
|
|
![]()
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |
|
|
|
1 بسم الله الرحمن الرحيم لمَّا عفوتُ ولم أحِقدُ على أحدٍ أرحتُ نفسي من هَمِّ المُعاداتِ ولستُ أسلمُ من خِلٍ يُعاشِرُنى فكَيفَ أَسلمُ من أهل العَدَاواتِ؟ الناسُ همٌ، وهمُ الناس ِ قربُهُمُ وهَجرُ الناس ِ.. قَطعٌ للمَوَداتِ
هجرة الأرض، أَو هجرة الشعور بالانتماء 1 ويمضى قطار الحياة في سرعة حثيثة، مقترباً من المحطة الخامسة والستين في رحلة عمري.. مخلفاً وراءه عديداً من المحطات والمواقف، منها ما نمُر عليها وكأنها لم تكن أبداً... ومنها ما تترك بصمات تبقى... فتتولد معها الذكريات وتتجدد فيها الرؤى، ثم يفد على خاطري دوامات من الملاحظات والتأملات.. ويحيرني كيف أفندها.. وهى كثر؟ فمثلا.. وبعد عناء يوم عمل شاق.. بينما أجلس أمام الحاسوب (الكومبيوتر) ألتمس شيئاً من المعرفة.. أو نوعاً من التسلية.. إذ يداهمني وبدون إنذار.. كمٌ هائل من تلك الرسائل الإلكترونية الركيكة.. والتي يطمع كتابها بجائزة نوبل للأدب!!! وهم يحيدون تماماً عن الأدب بما يسطرون.. هذا يبحث لنفسه عن دور لا يعرفه هو.. وهذا يتطاول على ذاك.. وآخر يصُب سيلاً من السباب والاتهامات ويُنـَصِّب نفسه مدافعاً عن حقوق (الشرفاء)..!! وتلك تمدح هذا صباحاً.. وفى المساء تصفه بأسفل السافلين!!!.. ومنهم من يستصرخ السفير المصري للتدخل حلاً لخلافات مزعومة أو مفتعلة تواجهها الجالية المصرية... وآخرون.. يصرخون مستنكرون لتدخل السفارة في شئون الجالية (الرشيدة، المتعاونة، المتحابة).. والشيء بالشيء يذكر.. بخصوص (الجالية).. أذكر أنه حين استقر بي المقام في هذه البلاد قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.. وكان الوجود المصري من أقل الأقليات الموجودة في النمسا (حوالي خمسة آلاف تقريباً).. ولم يكن هناك بعد (الفيديو) وما تبعه من التقنيات الحديثة من إنترنت أو ساتيليت.. فكان شريط التسجيل (الكاسيت) وقتها من أروج البضائع المتداولة بين المصريين، فهو صوت الأهل والأرض والأحباب الذين باعدت بيننا وبينهم الغربة.. كان شعور الانتماء إلى مصر هو السمة الغالبة على الشخصية المصرية.. ذلك الشعور.. هو الذي أذاب أكثر الفوارق بين المصريين.. وكان لتجمع المصريين في أي مكان نكهة مصرية مميزة، تحسدها عليها باقي الأقليات.. وكنت ترى في هذه التجمعات (سواء في مقاهي السميراميس والعايدة أو جريدة الكرونينتسايتونج والكورير.. أو الأفروأسياتيش، وخلافه).. المسلم والمسيحي.. الطبيب والصيدلي.. الطالب والعامل وبائع الصحف.. لا تفرقة بينهم.. كل يشعر بانتمائه للآخر.. كل يجد في الآخر ما فقده في الغربة!!!! وكما في أي تجمع كانت توجد الخلافات، إلاَّ وكأنها زَبَد البحر تطفو على السطح وسرعان ما تتبدد. وتأسس النادي المصري، فكان على الرغم من أن عدد أعضائه لم يتعدى المائة.. غير أنه كان بمثابة كعبة للمصريين.. وغير المصريين أيضاً... وكانت كلمة (المصري) المقرونة به هي الكلمة السحرية وعلامة