
|
|
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |
|
1 ظاهرة الإسلام الأوروبي أو الإسلام في المهجر وأسئلة الحداثة والهوية والاندماج١
يعكس الحديث أو الكتابة عن مواضيع مرتبطة بالإسلام والعلاقة بالغرب عموما وبأوروبا، خاصة في الفترة الراهنة الحالات النفسية وطبيعة العلاقات السائدة، والتي يغلب على معظمها التوتر والتشنج والانفعالية والتمترس في مواقع دفاعية أو هجومية أحياناً، أو رؤية الواقع من خلال تصورات منجزة ومعدّة سابقاً، أحيانا أخرى، وهي غالباً ما تكون من باب الأماني وطلب ما يجب أن يكون، والتعامل مع ذلك كلّه وكأنّه كائن. لذلك أقدّر صعوبة وعسر تناول هذه المواضيع بحيادية موضوعية لا تدّعي الإطلاقية لنفسها في ذلك، و يصير من باب الصدق والوضوح المطلوب تحقيقهما مع الذات ومع الآخر التصريح بالدوافع وكذلك الغايات والأهداف المسكوت عنها غالبا حتى نتجنّب التلبيس والتمويه ومزيد تعقيد الأمور أكثر مما هي عليه، غير أنّه يجب الاعتراف كذلك أنّ طلب الوضوح هذا يصعب تحققه أيضا بسبب التموقع والارتهان داخل بنى نفسيّة وذهنية ودوغمائية منغلقة تصبغ المواقف بصبغتها فتكون تبريرية ذرائعية تلفيقية تتجنّب النقد ألتأصيلي وتفضّل أن تبقى حائمة حول الحمى خشية الوقوع في المحظور. داخل هذا الإطار من الملاحظات المنهجية أو الإشارات إلى الحيثيات والسياق العام تتنزّل كذلك بعض أشكال التعاطي مع المواضيع المرتبطة بالإسلام ومن بينها السؤال عن وجود إسلام أوروبي ومسوّغات الترويج له . إنّ الإسلام كتعبير عن مجموع البنى الثقافية الفكرية والنفسيّة والاجتماعية الروحية والعقائدية وما يرتبط بها من تشكّلات للمخيال الجمعي تحققت وتتحقق ضمن صيرورة تاريخية داخل فضاء الزمان والمكان خاضعة للتحوّلات الحادثة فيهما بالتأثّر والتأثير وليست أبدا خارج التاريخ ، وضمن هذا السياق يمكن فهم زخم التنوّع والتعدّدية ودرجات الاختلاف في التاريخ الإسلامي فيما ظهر فيه من تشكّلات عقائدية وفلسفية وحتّى اتجاهات سياسية وأدبيّة بلغت في اختلافها وتنافرها إلى حدّ التضادّ والصّدام أحيانا كثيرة، وخير تعبير على ذلك ما تمدّنا به أدبيّات التراث الإسلامي عن الملل و النحل وعن المدارس العقائدية والفقهية والمذاهب والشيع الكثيرة بشكل يهزّ ويستفزّ التصوّر الرومانسي الساذج المروّج لصورة تسطيحية أحاديّة اللون سواء للتراث أو الحاضر الإسلاميين، لا تخلو في عمقها من ادّعاءات سلطويّة تريد احتكار الحقّ في تعريف ما هو إسلاميّ أو لا وتميّزه عمّا سواه. فالاختلاف والتنوّع داخل صيرورة تاريخية سنّة طبيعية وتاريخية لم تستثن الإسلام منها أو تجعله حالة غير خاضعة لها. ضمن التّأكيد على تاريخانية المنتج التراثي الإسلامي ينبغي كذلك التّأكيد على تاريخانية العلاقة بالنص الديني الإسلامي قرآنا وحديثا نبويّا حيث أنّ هذه القراءات للنصّ وما أفرزته من مواقف وما أنتجته من أنساق عقائدية و تشريعية وأخلاقية ترتبط ارتباطا عضويّا مباشرا بشروط الزمان والمكان الذي وردت وصيغت فيها، فتنزع عنها صفة الإطلاقية الميتاتاريخية التي يلبسها البعض إيّاها وتحافظ على نسبيّتها التّاريخية فيمكن التعاطي معها عندئذ بانفتاحية يمكنها تملّك النقد والنقد الذاتي والقدرة على التجاوز وتطوير الذات و تطوير علاقتها بالآخر أيضا. وضمن