هنا النمسا

 

Google
 

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

دراسة (1):

 

حاجة العرب إلى الفلسفة

 

معاذ حسن

 

"ألا وأن العقل الإنساني بحر لا ساحل له مهتاج الأمواج أو كالشجر المختلف الأزهار المتنوع الأثمار المتفاوت الأقدار والآثار – لهذا كانت الفلسفة هي التي تجمع المتفرقات وشتى المذاهب والأخلاق".

أثرت أن أفتتح مقالتي بهذا المقطع من مقال نشرته مجلة "المقتطف" القاهرية في شهر أيار عام 1919م لكاتبه (طنطاوي جوهر)، والذي يقرظ فيه كتابا بعنوان (تاريخ الفلسفة) ألفه ونشره بالإنكليزية صديقه (بدر)، فالمقالة تبدأ: "صديقي بدر. وترجمه للعربية آنذاك، صديقه "حسن أفندي حسين". كما يذكر في سياق المقال (راجع المقال كاملا في كتاب (قضية الفلسفة) سلسلة قضايا وحوارات النهضة العربية (26). تحرير وتقديم: محمد كامل الخطيب. دار الطليعة الجديدة. دمشق. الطبعة الأولى – 1998.)

ودلالة ذلك كما أفترض هنا، وعي العديد من مثقفي عصر النهضة آنذاك لأمرين أساسيين، أولهما: أن لا ضفاف للعقل البشري، فطاقته هائلة ولا حدود نهائية لها. وثانيتهما: دور الفلسفة كطريقة عقلانية في التفكير في إعادة صياغة مفهوم مستقبلي جديد للمجتمع، كونها إطار يجمع التعدد ولا يلغيه، بل يغنيه باستمرار.

المفارقة المرة اليوم أنه بعد مرور قرابة القرن نرى أن ذلك الوعي بقي نخبويا لدرجة كبيرة. فثمة مسافة كبيرة جدا تبعده عن الوجدان الشعبي العام الذي يتراجع مستوى الوعي لديه لدرجة صار فيها تعبير مثل (بلا فلسفة -  حاجة تتفلسف علينا.. إلخ.) أهزوجة تهكمية واضحة، وشائعة جدا في التخاطب الشعبي اليومي العام، غالبا ما يكون المعنى الظاهري المباشر له قولا لا يعجبنا، أو لا نفهمه، أو لا نريد أن نتفهمه، أو لشخص  لا يعجبنا ولنا منه موقف سلبي مسبق.. إلخ.

أما المعنى المضمر والمستور، فيه، فيقصد به الاستخفاف بالفلسفة كطريقة عقلانية في التفكير وذلك في دلالتين بقدر ما هما متباعدتين بقدر ما هما متقاربتين: فإما نحن لا نعي فعلا معنى كلمة فلسفة وتاريخها إلا في المستوى المبتذل والشائع – كما أشرت سابقا – وهذا حال الأغلبية. لذلك فالفلسفة بنظر هده الأغلبية مجرد ثرثرة ولعي حكي، كما يقال، أو تعبير عن اختلال ذهني لدى شخص ما. وإما نعرف تماما كثافة ما ترمز إليه كلمة فلسفة لذلك نرفضها عن وعي مسبق بهذا الرفض وبالتالي نساهم في تدمير دلالاتها الحقيقية والصحيحة في الوجدان والوعي  الشعبي العام. وهذا حال فئة قليلة لكن لها مصالحها وامتيازاتها الخاصة الدينية والزمنية، وتكون في الغالب متحكمة جدا في إدارة شؤون المجتمع. لذلك فالوعي والتفكير الفلسفيين يتعارض، حتى النهاية، مع تحكمها هذا.

لذلك سوف أحاول في السطور القادمة مقاربة ثقافية دفاعا عن الفلسفة بمواجهة هذا الابتذال لها سواء الجاهل أو المقصود. وعن حق مجتمعاتنا العربية بأن يكون لها تفكيرها الفلسفي المستقل بحيث تتمكن من رسم أفق مستقبلي نهضوي صحيح من خلاله.

لكن ماذا نعني بالفلسفة؟:

تأسست الفلسفة بداية على سؤال الوجود: ما الوجود؟ كيف بدأ ولماذا، إلى متى وما المصير؟ وبمعنى أدق فلسفيا ما هي مبادئ الوجود وحكمته؟. وبما أن السؤال يستدعي جوابه، فالجواب يستدعي التفكير في موضوع السؤال مليا. هكذا بدأت الفلسفة في محاولات مبكرة لدى الحضارات القديمة جدا في شرق آسيا، الهند – الصين، وادي النيل، بلاد الرافدين، حوض البحر المتوسط، وأخذت آنذاك أشكال ديانات وأفكار ومعتقدات متعددة. إلا إن الفلسفة كنظر عقلي في (الوجود بما هو موجود) لم ينضج بلغة التجريد الفلسفي العالية ومنظومة المفاهيم الخاصة إلا على يد حكماء وفلاسفة العصر اليوناني الأول حوالي القرن السابع ق م، الذين أسسوا للانطولوجيا كتأمل نظري صافي في الوجود على قاعدة وحدة الوجود محققين بنظرتهم تلك وحدة الذات والوجود. واستمرت تلك اللحظة حتى مجيء أفلاطون الذي أحدث شرخا كبيرا في مفهوم الوجود بتقسيمه إلى وجود أعلى مغاير ومفارق، ووجود أدنى محايث، بحيث أن الثاني يستمد أسباب وبراهين وجوده من الأول، وبذلك تم تأسيس علم ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقيا) في الفلسفة. وعندما جاءت الأرسطية، نسبة إلى أرسطو، حاولت تعديل هذه المفارقة وتلطيف حدتها في محاولة التوحيد بين الماهية والهوية بين الحقيقة والوجود، لكن دون أن تلغي جذر هذه المفارقة.

