
|
|
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |
|
1 ظاهرة الإسلام الأوروبي أو الإسلام في المهجر وأسئلة الحداثة والهوية والاندماج١
يعكس الحديث أو الكتابة عن مواضيع مرتبطة بالإسلام والعلاقة بالغرب عموما وبأوروبا، خاصة في الفترة الراهنة الحالات النفسية وطبيعة العلاقات السائدة، والتي يغلب على معظمها التوتر والتشنج والانفعالية والتمترس في مواقع دفاعية أو هجومية أحياناً، أو رؤية الواقع من خلال تصورات منجزة ومعدّة سابقاً، أحيانا أخرى، وهي غالباً ما تكون من باب الأماني وطلب ما يجب أن يكون، والتعامل مع ذلك كلّه وكأنّه كائن. لذلك أقدّر صعوبة وعسر تناول هذه المواضيع بحيادية موضوعية لا تدّعي الإطلاقية لنفسها في ذلك، و يصير من باب الصدق والوضوح المطلوب تحقيقهما مع الذات ومع الآخر التصريح بالدوافع وكذلك الغايات والأهداف المسكوت عنها غالبا حتى نتجنّب التلبيس والتمويه ومزيد تعقيد الأمور أكثر مما هي عليه، غير أنّه يجب الاعتراف كذلك أنّ طلب الوضوح هذا يصعب تحققه أيضا بسبب التموقع والارتهان داخل بنى نفسيّة وذهنية ودوغمائية منغلقة تصبغ المواقف بصبغتها فتكون تبريرية ذرائعية تلفيقية تتجنّب النقد ألتأصيلي وتفضّل أن تبقى حائمة حول الحمى خشية الوقوع في المحظور. داخل هذا الإطار من الملاحظات المنهجية أو الإشارات إلى الحيثيات والسياق العام تتنزّل كذلك بعض أشكال التعاطي مع المواضيع المرتبطة بالإسلام ومن بينها السؤال عن وجود إسلام أوروبي ومسوّغات الترويج له . إنّ الإسلام كتعبير عن مجموع البنى الثقافية الفكرية والنفسيّة والاجتماعية الروحية والعقائدية وما يرتبط بها من تشكّلات للمخيال الجمعي تحققت وتتحقق ضمن صيرورة تاريخية داخل فضاء الزمان والمكان خاضعة للتحوّلات الحادثة فيهما بالتأثّر والتأثير وليست أبدا خارج التاريخ ، وضمن هذا السياق يمكن فهم زخم التنوّع والتعدّدية ودرجات الاختلاف في التاريخ الإسلامي فيما ظهر فيه من تشكّلات عقائدية وفلسفية وحتّى اتجاهات سياسية وأدبيّة بلغت في اختلافها وتنافرها إلى حدّ التضادّ والصّدام أحيانا كثيرة، وخير تعبير على ذلك ما تمدّنا به أدبيّات التراث الإسلامي عن الملل و النحل وعن المدارس العقائدية والفقهية والمذاهب والشيع الكثيرة بشكل يهزّ ويستفزّ التصوّر الرومانسي الساذج المروّج لصورة تسطيحية أحاديّة اللون سواء للتراث أو الحاضر الإسلاميين، لا تخلو في عمقها من ادّعاءات سلطويّة تريد احتكار الحقّ في تعريف ما هو إسلاميّ أو لا وتميّزه عمّا سواه. فالاختلاف والتنوّع داخل صيرورة تاريخية سنّة طبيعية وتاريخية لم تستثن الإسلام منها أو تجعله حالة غير خاضعة لها. ضمن التّأكيد على تاريخانية المنتج التراثي الإسلامي ينبغي كذلك التّأكيد على تاريخانية العلاقة بالنص الديني الإسلامي قرآنا وحديثا نبويّا حيث أنّ هذه القراءات للنصّ وما أفرزته من مواقف وما أنتجته