سياق هذه النظرة تتنزّل كذلك علاقة الإسلام من خلال المسلمين بأوروبا أو بالغرب سلبا وإيجابا حيث أنّ هذه العلاقة ليست علاقة طارئة أو حادثة كما يحلو للبعض تصويرها وإنّما هي متأصّلة ومتداخلة جدّا، بدءا من الاشتراك الذي لا يخلو من تعقيد ونفي وتأكيد متبادلين في الانتماء إلى فضاء الديانات الإبراهيمية والتوحيدية من جهة وأيضا التواصل التاريخي والتداخل الجغرافي والسياسي، خاصة ضمن فضاء حوض المتوسّط بضفافه الشرقية والجنوبية والشمالية منذ حركة التوسع العربي الإسلامي مرورا بالحروب الصليبية ومراحل التماسّ والتداخل المباشرة بالأندلس وصقلّية والمرحلة العثمانية التركية وحملات نابليون وظاهرة الاستعمار بالقرنين التاسع عشر والعشرين وحركات الترجمة خاصة للأعمال الإغريقية إلى العربية ومنها إلى اللاتينية... كلّ ذلك يعبّر عن أشكال تواصل واشتراك وافتراق بين فضائي الإسلام والغرب. غير أنّ كلّ هذه التداخلات والتعقيدات في هذه العلاقة لم تمنع أيضا من حصول تحوّلات داخلية غير متماثلة في طبيعتها ويبرز ذلك خاصة في ظاهرة الحداثة التي أفرزتها الخصوصية التاريخية الأوروبية وما ارتبط بها من تغيير نوعي للبنى المعرفية وأشكال العلاقات الاجتماعية والنظم السياسية، وإبداعات علمية وتقنية لها في تطبيقاتها التأثيرات البالغة على العديد من مستويات العلاقات القائمة. إنّ المشكل الرئيسي الذي يواجه المسلمين في أوروبا وخارجها كما يواجه الإسلام كمجموع البنى السابق ذكرها كذلك٢ هو تحديد وتعريف العلاقة بهذه الحداثة بشكل جدّي يتجاوز النظرة المتّسمة بالتبريرية والإسقاطية والنفعية والبراغماتية السطحية والقصيرة المدى إلى فضاءات أرحب وتفكير أكثر عمقا وجدوى، وعدم التخوّف العصابي المتّسم بحساسيّة مرضيّة من طرح أسئلة جدّية ومؤسسة حقّا. لعلّ أهمّ الأسئلة الحداثية التي تسبّب إحراجا نفسيّا ومعرفيّا هي أسئلة الحرّية والديمقراطية وأصالة حقوق الإنسان كمعبّر عن مجموع مفاهيم وقيم ونظم علاقات. إنّ طرح مثل هذه الأسئلة ضمن فضاء التفكير والانتماء الإسلامي في سياق متزامن مع تعريف الهويّة في صيرورتها الاجتماعية والتاريخية ومحاولة تلمّس الإجابة عنها يتعارض مبدئيا مع أطروحات الحلول الترقيعية والتلفيقية السطحيّة وتساعد في محاولة تجاوز حالة الفصام والنفاق الذاتي الممارس إلى حدّ الإدمان تفكيرا وسلوكا في العلاقة مع الحداثة، إنّ الجسر الخفيّ الموصل إلى شواطئ تلمّس الإجابة عن هذه الإشكالات هو بتبنّي موقف إنسانيّ حرّ خارج قضبان الدوغما والنّظر إلى النّفس وإلى الآخر المغاير بدون استعلاء مضمر أو احتقار مستبطن، فالإنسان في عقله وإنسانيته الحرة وكرامته والأخلاق المرتبطة بها، وينبغي أن تبقى هذه، هي المعايير الأساسية للتعريف وتحديد المواقف. ويتطلّب هذا كذلك تحقيق فهم في هذا الأفق للإسلام يحمل هذه الخصائص و يخضع للنسبيّة والنقد الذاتي، وربّما تتوفّر هذه الفرصة للمسلمين بأوروبا إذا لم يتوجّهوا إلى خيار الغيتو النفسي والذهني الفكري والاجتماعي الذي لن يتنافى كذلك مع أوروبيتهم ، إذ أنّ تقاليد الغيتو في أوروبا أصيلة ولها جذورها أيضا. في هذا السياق التحليلي والإشكالي تتنزّل أسئلة الهويّة للجاليات المسلمة والشرقية عموما في أوروبا. فبنى العلاقات الأسرية والاجتماعية مع مجموع