على هذا الأساس فالانطولوجيا هي نظرة فلسفية موضوعها الأساس البحث في الوجود انطلاقا من مقدمة مجردة هي الوجود كوجود متجمع بتقابل ثابت ذي طابع تأملي بين الوعي والمادة، بين الذات والوجود، إنها نظرة تأملية لا تاريخية، ساهمت وأسست للتصور الميتافيزيقي اللاحق للكون، خصوصا أنها لم تحاول تأمل وفهم دور الممارسة الإنسانية الاجتماعية التي يقوم بها الفعل الإنساني في العلاقة بين الذات والموضوع بين الفكر والوجود، والتي تحيل اللحظة التأملية بينهما إلى لحظة تماس جدلي ينتج من خلالهما أحدهما الأخر كلُ بالمستوى الأنضج الذي وصل إليه.

لذلك فالتأمل الفلسفي الأنطولوجي البحت في الوجود تم تجاوزه منذ منتصف القرن التاسع عشر بفضل المنعطفات النوعية التالية:

1: على الصعيد العلمي، كانت قد بدأت تظهر منذ القرن الخامس عشر اكتشافات علمية جديدة أحدثت ثورات علمية متتابعة حتى تمكن العلم من "خرق مفهوم الثبات في المادة" الطبيعية واكتشاف تناقضاتها وقوانينها ومجالاتها العضوية، واللاعضوية، والحيوانية.

2: على الصعيد الفلسفي الفكري، حيث بدأت تظهر التيارات العقلانية على أرضية مفارقة للأفلاطونية والأفلاطونية  المحدثة وشروحات المدارس الأرسطية لدرجة ظهرت فيها مقولات جديدة للخطاب الفلسفي الحديث مثل (المكان، الزمان، الذرة، الحركة، الاستقراء، قوانين الطبيعة)، بدلا من مقولات الخطاب الفلسفي القديم مثل (الماهية، الجوهر، المثل، الفيض، الوجود بالفعل، الصورة، الهيولى.. إلخ). ("ثلاث محاورات فلسفية دفاعا عن المادية والتاريخ" د. صادق جلال العظم – دار الفكر الجديد -  1990).

وتتوج ذلك كله بالديالكتيك الهيجلي، ديالتيك الفكرة الذي حولته مدارس فلسفية لاحقة، كالماركسية، إلى ديالكتيك الوعي والمادة، الفكر والوجود، أيهما أسبق: الفكر أم الوجود، الوعي أم المادة، والعلاقة الديالكتيكية بينهما.

3: على الصعيد الاجتماعي السياسي: أحدثت الثورات التي فجرتها شعوب أوروبا منذ أواخر القرن الثامن عشر (عصر الأنوار) بنتائجها لصالح الشعوب، ثورة في فهم مسار التاريخ، فالتاريخ ليس تاريخ الأفراد، ملوك عظماء وقادة تاريخيين، أو حكماء وفلاسفة، فقط. بل هو تاريخ تصحح مساره وتنضج قوانينه الممارسة الاجتماعية للشعوب والوعي بهذه الممارسة. وبذلك بدأ يتكون الفهم المادي للتاريخ.

وبذلك تكون الفلسفة دخلت منعطفا حداثيا ولانهائيا تجاوزت فيه التأمل النظري المجرد، ميتافيزيقي أو فيزيقي في الوجود. وبدأت طريقا جديدا تلحظ من خلاله وتتابع الفعل الإنساني في مجاله الواقعي ومحيطه الطبيعي لتقويم مساره وتوجيه حركته وفق المستجدات الدائمة بما يحقق وجوده الإنساني الصحيح والمستمر، آخذة بعين الاعتبار:

أ: الممارسة الإنسانية كفعل يصنع التاريخ.

ب: الوعي الذي يتكون من صلب هذه الممارسة والعملية التاريخية ليصححهما وينضجهما من جديد معرفيا وباستمرار.

لذلك فالمفكر أو الفيلسوف اليوم صار بإمكانه أن يمسك بدفة سفينة الوجود وهي تبحر نحو اللانهاية بعد أن كان يقف على مقدمتها شاردا متأملا خفايا الوجود بينما تقوده أشرعتها حيثما تشاء الرياح.

فأين نحن العرب والمسلمون من ذلك كله، قديما وحاضرا؟.

الفلسفة في الحضارة العربية الإسلامية الوسيطة:

لم تنشأ ثقافة الحضارة العربية الإسلامية في العصر الوسيط، بمختلف فنونها وآدابها وفلسفتها من فراغ، أو بمجرد استدعاء للفلسفة اليونانية عبر تعريبها. بل إن هذا الاستدعاء من خلال الترجمة كان نتيجة من جهة أولى، وحاجة من موضوعية من جهة ثانية.