من أنساق عقائدية و تشريعية وأخلاقية ترتبط ارتباطا عضويّا مباشرا بشروط الزمان والمكان الذي وردت وصيغت فيها، فتنزع عنها صفة الإطلاقية الميتاتاريخية التي يلبسها البعض إيّاها وتحافظ على نسبيّتها التّاريخية فيمكن التعاطي معها عندئذ بانفتاحية يمكنها تملّك النقد والنقد الذاتي والقدرة على التجاوز وتطوير الذات و تطوير علاقتها بالآخر أيضا. وضمن سياق هذه النظرة تتنزّل كذلك علاقة الإسلام من خلال المسلمين بأوروبا أو بالغرب سلبا وإيجابا حيث أنّ هذه العلاقة ليست علاقة طارئة أو حادثة كما يحلو للبعض تصويرها وإنّما هي متأصّلة ومتداخلة جدّا، بدءا من الاشتراك الذي لا يخلو من تعقيد ونفي وتأكيد متبادلين في الانتماء إلى فضاء الديانات الإبراهيمية والتوحيدية من جهة وأيضا التواصل التاريخي والتداخل الجغرافي والسياسي، خاصة ضمن فضاء حوض المتوسّط بضفافه الشرقية والجنوبية والشمالية منذ حركة التوسع العربي الإسلامي مرورا بالحروب الصليبية ومراحل التماسّ والتداخل المباشرة بالأندلس وصقلّية والمرحلة العثمانية التركية وحملات نابليون وظاهرة الاستعمار بالقرنين التاسع عشر والعشرين وحركات الترجمة خاصة للأعمال الإغريقية إلى العربية ومنها إلى اللاتينية... كلّ ذلك يعبّر عن أشكال تواصل واشتراك وافتراق بين فضائي الإسلام والغرب. غير أنّ كلّ هذه التداخلات والتعقيدات في هذه العلاقة لم تمنع أيضا من حصول تحوّلات داخلية غير متماثلة في طبيعتها ويبرز ذلك خاصة في ظاهرة الحداثة التي أفرزتها الخصوصية التاريخية الأوروبية وما ارتبط بها من تغيير نوعي للبنى المعرفية وأشكال العلاقات الاجتماعية والنظم السياسية، وإبداعات علمية وتقنية لها في تطبيقاتها التأثيرات البالغة على العديد من مستويات العلاقات القائمة. إنّ المشكل الرئيسي الذي يواجه المسلمين في أوروبا وخارجها كما يواجه الإسلام كمجموع البنى السابق ذكرها كذلك٢ هو تحديد وتعريف العلاقة بهذه الحداثة بشكل جدّي يتجاوز النظرة المتّسمة بالتبريرية والإسقاطية والنفعية والبراغماتية السطحية والقصيرة المدى إلى فضاءات أرحب وتفكير أكثر عمقا وجدوى، وعدم التخوّف العصابي المتّسم بحساسيّة مرضيّة من طرح أسئلة جدّية ومؤسسة حقّا. لعلّ أهمّ الأسئلة الحداثية التي تسبّب إحراجا نفسيّا ومعرفيّا هي أسئلة الحرّية والديمقراطية وأصالة حقوق الإنسان كمعبّر عن مجموع مفاهيم وقيم ونظم علاقات. إنّ طرح مثل هذه الأسئلة ضمن فضاء التفكير والانتماء الإسلامي في سياق متزامن مع تعريف الهويّة في صيرورتها الاجتماعية والتاريخية ومحاولة تلمّس الإجابة عنها يتعارض مبدئيا مع أطروحات الحلول الترقيعية والتلفيقية السطحيّة وتساعد في محاولة تجاوز حالة الفصام والنفاق الذاتي الممارس إلى حدّ الإدمان تفكيرا وسلوكا في العلاقة مع الحداثة، إنّ الجسر الخفيّ الموصل إلى شواطئ تلمّس الإجابة عن هذه الإشكالات هو بتبنّي موقف