القيم المتلازمة معها المنقولة مع الجيل الأول للمهاجرين تصطدم في الفضاء الحداثي الجديد ببنى مغايرة ومتنافرة معها وتتسبب في توتّر علاقة الأسر المهاجرة بمحيطها من جهة، و كذلك في تأزّم العلاقة مع الأبناء من الجيل الثاني من جهة ثانية الذين ينشأون ويجدون أنفسهم في واقع علاقات ومنظومة قيم مزدوجة داخل البيت وخارجه. يقدّم هنا خيار الغيتو الإسلامي ملاذا وحلاّ بديلا للجاليات المسلمة يوفّر لها إمكانية وفرص المحافظة على حالة الفصام التي تعيشها وازدواجية العلاقة مع محيطها وإيجاد فضاءات منغلقة ومنعزلة موازية تحافظ فيها على ما تعتقد أنّه هويّة ثابتة لها هذه الحالة من الممانعة الصلبة و رفض الانخراط المتفاعل والمثري في المحيط الاجتماعي يفوّت على هذه الجاليات فرصة وإمكانية التعبير عن وجودها الديناميكي والحيّ على المستويات السياسيّة والثقافية ويكرّس الانغلاقية والسكونية والانحباس في الحلقة المغلقة من السلبية التي تعاني منها. كلّ هذا يساهم طبعا في إفراز حالات نفسية متشابكة متسمة بمشاعر العجز والإحباط والنرجسية وعقد الاستعلاء والاحتقار معا التي توفّر أرضية خصبة لأنماط سلوكية شاذّة وغير سويّة وقد يشكّل تفاقمها خطورة على السلّم والتوازن الاجتماعيين . فالإسلام الأوروبي السائد بهذا المعنى هو في نهاية المطاف إسلام الغيتو وهو بالفعل إسلام أوروبي بامتياز. حيث يساهم النمط الثقافي المهيمن وطبيعة التقاليد والبنى النفسية والثقافية الاجتماعية السائدة في المجتمعات الأوروبية المتسمة بالإقصاء والتهميش على المستويين الثقافي والاجتماعي لما هو مغاير لها في إنتاج وتكريس حضور هذا النمط من بنى الغيتو. إذ أنّ الإحساس بعدم الاعتراف المتكافئ وحالة الإحساس الحاد بالاغتراب، يقود كل ذلك إلى الانكفاء على الذات والارتهان داخل علاقات ردود فعل دفاعية أو هجومية في التعبير عن الحضور ويضعف القدرة بشكل متنامي عن التواصل السليم والبنّاء مع الآخر. وختاما لا أعتقد أنّ الحلّ البديل هنا هو انصهار وذوبان الجاليات المسلمة في محيطها الأوروبي لأنّ هذا ليس مطلبا وجيها ولا يمكن تحقيقه أصلا حتّى وإن رفع ولكن ما يمكن إنجازه والمطالبة به هو تحقيق ونشر فهم منفتح عقلاني وإنساني للإسلام يقود بدوره إلى تحقيق مصالحة وانسجام مع مفهوم الحداثة من خلال قيم الحرية وأصالة حقوق الإنسان وقبول الاختلاف والتعددية. ويتحمّل المجتمع الأوروبي بمؤسّساته وسياساته قسطا هامّا من المسؤولية لبلوغ هذا الهدف ولتحقيق تعايش سليم ومثر بين مكوّناته وفئاته المتنوّعة ويعتبر هنا فشل وقصور سياسات الاندماج المطبّقة من الأسباب الأساسية لترعرع تصورات ثقافوية وفئوية منغلقة على نفسها ذات ميولات ونزعات راديكالية يمكنها تهديد الأمن و السلم الاجتماعي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ المقال هو نص مداخلة ألقيت في مؤتمر المرأة العربية الأوّل للاندماج مع الحفاظ على الخصوصية المنعقد في فيينا في ٣ و ٤ مارس ٢٠٠٥ ٢ أستعمل مصطلح الإسلام هنا بتعريفه الثقافي و الحضاري الواسع الذي يستوعب يشمل العديد من الفئات والتعابير الدينية والطائفية والعرقية المتنوعة التي تعيش في فضائه وتشترك في نفس المخيال الجمعي ومنظومة القيم والعلاقات الاجتماعية.
|
|
كتابات أخرى |
|
jamal@jusur.net راسلوني |