نتيجة لتراكم زمني طويل مرت خلاله الثقافة العربية بتحول نوعي كبير من الطور الشفاهي  إلى الطور الكتابي (التدويني)، فالمكتوب. وهذا التحول -  حسب الحفريات البحثية المعرفية التي قام بها الباحث جورج طرابيشي في مشروعه (نقد نقد العقل العربي) لاسيما في كتابه (إشكاليات الفكر العربي -  إشكالية الإطار المرجعي للعقل العربي)، كانت مقدماته وإرهاصاته الأولى قد بدأت بالتكون منذ العصر الجاهلي الذي كان يوجد فيه مؤلفين حقيقيين لهم كتب في علم الأنساب وأخبار الأولين من الملوك وكتب في الأمثال والمثالب..إلخ كدغفل بن حنظلة الذي يذكره الجاحظ بأنه نسابة العرب، وعبيدة بن شربة الجرهمي الذي يذكره ابن النديم في الفهرست بكتبه العديدة، ويزيد بن أبيه، وغيرهم  وأغلبهم من المخضرمين الذين ولدوا في العصر الجاهلي وعاشوا بقية حياتهم بعد انتصار الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية. وكانوا يشكلون ظاهرة استثنائية في محيط ثقافي تقوم آلياته بشكل كبير على الحفظ والاستذكار، والرواة. كون ثقافته كانت ثقافة شعر أكثر منها ثقافة نثر.

وحاجة موضوعية بعدما أنجز هذا التراكم منعطفا نوعيا أفضى إلى تعميم الثقافة المكتوبة من خلال سيرة (التدوين) التي استمرت في المرحلة الإسلامية منذ منتصف القرن الأول للهجرة إلى ما بعد منتصف القرن الثاني للهجرة، حسب الحفريات البحثية التي اشتغل عليها الباحث جورج طرابيشي في كتابه "إشكاليات العقل العربي"، وكان هذا التدوين يشمل الدنيوي إلى جانب الديني. إلا أن الأمر الذي لعب دورا كبيرا وحاسما في الانتقال إلى طور الانتقال إلى طور الثقافة المكتوبة هو الاتصال الذي تم من خلال الفتوحات مع ثقافات كتابية متطورة لشعوب مختلفة وعديدة، دخلت في نسيج الدولة العربية الإسلامية المترامية الأطراف، مما ساعد أيضا إلى تنوع كبير في مجالات الثقافة العربية آنذاك في حقلي الدين والدنيا، كما تجزأت اختصاصاتها في الأدب والفنون، وتجديد في الشعر العربي وأغراضه (المتنبي، أبي تمام، أبو العلاء المعري، .. وغيرهم الكثير من مجددي الشعر العربي في تلك المرحلة). وعلم الحساب والفلك، والاجتماع، والتاريخ، والفلسفة.

وحسب حفريات وتدقيقات طرابيشي فإن (التدوين عرف نقلة حاسمة إلى الأمام مع نقل الأمويين عاصمة الخلافة من المدينة إلى دمشق، فمعاوية "أول من سأل في التاريخ واستقدم العلماء وأول من أمر بالتدوين"). كما يذكر نقلا عن المسعودي في "التنبيه والإشراف"، (أن هشام بن عبد الملك أمر بأن ينقل له من الفارسية إلى العربية "كتاب عظيم" في تاريخ الفرس استقيت مادته "مما وجد في خزائن ملوك فارس – ويشمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم). كما يذكر نقلا عن ابن النديم أن سالما المكنى أبا العلاء، كاتب هشام بن عبد الملك الذي كانت خلافته بين 105 125، نقل له رسائل أرسطاليس إلى الإسكندر " (مرجع مذكور سابقا ص 53 54).

على أرضية هذا السياق التاريخي تم استدعاء الفلسفة لأول مرة في الثقافة العربية. عبر ترجمة أو تعريب الفلسفة اليونانية، أو كما كانت تسمى آنذاك (علوم الأولين). فاستمرت وكثرت الترجمات في العهد العباسي لاسيما في عهدي المأمون والمنصور. وتبلورت نتيجة لذلك ثلاث مجالات للنظر العقلي في الحضارة العربية الإسلامية الوسيطة وهي: علم الكلام، الفلسفة، التصوف.

لذلك يمكن القول أن التراث النظري الإسلامي ككل -  منذ القرن الثامن الميلادي حتى القرن الثالث عشر. أنتج على أرضية العلاقة الحية المتبادلة بين الإسلام كعقيدة دينية وحركة اجتماعية انطلقت في القرن السابع الميلادي من شبه الجزيرة العربية. وبين الواقع الجديد الذي يبنيه في فتوحاته اللاحقة والمتسارعة. وعلى هذا الأساس يمكن تفسيره كاستجابة لتحديين اثنين واجهتهما تلك الحركة:

أ: تحدي تأكيد الذات (عربيا وإسلاميا).