إنسانيّ حرّ خارج قضبان الدوغما والنّظر إلى النّفس وإلى الآخر المغاير بدون استعلاء مضمر أو احتقار مستبطن، فالإنسان في عقله وإنسانيته الحرة وكرامته والأخلاق المرتبطة بها، وينبغي أن تبقى هذه، هي المعايير الأساسية للتعريف وتحديد المواقف. ويتطلّب هذا كذلك تحقيق فهم في هذا الأفق للإسلام يحمل هذه الخصائص و يخضع للنسبيّة والنقد الذاتي، وربّما تتوفّر هذه الفرصة للمسلمين بأوروبا إذا لم يتوجّهوا إلى خيار الغيتو النفسي والذهني الفكري والاجتماعي الذي لن يتنافى كذلك مع أوروبيتهم ، إذ أنّ تقاليد الغيتو في أوروبا أصيلة ولها جذورها أيضا. في هذا السياق التحليلي والإشكالي تتنزّل أسئلة الهويّة للجاليات المسلمة والشرقية عموما في أوروبا. فبنى العلاقات الأسرية والاجتماعية مع مجموع القيم المتلازمة معها المنقولة مع الجيل الأول للمهاجرين تصطدم في الفضاء الحداثي الجديد ببنى مغايرة ومتنافرة معها وتتسبب في توتّر علاقة الأسر المهاجرة بمحيطها من جهة، و كذلك في تأزّم العلاقة مع الأبناء من الجيل الثاني من جهة ثانية الذين ينشأون ويجدون أنفسهم في واقع علاقات ومنظومة قيم مزدوجة داخل البيت وخارجه. يقدّم هنا خيار الغيتو الإسلامي ملاذا وحلاّ بديلا للجاليات المسلمة يوفّر لها إمكانية وفرص المحافظة على حالة الفصام التي تعيشها وازدواجية العلاقة مع محيطها وإيجاد فضاءات منغلقة ومنعزلة موازية تحافظ فيها على ما تعتقد أنّه هويّة ثابتة لها هذه الحالة من الممانعة الصلبة و رفض الانخراط المتفاعل والمثري في المحيط الاجتماعي يفوّت على هذه الجاليات فرصة وإمكانية التعبير عن وجودها الديناميكي والحيّ على المستويات السياسيّة والثقافية ويكرّس الانغلاقية والسكونية والانحباس في الحلقة المغلقة من السلبية التي تعاني منها. كلّ هذا يساهم طبعا في إفراز حالات نفسية متشابكة متسمة بمشاعر العجز والإحباط والنرجسية وعقد الاستعلاء والاحتقار معا التي توفّر أرضية خصبة لأنماط سلوكية شاذّة وغير سويّة وقد يشكّل تفاقمها خطورة على السلّم والتوازن الاجتماعيين . فالإسلام الأوروبي السائد بهذا المعنى هو في نهاية المطاف إسلام الغيتو وهو بالفعل إسلام أوروبي بامتياز. حيث يساهم النمط الثقافي المهيمن وطبيعة التقاليد والبنى النفسية والثقافية الاجتماعية السائدة في المجتمعات الأوروبية المتسمة بالإقصاء والتهميش على المستويين الثقافي والاجتماعي لما هو مغاير لها في إنتاج وتكريس حضور هذا النمط من بنى الغيتو. إذ أنّ الإحساس بعدم الاعتراف المتكافئ وحالة الإحساس الحاد بالاغتراب، يقود كل ذلك إلى الانكفاء على الذات والارتهان داخل علاقات ردود فعل دفاعية أو هجومية في التعبير عن الحضور ويضعف القدرة بشكل متنامي عن التواصل السليم والبنّاء مع الآخر. وختاما لا أعتقد أنّ الحلّ البديل هنا هو انصهار وذوبان الجاليات المسلمة في محيطها الأوروبي لأنّ هذا ليس مطلبا