من نحن

 

Google  

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

 

الجاليات في أوروبا

 

مقياس إبراهيم

في انتظار الأفريقي

المستبد العادل؟

السر سيد أحمد*

 

في الأسبوع الماضي، أصدرت مؤسسة رجل الأعمال السوداني محمد إبراهيم فتحي، المقيم في بريطانيا، مقياسه للحكم الرشيد في القارة الأفريقية، وإعطاء علامات للدول الثماني والأربعين التي ضمتها القائمة لأفريقيا جنوب الصحراء. وكما لاحظت مجلة ''الأيوكونومست'' في تغطيتها للنتائج أن الجزر كان أداؤها أفضل من الدول الموجودة على اليابسة. فقد تصدرت القائمة موريشوص وتلتها سيشل ثم بوتسوانا، كيب فيرد وجنوب أفريقيا التي احتلت المرتبة الخامسة. أما المجموعة الأسوأ، فأن الصومال جاءت في المؤخرة باحتلالها المرتبة رقم 48، تليها جمهورية الكنغو الديمقراطية في المرتبة 47، ثم تشاد والسودان في المرتبة  45

بعد بيعه لشركة ''سيل تل'' التي أسسها وحققت نجاحات في ميدان الاتصالات إلى مجموعة كويتية مستثمرة بقرابة ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار قبل عامين، تحول محمد فتحي إلى مجال العمل التطوعي والإنساني، حيث أنشأ مؤسسة وضعت على رأس أهدافها تشجيع الحكم الرشيد في أفريقيا، إذ يرى أن أسلوب إدارة الحكم يلعب دورا رئيسيا في تشكيل حياة الناس والدول خاصة تلك التي لا تزال تعاني من ضعف المؤسسية. ولتشجيع القيادات الأفريقية على الحكم بشيء من الشفافية أعلن عن إنشاء جائزة تبلغ قيمتها خمسة ملايين دولار إلى جانب 200 ألف دولار في العام طوال حياة الزعيم الفائز. ومعايير الفوز تشمل عدة أشياء مثل الاهتمام بجوانب التنمية الاجتماعية والتركيز على مجالات التعليم والصحة، حكم القانون والشفافية ثم تسليم السلطة طوعا وبطريقة سلمية وعبر انتخابات مشهود لها بنزاهتها إلى من يستحقها. وتمت الاستعانة بأستاذين من جامعة هارفارد الأمريكية لوضع المعاير وتطبيقها على قائمة المرشحين. وكل ذلك لتشجيع القادة الأفارقة على القيام بأداء أفضل خلال الفترة التي يحكمون فيها. ووجهت الفكرة ومعاييرها والعائد منها بانتقاد على أساس أن كثيراً من هؤلاء القادة وعبر ممارساتهم الفاسدة يمكن أن يكونوا ثروات تتجاوز ما تعرضه عليهم مؤسسة محمد فتحي.

لكن هذا الرأي يفترض أن كل القادة فاسدون ويسعون إلى اكتناز الملايين، كما أنه يستبعد التأثير التراكمي الذي يمكن لهذه المبادرة إحداثه بمرور الزمن.

ومن جانب آخر، فإن الخطوة تكتسب أهميتها من أن القائم بها أحد أبناء القارة من الذين كونوا ثروتهم من العمل فيها عبر ميدان الاتصالات الذي سجل فيه نجاحا ملحوظا، ولو أن المعايير والآليات المستخدمة ظلت غربية. ومن ناحية مبدئية لا يفترض أن تكون هناك غرابة في أن يشرف على العمل أساتذة من جامعة هارفارد الأمريكية خاصة وهناك مجلس استشاري من 11 عضوا من مختلف الدول الأفريقية. فمعايير الشفافية، وحكم القانون والبعد عن الفساد وغيرها تظل في نهاية الأمر معايير إنسانية ذات بعد كوني وليست قاصرة على ملة معينة أو ثقافة محددة، لكن تبقى الآليات المستخدمة للوصول إلى ترتيب نتائج محل تساؤل. فمثلا أحدى هذه الآليات الاعتماد على الأبحاث التي تجريها وحدة استخبارات ''الأيكونومست'' المعروفة مثلا. وهذه الوحدة تصدر تقارير شهرية وفصلية عن مختلف الدول تتناول الجوانب السياسية والاقتصادية وتلجأ إليها العديد من مؤسسات التمويل الدولية، لكن التعامل السديد معها يقوم على أساس اعتبارها أرضية يمكن البناء عليها.