ب: التعامل في مستوى حضاري جديد مع بيئات اجتماعية ودينية مختلفة ضمن مساحات جغرافية كان يتم فتحها باستمرار ولا يستطيع منطوق الدعوة الأول أن يستوعبها، فكان لابد من الاجتهاد في جميع الأمور والمسائل المستجدة الأمر الذي فرض الحاجة إلى علم الكلام، والتبادل الثقافي عبر الترجمة التي استدعت الفلسفة. وكل ذلك (جعل من اللغة العربية هي اللغة الثقافية بامتياز خلال حقبة طويلة من أواسط أسيا وحتى أواسط أوروبا عبر شرق المتوسط وشمال أفريقيا). فلمعت نتيجة لذلك في سماء هذه التجربة آنذاك -وما تزال -  أسماء كبيرة وهامة في الفكر والفلسفة: الكندي، أبو بكر الرازي، ابن سينا، أبي العلاء المعري، ابن أباجة، ابن طفيل، ابن رشد، ابن خلدون، ابن عربي، الحلاج، إخوان الصفا، أبي حامد الغزالي.. وغيرهم الكثير في مختلف مجالات الفكر والأدب والاجتماع والتاريخ والفلك وبقية العلوم. الأمر الذي أوصل التجربة العربية الإسلامية آنذاك إلى مرتبة حضارية رفيعة المستوى، بل كانت الحضارة الأفضل والأقوى في العصر الوسيط . ولا نغالي إذا قلنا أن الفضل الكبير في ذلك يعود، إضافة لأسباب عديدة - لا مجال لذكرها في هذا السياق -  إلى توسيع أفق الثقافة العربية ولغتها نتيجة تعريب الفلسفة اليونانية الذي بلغ أوج تألقه الكبير في القرنين الثالث والرابع وحتى أواخر القرن الخامس للهجرة في مركز الحضارة العربية الإسلامية آنذاك، (بغداد) التي كانت مركز الخلافة أيضا.

وبالمقابل تزامن " نفي " الفلسفة – حسب تعبير طرابيشي -خارج العالم العربي الإسلامي مع دخول تلك الحضارة مرحلة أفولها وانحطاطها منذ القرن الثالث عشر الميلادي، خصوصا بتأثير الهجوم الشرس، الذي شنته عليها مدارس الفقه العديدة منذ منتصف القرن الثالث للهجرة مع (أحمد ابن حنبل)، وحتى بلغت ذروتها مع (ابن تيمية) في القرن الثامن للهجرة. وقد قام الباحث جورج طرابيشي بتوثيق تحليلي لجزء هام من تلك الحرب الضروس بين الفلسفة والفقه الإسلامي في كتابه ("مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام". دار الساقي. بيروت. الطبعة الأولى –  1998).

فإنتاج التفكير الفلسفي يزداد ويترافق دوما  مع صعود حضارة مجتمعية ما، محاولا رسم آفاقا مستقبلية جديدة لها. بينما غياب الفلسفة أو ضعف دورها يعكس غياب الدور الحضاري للمجتمع وانحداره المستمر. كما هو حال العرب اليوم. لذلك استمر نفي الفلسفة خارج العالم العربي الإسلامي حتى منتصف القرن التاسع عشر الذي شهد بداية اليقظة العربية الجديدة.