الانتماء التي تشد إليها ـ من كل أنحاء النمسا.. وخارجها ـ كل متعطش لدفء مصر.. بل وكان النادي أيضاً مزاراً للمسؤولين والشخصيات المصرية الهامة كعلامة على تواصلهم مع الجاليات المصرية بالخارج... وجدير بالذكر، نشاط المسؤولين بالنادي المصري وقتها في تفعيل اللقاءات (الثقافية والدينية والإعلامية) بين هؤلاء وبين كثير من المصريين في كل المقاطعات النمساوية الأخرى، والتي كانت تتم جميعها بمقر النادي، فكان هو الواجهة الوحيدة للجالية المصرية، مما أعطى (النادي المصري) الشكل الريادي للجالية على بقية التجمعات المصرية... خصوصاً بتكوينه الإداري والتنظيمي لأعضائه العاملين، كما أسهم كذلك في تفعيل بعض الأنشطة الاجتماعية، وتوفير الرعاية في مجالات مختلفة.. خصوصاً صندوق التكافل الاجتماعي. وفى بداية التسعينات وبالتحديد بعد حرب الخليج الأولى، كانت النمسا من الدول الأوروبية القليلة، إن لم تكن الوحيدة، التي سهلت لكثير من المصريين دخول أراضيها والإقامة فيها بعد خروجهم من العراق، وكذلك تسهيل قوانين إجراءات الحصول على الجنسية النمساوية... وتبعاً لهذا، نلاحظ الزيادة السريعة في تعداد المصريين، والذي يتعدى الآن الخمسة والعشرين ألفاً!!!! وقد أدت هذه الزيادة المطردة إلى زيادة عدد التجمعات المصرية، والتي وبمرور الوقت استأثرت بشعور انتماء الشخص إلى هذه التجمعات بدرجة تفوق بكثير الشعور بالانتماء إلى البلد الأم (مصرنا الحبيبة) مع توَهم البعض أن هذا الانتماء لتلك التجمعات هو قمة الانتماء لمصر، بل ومنهم من جعل لتجمعه فقط الحق في مصريته دون التجمعات الأخرى !!!! 2 وهنا يأتي الحديث عن دور السفارة وملحقاتها... كانت مهام السفارة المصرية.. والتي واكبناها على مدى سنين طوال، تنحصر في تمثيل السفير السياسي والدبلوماسي أمام الجهات الرسمية لدولة النمسا والبعثات الدبلوماسية الأخرى في الأمم المتحدة.. أما أمور الجالية.. فكان تواصل السفير مع أعضاء الجالية غير مألوف، اللهم تواصلاً بروتوكولياً، ومع شخصيات فردية متميزة ومعدودة... كذلك الحال بالنسبة للتمثيل القنصلي... كانت علاقة القنصلية مع الجالية المصرية لا تتعدى دوراً أرشيفياًً أو استخباراتياً.. وبالنسبة للمكتب الثقافي فقد انحصر اهتمامه بأمور الدارسين المبعوثين والتبادل الثقافي بين دولتي مصر والنمسا... وفيما عدا ذلك لم يكن هناك تواصلاً حقيقياً بين أعضاء الجالية وبين الدولة الأم ممثلاً في السفارة وملحقاتها، مما أدى إلى خلق شعوراً بعدم الثقة والفتور بين أفراد الجالية وبين السفارة وملحقاتها. ومع التغيرات الدولية والإقليمية، وظهور أنماط جديدة من المشكلات الاقتصادية والدينية وغيرها في مصر.. والتي ساهمت الجاليات المصرية من قريب أو بعيد، سواء في أمريكا أو أوروبا والدول العربية (قرابة الخمسة مليون مصري) في إظهارها، مما دفع إدارة الدولة إلى إدراك أهمية التواصل وتعميقه مع هذه الجاليات، وعلى ما يبدو أن هناك توجيهات مشددة لتحقيق هذا المقصد.. فشهدت