وجيها ولا يمكن تحقيقه أصلا حتّى وإن رفع ولكن ما يمكن إنجازه والمطالبة به هو تحقيق ونشر فهم منفتح عقلاني وإنساني للإسلام يقود بدوره إلى تحقيق مصالحة وانسجام مع مفهوم الحداثة من خلال قيم الحرية وأصالة حقوق الإنسان وقبول الاختلاف والتعددية. ويتحمّل المجتمع الأوروبي بمؤسّساته وسياساته قسطا هامّا من المسؤولية لبلوغ هذا الهدف ولتحقيق تعايش سليم ومثر بين مكوّناته وفئاته المتنوّعة ويعتبر هنا فشل وقصور سياسات الاندماج المطبّقة من الأسباب الأساسية لترعرع تصورات ثقافوية وفئوية منغلقة على نفسها ذات ميولات ونزعات راديكالية يمكنها تهديد الأمن و السلم الاجتماعي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ المقال هو نص مداخلة ألقيت في مؤتمر المرأة العربية الأوّل للاندماج مع الحفاظ على الخصوصية المنعقد في فيينا في ٣ و ٤ مارس ٢٠٠٥ ٢ أستعمل مصطلح الإسلام هنا بتعريفه الثقافي و الحضاري الواسع الذي يستوعب يشمل العديد من الفئات والتعابير الدينية والطائفية والعرقية المتنوعة التي تعيش في فضائه وتشترك في نفس المخيال الجمعي ومنظومة القيم والعلاقات الاجتماعية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2 حول تجاذبات الإجابة عن سؤال التنوير في السياق العربي الإسلامي يثير طرح سؤال التنوير في السياق العربي الإسلامي ردود فعل تتميز غالبا بالتنافر، وبإجابات متناحرة تدّعي صفة التنوير لنفسها بشكل احتكاري نافية إيّاها عن الآخرين، ومكرّسة من خلال ذلك أسلوبًا سجاليًّا في المقاربة ينزلق بيسر إلى فضاء المناظرات الكلامية كما عهدناها في السياق القروسطي بين مختلف الفرق والنّحل. ويتجاذب مسار الإجابات المتحققة في سياق الفكر العربي الإسلامي المعاصر حسب رأيي قطبان أو طرفان أساسيّان (1) يهيمنان على فضاء السؤال والجواب أو تشكّل الخطاب فيما يتعلّق بقضايا التنوير. فالطرف الأوّل يحيل إلى الانقطاع عن ذات تاريخية متحققة وعلاقة الاغتراب معها كسبب رئيس للتّيه عن الإجابة ويدّعي الأسبقية التاريخية والمعرفية في حيازة الجواب الشافي لمتعلّقات التنوير وما على الباحث المعاصر إلاّ النّبش والحفر في طبقات التاريخ و تحقيق العودة إلى الذات بشكل ارتجاعيّ إحيائيّ واضح. تتّسم مقاربة هذا الطرف لموضوع التنوير بأنّها تُنَاظر دوما بشكل انتقائي بين إجابات متقابلة أو متوازية ترتبط من قريب أو من بعيد بقضايا التنوير، فلأنّ الطرف الآخر المقابل يعتمد العقل كمرجعية والعقلانية كمنهج، نجدهم ينبشون ويبرزون كلّ ما من شأنه أن يشير إلى إعلاء لمكانة العقل وقيمته في التراث العربي الإسلامي، ليس لما للعقل من مكانة حقيقة في الواقع و لكن لمجرّد مواجهة الخصم، وقسْ على ذلك مواضيع وقضايا الحرية وحقوق الإنسان وغيرها. هذا التعامل التبريري والانتقائي السطحي يوهم متعاطيه بامتلاك إجابة ذات مرجعية ضاربة جذورها في أعماق الذات المستعادة