هل تشكلت فلسفة عربية حديثة؟

صار من المعروف أن الصدمة الحضارية مع المجتمع الأوروبي الحديث، التي أسست لحالة اليقظة اللاحقة، جاءت على شكل غزو عسكري لمجتمعاتنا العربية، منذ حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798، الأمر الذي أسس بداية، في الوعي الجمعي العام، والنخبوي منه على السواء، لحالة التباس في الموقف (رفض أو حذر). لكنها كانت، أيضا، البداية لإحداث خلخلة بنيوية، مجتمعية، كبيرة. ثم جاءت الهزات والأحداث السياسية الكبيرة والمتلاحقة، على خلفية تداعي إمبراطورية الخلافة العثمانية) (الرجل المريض)، لتؤكد وتعمق هذه الخلخلة لاسيما بعد محاولة الاتصال بالغرب المتقدم بمستوى جديد هو التعرف عليه وعلى علومه المختلفة من الداخل عبر الدراسة والإطلاع. لكن مع استمرار الحذر بدليل تسمية علوم الغرب، من قبل النهضويين الأوائل (بالعلوم البرانية). لنلاحظ هنا الفرق في الدلالة النفسية والمعرفية، بين هذه التسمية وتسمية (علوم الأولين) في ثقافة العصر الوسيط، التي تشي بثقة ورغبة، فمصالحة قوية مع الفلسفة اليونانية أدت إلى تعريبها فعلا عبر إعادة إنتاج أفكارها وتطويرها لدرجة تم التعرف عليها أوربيا في مطالع عصور النهضة الأوروبية من قبل مؤلفات الفلاسفة العرب. أما مصطلح (العلوم البرانية) الحديث، فقد كشف عن حالة حذر وإرباك فعليين أسسا بشكل كبير لحالة العجز النخبوي السائدة في ثقافتنا العربية كونها حاولت، وما تزال، التوفيق بين ثنائيات (أصالة معاصرة، عقل نقل، إصلاح نهضة، تراث ثورة،..إلخ)، كانت كل علوم وثقافات النهضة الأوروبية الحديثة قد أحدثت بينها ومعها قطعا معرفيا كاملا ونهائيا، لصالح العقل وفكرة التقدم، منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر (عصر العقل وعصر التنوير). لذلك فإن استمرار استخدام مصطلحات تلك الثنائيات في ثقافتنا الحديثة والمعاصرة، خلق آليات تطوير خاصة لها بمفردات جديدة، إما بدلالة سياسية اجتماعية ترهيبية وبالتالي تخوينية ما تزال مستمرة إلى اليوم (كالغزو الثقافي)، أو بدلالة تكفيرية (كثقافة الغرب المادي وفلسفته الإلحادية..إلخ). على هذه الأرضية الثقافية كانت تتم محاولة (الاستدعاء الثاني) للفلسفة كنظر عقلي في الوجود (لاستعادة دورها في نسيج الحياة الثقافية العربية) من قبل بعض المثقفين النهضويين الأوائل. فحسب الباحث السوري "محمد كامل الخطيب" الذي قام بتحرير وتقديم كتاب (قضية الفلسفة) الصادر في دمشق عام 1998 ضمن سلسلة قضايا وحوارات النهضة العربية، وهو على حد علمنا أول كتاب بالعربية يوثق نصوص الكتابة حول "الفلسفة" في العربية منذ مطالع عصر النهضة العربي أواخر القرن التاسع عشر وحتى أواخر القرن العشرين. فقد تمت إعادة الاعتبار لكلمة فلسفة في العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، (وربما كانت المقالة المعنونة بـ "الفلسفة " لجناب المعلم خليل أبي سعد والمنشورة في مجلة المقتطف في آب 1882 من أوائل المرات التي استخدمت فيها هذه اللفظة على حقيقتها، وبمعنى إيجابي، أي مقرونة بالعقل، في الكتابة التأليفية العربية الحديثة) *مقدمة كتاب "قضية الفلسفة" ص 6*، وتلا ذلك استخدامها على يد جرجي زيدان في كتابه "الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية" الصادر عام 1884، وجبر ضوميط في كتابه "فلسفة البلاغة" عام1898، وشبلي شميل في كتابه "فلسفة النشوء والارتقاء" عام1910 (مقدمة كتاب "قضية الفلسفة" ص 6). ومن ثم تتالت خطوات محاولة التفلسف العربية الحديثة عبر إعادة الاعتبار لمحاولة التفلسف العربية في العصر الوسيط أولا، من خلال تحقيق ونشر النصوص الفلسفية العربية الوسيطة، وهو عمل كان قد أسس له المستشرقون الأوروبيون. ومن ثم ترجمة كتب الفلسفة اليونانية وكتب تواريخ ومداخل الفلسفة عموما، وصولا إلى التأليف الفلسفي الجديد والمستقل. وهنا نصل إلى الفكرة المرادة، في البحث عن جواب للسؤال الأساسي: هل تشكلت فلسفة عربية أو إسلامية حديثة؟ بمعنى هل تم إنتاج تأليف فلسفي عربي مبدع مستقل ومشهود له عالميا، بعيدا، عن الشروح وشرح الشروح أحيانا، أو مجرد استعادة لأفكار ومدارس دون محاولة إعادة إنتاجها عربيا أو إسلاميا كما حدث للفلسفة اليونانية في التراث الفلسفي العربي الإسلامي الوسيط (أفلاطون – الفارابي، أرسطو – ابن رشد). في الجواب: نزعم أن المرحلة الحديثة في استعادة الفلسفة عربيا، استطاعت إنتاج أساتذة كبار في الفلسفة في العالم العربي، بل ومفكرين لهم وزنهم الكبير، أيضا، حسب المرحلة التي أنتجتهم. إنما لم تستطع إنتاج فلاسفة حقا بمستوى ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية، أو بمستوى ما أنتجته الحداثة الأوروبية منذ بدايات عصر النهضة وحتى اليوم. ليس هذا فحسب بل إن مستوى الموقف من الفلسفة والتفكير الفلسفي يتراجع كثيرا في مجتمعاتنا العربية، إلا في أوساط النخب الثقافية والفكرية كما أسلفنا. فما هو السبب في ذلك؟ السبب ببساطة – كما أزعم أيضا – هو أننا، كجمهور عام ونخب فكرية وسياسية واقتصادية مالية، وأنظمة حكم. لم نحسم خيارات عصر النهضة العربي، العقل أم النقل، ـ طبعا مع وجود استثناءات قليلة وغير ذات تأثير يذكر - بل يمكن القول إن سؤال عصر النهضة تراجع عند الأغلبية إلى خيار النقل على حساب العقل في الوقت الذي نشهد فيه فتوحات عجائبية خارقة للعقل البشري في المراكز الأقوى عالميا للحضارة البشرية اليوم. بينما تمتد وتتسع في مجتمعاتنا فتاوى التخوين والتكفير والتأثيم بحيث صارت حياة المواطن اليومية مهددة باستمرار إما بالمراقبة الصارمة سياسيا ودينيا، فملاحقة ومطاردة، أو بالقتل والذبح، أو بالتفجير الجماعي من خلال خلايا الإرهاب المنظم . لدرجة وصلت فيها سمعة العربي المسلم، لاسيما بعد 11 أيلول 2001، إلى أدنى مستوياتها، وما تزال، عالميا. يردد الباحث جورج طرابيشي في أكثر من مكان في أبحاثه وكتبه إنه حتى نستطيع النهوض والتقدم عربيا وإسلاميا فلا بد من "لوثر مسلم يحرر النص من النص"، أي تحرير النص القرآني المفتوح على دلالات عديدة – كما فهمت هنا – من النص الفقهي الجامد الذي حرم وما يزال النظر العقلي في القرآن. ومن ثم "فولتير عربي يحرر العقل من النص" ("مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام" مرجع مذكور سابقا). ورغم حصافة هذه الفكرة وأهميتها، إلا أني أزعم مرة أخرى أننا لا يمكن "تحرير العقل من النص" إلا إذا تجاوزنا نهائيا مسألة "تحرير النص من النص" لأنها مهمة سيزيفية مستحيلة إسلاميا لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا، لكن يكفي أن نشير إلى إنها جربت مرارا وتكرارا منذ علم الكلام والمعتزلة وحتى محمد عبده، ولم تنجح، بل كانت تنكسر بقسوة كبيرة لتبقى إنتاجاتها الغزيرة والهامة كتراث نظري فقط، دون تأثير على الواقع اليومي. لذلك أفترض هنا أنه علينا أن نبدأ مما انتهت إليه الحداثة الأوروبية، كلحظة إنسانية معرفية واحدة تستقي وتستفيد من إنجازاتها جميع شعوب العالم دون محاولة إعادة إحياء ميكانيكي لخطوات تشكلها. خصوصا أنه لن تنفع معنا حتى العودة إلى فلسفتنا العربية الإسلامية القديمة في العصر الوسيط، فالتراث العربي الإسلامي ككل كانت تحكمه ثلاثة حدود أساسية:

