![]()
![]()
|
|||
|
جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة
©
تعنى
بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون
الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني |
![]()
![]()
|
|
|
كتاب (3) |
|||
|
كتاب الشرق في الغرب بقلم مصطفى عبد الرازق
مصطفى عبد الرازق *الكتاب:الشرق في الغرب *ترجمة:محمد الخولي *الناشر:المنظمة العربية للترجمة - بيروت 2008 *الصفحات: 597 صفحة من القطع المتوسط
مؤلف هذا الكتاب هو جاك غودي أحد أشهر أساتذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كامبريدج وقد نال جوائز وتقديرات عالمية كثيرة ونشر عشرات المؤلفات منها «الغذاء والحب: التاريخ الثقافي للشرق والغرب». ويأتي كتابه «الشرق في الغرب» والذي قام على ترجمته محمد الخولي ضمن الأعمال التي تقوم بدعمها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ليمثل ما يمكن اعتباره أكبر عملية انتقاد للرؤى الغربية التي تؤكد على فرادة الغرب وتميزه عن الشرق من خلال كشف زيف الكثير من الدعاوى التي تقدم في هذا الصدد من مفكرين غربيين كبار وعلى رأسهم عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر. في محاولة التأصيل لموضوعه يستعرض المؤلف من خلال حديثه عن مشكلة الغرب مع الشرق، أصول النظرة التي تعكس المركزية الغربية، مشيرا إلى أن جذورها تعود إلى الصراع بين اليونان والفرس حيث الإشارة للآسيويين على أنهم يتسمون بطابع السلطة الاستبدادية والترف البربري، إذ رآهم أرسطو في كتاب «السياسة» أنهم أكثر خنوعا. ثم جاء اقتران المسيحية مع أوروبا في القرون الوسطى ليعزز هذه المشاعر، واتبع مونتسكيو خطى أرسطو فعاود وضع عبقرية الحرية لأوروبا في كفة مناقضة مع روح العبودية في آسيا. وفي القرن التاسع عشر نشأت المسألة المحددة التي تقول بالطابع الفريد للغرب بالنسبة إلى الرأسمالية أما الطابع الراكد لاقتصاديات المجتمع الشرقي فقد كان ينظر إليه على أنه نابع من حقيقة أن هذا المجتمع لم يكن يمتلك الأشكال الكافية من العقلانية. وقد كان فيبر استمرارا لتلك النزعة في ضوء رؤيته أن أوروبا تتسم بشكل خاص من أشكال السلطة الرسمية والعقلانية ومن الأعراف الاقتصادية ما أتاح تطور الرأسمالية، بينما كانت النتيجة في آسيا أنها خضعت للتحجيم بسبب نظام الطبقات الجامد أو النظام العشائري، فضلا عن التعاليم الدينية. في محاولة للقيام على هذه المهمة يشير المؤلف إلى أن الأمر يتطلب إعادة تقييم الشرق من أجل تصحيح الصورة بالنسبة إلى آسيا سواء في ضوء الماضي التاريخي أم في ضوء التطورات المعاصرة ولكن من اللازم أيضا، حسبه، إعادة النظر في الموقف التاريخي للغرب في إطار عملية التحديث وهو ما حاول المؤلف أن يفعله بالنسبة إلى مجموعة من الملامح التي اعتبرت أمرا يتفرد به التطور الأوروبي للرأسمالية ممثلا في نوعيات بعينها من العقلانية والمحاسبة المالية والأسرة، فيما أن هناك أمورا أخرى مرشحة من جانب علماء آخرين ومنها القانون وخاصة العقد والحرية، على النحو الذي يمكن معه التوصل إلى تقييم أفضل لماضينا نحن «الغرب» وأن نقدم تقييما أفضل كذلك لماضي هؤلاء الآخرين «الشرق». من عرض الأسس النظرية لموضوعه إلى التطبيق يضع المؤلف العقلانية الغربية في الميزان فيشير إلى أن صعود الغرب كان مرتبطا في أذهان الغربيين بامتلاك نزعة عقلية ليست متاحة للآخرين، مشيرا