

|
|
![]()
|
1 رسائل الكترونية
الرسالة الأولى
تلقيت على عنوان بريدي الإلكتروني رسالة من صديق عزيز يهنئني فيها بالعام الجديد 2008 ضمنها عتابا مسبقا رقيقا أبدى فيه خشيته من احتمال تأخري في الرد على رسالته الوحيدة التي تلقيتها منه طوال العام المنصرم، وإن كان قد عبر عن أمله في أن يكون المانع في حالة التأخير خيرا، ثم ضمن رسالته القصيرة سؤالا منه عن كيفية قضائي ليلة رأس السنة في فيينا عاصمة الثقافة والفنون والجمال، على حد وصفه لمدينتي الحبيبة. و ها هو ردي على رسالة صديقي العزيز:
الصديق العزيز.....
مع بداية عام آخر جديد يسرني أن أبعث ردي الفوري على رسالتك الوحيدة التي وصلتني في العام الماضي، وها أنت تتلقى ردي عليها في العام الجديد. لذلك أرجوك المعذرة مع أملي في تعدد رسائلنا في المستقبل. ومن يدري فلعلنا نلتقي هذا العام، كما التقينا قبل عامين بعد غيبة طالت كثيرا لتتم أعواما ثلاثة كاملة. إن بداية عام آخر جديد تعني لي دائما بداية أخرى جديدة للمجهول الذي يتجدد ويتواصل كتواصل دقّات الساعة؛ فلا تكاد تدق الثانية الأخيرة في اليوم الأخير لآخر شهر من السنة ـ بغض النظر عن اسم وهوية التقويم ـ حتى تعقبها دقّة أخرى لثانية أخرى من يوم آخر، في شهر آخر، بداية لعام آخر درجنا على أن نطلق عليه لسويعات قليلة "عاما جديدا". فما أقرب القديم للجديد، والدّقة للدقّة... بل ما أشبه الأشياء! أليست تلك الأشياء كلها بشائر لتواصل واتصال المجهول القادم؟! أما الإنسان يا صديقي العزيز، فيحاول دائما أن يبدأ مواصلة رحلته مع المجهول الزائر ليلة بداية العام الجديد بداية مفتعلة متكررة لا تخلو من المبالغة؛ ضجيج صاخب، أنوار وأضواء يطلقها نحو السماء البعيدة العالية المتعالية، وكأنه يرجوها ويسألها أن تبدد بعضا من ظلماتها، ليستكشف بما أطلقه من أنوار وأضواء ـ قبل أن تذوب في الفضاء ـ بعض أركان ذلك الغيب الواسع الفسيح القابع تحت أجنحة ذلك المجهول الغامض. بل لعل الإنسان بما يطلقه من قذائف وصواريخ مشتعلة مضيئة يتمنى لو أيقظ الكون الممتدة أطرافه من سباته الموحش، أو قل من صمته المريب، ليته يكشف لنا مواقع أقدامنا مع بداية أخرى جديدة لعام آخر جديد، وكأننا نطفئ أنوار الأرض لنبحث عنها بين أركان الكون الفسيح. نعم، إن رحيل عام ومقدم آخر يعني أننا قد عشنا عاما آخر يضاف إلى أعمارنا، وربما لا تكون تلك الضجة التي نحدثها مع نهاية كل عام سوى تعبيرا عن فرحتنا بالقادم الجديد لبقائنا أحياء. ولكن، ألهذا الحد نخاف الموت ونخشاه؟ إن سألتني إجابة عن سؤالي هذا لأجبتك بنعم، لأن المرء منا يكره المجهول، وما الموت سوى البداية "الرسمية" الوحيدة المؤكدة لدخول الإنسان إلى عالم المجهول. إن وجودنا أحياء على ظهر الأرض ـ حتى ولو بدون دور إيجابي يذكر ـ يبقي على انتسابنا للكائنات "الحية". وهذا في حد ذاته سبب كاف للعديد من البشر كي تقرّ أعينهم حين يهجعون إلى مضاجعهم، وعندما توقظهم أنوار شمس يوم جديد. إن خوف الناس من الموت يزيدهم تمسكا بالحياة، ربما مع جهل الكثيرين منهم لقيمتها ومعناها، ورغم افتقار البعض لدور يؤدونه. لذلك تجد أغلب الناس يحتقر ويمقت المنتحر منهم لأن من ينتحر يفضل الموت على الحياة، بل إنه يلجأ إلى المجهول فرارا من المعلوم والمعروف. نعم إنه بانتحاره يهرب إلى ظلام المجهول بعد يأسه من نور الحياة، مع أن الإنسان بطبيعته يخشى الظلمة ويقاومها، ولا يستسلم لها إلا بعد أن يغلق عينيه، حيا في فراشه، أو ميتا في قبره. لذلك يرى الكثيرون منا في المنتحر عدوا ارتكب جرما كبيرا في حق الأحياء، لأنه عقد حلفا مع عدوهم، الموت، ضد معشوقتهم، الحياة. ولولا خشية الأحياء على حياتهم لما واروا جثة المنتحر في التراب. ولو