فإذا قررت شركة ما مثلا الاستثمار في بلد معين، فأنها تبدأ بالاطلاع على تقرير وحدة الأيكونومست على ذلك البلد، لكن لا يتوقع أن تبني قرارها على ما تستخلصه من تلك الدراسة، التي تظل محكومة في نهاية الأمر بمن قام بها وقدراته وما أتيح له من وقت أو معلومات، لذلك تبرز وبصورة جلية وللعين المدققة بعض الثقوب في تلك الدراسات التي لا تزال تشكل نقطة انطلاق وأحيانا مرجعا لا غنى عنه. هذا إلى جانب الحاجة إلى استيعاب الوضع الثقافي والاجتماعي لتوفير فهم أفضل لتفسير ما يجري بدلا من الوصول إلى نتائج وخلاصات بعد زيارات قصيرة وخاطفة. وبسبب اعتماد المقياس على آليات أخرى، فأنه فيما يبدو اقتصر على ما كان سائدا حتى العام 2005 . وهكذا ففي الوقت الذي يصدر فيه المقياس محددا مراتب للدول الأفريقية في سبتمبر من العام 2007، إلا أن معلوماته في واقع الأمر تستند إلى وقائع وحقائق تعود إلى قبل ذلك بعامين، وبسبب هذا فأن المقياس لا يضع في حسبانه عاما كاملا من تطبيق اتفاق سلام جنوب السودان، ولا أن نيجيريا شهدت مؤخرا تسليم السلطة من رئيس مدني منتخب إلى رئيس آخر مدني منتخب ولأول مرة، ولان السنغال تمكنت من تعميق تجربتها الديمقراطية رغم إعادة انتخاب الرئيس السابق مرة أخرى. وهذا الوضع يمكن تجاوزه بتواجد فعلي على أراضي الدول الأفريقية، الأمر الذي يمكن من التحديث المستمر ما أمكن وتقصير الفجوة بين المعلومات ونشر التقرير المستند إليها إلى ستة أشهر مثلا بالاستفادة من ثورة الاتصالات والمعلومات وليس أعرف من ''مو''، كما يطلق عليه بهذا المجال.

لا شك في أهمية وريادة الخطوة التي قامت بها مؤسسة محمد فتحي إبراهيم، لكنها تظل بحاجة إلى المزيد والتقدم خطوة إضافية وذلك بإخضاع المعلومات التي تحصل عليها إلى مراجعة وتدقيق وحبذا عبر بعض العيون الأفريقية. أما النقطة الثانية الأكثر أهمية فتتلخص في تشجيع بعض المؤسسات الأفريقية في المجالين الإعلامي ومؤسسات المجتمع المدني على العمل باستقلالية ومهنية قادرتين في نهاية الأمر على توفير المصداقية اللازمة التي تجعل من الممكن اللجوء إلى معلوماتهما وتقاريرهما الأكثر حداثة وارتباطا بالواقع لتقييم وضع الحكم في مختلف الدول الأفريقية.

وترد في الخاطر هنا تجربة المصور الكيني الراحل محمد أمين، الذي وثق بعدسته للمجاعة في أثيوبيا في العام 1974، وهي الصور التي أثارت العالم ودفعت بوب جيلدوف ومجموعته لإقامة الحفل الكبير على جانبي الأطلسي لعون القارة الأفريقية، فقد توصل وبعد سنوات طويلة من العمل مع مؤسسات إعلامية غربية مشهود لها إلى ضرورة إنتاج نشرة أخبار تلفزيونية أفريقية بأيد وعيون أفريقية موجهة إلى جمهور أفريقي. وهو ما تمكن في أخريات حياته وقبل موته المأساوي في حادث تحطم طائرة من وضع أسسه بالتعاون مع وكالة رويترز للأخبار.

فالحكم الرشيد يصبح أكثر مؤسسية إذا أعتمد على عدة مكونات، إلى جانب الحكومات طبعا. وعلى رأس هذه الإعلام المهني المستقل والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، ولو أن كل هذه وبوضعها الراهن تعاني من حالة من الكساح. وربما تفكر المؤسسة في بعض الإجراءات والحوافز اللازمة لاستنهاض عناصر المجتمع الأفريقي الأخرى للقيام بواجبها، وإلا انتهى الأمر بالقارة في انتظار مخلص في صورة مستبد عادل هو في حد ذاته مشكلة بقدر ما يبدو وكأنه الحل.

............................

* كاتب و صحافي مقيم في لندن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

للتعليق على الموضوع

أضف

المقال

عودة إلى شؤون الجاليات

 

postmaster@jusur.net

هنا النمسا