السنوات الأخيرة تغيراً ملحوظاً وهاماً في شكل العلاقات، والتقارب، ورفع الحواجز مع كافة أفراد الجالية. وأية كانت مقاصد هذه التوجيهات.. فليس لنا إلا الأخذ بالمقصد الحميد وهو تواصل الدولة الأم مع أبنائها المغتربين. ولأن الجالية المصرية بالنمسا في تفككها، كمثيلاتها من الجاليات المصرية في الدول الأخرى تعانى من تشتت تجمعاتها والانقسامات الواضحة بينهم، بل وأحياناً داخل التجمع الواحد، كذلك ظهور الجيل الثاني (مشكلة المشاكل)... لذا.. نشطت فكرة تكوين اتحادات تضم هذه التجمعات لتكون (القناة) التي يمكن منها التواصل مع الدولة الأم ممثلا في السفارات. والحق يقال.. أولاً: ليس من المعقول والمنطقي أن ينزل المسئولون في السفارة، سواء كان السفير أو القنصل ليجوب شوارع المدن والأزقة ليتواصل مع كل مصري على انفراد.. ثانياً: وهو الأهم أن أي تجمع للمصريين مهما ادعى لنفسه الأهمية والريادة وسط الجالية المصرية في النمسا.. لم يبلغ قوامه المائتي (200) عضواً!!! ناهيك عن وجود الانقسامات والصراعات الداخلية التافهة.. فهل من المعقول أن يمثل جالية قوامها أكثر من خمس وعشرين ألفاً، مجموعة واحدة لم تبلغ المائتين!!!!!!!! لذلك.. وأمام هذا الواقع، قام المسئولون بالسفارة المصرية في فيينا باستقطاب نخبة الشخصيات المصرية الفاضلة من أبناء الجالية، وتشجيعهم على تكوين (الإتحاد العام للمصريين بالنمسا).. وكما رأينا وسمعنا.. تهليلات ، وتكبيرات، وأيضاً.. هالولويا!! وتدافع الكثيرون وكلٌ له أجندته الشخصية وحساباته الخاصة، أما البسطاء من الناس فقد مزقتهم أبواق أصحاب هذه الأجندات المتناحرة، فآثروا النجاة والابتعاد عن مستنقع السباب والاتهامات... وتبدلت التهليلات إلى لعنات.. والأمل إلى يأس... وبقى في أذهانهم سؤال حائر.. ماذا نريد نحن أبناء الجالية المصرية في النمسا؟؟؟؟ إن من السهل هجر الأرض.. أما هجر الانتماء إلى هذه الأرض.. فهو في مخيلتي شخصياً.. ومن واقع تجربتي، أمرٌ مستحيل إلا على من ولدته هذه الأرض سِفاحاً!!!!! ولهذا... فإن التواصل المنشود مع الأرض الأم.. وبناءً على واقع المعطيات.. لا يمكن بلوغه إلا عن طريق تجمع لا يقل قوامه عن 1000 (ألف) فرد لتمثيل أفراد هذه الجالية (الخمس وعشرون ألفاً) بكافة شرائحها!!! غير أن هناك حقيقة واقعة لا يمكن تجاهلها، أن التجمع المصري الوحيد والذي يزيد قوامه على الألفِ من الأعضاء، هو (التجمع المسيحي المصري) هذا بالإضافة إلى قوة تنظيمه وإدارته وانسجامه تحت مظلة الكنيسة المصرية ( يلاحظ الانضمام إلى الإتحاد.. ثم الاستقالة الجماعية منه).. مما وضع المسؤولين بالسفارة في حرج، إذ أن التواصل المأمول.. مع أي تجمع ديني.. أياً كان.. ليس من سياسة الدولة بأي حال.. لأسباب متعددة، يدركها الجميع!!!!.. ثم هناك تساؤل آخر، هل من الكياسة ترك الخيار للمسؤولين بالسفارة (بناءً على واقع الحال) للتواصل مع من يروقهم من هذه التجمعات الصغيرة المشرذمة، أياًّ كانت المسميات.. كممثلين لمطالبنا وتطلعاتنا.. نحن السواد الأعظم للجالية؟؟؟ إن إتحاد المصريين وحتى لو كان (كما يدعى بعض الذين لم يحققوا أهداف أجنداتهم من الإتحاد) صنيعة السفارة.. فهو وُجدَ ليبقى... وسيبقى!!!.. أوَ ليس إذاً من الحكمة أن تملأه أصواتنا.. فنقطع بذلك الطريق على هؤلاء الذين يسعون إلى تحقيق أجنداتهم الشخصية على حساب اسم الجالية المصرية بالنمسا؟؟... إنني لم أفكر يوماً بتسجيل عضويتي باتحاد المصريين بل وكنت من أشد المعارضين لوجود الإتحاد على صورته التي بدأ بها.. غير أنى كنت ومازلت مؤمناً بفكرته.. وكنت أأمل أن أكون العضو الواحد بعد الألف حين يبلغ الإتحاد رشده.. ويتناسب شكله مع موضوعه!!!... وبعد كل ما عايشناه من أحداث خلال السنتين الماضيتين.. وبعد ما تفكرت في الأمر.. وجدت أنه لو أن كل شخص في هذه الجالية فعل وفكر في نفس الشيء كما فكرت وفعلت.. فلن يكون هناك أي تقدم في إيجاد حلول لمشاكل الجالية!!!.. لذلك، قررت أن أخلع عن نفسي رداء الأنانية.. وأن أبدأ بنفسي لأشارك أبناء الجالية بأي مجهود متواضع من خلال الإتحاد.. حسبي بهذا أن أكون شهيداً على نفسي.. أن أرى الحق حقاً.. فأتبعه، وأرى الباطل باطلاً فأتجنبه. ................ لكِ يا مصر سلاماً، وسلاماً يا بلادي إن رمى الدهر سهامه.. فاتقيها بفؤادي واسلمي في كل حين |
|
2
إن الشُعورَ بالظلمِ ـ وليسَ الظلمُ نفسُه، هو مُوَّلد الثورات (فولتير) أيام النكسة وسنين الوَكسة... أم لعنة الفراعنة ؟ هكذا، ومن جديد... تعاودني تلك التأملات الممزوجة بأطياف الذكريات، وجديدُ الرؤى.. ويَحضُرني الآن ما قرأته في أحد المجلات العلمية المشهورة.. عبارة عن (دراسة علمية.. قيِّمة.. ومثيرة، عن الأجناس والجينات).. مفادها، أن الشعب المصري على الرغم من اختلاطِه بأجناس وشعوبٍ مختلفة على مدى العصور!!! إلا أنه من الشعوب أو الأجناس القليلة.. (طبعاً بعد الأجناس الزنجية والأسترالية) .. التي لم تفقد خصائص جنسها وجيناتها.. وسمات عيشها !!! والحق أقول، أنه بعد قراءتي لهذه الدراسة العجيبة.. وجدت نفسي مندفعاً لإعادة ترتيب معلوماتي (المتواضعة) في التاريخ، تسلسلاً من العصور القديمة، ثم التي تليها.. حتى يومنا هذا، باحثاً عن تفسير منطقي لفهم هذه الحقيقة الغريبة ... إنه من المعلوم أن الظروف المناخية والجغرافية، تلعب دوراً كبيراً في سمات وطبائع الأمم، وأيضاً في تحديد أنماط حياتها الاجتماعية والحضارية، ونستطيع بسهولة تلمس الفوارق المتباينة بين طبيعة الحياة لشعوب السواحل مثلا.. وبين سكان الجبال، أو الزراع.. أو غيرهم!!!.... ولما كانت طبيعة أرض مصر السهلة ومناخها المعتدل، وكذلك نهر النيل وخصوبة دلتاه وعظمة واديه... كل ذلك.. أدى إلى استقرار حياة الإنسان المصري قبل أكثر من خمسة آلاف سنة في نواح كثيرة، وخصوصاً العقائدية منها.. الأمر الذي ساهم في تصور المصري ورضاه للوجود الإلهي، سواء في العقيدة الوثنية في حقبة الفراعنة.. والذي أدى بالتالي لحاجته لوجود الإله الحاكم.. (الفرعون).. وهو