أنصف المرء، لآمن بأن الحياة والموت طرفا حبل الوجود، نمسك عند مولدنا بطرف، ونترك الآخر عند رحيلنا عن عالم الأحياء. ومع ذلك فمن الناس من يموت حيا، أو يحيا ميتا، إلا أن الاثنين لو خيرا لحبذا الخلود أحياء، حتى ولو بعد الموت. وإلا لما أبدع الإنسان الفنون والصناعة، كي يحيا ميتا بين الأحياء. فالموت والحياة إذن متصلان اتصال الليل والنهار، وهذان الخيط الذي يفصلهما ويربطهما ـ في نفس الوقت ـ ذو طرفان؛ الأسود في ناحية، والأبيض في الناحية الأخرى، تماما كطرفي حبل الوجود، الموت والحياة. هذا التواصل الطبيعي بين الليل والنهار، لا يختلف إذن عن تواصل آخر ثانية في العام الراحل بأختها التي تبدأ اليوم الأول الجديد من العام المقبل الجديد، إنها دقّة لثانية واحدة بعد منتصف الليل نقول بعدها: "اليوم، وأمس"، أو لنقول عن عزيز لنا مات بعد أن كان حيا. كذلك فإن انتصاف الليل يوشي باقتراب النهار، كما يوشي انتصاف النهار ـ على طوله ـ باقتراب زحف الليل الذي ما يلبث أن يرحل من جديد، وهكذا تدور بنا الأيام. حتى العقائد على تنوعها واختلافها قد اتفقت على أمر واحد يجمعها، وهو الموت، فلا توجد عقيدة واحدة تنكره، لأن الموت لا يسأل ولا يستأذن، بل هو فرض على كل من ذاق للحياة طعما. فالديانات والعقائد لا تنكر الموت لأنها لا تقدر على ذلك، لكنها ربما تختلف على معناه ومغزاه؛ فبعضها يرى بالموت انقطاعا تاما عن كل ما هو حي، وبعضها يرى فيه انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر ـ تناسخ الأرواح ـ، والبعض الآخر يرى فيه مرحلة انتقالية تسبق حياة أخرى في عالم آخر وتحت ظروف أخرى. الاختلاف الأبرز إذن هو في مكانة الحياة في نفوس البشر، فمنهم من يوليها النصيب الأكبر من حبه واهتمامه على أساس أنها الحقيقة الوحيدة الملموسة، وما عداها ـ أي مرحلة ما بعدها من موت ـ ضرب من الخيال والغيب، ومنهم من يعرض عنها طمعا في الحياة الآخرة، والقليلون منهم من يعملون على الإمساك بالعصا من منتصفها. لكن أمرا واحدا يبقى القاسم المشترك بين مختلف أنواع البشر، وهو الخوف من الموت، حتى مع الإيمان بالقيامة كحقيقة، ذلك لأننا نرى في الموت هزيمة للحياة. الصديق العزيز! شاءت الأقدار أن تكون رسالتك دافعا لي إلى الكتابة في أمور تشغلني كلما اقترب عام من الرحيل، وأن تكون أنت أول من يتلقى خواطري. أهي الأقدار ؟ أم الصدف؟ ولعلك تعلم أن الكثيرين لا يؤمنون بالقضاء والقدر، مع أنهم يعتقدون في الصدفة، ويسلمون بوجود المجهول. أو ليست الأقدار سوى ما نجهل، أو ما يأتينا دون ترتيب منا، أو سابق توقع؟! فكلانا مثلا يتوقع انتهاء عام وبداية آخر، لكننا لا نعرف إن كنا سنشهد تلك اللحظة، فقد تشاء الأقدار أن يتصادف مولد العام الجديد مع بقائنا أحياء. فالقدر والصدفة مسميان لمجهول واحد. إن من يتدبر قوله تعالى في الآية 12 من سورة الإسراء:" وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب، وكل شيء فصّلناه تفصيلا"، وجد أن إحدى الحكم من تعاقب الليل والنهار هي أن يسأل الأحياء الله بعضا من فضله، أي بعضا من خير ما قدر لنا ، وأن يعيننا على يومنا، ويحيي الأمل في نفوسنا وقلوبنا نحو الغد. فالزمن هو وسيلة لقياس وتحديد مدى ما خطونا في أمسنا، وما نخطوه لتونا، وما قد نخطوه غدا ـ إن قدر لنا ـ نحو ما لا نعرف. والآن أستودعك الله يا صديقي العزيز، فقد اقترب ليل العام الراحل من الانتصاف، وإن كان العام الجديد قد بدأ عندك قبل نحو ساعة نظرا لفارق التوقيت، مع تحياتي لزوجتك العزيزة والأولاد. حسن بارود فيينا في 31/12/2007 الموافق 1/1/2008 بتوقيت القاهرة ............................
الرسالة الثانية
فيينا في أول فبراير 2008 صديقي العزيز!