إلى اتخاذ هذا المفهوم شكلين رئيسيين حيث إن التراث الإنساني الكلاسيكي ينظر إلى ذاته وكأنه وريث العقلانية الإغريقية، فيما ثمة خط آخر من خطوط الاستقصاء يركز على فترة لاحقة وهي عصر النهضة وعصر الإصلاح، أو ما يسمى عادة بعصر التنوير. ويفند المؤلف هذه السيناريوهات من زوايا عديدة، مشيرا إلى أن خاصيتي العقلانية بصورة واسعة أو بشكل متخصص بمعنى المنطق هما خاصيتان تتسم بهما الثقافات كلها وتتخذان أشكالا عامة أحيانا وأشكالا ثقافية محددة في بعض الأحيان. ويعرض المؤلف لتوزيع الاتجاه العقلاني بمعنى الإجراءات المنطقية، صورية كانت أم غير صورية، في المجتمعات الرئيسية في قارة «أوراسيا» ـ أوروبا وآسيا ـ وإن أشار إلى أن هناك معنى أوسع نطاقا تعد فيه العقلانية من النوع الفضفاض أمرا يختص به الغرب. ويشير المؤلف إلى أن مفهوم العقلانية النظامية عند فيبر ومفسريه أمر انتقائي للغاية وهو مفهوم يركز، حسبما يذكر، على السياقات التي تفوقت فيها أوروبا، موضحا أن بعض هذه الإدعاءات مشكوك فيها إذا لم تكن خاطئة على طول الخط. في مجال تفنيد هذه الرؤى يذكر غودي أنه في مجال الإدارة والاقتصاد كان الشرق في المراحل الأولى في بعض النواحي أكثر تطورا من الغرب في القرون الوسطى بعد انهيار النظام الاقتصادي القديم. ويضيف في معرض التفصيل انه حتى مع الإصلاح الديني فإنه لم يكن واضحا بما فيه الكفاية أن المذهب البروتستانتي ـ وفق ما يذهب إليه فيبر ـ كان أكثر عقلانية حتى بالمعايير الغربية من الكونفوشيوسية الجديدة أو البوذية المحدثة. ويدلل المؤلف على صحة وجهة نظره من خلال فيبر نفسه حيث يذكر أن هذا الأخير حاول أن يتحاشى التأكيد بأن الثقافات غير الغربية فشلت في إظهار العقلانية، وقد أدرك أن العقلانية النظامية مثل الرأسمالية كان لها وجود في كثير من المجتمعات. وفي سياق انتقاده للرؤى الغربية يشير جاك غودي إلى أنه حتى الرأسمالية لابد من النظر إليها لا باعتبارها نتيجة لظاهرة مباغتة ولكن محصلة لسلسلة طويلة من الأحداث، وبعضها وقع خارج نطاق أوروبا الغربية ولاسيما قبل عصر النهضة. ينتقل بنا المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن العقلانية وعلم المحاسبة، مشيرا إلى أنه بما أن فكرة العقلانية طبقت على الاقتصاد، فلا عجب أن نجدها مرتبطة، حسبما يذكر، بصورة وثيقة مع عملية مسك الدفاتر. هنا يتناول عملية مسك الدفاتر في إيطاليا خلال القرون الوسطى وقد انتهى إلى مناقشة طبيعة المحاسبة في الهند ومواقع آسيوية أخرى. ويقرر غودي أن هناك مؤرخين أرجعوا التطورات التي استجدت في مجال مسك الدفاتر وقانون الشركات والعمليات المصرفية والرابطات التجارية إلى نمو النشاط التجاري في أوروبا خلال القرون الوسطى، ثم في عصر النهضة. وفي مجال التحفظ والاعتراض يقرر المؤلف : ولكننا رأينا أن معظم هذه الأنشطة كانت قد اتخذت أسسها في ممارسات سبقت في منطقة البحر الأبيض المتوسط ومن هذه الوجهة بالذات فإن الشروط الاقتصادية المسبقة من أجل الانطلاق التي شهدتها أوروبا كانت موجودة منذ حقب من التاريخ أسبق بكثير مما يقول به بشكل عام المؤرخون المحدثون. ويشير المؤلف إلى ما لاحظه البعض من نشأة طبقة من التجار واسعة الانتشار وقوية النفوذ في كل أنحاء الشرق الأوسط في مرحلة مبكرة ترجع إلى القرنين الثامن والتاسع الميلاديين عندما أصبح هو المهاد الرئيسي للحضارة الإسلامية. ويضيف