ما سوف نُبيِّنه لاحقاً!!!.. أو العقائد السماوية كالمسيحية في الحقبة الرومانية.. وبعدها الإسلام مع فتوحات العرب... لذلك.. أصبح للمصري سمات وأمزجة خاصة.. عبر التاريخ.. والتي يبدو أنه حافظ عليها إلى يومنا هذا.. تبعاً لهذه الدراسة!!! وسوف يتبين لنا مدى احتفاظه بهذه السمات . كان ومازال التاريخ المصري بعظمة حضاراته المتعددة، مدعاة للانبهار على الرغم من وجود تاريخ حضاراتٍ عظيمة أخرى سابقة عليه أو مواكبة له.. بيد أن ما يميز هذا التاريخ هو قوة سنده من آثار ومدونات، والأهم من ذلك.. تواصله بغير انقطاع... مما أعطى للباحث معطيات الإدراك الشامل للدروس التي يجب الاستفادة منها.. لتهيئة التصور لمستقبل البلاد !! يحفل التاريخ المصري كما أشرنا.. بالعديد من الحضارات المتعددة على حقب مختلفة.. والغريب.. أن السمة المصرية (وإن اختلفت أشكالها).. صاحبت دوماً تلك الحقب.. فإذا نظرنا لحقبة ما نسميه بتاريخ الفراعنة أو تاريخ الأسرات، والتي انتهت 343 ق.م مع الأسرة الثلاثين بآخر فراعنتها (نختنبو) الثاني، ودخول الإسكندر الأكبر.. نجد أن هذه الحقبة كانت مصرية خالصة.. أي حكم المصري للمصريين.. (حكم الفراعنة).. وفى هذا السياق، نوضح أن كلمة (الفرعون) وأصلها (برا ـ ون).. وتعنى.. البيت العالي أو الإلهي.. وأصبحت هي اللقب الذائع للحاكم المصري (فقط)!!! بدليل.. أنه أثناء حكم الهكسوس في مصر قرابة مائة وثلاثين عاماً.. لم يُلقب حكامها قط بلقب (فرعون)... إذاً.. كيف كانت حياة المصري تحت حكم الفراعنة؟.. كانت المنظومة الاجتماعية والسياسية للحياة المصرية عبارة عن (مثلث) غير متساوي الأضلاع.. قاعدته هي الضلع الأكبر في المثلث.. والتي تمثل الشعب... أما ضلعيِّ المثلث الآخران فيمثلا الفرعون والكهنة!!! ويختلف قدرهما باختلاف قوة الفرعون أو الكهنة.. على الرغم من شدة وضرورة ارتباطهما كلٌ بالآخر!!! بمعنى أنه.. إذا جاء الفرعون قوياً، سواء وارثاً شرعياً.. أو مغتصباً، وكذلك انتصاراته أو إنجازاته وما شابهه... صنع لنفسه نوعاً من الكهنة تـُألهه حسب تصوره للإلوهية التي يرضاها هو... والعكس صحيح.. إذا كان الفرعون ضعيف الشرعية أو الشخصية، وكذلك ضعف البنية والصحة.. قام الكهنة بشعائر، تـُألهه بالصورة التي تـُمكن لهم تأكيد قوتهم وسيطرتهم في البلاد!!! وفى كلتا الحالتين فواجبهم الأول والأهم.. هو (تـَأليه) الحاكم.. بصفتهم حلقة الوَصْل بين الشعب (الذي لا يشعر بظلم ألهوية الحاكم)!!! وبين الفرعون (الذي يستمرئ الاستمتاع بـإلوهية كاذبة) !!! وللحقيقة.. نقول أن تلك المنظومة باتت من السمات التي أثرت في طبيعة ثورات أو حركات الانتفاضة المصرية خلال الحقب المتتابعة... ذلك.. أن الشعور بظلم واقع، يُوََّلِد انتفاضة ثورية.. فإذا نتج عنها تغيير جذري.. أعطى معنى حقيقي لكلمة الثورة.. مثل الثورة الفرنسية أو البلشفية.. بعكس حركات ثورية كثيرة قامت في مصر خلال كل العصور، كالثورة العرابية أو ثورة 1919 وغيرها.. والتي كانت عبارة عن مجرد