المتّسمة بطبيعة ماهويّة صلبة، غير أنّها في الحقيقة تعبّر عن عمق حالة الاغتراب والاستلاب المُعَانَى منها التي تعطي الإحساس بتحقيق الغَلَبة ضدّ الخصم المفترَض ولو لحين، وتدفع إلى سلوك يشبه ممارسة الدّعارة في تحقيقه لنشوة تنويرية عابرة، فترى صاحب هذا الخطاب ينام حينا مع الجاحظ وأحيانا أخرى مع المعرّي أو التوحيدي أو الاثنين معا ومرّة مع الرّازي وأخرى مع إخوان الصفا وإلى غير ذلك، ونرى التّنادي برموز العقل وملامحه في التاريخ العربي الإسلامي يتعالى، ويطفو فجأة ذكر طبقات المعتزلة والفلاسفة القدامى وكلّ ما يمكن التقاطه من هذا التاريخ في شتّى مجالات الأدب والعلوم مّما يمكن أن يدلّ ولو من بعيد على أصالة مواضيع التنوير في سياقنا العربي الإسلامي . تقف هذه المقاربة غالبا عند هذا الموقف الارتجاعي التبريري الذي لا يخلو من نَفَس تبجيليّ، ممّا يجعلها عقيمة على مستويين: المستوى الأوّل في العلاقة بتاريخ الفكر العربي الإسلامي، التي تميل إلى جعله ميتاتاريخا منفصلا عن شبكة الإحداثيات المركّبة التي أدّت إلى تحقّقه و تكرّس تعاطيا لاتاريخيا مع هذا التاريخ، فيصير التاريخ المستعاد بما هو بنية مركّبة حاضرا منشودا وتختلط التعريفات في سياقاتها وحدودها. المستوى الثاني في العلاقة الرّاهنة مع الحاضر بما هو سياق تعريفيّ وفضاء للإبداع والتجاوز، حيث يكرّس الحضور الضاغط والمهيمن للماضي أو التاريخ فيه علاقة مأزومة مشدودة مغتربة بالذات الراهنة ممّا يعسّر من إمكانية الفكاك من أسر الماضي في تعريف الحاضر و تشكيله. ويصير الخصم المفترض هنا، وهو التنوير الغربيّ موجِّهًا لردود الفعل متحكِّمًا فيها بما يضعه من تحدّيات ويفرضه من إرادات الهيمنة، ممّا يجعل أفق الجواب منحسرا في ردود الأفعال، متّسمًا بالتبريريّة والذرائعيّة. يبقى الخطاب المنتَجُ ضمن هذا السياق خطابا يوهم بالتأسيس، وقد يرفعه كهدف مُعلَن، غير أنّه يبقى دون القدرة على تحقيقه جدّيَّا، وهنا يكمن عقمُه البنيويّ. أمّا الطرف الثاني فيُحِيل مباشرة إلى نموذج التّنوير في مسار تحققه التاريخي في السياق الأوروبي منذ القرن السابع عشر ميلادي، ويغرف منه نازعا عنه تاريخانيّته بما هو نتاج فكريّ ضمن إحداثيّات و صيرورة تاريخية معيّنة ، لا يمكن التعاطي معها بطريقة استنساخية حتّي ضمن فضائها السياقي. فالتنوير كما تمّت مقاربته في القرون الثلاثة الأخيرة قبل القرن العشرين في السّياق الأوروبي، لا يعطي انطباعا مسطّحا بسيطا في تعريفه بل يُحيل إلى سيرورة جدليّة لا تخلو من نتوءات يتحقّق من خلالها التجاوز الذاتي. ويبدو بجلاء كيف أنّ ارتباط مفهوم التنوير منذ المراحل التأسيسية بمفهوم الأنسنة (2) كان ارتباطا وثيقا، حيث أنّ الانفصال عن المجال اللاّهوتي كمرجعية و كفضاء في عملية بناء أنساق معرفية مستندة إلى مرجعيات و مناهج العقل وحده، كان علامة فارقة ومؤشّرا حاسما لحركة