أن هذا الأمر بدوره يصدق على كذلك على جنوب آسيا وشرقها. ويتناول في فصل تال دور التجارة في الهند وعلاقتها بالاقتصاد والمجتمع المحلي مع التركيز بالذات على منطقة غوجارات في غرب الهند. ويشير إلى أنه فيما تحولت التجارة الأوروبية عبر البحار لتفوق تجارة آسيا على الأقل خلال الفترة من 1700 إلى 1900، فإن الأمر لم يكن كذلك وقت افتتاح الطريق البحرية من المحيط الأطلسي، حيث كان الوضع هو العكس فلم يكن الغرب يتميز على الهند في الإنتاج أو تبادل السلع ولم تكن الميزة الأساسية للقادمين الجدد ـ الغربيين ـ إلى المحيط الهندي تكمن سوى في ملامح بعينها اتصفت بها وهي السفن والمدافع. من هذه النقطة يعرض المؤلف لتفاصيل تتعلق بنمو التجارة والصناعة الهندية، موضحا أنه لا يوجد أدنى شك بشأن حالة الإنتاج الحرفي والتجارة الحرفية في الهند عندما وصل إليها الأوروبيون. فقد ساورت القادمين الجدد دهشة إزاء ما طالعوه وكانت دهشة عميقة إزاء حجم إنتاج الملبوسات وثروات البلاد التي كانت ضخمة للغاية بالنسبة إلى ثروات بلادهم. ويشير المؤلف إلى أن الترف لم يكن مقصورا على قصور المهراجات بينما كانت البقية تعيش في ربقة الفقر، ويستشهد في ذلك بما كتبه البعض ـ كليف ـ لدى دخوله مرشد آباد العاصمة القديمة للبنغال عام 1757 من القول: «المدينة شاسعة الأرجاء كثيفة السكان وغنية شأن مدينة لندن مع اختلاف يتمثل بوجود أفراد في المدينة الأولى يحوزون ممتلكات أكبر بصورة لا حدود لها وبأكثر مما هو موجود في المدينة الأخرى». وقد استخدمت العبارات نفسها بالنسبة إلى مدينة «أغرا» و«فاتش بور» و«لاهور» ومدن أخرى كثيرة من حواضر الهند. وفي محاولة للإجابة عن السؤال حول لماذا لم تتحول الهند صناعيا بالتحول من رأس المال التجاري إلى رأس المال الصناعي يشير المؤلف إلى أن هذا التحول تم تثبيطه من قبل التغلغل الاستعماري الذي لعب دورا كبيرا من خلال تشجيع الإنتاج في أوروبا مع تشجيع التخلف في الأماكن الأخرى. ويخلص المؤلف إلى التأكيد على أنه يمكن النظر إلى تاريخ الكتلة البرية لأوروبا وآسيا بطريقتين، فبوسع المرء أن يشدد على الانقسام إلى قارتين لهما تراثان مختلفان موضوعيا وهما التراث الغربي والتراث الشرقي. أما التراث الغربي فمستمد من الميراث الكلاسيكي لمجتمعات البحر الأبيض المتوسط في اليونان وروما وقد بلغ ذروته في عصر النهضة والإصلاح والتنوير والثورة الصناعية في غرب أوروبا، بينما تأتي الأنماط الشرقية من مصادر أخرى بشكل بالغ الوضوح. وبدلا من ذلك يقول المؤلف، نستطيع أن نشدد على التراث المشترك لكلا جزئي «أوراسيا» من ثورة التحضر في العصر البرونزي عندما طرحت وسائل جديدة للاتصال (الكلمة المكتوبة) وسبل جديدة للإنتاج (تقدم الزراعة والحرف اليدوية بما في ذلك صناعات المعادن والمحراث والعجلة.. إلخ)، إضافة إلى أشكال جديدة من المعرفة. وهنا يشير إلى أن الوصف الذي يتجسد في كثير من أجزاء النظرية السوسيولوجية الغربية وفي التاريخ والإنسانيات يؤكد على الجانب الأول ما أفضى إلى تقسيم القارتين إلى غرب وشرق. غير أنه يعلق على ذلك بالقول إنه من دون رغبة في إنكار خصوصية الأعراف الثقافية بما في ذلك أعراف أوروبا، فإنه من السهل المبالغة في هذه الادعاءات وخاصة عندما يتعلق الأمر بمجتمعنا ذاته، وهو على حد وصفه، مجتمع ناجح للغاية في القرون الأخيرة. ................. المصدر: موقع لطيف نت
|
|||