انتفاضات.. يمكن وصفها بأنها احتجاجية.. كان الهدف منها رفع هذا الظلم أو تغييره!!!... عدا.. حركة الضباط الأحرار في يوليو 1952.. بالرغم من أنها كانت وليدة ظروف مواتيه، ساعدت في إنجاحها.. إلاّ أنها كانت ثورة مُغيِّرة لمنظومة سياسية كاملة، وأيضاً تاريخية... وهو الأهم!! فقد أعادت لمصر حكمها الذاتي السيادي.. حكماً مصرياً.. فمنذ تاريخ نهاية الدولة الفرعونية 343 ق م. كما أشرنا مسبقاً.. وبعد غزو الملك (أوخوس) الفارسي لمصر.. ثم دخول الإسكندر الأكبر مصر بدون مقاومة.. ومن بعده قيام دولة البطالسة الإغريقيين.. حتى احتلال الرومان لمصر.. يليه الفتح العربي، بدوله المختلفة من أموية وعباسية أولى وثانية، وأيضاً قيام الدولة الفاطمية في قاهرة المعز.. ثم الحكم المملوكي ونهايته على يد السلاطين العثمانيين 1516 م. وحتى أسرة محمد على ومعها الانتداب الإنجليزي... حقبة تزيد على ألفين وثلاثمائة سنة.. عاشتها المنظومة السياسية والاجتماعية في مصر (حتى في أمجد عصورها) مجرد تابعة ( لغير) المصريين !! ويأتي الحديث بوقفة تأملية عن أوجه التشابه والخلاف بين منظومة الحكم الذاتي السيادي في مصر القديمة، ومثيلتها في العصر الحديث، وكما أشرنا للمنظومة المعيشية في مصر القديمة (الحاكم ـ الكهنة ـ الشعب) والتي يمكن تسميتها بالمثلث المصري شكلاً ومضموناً.. نجد أن ثورة يوليه 52.. بعد إعادتها الحكم الذاتي لمصر.. وبدء حكم الفراعنة (الجُدد)!! قد حافظت على مضمون هذه المنظومة!! مع تغييرات في الشكل انسجاماً مع معطيات العصر الحديث.. فمثلاً... بدلاً من لقب الفرعون.. أصبح الزعيم أو القائد... وتأليه الحاكم، يقابله تجديد المبايعة، كذلك تغيرت صورة الكهنة الذين أصبحوا رجال الدولة.. من وزراء، أو قياديون.. ومؤخرا رجال الأعمال!!! وحتى معابدهم، وما كان يُطبخ فيها من شعائر أو طقوس سحرية وشعوذة أو مؤامرات وخيانات ..الهدف منها التسلط على أفكار ومقدرات الشعب.. لتصوير الحاكم أمام الشعب كإله لا يُسأل!!! انتقلت من الكرنك وفيلة... إلى دور الإذاعة والتليفزيون والصحف والإعلام.. والمجالس القومية، بداية من الإتحاد الاشتراكي .. إلى الحزب الوطني... وهكذا بقيت تلك الثلاثية المقدسة.. أو المثلث المصري!!! السمة الثابتة في طبيعة التاريخ المصري.. وكم من السِمات المصرية نسيناها.. أو نتناساها؟ !!!! إذا جاوزت قدري.. لتقييم مراحل وأعمال حكام مصر الجدد، وجب علينا.. توخي النزاهة والأمانة سواء بالعرض من جانبي، وأيضاً تلقى القارئ الكريم، إذ لاشك أنها مراحل طويلة، لها إيجابياتها وسلبياتها، أفرزت أجيال عديدة.. لها ما لها وعليها ما عليها. كنتُ في السادسة من عمري ولم يفهم إدراكي الطفولي أبعاد نبأ حريق القاهرة، الذي نقله لنا أخي الأكبر طالب كلية الحقوق وقتها.. على العكس من أخبار قيام الثورة.. وخروج الملك من مصر.. حدثٌ لم يفارق مخيلتي أبداً.. توالت بعدَه صورٌ وأحداثٌ مختلفة.. صاحبت مراحل عمري، وشغلت فكري، وأعطت لرؤاي أفقاًً أوسع، ومنهلاً