أرجو أن تكون قد قرأت ردي على رسالتك الوحيدة، ونظرا لأنني لم أتلق منك ردا عليها حتى الآن ـ لعل المانع خير ـ فها هي رسالتي الثانية، لمجرد التذكرة. ملحوظة: أخشى أن تكون قد أطلعت زوجتك العزيزة على مضمون رسالتي الأولى، فنصحتك بعدم الاستمرار في مثل هذا النوع من الصداقة مع أناس يحتفون بمقدم عام جديد بالتفكير في الموت والليل والمجهول. وعموما على المقيمين خارج إطار هذا النوع من التفكير مراعاة فروق التوقيت، مع تحياتي لزوجتك أم أولادك. المخلص حسن
2 خواطر حول مسألة الاندماج في عصر العولمة
تحظى مسألة الاندماج، والمقصود بها هنا اندماج المهاجرين الأجانب في المجتمعات الأوروبية، بمساحة كبيرة من الاهتمام، سواء من جانب المشتغلين بالسياسة وصناعة القرار في دول المهجر، أو علماء الاجتماع، وممثلي الديانات المختلفة، بالإضافة إلى الاهتمام الخاص الذي توليه الأحزاب والتيارات السياسية اليمينية المتشددة أو المتطرفة في أوروبا، لما تسميه التهديدات القادمة لتركيبات المجتمعات الأوروبية التي قد تصل إلى حد الانقراض نتيجة لتزايد أعداد المسلمين في القارة الأوروبية المسيحية. والذي لا شك فيه أن تنامي ظاهرة وجود الأجانب في أوروبا ـ والمسلمين بصفة خاصة ـ يحتم علينا الاقتراب من تلك الظاهرة، ومحاولة التعرف على العوائق التي تواجه اندماج الشرقيين عامة، والمسلمين بصفة خاصة، إذ لا يعقل ولا يتوقع أن يظلوا في أوروبا على أحوالهم التي تركوا بلادهم عليها، وجاءوا للعيش والاستقرار في بلاد تختلف تماما، مناخيا، وثقافيا، وحضاريا، ودينيا، عن أوطانهم الأصلية، وما مدى صحة المثل الشعبي القائل : "من عاشر القوم أربعين يوما، صار واحدا منهم!" في هذه القضية الشائكة؟ الواقع يقول أننا أمام عدة عوامل تؤثر بالسلب أو الإيجاب على اندماج الأجانب في بلاد المهجر بصفة عامة؛ منها ما هو خاص بالمهاجر، ومنها بما هو خاص بدولة المهجر، ومنها ما هو خارجي تماما يتمثل في مظاهر العولمة وإنجازات العصر الراهن. ويمكن إيجاز ما يتصل بالمهاجر في العوامل الآتية:
أولا: المرحلة العمرية لا شك في أن المهاجر صغير السن أكثر وأسهل تقبلا لطبيعة ومظاهر الحياة في المجتمعات الجديدة، نظرا لقدرته على استيعاب لغة المجتمع الجديد بسرعة وسهولة أكثر من والديه مثلا، كما أن التحاق الأطفال والشباب بمؤسسات التعليم في الوطن الجديد يقرب من الفوارق الفكرية بين النظراء في العمر، ويجعل مهمة تلقين الثقافة الجديدة، وربما الغريبة أكثر يسرا وسهولة؛ فالتعليم في الصغر يبقى أثره كالنقش على الحجر. وقد يشكل هذا الأمر ناحية إيجابية للاندماج، أما الناحية السلبية فتتضح معالمها في حالة الصدام التي قد تنشأ حتما بين جيل الأبناء الصغار وآبائهم، نتيجة لما يطرأ على شخصياتهم من ملامح التشكيل المغاير لعادات وتقاليد ومعتقدات الآباء. يشترك في هذا الأمر جيل الآباء بصفة عامة بغض النظر عن خلفياتهم المجتمعية والثقافية، لوجود اختلاف ما بين خلفيات الآباء الشرقيين والواقع المعاش في المجتمعات الأوروبية، أي أن الصدام قادم لا محالة في أغلب الأحوال. ثانيا جنس المهاجر: هناك فرق كبير بين هجرة الرجال وهجرة النساء، فهجرة الرجال عادة ما تكون أسهل وأيسر، خاصة أن رجال المجتمعات الشرقية يتمتعون بحرية "حصرية"، لا تتاح لنساء تلك المجتمعات، كما أن القيود التي تضعها العادات والتقاليد الشرقية على النساء تجعل من أمر هجرتهن بدون "محارم" من الرجال "من الكبائر" التي تستوجب الستر، أو الإزالة! فالرجل الشرقي هو المؤهل لاتخاذ قرار الهجرة إلى الغرب، سواء كانت هجرة اختيارية، أو اضطرارية. أما المرأة أو الفتاة فلا نصيب لها في هذا الرخاء، فغيرها يقرر لها؛ وفي أغلب الأحيان يكون الزوج الذي يصطحبها للتغلب على وحدته في الغربة، أو الأب الذي يسعى إلى لم شمل الأسرة، وفي كل الحالات عليها أن تستسلم كاملا للقيود التي يضعها لها "رجلها" في دولة المهجر لوقايتها من شرور الفتنة، ولصيانة عفتها وشرفها في مجتمعات تفتقد لتلك المفردات لغويا وسلوكيا. لكل هذه العوامل تصبح المرأة المهاجرة الضحية الأولى للفوارق الاجتماعية والثقافية والشخصية بين مجتمعي النشأة والهجرة؛ مجتمع يشد إلى الخلف، أو على الأقل يسعى للتثبيت في المكان من منطلق "محلك سر!"