الأنسنة وتطوّر مفهوم التنوير فيما بعد. فتحرّر العقل من سلطة و سلطان اللّاهوت و الانعتاق من ربقه، وبالتالي قدرة العقل على وضع قواعده و تعريفاته بشكل متحرّر عن اللاّهوت، كان محدّدا هامّا لبلوغ هذا العقل رُشده المبتغىَ على قول فيلسوف التنوير إيمانويل كانط، فالتنوير عنده ليس إلاّ خروج الإنسان من حالة العجز والقصور (عدم الرشد) وتحقيقه للرّشد من خلال اعتماده على عقله وحده دون الخضوع لأقوال الآخرين (3) ويختصر المقصد الأقصى للتنوير في القدرة على التفكير بشكل ذاتي مستقلّ (4) وفي القدرة على الممارسة النقدية المتواصلة، فهو عنده متماثل مع النقد الذي يعني النقد الذاتي. فالتنوير تميّز في سياقه الأوروبي على المستوى المفاهيمي في رفضه لسلطة اللاّهوت (5) وتأكيده على مطلب الانعتاق منها والخروج عليها. أمّا علاقة التنوير في تمظهراته التاريخية بالآخر خارج السياق الأوروبي ، فهي علاقة لا تخلو من الوقوع في حالات تناقض بين التنوير من جهة كمفهوم نظريّ ونسق قيمي يُعْلِي من شأن الإنسان ويرفع من مقامه ويثبّت مطلب حرّيته كحقّ تكوينيّ له كإنسان لا يمكن إسقاطه عنه من أيّ سلطة مهما كانت. ومن جهة أخرى كممارسة تاريخية بدعوى نشر التنوير وذريعة تحضير شعوب وثقافات أخرى ونشر المدنية وقيمها، فكانت هنا الحركة الاستعمارية مع روافدها المسيحية التبشيرية والتنويرية التحضيرية خاصة في القارّتين الأمريكية والإفريقية ذات ملامح مغرقة في الإقصائية الإلغائية والدموية وإنكار وجود الآخر بقوّة الهيمنة وفتك السلاح وليس الحجّة و البرهان العقليّين. ضمن هذا السياق كان التقاء العالم العربي في أواخر القرن الثامن عشر مع أحد تمظهرات التنوير من خلال النموذج الفرنسي لتحقّقه وذلك بعد الثورة الفرنسية، التي نادت بقيم التنوير وسيادة العقل، بأقلّ من عقد واحد في 1798م حيث هاجمت أساطيل نابوليون بونابرت ومدافعه سواحل فلسطين ونزلت جيوشه بمصر، وبعد أقلّ من أربعة عقود من نجاح ثورة العقل والتنادي بقيم الإخاء والمساواة والعدالة، قام نابوليون الثالث في عام 1830م باحتلال الجزائر احتلالا استيطانيّا دام 132 سنة حاول فيه منذ البدء طمس معالم الثقافة العربية الإسلامية وإلغاءها، فقام بتحويل أحد أعرق المساجد في الجزائر العاصمة مسجد كتشاوة إلى كاتدرائية تحمل اسم الرّئيس (ثمّ) الإمبراطور الفرنسي المتنوّر . هذا التلاقي و التماسّ الأوّل بين السياق العربي من جهة وتمظهرات التنوير وإفرازاته التاريخية من جهة أخرى المتميّزة بنزعة هيمنة توسّعية وبالنظرة المركزية الأوروبية، جعلت حركة تنزيل وتطبيق الأنماط العملية المعبّرة عن التنوير في السياق الأوروبي تفقد مصداقيتها الإقناعية والأخلاقية وتثير لدى المتلقّي العربي الحذر و الشكّ. إنّ محاولات الاستنساخ لتمظهرات التنوير وتنزيلها في السياق العربي الإسلامي دون الأخذ بعين الاعتبار هذه المُسْبَقات