 1ـ المنطق الأرسطي في الفلسفة، وهو المنطق الذي كسرته الفلسفة الحديثة منذ بيكون وديكارت وأحدثت معه قطيعة معرفية نهائية.

2 ـ الاجتهاد ومدارسه، علم الكلام بكافة أعلامه ومدارسه واجتهاداته، وقد انكسر بقسوة فظيعة في حينه من قبل سلفيي وحكام ذلك الوقت، فكيف سيكون حال التعامل مع الاجتهاد من قبل السلفية الجديدة اليوم ولنا في مصير الدكتور نصر حامد أبو زيد خير مثال. عدا عن أن منطق الاجتهاد الفقهي عموما، كما يبدو لي هنا، هو نموذج لمنطق قروسطي قديم أنتجته الحيرة العاجزة بين النقل والعقل وكان مقبولا قبل ثورات الزمن الحديث علميا ومعرفيا.

3 ـ فقه مدرسة الحديث بدأ من أحمد بن حنبل وحتى ابن تيمية. وهذا الفقه هو مرجع كل التيارات الأصولية الجهادية والتكفيرية في عالمنا اليوم. أما التصوف الإسلامي فقد كان وما يزال نموذج لـ (الحضور في حال الغياب) أي غياب الذات والوجود معا، حسب الباحث المغربي محمد مزوز في كتابه "من أجل انطولوجيا إسلامية – مساهمة في تجديد الوعي الإسلامي" سلسلة دراسات فكرية 9 منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1993. كيف نبدأ إذا من جديد؟ نبدأ – كما أزعم هنا - مما انتهت إليه الحداثة الأوروبية بعد استيعاب معرفي كامل لمقدماتها السابقة وعلومها وفكرها وفلسفتها اللاحقة. فمشكلة عصر النهضة العربي أواخر القرن التاسع عشر هي أنه أراد أن يوفق بين موروثنا، واستيراد ما يتوافق مع هذا الموروث، فقط، من حضارة أوروبا. وكأن المسألة هي كيف ننتقي سلعة تناسبنا لنشتريها. بينما طرح المسألة في سياقها الصحيح يكون: إما أن نتمثل الحداثة الأوروبية كلها. وإلا لن نستفيد شيئا من تجربتها. والتمثل هنا لا يعني التقليد الأعمى، وإنما يعني الدرس والاستيعاب عبر مراكمة كبيرة ومستمرة للمعارف والعلوم الإنسانية والتكنولوجية المتجددة دوما. مراكمة تكون بمثابة الأرضية العلمية والثقافية الفكرية الضرورية لإنبات رؤية حضارية ومن ثم، ربما، فلسفة عربية، جديدة. وذلك يعني من جملة ما يعنيه أيضا، القدرة على النظر إلى موروثنا في سياقه المعرفي والتاريخي الصحيح، كذاكرة وخبرة للأجيال، وتراثا يعتد به كونه يبقى حلقة رئيسية كبرى في سلسلة حلقات تشكل الشخصية العربية الإسلامية عبر التاريخ. كما أنه ساهم في لحظة تاريخية سابقة، في صوغ وإنضاج ممهدات لحظة الحداثة الأوروبية أواخر العصور الوسطى في القرن الخامس عشر. هذا في الإطار العام لثقافتنا العربية المعاصرة. أما في الإطار الشخصي اليومي الذي يغذي الإطار العام ويرفده. فكل شخص بحاجة إلى حكمة ما لممارسة حياته اليومية ولو بحد أدنى من السلامة أو النجاح. فهذه الحكمة هي فلسفته الخاصة، وحسبنا هنا أن تكون لكل شخص حكمته لا الفطرية فقط بل الثقافية أيضا. بمعنى تغذية فطرته الخاصة بثقافة خارجية تكون بمثابة خلاصات وتجارب له ولغيره باستمرار. الحكمة اليومية للفرد الإنساني هي بمثابة دفة السفينة. فهل يمكن تصور سفينة تبحر في بحار، هادئة كانت أم صاخبة، دون دفة؟ ماذا سيكون مصيرها إذا؟. وهل ستصل إلى هدفها المنشود يا ترى؟ بل إن الدفة وحدها لا تكفي، فثمة البوصلة وتقنيات السفينة الحديثة والمتجددة باستمرار. الحكمة اليومية للشخص الإنساني هي دفة الخلاص والوصول، وثقافته المتجددة دوما هي البوصلة التي تعينه على تحديد الاتجاه الأسلم، خصوصا أوقات العواصف والرياح الشديدة. وكذلك الأمر بالنسبة للشعوب والمجتمعات ففلسفتها هي حكمتها. فالفلسفة بالتعريف المدرسي الأقدم والأبسط، تعني محبة الحكمة. فكيف إذا صارت نظرا عقليا لا في الوجود فقط، بل في كل مسائل الحياة الصغيرة والكبيرة، انطلاقا من سلوك الفرد اليومي. نظرا يستمد قوته، من تثاقف مستمر، ومشروعيته، من حياة مستمرة متجددة ومتغيرة بشكل دائم. لكن ما هي الآلية التي يمكن من خلالها أن نبدأ فعلا، بداية لابد من توفر عقد مجتمعي جديد بين المجتمع والسلطات الحاكمة فيه، سياسية اقتصادية أم دينية، ينطلق من اعتبار الفرد في المجتمع مواطنا يتمتع بكافة حقوق المواطن، بحيث يكون عقله مشرعا للتفكير الحر دون قيود، منتجا بذلك أفكارا لا حصر لها ولا حدودا، قابلة للأخذ والرد عبر الحوار الثقافي المعرفي وليس من خلال التكفير أو التخوين. ولا يمكن تحقيق ذلك – كما نفترض هنا – إلا من خلال:

1 ـ وجود حريات مجتمع مدني واسعة. وديمقراطية سياسية مؤسسة على دستور حقوقي علماني واضح يتيح المجال واسعا لحق وحرية الحراك والقول السياسي ويكفل حق وحرية الرأي والقول الثقافي عموما والفكري الفلسفي. مع توفر منابر ثقافية مستقلة عدية ومتنوعة.

2 ـ انفتاح المؤسسات المالية الخاصة، وخاصة رجال المال والأعمال، على الثقافة والفكر بأفق حر مفتوح. بدون شروط مسبقة، بشكل يتيح الفرص باستمرار للمواهب والإمكانيات الثقافية والفنية والفكرية بالظهور والنبوغ. والمساعدة في تعميم الثقافة على الجميع في تنافس معادل ومشروع، لجهود الفضائيات العربية الحالية، والعديدة، في تعميم ثقافتها الخاصة، الاستعراضية الخفيفة منها أم الدينية المتزمتة، على الجمهور العربي عموما. فالثقافة الجادة المزدهرة في المجتمع لها أيضا مردودها الاقتصادي التنموي المزدهر على المجتمع كما على رجال المال والأعمال أيضا. كل ذلك يكون – كما أفترض هنا – بمثابة مقدمات لمحاولة استنهاض وخلق نهضة ثقافية مجتمعية واسعة تنتج فيما بعد فلسفتها الخاصة. وكي أكون أكثر دقة سوف أستعير من كتاب (المثقفون) لبول جونسون، مثالا تطبيقيا مستمدا من التجربة الأمريكية منذ منتصف القرن التاسع عشر. حول ولادة النموذج الثقافي الأمريكي وحكمته الفلسفية، التي رسمت أفقا مستقبليا ناجحا خاصا للشخصية والمجتمع الأمريكيين  "المثقفون" بول جونسون، ترجمة: طلعت الشايب دار شرقيات. الطبعة الأولى 1998. القاهرة. ولتوضيح فكرتي الخاصة في هذا المقال سوف أقوم باستشهادات مطولة من الكتاب، الفصل الخاص عن "أرنست همنغواي" لاسيما الصفحات 149، 150، 151، 152، 153).

أ -  بداية كانت الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة الأرض البكر حتى القرن التاسع عشر، أرض وفرة وفرص كبرى، فالناس مشغولون بالحصول على المال والإنفاق والاستثمار وبالتالي الاندماج فيما بينهم. كما أنها كأرض مكتشفة حديثا لم تشهد ما سمي أوروبيا بـالنظام القديم ولم يكن فيها طبقة  اكليريكية مؤسساتية، فالدين فيها كان تحت تصرف الجميع، ولذلك فهو  معني بالسلوك وليس بالجمود  موفرا حرية الاعتقاد الديني حسب التنوع الطائفي الموجود. فالدين تعبير عن الحرية وليس تقييدا لها.

ب - ظهرت روح ثقافية وطنية كرد فعل على بقايا ممثلي الإرث الثقافي الأوروبي الاستعماري. فكان أكبر ممثل لهذه الروح "رالف والدو إيمرسون  1803 1882"،  الذي أعلن أن هدفه كان استخراج "الدودة الشريطية الأوروبية" من جسم أمريكا وعقلها وأن "يطرد الولع الأوروبي بالولع الأمريكي". فهو زار أوروبا لكن برؤية نقدية قوية وفيها اكتشف "كانط" وعاد إلى أمريكا ليبدأ بتأسيس مذهبه الفكري والفلسفي الخاص. وكان باستمرار ضد النخب الثقافية والفكرية، كان يقول إن أول أمريكي قرأ "هوميروس" في مزرعة قد أدى خدمة جليلة للولايات المتحدة، وأنه عندما كان يرى رجلا يقرأ كتابا في قطار كان يود أن يعانقه، كانت فلسفته الاقتصادية والسياسية الشخصية تتطابق مع الفلسفة العامة التي كانت تدفع الأمريكيين عبر القارة نحو تحقيق قدرهم الواضح "القاعدة الوحيدة الأمينة توجد في نظام يتوازن داخليا بين العرض والطلب، لا تضع تشريعات، تدخل وسوف تنتزع القوة بقوانينك المالية. لا تقدم هبات، سن القوانين المتكافئة، حافظ على الحياة والممتلكات ولن تحتاج إلى تقديم الصدقات. افتح أبواب الفرصة أمام الموهبة والفضيلة وسوف تكون صادقة مع نفسها ولن تكون الملكية في أيدي سيئة" لذلك  كان الملاك والمدراء يروجون له بطريقة إيجابية. وعندما ذهب  إيمرسون إلى بتسبورغ في سنة 1851 أغلقت الشركات أبوابها باكرا حتى يتسنى لصغار الموظفين الذهاب والاستماع إليه، رغم أن سلسلة محاضراته لم تكن مكرسة لدعم النزعة التجارية، بل تتناول – على سبيل المثال – "الغريزة والإلهام"، "تطابق الفكر والطبيعة"، "التاريخ الطبيعي للعقل"... فهو  كان يميل إلى تقديم الدليل على أن المعرفة إلى جانب الشخصية الأخلاقية يمكن أن تؤدي إلى نجاح العمل التجاري. لذلك تطورت شخصيته الثقافية كنموذج يحتذى. حتى صار نموذجا أمريكيا في نهاية سبعينيات القرن التاسع عشر،  كما كان "هوغو" بالنسبة لفرنسا، وتولستوي بالنسبة لروسيا.