، وآخر يجذب إلى الأمام ـ بما يتيحه من مظاهر للحرية والاستقلالية، والحقوق ـ ولكن ربما إلى مقاصد غير معلومة بحكم قلة الخبرة وغياب الثقة في النفس، والخشية من الوقوع في الخطأ. هنا تبرز إلى السطح أعراض نوع من الانفصام في شخصية المهاجر؛ ذكرا كان أو أنثى، بالميل إلى العزلة، والابتعاد عن الانخراط في الحياة اليومية داخل المجتمعات الجديدة، والتقوقع داخل ما يشبه المعسكرات السكنية للمتشابهين، وقصر العلاقات الاجتماعية على "المثليين مجتمعيا"، وعمليات الشراء والبيع على حوانيت الشرقيين، وقضاء أوقات الفراغ في أماكن تكاد مقصورة عليهم، بل والسعي إلى دفع الأبناء إلى مؤسسات تعليمية خاصة بالمهاجرين دون غيرهم، ومن ثم تتحول العلاقات بين المهاجرين في المجتمعات الجديدة إلى نوع من "زواج الأقارب". لذلك يلاحظ وجود فوارق واضحة بين سلوكيات من يتلقى تعليمه في مؤسسات الدولة المضيفة، وأولئك الذين يتلقون تعليمهم في مؤسسات خاصة بالمهاجرين، كما يكرس الصورة السلبية للمرأة الشرقية عموما، والمسلمة تحديدا، في ضوء ما يتردد عن إحجام كثير من التلميذات المسلمات عن المشاركة في حصص التربية البدنية والأنشطة الرياضية المشتركة مع البنين، بل والمشاركة حتى في الرحلات المدرسية خارج محلات إقامة الأسرة، بل يصل الأمر في الكثير من الحالات إلى تحريم قراءة المطبوعات العربية أو الأجنبية التي تتضمن آراء أو مناظر غير مألوفة لفكر الآباء. هذا عن جيل الشباب، أما جيل الوالدين، فحدث ولا حرج عن رفض الكثيرات من النساء المسلمات السماح لأطباء ذكور بتوقيع الكشف الطبي عليهن، ولم لا وجسم المرأة كله عورة؟! فتترتب على هذا الأمر عواقب وخيمة على حالاتهن الصحية. والغريب أن بعضهن قد يقبل مضطرا أن تنكشف "عوراتهن" على طبيب أجنبي، ولا تقبل ذلك من طبيب شرقي؛ ربما بدافع من الحياء تجاه "الأقارب أو أبناء البلد الواحد"، أو رغبة في الاختفاء وراء ستار السرية والخصوصية التي قد لا تتوافر لدى عدد من الأطباء الشرقيين الذين قد يذكرون في أحاديثهم العارضة بطريقة عفوية بعض أخبار مرضاهم. ثالثا الخلفية الاجتماعية والثقافية للمهاجر: هناك حكمة عربية تقول: "كل إناء ينضح بما فيه". وهذا القول بالتحديد ينطبق تماما على تركيبة مجتمعات المهاجرين في الدول الأوروبية، حيث تتباين أنماط السلوك داخل الشرائح الاجتماعية المختلفة للمهاجرين بما يعكس في وضوح الحالة الاجتماعية والثقافية لأفراد تلك الشرائح، ويدل بجلاء على مرجعياتهم المجتمعية والفكرية في مواطن النشأة. فالملاحظ، أن غالية المهاجرين من الفقراء ومحدودي التعليم والثقافة العامة تركز خلال تواجدها في المهجر على العيش في أحياء فقيرة لسهولة التخفي، ورخص المعيشة في تلك البيئات، لتزداد بذلك أعداد أبناء المهاجرين في المدارس لينقلوا تلقائيا سلوكيات أهلهم إلى فصول المدارس، وتتراجع معدلات استيعاب اللغة الجديدة في مراحل عمرية هامة، لتؤثر على مستوى التحصيل العلمي لصغار المهاجرين وأقرانهم من المواطنين الأصليين على حد سواء. كل ذلك وغيره مما نراه من مظاهر أخرى مثل انتشار الزى "الإسلامي" بصوره المختلفة أقلها تشددا غطاء الرأس "الحجاب"، وأكثرها تطرفا "النقاب"، سواء في الشارع أو المدرسة أو مكان العمل؛ وهي مناظر غير مألوفة لدى السكان الأصليين للبلاد، فتتصاعد صور المواجهات بين المهاجرين وأهالي تلك الأحياء، ويسود نوع من التوتر الاجتماعي، وتكثر أشكال الاستفزاز المتبادل التي تؤدي حتما إلى النفور والسخرية من الآخر، بل والازدراء والكراهية، والسعي إلى مضايقته، والدعوة التي قد تصل إلى حد الإلحاح على التخلص من وجوده. تفرز هذه الظروف المعيشية وتلك الأنماط من السلوك سلبيات كثيرة تؤثر بالطبع على اندماج المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة، وعلاقتهم بمواطني تلك المجتمعات من أبرزها العزلة شبه التامة داخل بلاد المهجر، وتشكيل ما يسمى بتجمعات موازية، والجهل المشين بلغة القوم والمفردات الأساسية للسلوك الاجتماعي. إذن نحن أمام شريحة إنسانية تتقوقع في "جيتو" بشري واجتماعي مغلق داخل مجتمعات غريبة عنها وعليها، المحصلة التلقائية والطبيعية لكل ذلك هي تدني مستويات التعليم، ومن ثم انتشار البطالة داخل تجمعات المهاجرين، والالتفاف على القوانين للحصول على أكبر قدر ممكن من المساعدات المالية التي تدفعها حكومات دول المهجر لمكافحة الفقر. وفي أغلب الحيان لا يخلو الأمر من قيام المهاجرين بأعمال خارج نطاق القانون، مثل "سوق العمالة السوداء" بجانب الاستمرار في الحصول على المزايا المالية التي تكفلها قوانين التكافل والتضامن الاجتماعي في بلاد المهجر..... والنتيجة الطبيعية لهذا الواقع هي بروز عناصر سياسية ـ داخل مجتمعات ليست مؤهلة بطبيعتها لاستيعاب الغرباء وتسهيل انصهارهم داخلها ـ تتبني قضايا وهموم المواطنين الأصليين وطرحها على الرأي العام لكسب أصواتهم في الانتخابات، مستخدمين في حملاتهم أساليب لا تخلو من المبالغة في بعض الأحيان، ولا ترى غير واقع واحد هو واقع أصحاب الأرض، فتصورهم كالغرباء في بلادهم نتيجة لمزاحمة الغرباء "الحقيقيين" وسعيهم لفرض أنماط حياتهم وسلوكهم على المجتمع الجديد. بالإضافة إلى اتهام المهاجرين بإساءة استغلال القوانين المحلية، وتكرار الخروج عليها. رابعا الدافع للهجرة: طرأت على معظم مجتمعاتنا العربية في العقود الأربعة الماضية ظاهرة غريبة على شعوبها، ألا وهي هجرة الشباب بوجه خاص في اتجاه الدول الغربية وشمال أمريكا واستراليا، بعد انحسار موجات الهجرة التقليدية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والتي خرجت من بلاد الشام بالتحديد، هربا من ويلات الحكم العثماني التي طالت الطوائف المسيحية في الغالب. وبالإضافة إلى الهجرة التقليدية لأبناء الدول العربية في شمال أفريقيا في اتجاه دولة الاستعمار السابقة فرنسا، وكذلك الظروف الخاصة وغير العادية التي يمر بها الشعب الفلسطيني منذ 6 عقود كاملة، إلا أن دولا مثل مصر أو العراق لم تكن من الدول الطاردة لأبنائها أو المصدرة للمهاجرين. ولنا أن نتخيل الظروف المختلفة التي دفعت بأبناء تلك الدول الغنية سكانيا وربما ثقافيا، بالإضافة إلى الغنى المالي في حالة العراق مثلا، إلى الهجرة والعيش في الغربة داخل مجتمعات تختلف كثيرا في عاداتها وتقاليدها وعقائدها عن المجتمعات الأصلية للمغتربين العرب. ويمكن حصر دوافع الهجرة لدى المهاجرين العرب في الدراسة والتعليم، العمل، اللجوء، والشعور بالاغتراب داخل الأوطان. ومن هنا تتفاوت درجات الاستعداد للاندماج لدى المهاجرين باختلاف دوافعهم للهجرة. ثمة تطور آخر جديد طرأ على العالم بأسره وهو ظاهرة انفتاح السماوات بانتشار القنوات الفضائية، وسهولة الاتصالات بين أرجاء العالم، الأمر الذي أزال المسافات تقريبا بين المهاجرين في المجتمعات الجديدة ومواطنهم الأصلية، فانكبوا على مشاهدة ومتابعة محطات التلفزيون الوافدة عبر الأثير إلى بيوتهم ومضاجعهم الجديدة، لتتسع الهوة بينهم وبين عادات وتقاليد وسلوكيات المجتمعات المضيفة، الأمر الذي يعيق حتما عملية الاندماج. أما ما يتعلق بدولة المهجر، فإن الأمر قد يختلف بعض الشيء، نظرا لأن الدولة المتلقية أدركت بعد فترة من الزمن أنها أمام نوعيات ربما تكون عشوائية من المهاجرين تعددت خلفياتهم ودوافعهم للهجرة. وقد يصبح الأمر أكثر تعقيدا إذا أدركنا أن بعض الدول الأوروبية فتحت أبوابها أمام قوى عاملة أجنبية، توقعت ـ أو تمنت ـ أن تكون إقامتها على أراضيها مؤقتة، أو أن من يبقي منهم سيسهل صهره أو انصهاره في المجتمعات الأوروبية الأكثر جاذبية للحياة الدنيا بكل مغرياتها المادية والحسية. بالإضافة إلى ما سبق، فهناك عوامل ثلاثة رئيسية بالغة الأهمية تؤثر بشكل واضح على استعداد أهل الدولة المضيفة لاستيعاب المهاجرين الجدد وتسهيل اندماجهم في المجتمعات الجديدة، أولها ارتفاع درجة الجهل لدى مختلف شرائح المجتمعات الأوروبية عن الديانات والشعوب الأخرى، رغم ارتفاع معدلات التعليم، والانفتاح الإعلامي، وانتشار حرية الرأي والتعبير في المجتمعات الأوروبية. ومع ذلك نجد للأحكام المسبقة عن الآخرين اليد العليا في توجيه مسار وطبيعة العلاقة بين أهل البلد والوافدين إليه من