في حب مصر... ومن هذه الصور، أرى فيها جلاء الإنجليز عن مصر، وأسمع فيها.. (باسم الأمة، تُؤمم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية)، وفى العدوان الثلاثي يأتي نداء الزعيم "سنقاتل".. وفى عام 58.. غنَّى شَعْبَيّ مصر وسوريا "وحدة ما يغلبها غلاب" ولأن السوريين لا يؤمنون بالثلاثية المقدسة، فكان الانفصال!!! ومن الصور الخالدة أيضاً.. بدء العمل في إقامة السد العالي.. أما صوت أم كلثوم.. فهو شمس الأصيل، كذلك من أقوال الزعيم المأثورة "إن هذا الجيل جاء في موعده مع القدر"؛ وتتبدل الصور والأحداث على هذا الجيل.. ليأتي في موعده مع (الكهنة).. من منظمة الشباب الاشتراكي في جامعات مصر، إلى إدارة المخابرات العامة وجسرها المؤدى إلى ما وراء الشمس، الذين استطاعوا حقن المجتمع المصري بما يكفى من منومات.. جعلتهم كأهل الكهف، وحتى الجيش.. لم يسلم من سلطانهم.. إلى أن جاء يوم الخامس من يونيو 67.. وبينما طائرات ومطارات أقوى جيش في المنطقة العربية يتساقط كقطع الدومينو.. وتفقد مصر ولأول مرة في التاريخ أرض سيناء... كانت تهلل معابد الكهنة (أسقطنا للعدو الطائرة السابعة والسبعين!!!)... يقظة طاحت بأحلام الشباب.. وتهتكت الأستار، وتعرى الناس وما هم بعراة.. إنها النكسة.. أفقدت الكلٌ توازنه.. إلا.. القائد.. خرج ليعلن تحمله للمسئولية وتنحيه... وهنا تبرز أحد السمات المتأصلة في الشعب المصري!! خرجت الملايين.. متحملة أيام النكسة.. رافضة سقوط الآلهة.. ومرة أخرى.. تتبدل الصور والأحداث.. على هذا الجيل، ليأتي في موعده مع (النكسة).. والعمل على إزالة آثارها، قاطعاً الطريق أمام نفوذ الكهنة.. ثم جاء يومٌ .. عاشت فيه مصر كأنفاس صبح حزين يكاد الشعاع فيه ينتحب.. مات الزعيم.. مخلفا وراءه ولياً للعهد، لم يرى فيه الكهنة الوريث الشرعي المأمول... وتشهد مصر الصراع بين الفرعون والكهنة، والذي انتهى بفوز الأول، بسبب ضعف الكهنة وليس قوة الفرعون!!... كل هذا، وجرح النكسة مازال ينزف وبشدة... ويتباطأ الحاكم في تحقيق رغبة الشعب في وقف نزيف جرحه الدامي، مما أدى إلى مصادمات بين الشعب والحكومة ـ شاركت في بعضها بنفسي ـ ويعلو نداء "الله أكبر".. بينما يجتاح الجيش أقوى مانع دفاعي في التاريخ، ويعبر قناة السويس، مسجلا أروع الملاحم العسكرية.. ومع نشوة النصر وفرحة الشعب.. يشعر الحاكم بشرعيته الفرعونية!! فيبدأ في إقامة قاعدة من نُخبته.. تتولى مهام الكهنوت، وولياً لعهده يحركه كما يشاء.. معلناً الانفتاح الاقتصادي!!!! وفتح أبواب الثراء المشروع وغير المشروع... فيختلط الحابل بالنابل، وتتبدل صورة التركيبة الاجتماعية لمصر.. فبدت باهتة غير محددة الملامح، وتظهر للمرة الأولى بوادر الفتن الطائفية.. وفى وسط هذا المناخ.. يعلن نفسه.. (رسول السلام) متخذاً قراراً مزاجياً منفرداً، باهظ الثمن!!! كل هذا ساهم فى إيجاد تربة خصبة لزرع بذور (الوكسة).. التي نمت وترعرعت، وذكتها جهالة بعض النفوس الضعيفة من الأجيال