تفاعل وتجانس لمواطنيها على اختلافهم وتنوعهم، ولا تنس أن كل إناء ينضح بما فيه، وما حال أبناء مصر الآن على أرض الوطن أفضل من أحوال أبنائها في بلاد الغربة!".

قبل أن يوارى جثمان جلال جبريل التراب، رأيت المشيعين وقد التفوا حول حفرة هي المثوى الأخير لكل بني الإنسان يودعون صديقهم ورفيقهم والأب الروحي لكثيرين منهم، ويسترجعون مع جثمانه المتواري مخزونا ضخما من ذكرياتهم مع الراحل من دنيا الفناء إلى عالم الخلود، فتساءلت مرة أخرى: "هل نواري اليوم ـ مجرد ـ جثمان فقيد عزيز، أم ندفن مع جثمان جلال جبريل وأمثاله كثيرا من القيم النبيلة التي تربينا عليها وعشنا بها ولها على أرض الكنانة المباركة آلاف السنين، وعددا من العقود الجميلة في بلاد الغربة"؟!

.......................................

فيينا في 17 فبراير 2010

 

 

hassanbaroud@hotmail.com

كتابات

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

 

قصص