الأجانب. لذلك ينحصر مفهوم معظم الغربيين عن الإسلام مثلا في تعدد الزوجات، وإقامة الحدود، واضطهاد واحتقار المرأة، ومن ثم ينعكس سلوك الغربيين مع أتباع الدين الإسلامي بتلك المفاهيم، فتزداد الفجوات بين الطرفين عمقا، ويهيمن التوجس والخوف من الآخر على العلاقات الإنسانية بينهما. ولا شك أن تباين سلوكيات المسلمين داخل المجتمعات الجديدة، وإصرارهم على ربط تلك السلوكيات بأسباب دينية، يزيد من حالة الارتباك لدى المتلقي الغربي، فقد يجد مسلما يحلل ما يحرمه آخر، وحجة الاثنين هي الإسلام بالطبع، سواء كان ذلك في مجال المعاملات، أو السلوكيات اليومية، مثل مشروعية تلامس يد الأنثى المسلمة بيد رجل من غير المحارم، أو اختلاط الجنسين في مؤسسات التعليم ومزاولة الرياضة البدنية في المدارس، أو في مدى التشدد أو التساهل بشأن زى المرأة المسلمة. العامل الثاني هو انتشار ظاهرة التعطش إلى السلطة والتلذذ بشهوة الحكم لدى التيارات السياسية اليمينية المتطرفة، التي تتخذ من تزايد أعداد المهاجرين من أصول عرقية "غريبة" أو خلفيات ثقافية وحضارية مغايرة للمألوف في المجتمعات الأوروبية، ذرائع لتأجيج مشاعر الجماهير تجاه الغرباء، والتحذير من عواقب ذلك على تركيبة المجتمع، وصورته العامة نتيجة لاختلاط الأنساب، وذوبان الهوية تدريجيا. وما التحذيرات من ضرورة التصدي لموجات "أسلمة أوروبا" سوى النتيجة الطبيعية لهذا الكم من الضغائن المتراكمة في عقول أولئك المتطرفين. كل ذلك وغيره بغرض الحصول على مزيد من الأصوات تمكن تلك القوى من التأثير على مجريات الأمور في البلاد، والتي تؤدي حتما إلى تشديد القوانين المنظمة لعلاقات المجتمعات الأوروبية بالوافدين من الغرباء. أما العامل الثالث فتمثله مؤشرات التوجهات الواضحة لقيادات وممثلي مذاهب الطوائف الدينية المسيحية، التقليدية منها أو الأصولية التي بدأت تدرك عواقب التوجه الليبرالي والعلماني في المجتمعات الأوروبية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، واندلاع ثورة الشباب في أوروبا عام 1968، وما أعقب ذلك من تراجع معدلات الانتماء الشعبي للكنائس الأوروبية بصفة عامة، بالإضافة إلى تزايد أعداد المهاجرين من غير أتباع المذاهب المسيحية بصفة عامة ومن المسلمين بصفة خاصة. لذلك ارتفعت أصوات الكثيرين من رموز الطوائف المسيحية في أوروبا لتأكيد الهوية المسيحية للقارة، والتحذير من اندثار التقاليد المسيحية ـ التي يختصون أنفسهم بها دون غيرهم ـ مثل التسامح والدعوة إلى المحبة، وتحكيم العقل، واحترام الحرية الشخصية. وبالطبع فإن وقف المد أو الزحف الإسلامي هو الغرض والهدف الأول لتلك الدعاوي. خلاصة القول أن قضية الاندماج شائكة وتحتاج إلى تضافر جهود كل الأطراف لتحقيق الهدف من طرحها للمناقشة، وعلى كل الأطراف أن تدرك أن حلها لن يتم بالابتزاز، أو التعسف، أو الانتهازية، وإنما بالسعي إلى التوصل إلى حلول وسط، بحيث تلتقي أطرافها في منتصف الطريق، ولا تتمسك كل طرف بالبقاء في مكانه على أطراف الطرق. فالمهاجرون الجدد مطالبون بالتخلي عن مساعيهم في فرض عاداتهم وتقاليدهم الغريبة على المجتمعات الجديدة، وإظهار حسن النوايا تجاه تلك المجتمعات، وإبداء نوع من الولاء حيث يتعذر الشعور بالانتماء لدى الأجيال الأولى منهم لأوطانهم الجديدة. وأهل البلد "الأصليون" مطالبون بتفهم تأثير ودور العوائق النفسية، وغلبة "الطبع على التطبع" التي تحول دون اندماج المهاجرين. عليهم كذلك أن يتفهموا أن الاندماج لا يعني الذوبان، وفقدان الهوية، بل يعني التعايش والتفاعل مع شرائح المجتمع بالقدر الذي يتحمله كل طرف، فلن يفيد أحدا تحميل أي طرف بما يفوق قدرته على الحمل. يأتي دور الساسة وصناع القرار في عملية الاندماج، إذ يجب الاتفاق على "ميثاق شرف" للعمل السياسي يضع سقوفا وخطوطا حمراء للمساحة المسموح للتيارات السياسية على اختلاف أطيافها بالحركة داخلها، خاصة إذا تعلق الأمر بالأمن والسلم الاجتماعي للأوطان، وحرمة حقوق الإنسان، بغض النظر عن هويته العرقية أو العقائدية. كل هذا في إطار منظومة إعلامية لا تنحاز للإثارة الرخيصة التي تؤجج مشاعر ونزعات التعصب والعنصرية.