ج - ظهور وتطور حركة جمعيات المحاضرات العامة التي قام بتأسيسها "جوسيا هولبروك" سنة 1829 لتثقيف الأمة التي كانت آخذة في الاتساع. ثم أنشئت قاعات المحاضرات العامة "الليسيوم" حتى صار يوجد بنهاية الثلاثينيات قاعة في كل مدينة كبيرة تقريبا، (إلى جانب المكتبات وجمعيات المحاضرات والمناظرات التي يقيمها التجار والموجهة للشباب وغير المتزوجين وموظفي البنوك والباعة في المحلات.. إلخ أي الذين يشكلون أغلبية المدن) وكانت الفكرة من وراء ذلك هي إبعادهم عن الشوارع والارتقاء بعملهم التجاري وبمستواهم الفكري.

اخترت أن أختتم مقالتي هذه مستشهدا بالتجربة الأمريكية بما له علاقة بفكرة المقال الرئيسة، لسببين لهما علاقة بحالتنا العربية الراهنة:

1 ـ كونها التجربة الأحدث بعد تجربة الحداثة الأوروبية، التي تمفصلت معها بداية ثم غادرتها نهائيا نحو التفوق والسيطرة، لذلك فهي الأقوى في عالمنا المعاصر وحتى المدى المنظور على الأقل. ومعروفة تماما علاقة التبعية القوية لقوى المال النفطي العربي. والنظم السياسية العربية الحاكمة اليوم، بالولايات المتحدة الأمريكية.

2 ـ السعي المحموم نحو عالم المال والتجارة والاستثمار لم يلغ الرغبة الجامحة في الرقي الثقافي، بل إن نجاح الأمر الأول، مهنيا وأخلاقيا، بحاجة لنجاح الأمر الثاني بتمفصل مجتمعي داخلي كبير وقوي. عكس سياسة أرباب المال والاقتصاد والسياسة في العالم العربي التي تهتم فقط باستثماراتها الخيالية في المجمعات السياحية الضخمة، بأبراجها الشاهقة جدا. على حساب تنمية حقيقية للمجتمع لاسيما للشرائح الفقيرة فيه. فكيف بالهم التنويري للإنسان في المجتمع. طبعا لا نتجاهل هنا تخصيص بعض المتنورين القلائل من رجال المال والأعمال العرب البعض من عوائدهم المالية لدعم ورعاية الندوات والمؤتمرات والمهرجانات وبالتالي بعض الجوائز الثقافية، لكن بآلية تكرس نخبوية الثقافة، دون محاولة استنهاض حالة ثقافية تنويرية كبيرة في المجتمع، على النحو الذي حاولت توضيحه في استشهاداتي المطولة من كتاب "المثقفون". فالمال والثقافة: بمعنى التراكم الاقتصادي التنموي، والتراكم العلمي والمعرفي. هما عنوانان كبيران جدا لنهضة المجتمع وتقدمه الاقتصادي والثقافي والفكري الفلسفي. والأمثلة على ذلك من تاريخ الحضارات البشرية قديما وحديثا كثيرة. أما التفاصيل الفرعية بخصوص كيفية تمفصل العلاقة الصحيحة بينهما، فتحتاج لحوارات طويلة وصعبة، لاسيما في سياق لحظة تاريخية خاصة كالتي تعيشها شعوبنا ومجتمعاتنا العربية. حيث تشير تقارير التنمية الإنسانية العربية منذ بدايات القرن الحالي إلى أرقام مخيفة بخصوص نسبة تفشي الأمية، ووضع المرأة المتدني، وضعف الترجمة لجهة اكتساب المعارف والعلوم الحديثة. وهجرة العقول والكفاءات وتفشي البطالة..إلخ.

فخلاصة القول إنه دون تفكير فلسفي مستقل ومبدع، يستطيع رسم أفق مستقبلي لمجتمعاتنا وشعوبنا، فلا مؤشر واضح على أننا سننهض. بعد ذلك أليست الفلسفة حاجة عربية راهنة؟ 

........................................................

المصدر: موقع ألوان

 

 

 

عودة إلى صفحة فكر وفلسفة

للتعليق على الموضوع

 

 

postmaster@jusur.net

من نحن