التاريخية، يُعتبر في رأيي إصرارا على تكريس إفشال الرغبة في تحقيق التنوير كمشروع منتمٍ للسياق الحضاري والثقافي الاجتماعي العربي الإسلامي ومعبّر عنه، ويغذّى من حيث يدري أو لا يدري النزعات المعادية للتنوير تحت ذريعة الهوية المهدّدة. هذا الطرف الثاني يقود أيضا إلى تكريس خطاب يُحيل و يُؤكّد على استحالة تحقيق وتأسيس مفهوم للتّنوير ينتمي للسياق العربي الإسلامي ينبثق منه ويعبّر عنه. إنّ المخرج من مأزق هذين الطرفين المهيمنان على فضاء تشكّل الخطاب في السياق العربي الإسلامي يكمن في رأيي في الممارسة التنويرية في ذاتها أي في طرح سؤال التنوير و الإجابة المباشرة عنه بشكل ينبع و يتولّد من السياق التاريخي و الثقافي الحضاري لطرح التساؤل، فلنجب إذن عن سؤال ماهو التنوير بالنسبة لنا ضمن سياقنا؟ .......................... الهوامش: 1/ أسقطت من الأخذ بالاعتبار هنا طرفا ثالثا يتميز برفض التنوير كمفهوم و كخطاب فكري جملة و تفصيلا بشكل مسبق ويعتمد فهما تقليدويّا ماضويّا في التعاطي مع الهويّة وفي تعريف المفاهيم، سبب إسقاطي لهذا الطرف التقليدوي هو غياب الأرضية المشتركة لبناء حوار فكري معه يشترط القبول المبدئي بالاختلاف في وجهات النظر وطرق المقاربة دون استعمال سياط التكفير وممارسة الإلغاء للآخر المغاير. 2/ الأنسنة أو الأنسنية أو الإنسانوية أو النزعة الإنسانية أو المذهب الإنسانوي يقابل في اللغات الأوروبية بمصطلح Humanism 3/ أنظر مقالة كانط التي أصدرها في سنة 1784 في المجلّة الشهرية البرلينيّة تحت عنوان: الإجابة عن سؤال ماهو التنوير؟. „A u f k l aer u n g ist der Ausgang des Menschen aus seiner selbst verschuldeten Unmündigkeit. Unmündigkeit ist das Unvermoeِgen, sich seines Verstandes ohne Leitung eines anderen zu bedienen... Habe Muth dich deines eigenen Verstandes zu bedienen! ist also der Wahlspruch der Aufklaerung.“ Beantwortung der Frage: was ist Aufklaerung? Immanuel Kant; Berlinische Monatschrift. Dez. 1784 4. „Die Maxime, jederzeit selbst zu denken, ist die Aufklaerung“ Immanuel Kant. 5/ اللاّهوت أو الثيولوجيا وهو التمظهر التاريخي المدرساني النسقي الممأسس للدين في سياقه الأوروبي وأجد أنّ الاستعمال والإسقاط المباشر لهذا المصطلح في السياق العربي الإسلامي يسبّب الكثير من سوء الفهم والإشكال والخلط المفاهيمي، حيث أنّ ما يقابلها في السياق العربي الإسلامي هو مصطلح أصول الدين أو مباحث العقيدة و يختلف هذا مع الإحالات المفاهيمية السيميائية والدلالية لمصطلح اللاهوت أو الإلاهيات، وتنبغي هنا الإشارة إلى التمايز المفهومي والتعريفي بين مصطلحي و مفهومي كلاّ من الدين واللاّهوت وعدم التماثل والتطابق بينهما والتفصيل في هذا الأمر يحتاج بذاته مقالا آخر.
|
|
كتابات أخرى |
|
jamal@jusur.net راسلوني |