3 خواطر حول مسألة الاندماج في عصر العولمة (2)
تعرضنا في طرحنا الأول لهذه القضية لعدد من الأمور، نظن أنها قوبلت بقبول من معظم من قرأها على صفحات مجلة " أخبار الأدب" المصرية التي نشرتها في 9 مارس الماضي، أو من قراء "جسور"، حيث تلقينا العديد من الرسائل يؤيد أصحابها أطروحتنا، ولم نتلق حتى الآن تعليقا واحداً يمكن أن يوصف بالسلبي. ومن منطلق أن السكوت علامة الرضا، يمكن القول بأن ما عرضناه يمثل نوعا من النقد الذاتي نراه الخطوة الأساسية نحو الإصلاح والتغيير الإيجابي، إذا صدقت نوايا الأطراف ذات المصلحة في حل مشاكل اندماج العرب والمسلمين في الغرب بصفة عامة، وفي النمسا التي نعيش على أراضيها وبين فئات مجتمعها المختلفة، ويحمل الكثيرون منا جنسيتها، بصفة خاصة. والآن، هل لي أن أدعو إلى الدخول في صلب بعض المشاكل التي تعوق اندماجنا في المجتمعات الجديدة التي اخترنا أو أجبرنا على العيش داخلها؟ وحتى لا يتشعب الأمر، سأطرح في هذا المقال، والمقال الذي يتلوه قضيتين أساسيتين هما اللغة والتعليم. أولا: قضية اللغة: من المؤكد أن الجهل بلغة لغة البلاد الجديدة يؤثر مباشرة على مفردات حياتنا اليومية بكل صورها، الأمر الذي يؤدي إلى تأصيل حالات سوء الفهم لدى الطرفين الفاعلين في الحياة الاجتماعية، وتقليل فرص تبادل المنفعة، وتعظيم الفوائد من هذا التنوع البشري والثقافي، ومن ثم ترسيخ النزعات الانعزالية، وتأجيج مشاعر الرفض المتبادل، واندلاع الصراعات، وبالتالي تلاشي الرغبة أو القدرة على التحاور الإيجابي والبناء. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الشأن الخطير هو: ماذا فعلت الجمعيات الأهلية للجاليات العربية والإسلامية في النمسا ـ الدينية منها أو المدنية على حد سواء ـ لتغيير هذا الوضع المشين؟ هل نظمت دورات لتعليم اللغة الألمانية في المساجد، والكنائس، ومقار الأندية والمنظمات العديدة التي لا نشك في أن بعض بنود لوائح إشهارها تنص على تسهيل اندماج أعضائها في المجتمع النمساوي، وتوطيد العلاقات الثقافية بين المهاجرين وشعب بلد المهجر؟!!! هل سأل القائمون على أمور تلك الجمعيات أنفسهم عن سبل تحقيق تلك الأهداف النبيلة في غياب لغة التفاهم والحوار؟!!! هل أولت الهيئة الدينية الإسلامية الرسمية نفس العناية لتعليم اللغة الألمانية لآباء التلاميذ الذين تحرص على تعليمهم الديانة الإسلامية في المدارس النمساوية، خاصة وأن بها إدارة خاصة للاندماج؟ وهل خصصت إدارة شئون المرأة بالهيئة يوما في الأسبوع لتعليم النساء المسلمات لغة النمسا، بجانب حرصها على تخصيص يوم لسباحة أولئك النساء في حمامات مغلقة؟!!! وأي دور قامت به المئات من "الزوايا" للجمعيات الدينية التي انتشرت في ربوع النمسا خلال العقود الأخيرة كي تنهض بمستوى إجادة أعضائها ومريديها للغة البلاد؟!!! وهل تحظى لغة الشعب النمساوي بمكانة تذكر لدى قيادات التيارات السلفية الحريصة على ترسيخ أفكار وسلوك السلف في عقول ونفوس أتباعها من مواطني القرن الحادي والعشرين؟!!! وكذلك هل فتحت الكنائس العربية والشرقية أبوابها لأجيال الآباء لتعلم لغة البلاد التي يعيشون فيها؟!!! وماذا فعلت المراكز والجمعيات والروابط الثقافية لتعليم الألمانية لأفراد الجاليات العربية في النمسا؟!!! ما الذي حققناه للنهوض بالمستوى اللغوي لربات البيوت العربيات المقيمات في مدن وقرى النمسا، لتيسير تعاملهن مع المجتمع الذي يعشن فيه؟!!! أسئلة كثيرة، والإجابات عليها مؤلمة، وأكثرها إيلاما ما نشهده حاليا من تصارع بين تنظيمات أهلية لبعض الجاليات العربية لتحقيق الشهرة والرغبة في تسليط الأضواء على بعض قياداتها، بتوجيه الاتهامات بالتآمر، والسعي