اللاحقة.. ليجنى ثمارها الشعب على مدى ثلاث عقود شؤم... وكان يوم (المنصة)، معلناً مولد الفرعون الجديد!!! لتتلقفه يد الكهنة وتباركه.. فرعوناً شرعياً للبلاد.. وبعدما أصبح.. مُبارَكاً.. كان عليه رد الجميل بالمثل، فقام بتسخير أجهزة الدولة لخدمتهم، وتوسيع معبد الحزب الوطني ليكون المعبد الأوحد للقياديين ووزراء الحكومة ورجال الأعمال!!!.. ولكونه الفرعون ـ أوكل لهم نجليه.. لتربيتهما كهنوتياً.. واللذان أثبتا بمرور الوقت تفوقهما الباهر على معلميهم..!! ونظراً لهذا التفوق.. وجد الكهنة ضرورة تهيئة مناخاً ملائماً لامتداد حكم الفراعنة ـ عن طريق التوريث.. مما استدعى اتخاذ خطوات فعالة وبرامج وخطط مدروسة.. اعتمادا على دراسة سـمات، ونقط ضعف الشعب المصري!!! خلقت فوضى مُنظمَة.. ذكاها انتشار العشوائيات، وقلة الدخل والبطالة مع ارتفاع الأسعار.. فالكسب غير المشروع، وتفشى الرشوة، وسوء التعليم..... والمجال يضيق هنا لتعديد مفردات تلك الخطط الشيطانية!! ـ ولضمان دقة تنفيذ هذه الخطط.. عدلت مواد دستورية.. ثم تفعيل قانون الطوارئ، وتطوير أجهزة الأمن لتكون قادرة على قهر الشعب.. مع نشر البلطجة لتزوير الانتخابات وترويع الناخبين.. وغير ذلك من تدابير وخطط جهنمية، أرهقت كاهل الشعب الذي فقد الكثير من مقومات آدميته وثقافاته... فأفرز أجيالاً على مدى 35 سنة تبلدت فيهم مشاعر الكرامة والعزة.. وغَشَت حياتهم ظلمة الجهل، ومرارة الظلم!!.... ومرة أخرى تـُشهد مصر الدنيا كلها، أنها.. لم تزل، مُعلمة الحضارات، وولاَّدة العظماء، بل وأم الدنيا.. فيقف نفرٌ من شبابها، في ميدان التحرير.. غرباء، يجمعهم الألم.. ويدفعهم الأمل.. تسلحوا بالعلم والأخلاق، ليقهروا الظلام، صارخون.. ليسقط النظام.. فزُلزلت أركان المعابد، وتهاوت صروح الغطرسة.. فسقط الفرعون والورثة... (إن فِرعَونَ وهامانَ وجُنودَهُما كانوا خاطِئين. صدق الله العظيم). وتتبدل الصور مجدداً أمام الجيل الذي أنتمي إليه، والذي جاء مع القدر 52.. ثم عايش أيام النكسة 67.. واحتضن الوكسة منذ 79. الولد.. يُعَلمُ الوالد، والمصري.. يُعَلمُ العَالـَم معنى الكرامة والحضارة!!! وتحولت الوجوه العابسة إلى باسمة.. وأرى مصر ترقص في لباس عُرسها، والدنيا حولها تزغرد.. وأبصار العالم ترقب بشغف نهاية الملحمة المصرية.... غير أن هناك صورٌ تفرض نفسها على جمال اللوحة التي رسمها هؤلاء الشباب... والتي أشفق على روعتها، أن تمتد لها يدٌ حمقاء، تدفعها فورة الغضب بغير قصدٍ.. أو فرصٌ باتت متاحة للمتسلقين والمتحولين، أو غوغائيةٌ متبقية من ثقافة عهدٍ قد وَلىَّ!!! ــ فلا خير في ثورةٍ تضيع معها أحلام أجيالٍ جُردَتْ أبسط حقوق العيش وعانت سطوة القيادة.. ومستقبل أجيال آتية، تضمن حقها في عيش كريم.. وحتى لا تتكرر معه لعنة الفراعنة، التي أرهقت المصريين لستة عقود متتالية!! وسماتٍ جديدة للمصري.. فإن للحديث بقية..
لك يا مصر سلاما، وسلاما يا بلادي إن رمى الدهر سهامه فاتقيها بفؤادي واسلمي في كل حين
|