إلى تهميش الآخر، واستخدام المرأة ـ مرة أخرى المرأة ـ أداة في تحقيق تلك المآرب. والغريب والمدهش أن جل ـ إن لم يكن كل ـ اهتمام تلك التنظيمات ـ باستثناء الدينية منها ـ ينحصر في استقدام الفنانين والفرق الموسيقية من دولنا لإقامة بعض الحفلات الترفيهية لأعضاء الجاليات العربية ـ وهذا أمر مهم لا يجب التقليل من فوائده ـ لكن الأهم في نظرنا أن نعتني بأمور تؤدي إلى رفع مستويات جاليتنا في مجتمعاتها الجديدة، خاصة وأن المؤسسات النمساوية الرسمية تساهم ماديا في تمويل أنشطة استقدام الفنانين، بنفس درجة حماسها في دعم أنشطة تعليم اللغة الألمانية للمهاجرين، لكن الرغبة ـ فيما يبدو ـ ليست متوفرة لدى الكثيرين منا في الاستفادة من التسهيلات والخدمات التي يقدمها الجانب النمساوي. لماذا نلوم الدولة والمجتمع، ونتهم مؤسساتهما بالتخاذل، وإهمال شئون المهاجرين، وتعمد تأجيل حل مشاكلهم، بل والسعي إلى إغلاق أبواب ونوافذ الاندماج في المجتمع أمامهم؟ لماذا نقذف بيوت الآخرين بالحجارة، وكل بيوتنا من زجاج هش وليس شفافا؟!! أسئلة أطرحها على كل من يقرأ هذا المقال، مع إدراكي بأن حديثي في المقال الأول اتسم بالعمومية، أما الآن فأحسب أنني وضعت نفسي أمام جبهات كثيرة، ستحاول بشتى الطرق الدفاع عن نفسها وإبراء ذمتها من المصير الذي آلت إليه أوضاعنا في هذه البلاد، بل وقد لا يخلو الأمر من ازدياد حدة ودرجة التصارع، وتبادل الاتهامات، والسعي للاستقواء بمؤسسات من خارج النمسا للدفاع عن حقوقنا "المهضومة أو المغتصبة" من جانب أناس منا وضعناهم ـ عن وهم ـ في عداد الخصوم، بل وربما الأعداء.
4 دور الجالية المسلمة في المجتمع النمساوي
قبل عدة أيام، وقبيل توجهنا إلى قاعة الاجتماعات بمبنى السفارة المصرية، لمناقشة مسألة تأسيس أول اتحاد عام للمصريين في النمسا، فاجأني صديق بسؤال عن موعد إجراء الانتخابات لاختيار مجلس الإدارة الجديد للهيئة الدينية الإسلامية، بعد الإعلان المفاجئ لرئيسها الحالي الأخ الأستاذ أنس الشقفة، الذي تحمل عناء ذلك المنصب طوال السنوات الماضية بجرأة وشجاعة يحسد عليهما، خاصة في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية التي مرت بالمجتمع الإنساني ككل، وبمجتمعاتنا الإسلامية بشكل خاص. أجبت على سؤال صديقي بأنني أتوقع أن تجرى الانتخابات في نهاية شهر يونيو ـ حزيران ـ أو يوليو ـ تموز ـ، وإن كنت لا أعرف موعد إجرائها بالضبط، ثم أعقبت إجابتي المقتضبة على سؤاله الهام بتساؤل من جانبي عن الدافع وراء سؤاله، وهل ينوي ترشيح نفسه لأحد المراكز في مجلس الإدارة الجديد؟ فأجابني بأنه ليس عضوا في الجمعية العمومية، لكنه يفكر في مسألة العضوية، ثم قال جازما: "بالطبع أنت عضو في الجمعية العمومية للجالية"! فأردفت والخجل يغلف نبرات صوتي، بأنني ـ مثله ـ لست عضوا، لكنني سأسعى إلى عضوية الجالية، كي يكون لي صوت من داخل الجالية، وليس كعشرات الآلاف من أصوات "الكسالى" من خارجها. واليوم بعثت برسالة عبر البريد الإلكتروني إلى قسم الخدمات بالهيئة أرجو من القائمين على أمره بإمدادي باستمارة للعضوية. والآن، فإنني ـ من خلال منبر جسور ـ أناشد الأخوات والإخوة الحريصين على مصالح الجاليات الإسلامية أن ينضموا لعضوية الجمعية العمومية، وأن يدلي كل منا بدلوه من الطيبات، وأن يضع نصب عينيه أن في اتحادنا قوة نوظفها لأعمال الخير والتعايش السلمي والتفاعل الإيجابي داخل المجتمع الذي اخترنا أن نعيش بين ظهرانيه، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:" يد الله مع الجماعة".
فيينا في 21/4/ 2008
|
|
راسلوني |
![]()
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |