
|
|
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |
|
heda_romance@hotmail.com راسلوني |
![]()

![]()
![]()
|
1 الحب بوصفه أهم الخبرات الإنسانية
تعد خبرة الحب من أهم الخبرات الأخلاقية وأخطرها في حياة الإنسان، وليس بين البشر مخلوق لم يلتق في حياته بذلك "الآخر" الذي أثار اهتمامه وعمل على تحويل انتباهه من الأنا إلى الأنت، والحق أن الحب ليس مجرد انفعال أو عاطفة أو وجدان، بل هو أولا وبالذات نية واتجاه وسلوك، والحب الحقيقي هو ذلك الذي يرى في الأخر شخصا يحب لذاته، دون أن يتخذ منه أداة أو وسيلة لإشباع أنانيته أو إرضاء ميوله الذاتية ، ومن هنا نرى أن كلمة الحب لا تكاد تنفصل فى معناها عن كلمة الإيثار، على شرط أن نفهم من الإيثار أنه تحوّل تام لاهتمامات الشخص من دائرة الذات أو الأنا إلى دائرة الآخر أو الأنت. ولنحاول عقد مقارنة سريعة بين الحب والعدالة لنرى إلى أي حد تختلف طبيعة الحب عن طبيعة العدالة، وهنا نرى أننا بإزاء قيمتين أو فضيلتين مختلفتين، ففي حين أن العدالة لا تهتم إلا بحقوق الآخر ومطالبه المشروعة، نجد أن المحبة تهتم بالشخص نفسه وتعنى به لذاته بغض النظر عن حقوقه واستحقاقه وقيمته، فالحب يتجه أولا وبالذات نحو الوجود الشخصي للكائن المحبوب، وحينما قال أرسطو قديما قولته المشهورة بأنه لو سادت المحبة أو الصداقة بين الناس لما احتاجوا إلى القانون، وقد كان يعنى بذلك أن المحبة تشمل العدالة وتطويها تحتها، أو لعله كان يعنى أن قانون المحبة لا يلغى قانون العدالة بل يطويه ويتجاوزه ويعلو عليه. الدلالة الميتافيزيقية لخبرة الحب وكما ميّزنا المحبة عن العدالة، فلابد لنا أيضا من أن نميّزها عن الشفقة، فالشفقة تنطوي على معنى التألم أو التعاطف مع ما قد يوجد لدى أي شخص بشرى من مظاهر ضعف أو مرض أو فقر وما إلى ذلك، في حين أن المحبة لا تتجه نحو مثل هذه المظاهر، بل هي تتجه بطبيعتها نحو القيم، وحتى حينما تتجه محبتنا نحو شخص ضعيف أو مريض أو فقير، نجد أن ما نحبه لدى هذا الشخص لا يمكن أن يكون هو ضعفه أو مرضه أو فقره، بل هو شيء آخر يكمن وراء كل هذا ، فالمحبة في صميمها إحساس قوى بالقيمة الحقيقية للشخص البشرى، خصوصا حين تجيء بعض العوامل الخارجية أو الداخلية فتهدد تلك القيمة ومن ثم تتجه المحبة بطبيعتها نحو إنقاذ تلك القيمة أو العمل على صيانتها . ومن هنا نجد أن للمحبة طابعا ايجابيا يتمثل في بذل الذات بأسرها من أجل إنقاذ "إنسانية" ذلك الشخص المعذّب الذي ينطوي في ذاته على شيء جدير بالبقاء. وهنا تبدو لنا خبرة الحب خبرة أصيلة فريدة، فالحب فعل من أفعال التجاوز أو التعالي لأنه ينطوي على عملية امتداد أو توسيع للخبرة الذاتية والوجدان الشخصي . بيد أن الحب لا يعنى الامتزاج أو التطابق التام، فمن طبيعة فعل الحب أن يوسّع من عالم خبراتنا، وأن يثرى مضمونها بمضامين أخرى جديدة، دون أن يكون من شأنه القضاء على المعادلة الشخصية لأي طرف من الطرفين، أو محو إحدى الذاتين في الذات الأخرى تماما، بل هناك فعل وجداني نعلو فيه على ذاتنا الخاصة، ونعمد إلى الاهتمام بمصالح الآخر كما لو كانت مصالحنا تماما . الحب الشخصي يتجه أولا وبالذات نحو القيم الكثير من فلاسفة الأخلاق وعلى رأسهم ماكس شيلر ونيكولاى هارتمان، يحدثوننا عن الحب الشخصي أو حب الشخص للشخص، فيقولون لنا انه أعمق شكل من أشكال الحب لأنه يكشف عن فضيلة الشخصية الواحدة حين تتفتح للشخصية الأخرى. والحق أن من طبيعة الشخصية أن تنشد التحقق وإلا لبقى وجودها مغلقا على ذاته، لكن لابد في الوقت ذاته لكل شخصية من أن تنشد ذلك الآخر الذي يمكن أن توجد له، ومن هنا فان الشخصية الأخرى هي وحدها التي يمكن أن تشبع تلك الحاجة إلى التحقق، وكأنما هي القطب الآخر الذي يكتمل به معنى الشخصية الواحدة، وإذا كان في الحب سرMystery ، فما ذلك السر سوى قدرته العجيبة على إشباع هذا النزوع العميق الباطن في أعماق الشخصية الفردية، وآية ذلك أن المحب يقدم للمحبوب هبة كبرى حين يوفر له هذا البعد الجديد الذي يضمن له أن يوجد لذاته بعد أن كان مجرد موجود في ذاته، ومعنى هذا أن الحب الشخصي يسمح للشخصية الفردية بأن تكتشف معناها الذاتي في شخص الآخر. وربما كان من أهم مميزات "خبرة الحب" أنها تخلق بين الشخصين المتحابين جوّا أخلاقيا من نوع خاص، ألا وهو جو الألفة والتفاهم، فليس الحب مجرد تعاطف خارجي أو سطحي، بل هو علاقة حميمة يسقط معها كل افتعال أو تكلف. وهذا الموقف الشخصي الفريد يوسّع بالضرورة من دائرة الشخصية ويسمح لها بالتسامي إلى درجة عليا تستطيع معها أن تحتضن الكيان الشخصي للذات المحبوبة، وبالتالي تكون كل مشاركة ينطوي عليها الحب لابد وأن تؤدى بالشخصين المتحابين إلى التسامي فوق مستوى وجودهما الشخصي. ومعنى هذا أن خبرة الحب هي التي تكشف عن الطابع اللانهائي للمصير البشرى لأنها تظهر ذلك الجانب الخفي المجهول من شخصية الفرد. القيمة الأخلاقية للحب بوصفه أعلى الفضائل إن كثيرا من فلاسفة الأخلاق ليقولون أن الحب فضيلة الفضائل لأنه ينطوي في صميمه على قيمة أخلاقية كبرى ألا وهى إرادة الخير أو النية الطيبة، وليس من شك في أن الحب فضيلة ايجابية إلى أقصى حد لأنه في جوهره إثبات وإحياء وبناء، فهو لا يكاد يعرف الرغبة في التملك أو النزوع نحو السيطرة على الآخر لأنه حب إيثاري. والحق أننا لو أمعنا النظر إلى القيمة الأخلاقية للحب لاستطعنا القول بأن هذه القيمة رهن بالنشاط الإبداعي للحب نفسه بوصفه فعلا أخلاقيا من الدرجة الأولى، حيث أن مهمة الكائن المحب هي العمل على استنهاض الكيان الأخلاقي للكائن المحبوب من أجل رفعه إلى مستوى المثل الأعلى والوصول به إلى الصورة العليا التي تبدت للكائن المحب منذ البداية. والحب الحقيقي لا يمكن أن يخلو من عملية تحقق أو اكتمال تتم عبر هذا التفاعل الحي بين الإرادتين المتحابتين. الحب الحقيقي هو فيما وراء السعادة والشقاء إذا كان هناك من الناس من يتحدث عن سعادة الحب، نجد أن هذا الوصف لا ينطبق تماما على خبرة الحب، وآية ذلك أن الشحنات الوجدانية التي تنطوي عليها هذه الخبرة لا تتطابق مطلقا مع انفعالات الغبطة والسرور، إن لم نقل بأن السعادة نفسها أمر ثانوي فى الحب، والحق أن الحب يجمع بين اللذة والألم ، بين النشوة والعذاب ، بين السعادة والشقاء، وربما أعجب ما في الحب أنه حين يبلغ درجة معينة من العمق الوجداني، نجد أن الألم والسرور عندئذ لا يلبثان أن يستويا، وهذا هو السبب في أن عذاب المحبين قد يصبح مصدر سعادة لهم، كما أن سعادتهم قد تصبح مصدر ألم لهم، أو لعل الأقرب إلى الصواب أن نقول أن القيمة الوجدانية المميزة للحب تقع فيما وراء كل من السعادة والشقاء، معنى هذا أن الصبغة الوجدانية للحب تشتمل على مضمون روحي خاص. وإذا كانت خبرة الحب لا تخلو من ألم وعذاب، فهذا الألم وذاك العذاب هما الثمن الباهظ الذي لابد للمحبين من أن يدفعوه للحصول على تلك الدرجة العليا من المشاركة ، وليست حياة الحب سوى حياة روحية يقضيها المرء في التعرف على ما هو جدير حقا بالمعرفة، أعنى أنها حياة مشاركة يتعلّق فيها الإنسان بأسمى وأرفع ما في الإنسان . وإذا كان للحب الشخصي قيمة أخلاقية كبرى فى حياة الإنسان، فذلك لأنه يخلع على الوجود البشرى عمقا ومعنى وقيمة فيكسبه بذلك اتجاها وقصدا وغاية.
2 بحث في المشكلة الأخلاقية
في الآونة الأخيرة أضحت مادة الأخلاق - مع الأسف الشديد- أقل مادة فلسفية تحظى باهتمام الباحثين بينما ظفرت المسائل السياسية والأيديولوجية والاجتماعية بالقسط الأوفر من الاهتمام وأصبح الاهتمام بالمشكلات الأخلاقية مجرد حديث يتجاذبه رجالات التربية دون أن يحاولوا إثارة القضية على الصعيد الفكري البحت ولم يكن من قبيل الصدفة أن تكون (الأخلاق) هي آخر مادة فلسفية تناولتها أقلام المفكرين العرب في الأعوام الأخيرة إذ قد وقر في نفوس الكثيرين أن حل المشكلة الاقتصادية سيكون هو الكفيل بحل المشكلة الأخلاقية وكأن التفكير في الأخلاق مجرد ترف فكرى لا يذكر إلا في الأزمات!!! وأمّا الذين ارتأوا أن المهم في الأخلاق هو القدوة والمثال لا الأحاديث والأقوال فقد راحوا يعلنون عدم جدوى الأخلاق النظرية بحجة أنْها مبحث عقيم لا غناء فيه ولا طائل تحته وهكذا قذف بمادة الأخلاق إلى زوايا النسيان.
بيد أن بعض رجالات الفكر الإنجليزي المعاصر أمثال
مور واير
واستيفنسون لم يلبثوا أن حوّلوا اهتمام فلاسفة الأخلاق نحو اللغة المستخدمة في
كتابات أهل الأخلاق الفلسفية فراح الباحثون يحللون القضايا الأخلاقية ويكشفون عن
طابعها الوجداني ويقارنون بينها وبين اللغة المستخدمة في العلم أو المنطق
مثلا، وكان من نتائج هذا التحوّل أن دعت الحاجة إلى التمييز بين الجانب العلمي للمشكلة الأخلاقية أي جانب النظرية الأخلاقية من جهة والجانب العملي أو التطبيقي للمشكلة ألا وهو جانب الحياة الخلقية من جهة أخرى ومن ثم فقد استحالت الأخلاق إلى ميتا - أخلاق وحلت مشكلة اللغة الأخلاقية محل مشكلة الحياة الأخلاقية. ولئن يكن من العسير على الباحث المنطقي أن ينكر أهمية تلك الدراسات اللغوية إلا أن أحدا لا يتصور أن تقضى مثل تلك الدراسات اللغوية على صميم المشكلة الخلقية بوصفها إشكالا حيا يعيشه موجود تاريخي لا يكاد يكف عن التساؤل "ما الذي ينبغي لي أن أعمله" فليس في استطاعة الأبحاث المنطقية التي يجريها بعض الفلاسفة على لغة الأخلاق أن تقضى بجرة قلم على المشكلة الخلقية الحقيقية بكل ما تنطوي عليه من جدية وخطورة وقلق.
بيد أن ظاهرة التهرب من الذات قد حدت بالكثيرين إلى
العمل على
إسقاط المشكلة الأخلاقية من حسابهم الخاص
فقضت على الحياة الباطنية للكائن
البشرى وجعلت منه إنسانا خاويا
وحسبنا أن نمعن النظر في حياة الإنسان الحديث لكي
نتحقق من أنها
سطحية وخاوية يعوزها عمق الاستبصار وينقصها كل إحساس بالمعنى أو القيمة خصوصا وأن
الحياة الآلية الحديثة قد جعلت من وجود المخلوق البشرى وجودا مزعزعا لا سكينة فيه
ولا تأمل بل مجرد حركة وسرعة وتعجل وقد لا تخلو
حياة الإنسان الحديث من جهد ونشاط ولكنه جهد لا غاية له ونشاط لا هدف له، اللهم
إلا إذا قلنا أن هذا الهدف هو التنافس
الذي لا يخفي وراءه أي تأمل أو تفكير وليست مهمة فيلسوف الأخلاق سوى أن يأخذ بيد الإنسان الحديث لمساعدته على استرداد تلك الحاسة الأخلاقية حتى يعاود النظر من جديد إلى عالم الأشياء والأشخاص بعين نفاذة ترى القيم وتدرك المعاني وبذلك ينفتح أمامه ذلك العالم الروحاني الذي أغلقه هو نفسه في وجه نفسه. وإذا كان الكثير من الفلاسفة قد درجوا على تصوّر الأخلاق بصورة العلم المعياري الذي يحدد لنا السلوك الفاضل أو ما ينبغي أن يكون فمن واجبنا أن نضيف أيضا أن الأخلاق فلسفة علمية تفتح أمام الإنسان ملكوت القيم وعلى ذلك فالأخلاق لا تلقننا بعض الأحكام الجاهزة بل هي تعلمنا دائما كيف نحكم وتوجّه انتباهنا نحو العنصر الإبداعي في ذواتنا فتتحدانا طالبة إلينا في كل مرة أن نلاحظ ونحدس ونتكهن وتدعو الإنسان إلى التصرف في كل مناسبة وفق ما يقتضيه الموقف بحيث يجيء سلوك الإنسان سلوكا أصيلا جديدا مبتكرا. فالفلسفة الأخلاقية لا تريد أن تحتبس الإنسان داخل بعض الصيغ الميتة الجامدة بل هي تريد له أن يتقدم باستمرار نحو المزيد من الحرية والمسؤولية والقدرة على توجيه الذات.
وإذا كان الكثيرون قد توهموا بأن الأخلاق لا تزيد
عن كونها مجرد
نداء
الواجب وأنها تصدر بعض الأوامر والنواهي وتضع بعض الوصايا والقواعد فمن
واجبنا أن نقول أن رسالة الأخلاق الحقيقية هي تحويل العالم من المرتبة الطبيعية
البحتة إلى المرتبة الاكسيولوجية (الأخلاقية)
الحقيقية وليس معنى هذا أن الإنسان
هو خالق القيم إنما الإنسان هو همزة الوصل الوحيدة
بين الواقعة والقيمة فهو الجسر
الحقيقي الذي تعبر فوقه الطبيعة لكي تستحيل إلى
ملكوت القيم، 3 اليوتوبيا بين الحقيقة والخيال تشير دلالة مصطلح يوتوبيا (Utopia) إلى العديد من المفاهيم والمعاني المتعلقة بأحكام القيمة المطلقة والنسبية، ويشير المعنى العام إلى اليوتوبيا باعتبارها الحالة الصحيحة التي (ينبغي) أن يكون عليها الوضع السائد حالياً. ويسود الفهم والاعتقاد بأن أصل كلمة يوتوبيا يعود إلى الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، ولكن ما هو مؤكد وثابت أن الكاتب الانجليزي توماس مور هو أول من استخدم مصطلح يوتوبيا، الذي ورد عام 1515 في تسمية روايته المتعلقة بالجزيرة الخيالية. وبرغم ذلك فهناك من يرى ارتباطاً بين مصطلح Utopia الانجليزي، ومصطلحات الإغريقيين القدماء: مصطلح أوتوبوس (Ou-topos) ومعناه اللامكان، ومصطلح إيوتوبوس (eu-topos) والذي يعنى مكان الخير والفضيلة. وقد ارتبط هذان المصطلحان الإغريقيان بكتاب «المدينة الفاضلة» الذي ألّفه الفيلسوف اليوناني أفلاطون، بحيث أصبح الكثيرون يربطون بين مضمون جمهورية أفلاطون، وفكرة اليوتوبيا. وقد ارتبطت اليوتوبيا بحركة الفكر الإنساني، وحاول الكثير من المفكرين والفلاسفة بناء اليوتوبيات، باعتبارها النموذج الأمثل الذي يجب أن تسعى الإنسانية إلى تحقيقه، ويمكن تقسيم هذه اليوتوبيات على النحو الآتي: - يوتوبيا الفلسفة: وتقوم على الافتراض الفلسفي الذي يستند على حركة الذهن التجريدية في عملية بناء النماذج الافتراضية، ومن أبرزها: جمهورية أفلاطون، دولة المدينة لأرسطو، والمدينة الفاضلة للفارابي. - يوتوبيا الدين: وتقوم على الربط بين الوسيلة والغاية، بحيث تكون طاعة الدين هي الوسيلة الإلهية اليوتوبية، وتمثل فكرة (الجنة) اليوتوبيا الدينية التي يسعى إلى الوصول إليها كل المتدينين في هذا العالم. واليوتوبيات الدينية ليست حكراً على اليهودية، أو المسيحية، أو الإسلام، فهناك أكثر من 100 كتاب مقدّس في هذا العالم، منها على سبيل المثال: كتاب الفيدا الهندوسي، والأفيستا الزرادشتي، وغيرها من الكتب الأخرى التي مازال بعضها موجوداً في الكثير من الأديان، مثل الكونفوشيوسية، والبوذية، والشنتوية. إن كل كتاب مقدس من هذه الكتب يبشر أتباعه بـ (جنة خاصة)، ويخيرهم بين حياة الشقاء، وحياة النعيم. - اليوتوبيا الأيديولوجية: وتقوم على الربط بين الوسيلة والغاية، ولكن بشكل مادي، ومن أبرزها: (المجتمع الشيوعي) الذي بشّرت به الأيديولوجية الماركسية، و(المجتمع الرأسمالي) الذي بشّرت به الأيديولوجية الليبرالية. لن تتوقف ثقافة اليوتوبيا، طالما أن (الحلم) كامن في أعماق النفس البشرية، وأيضاً لم يعد التبشير باليوتوبيا من مهمة الأديان والمصلحين الاجتماعيين فقط، بل أصبح الأمر يرتبط بالكيانات الدولية العملاقة، وها هي الكيانات الرأسمالية الكبرى تبشر الشعوب بـ (يوتوبيا) العولمة باعتبارها المخرج من الشقاء والمدخل لجنة النعيم والرفاهية والحياة السعيدة. كل الشواهد تؤكد استحالة استغناء الإنسان نهائياً عن الحلم واليوتوبيا، والوقوف عند واقع بعينه، كما وتؤكد استحالة القضاء على كل ما في الروح الإنسانية من نزوع نحو التجديد والكمال. وهذا النزوع اللامتناه نحو الكمال هو الذي يجعل الوعي عاجزاً على الدوام عن الاقتناع أو التوقف أو الركون إلى واقع بعينه، آملاً بأنه لابدّ أن يرقى إلى ذلك الكمال الأقصى، الذي يخاطبه بلغة الرجاء والحلم، بالرغم مما يعتريه أحياناً من شك وتردد وارتياب. سيظل الواقع الإنساني مهما تقدم، حقيقة غير ناجزة مكتفية بنفسها، مغلقة على ذاتها. فالعالم يظل ناقصاً من جهة طموح الإنسان، دون أن يحقق كفاية مقاصد الأخير اللامتناهية؛ إذ سرعان ما يجد الوعي الحر ثغرة في نسيج العالم القائم، ويجد نفسه مدعواً إلى التعالي على الوضع القائم، مؤمناً على نحو ضمني بإمكان عالم أكثر كمالاً يتجاوز النقص الموجود. فنراه يسلّط عليه نقداً قاسياً وينسب إليه كل تأخر وعجز ومحدودية، ممهّداً بذلك لفكرة جديدة. هكذا هو الحال بالنسبة للوعي اليوتوبي حين يؤمن بالتقدم المستمر واللامتناه. نفهم من ذلك أن هذا الوعي يظلّ قائماً على إيمان لامتناه بأنه في طريق مفتوح إلى كمال لايحدّه حد، وأنه صائر على نحو مستمر إلى التحكم بمصيره وبمستقبله. إن عالماً أجمل وأفضل محتمل التحقق في زمن مقبل، يعدّ تعبيراً عن رغبة الإنسان إلى عالم مثالي وتنطوي هذه الرغبة على نقد ورفض ونزوع نحو تخطي العالم القائم. إنه سعي إلى صياغة العالم على نحو يتفق وتلك المقاصد الإنسانية. وهذه الثقافة هي التي تخلع على العالم القائم تلك الأهمية من القدسية والأبدية وحتى المعقولية، ومهما حاول أعداء المثالية طرد فكرة اليوتوبيا من الوعي البشري، بزعم الواقعية العملية السائدة، فإن الحاجة إلى اليوتوبيا تظلّ قائمة في صميم الوجود الإنساني.
4 الأخلاق بين النسبية والإطلاق
قد تكون أول مشكلة تواجه فيلسوف الأخلاق هي مشكلة المبادئ الأخلاقية نفسها، خصوصا وأن كلمة المبادئ تشير في العادة إلى معاني الضرورة والكلية والثبات... والواقع أنه كثيرا ما يقال أن العصر الذي نعيش فيه لم يعد عصر مبادئ أخلاقية مطلقة وقيم أزلية ثابتة بل قد أصبح عصر مرونة وتساهل ونسبية. ولاشك أننا إذا ربطنا الظاهرة الأخلاقية بعجلة التغيّر الاجتماعي وإذا سلّمنا مع بعض رجال الأخلاق والقانون بضرورة اصطناع ضرب من المرونة في الحكم على شتى أنماط السلوك الفردي فإننا قد نجد أنفسنا مدفوعين إلى دفع كل القيم الأخلاقية بطابع النسبية. ولكن المشكلة ليست بهذا القدر من السهولة لأن دفع كل القيم الأخلاقية بطابع النسبية لن يلبس أن يصيب الحقيقة الأخلاقية في الصميم وبالتالي سيؤدى هذا إلى بلبلة الرأي العام الأخلاقي.
ولو سلّمنا بأن
الأخلاق
"علم"
وإذا
اعترفنا
في
الوقت نفسه بأن من
شأن كل علم
أن
ينطوي
على مجموعة من الحقائق العامة التي تتسم بطابع الصدق فلابد
لنا من التسليم بأن علم
الأخلاق
ينطوي
على مجموعة من الأحكام
الأخلاقية
التي
لا
تصدق بالنسبة إلى فرد بعينه بل تصدق بالنسبة إلى الأفراد جميعا
في
كل زمان ومكان
. اختلاف الشرائع الأخلاقية هل هو "اختلاف مطلق"؟
نحن لا ننكر
أن
تاريخ الحضارة البشرية حافل بالشرائع
الأخلاقية
المختلفة والمعايير الاجتماعية
المتباينة، ولكننا نلاحظ
أن
الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة قد كشفت لنا عن
وجود تقارب كبير بين هذه الشرائع
الأخلاقية
المختلفة، فمثلا قد تختلف الشرائع
الأخلاقية
في
حكمها بحق الرجل البالغ في الزواج من واحدة
أو
أكثر
ولكنها تتفق
جميعا على
أنه ليس من حق الرجل
أن
يتزوج
أية
امرأة
شاء
في
أي
وقت
شاء. وربما كان الأصل في الخلاف المستمر بين فلاسفة الأخلاق حول المبادئ الأخلاقية وهل هي نسبية أو مطلقة، هو وجود خلط مستمر في أذهان الكثيرين بين مبادئ الأخلاق من جهة وأساليب السلوك من جهة أخرى. والحق أنه مهما يكن من أمر تغير الظواهر الأخلاقية ، فمن المؤكد أن الشرائع الأخلاقية لا تمثل مجموعة من القواعد التعسفية أو الاعتباطية، بل هي مبادئ إنسانية عقلية تستمد أصولها من قاعدة أولية عامة وهى احترام الشخص البشرى وتقديس القيم الإنسانية . ضرورة التمييز بين "المبادئ الأخلاقية" و"قواعد السلوك" صحيح أن معظم السلطات الأخلاقية قد لقيت في الأيام الأخيرة الكثير من أسباب الضعف أو الوهن، فأصبح الناس يميلون إلى اعتبار الأخلاق مجرد مجموعة من "المواضعات النسبية المتغيرة"، ولكن هذه "الظاهرة" لا تمنعنا من التمييز بين المبادئ الأخلاقية وقواعد السلوك. ولهذا راح فلاسفة الأخلاق يدعون المربين والمصلحين إلى مساعدة النشء على إدراك المبادئ التي تكمن من وراء قواعد السلوك، حتى يفطن أبناء الجيل الحاضر إلى وجود "قوانين أخلاقية مطلقة" تكمن وراء شتى المواضعات الاجتماعية المتغيرة. ولعل هذا ما عناه أحد فلاسفة الأخلاق حينما كتب يقول (إنه لابد للقائمين على شئون التربية من الأخذ بيد النشء من أجل مساعدتهم على التمييز بين السلوك الذي يمكن أن يتغير بتغير الظروف وبين تلك المبادئ التي لابد أن تصدق في كل زمان ومكان). دور الانفعالات في تأكيد نسبية الأخلاق يعترض دعاة النسبية على القول بأخلاق مطلقة فيقولون أن الأحكام الأخلاقية في جوهرها أحكام وجدانية تستند الى العواطف وترتكز على الانفعالات وبالتالي تختلف من فرد لآخر، بل قد تختلف لدى الفرد الواحد باختلاف حالاته الوجدانية، وأصحاب هذا الرأي يؤكدون مع العلامة الانجليزي وستر مارك أن الانفعالات هي المصدر الحقيقي لمعظم أحكامنا الأخلاقية بدليل أن عواطف الاستحسان أو الاستهجان هي الأصل في الكثير من "الأحكام الأخلاقية" التي نحكم بها على أفعال الآخرين . على أننا حتى لو سلّمنا مع بعض أصحاب هذا الرأي بأن الأحكام الأخلاقية أحكام وجدانية ترتكز على العواطف وتستند إلى الانفعالات فإن هذا الرأي لا يدفعنا بالضرورة إلى اعتبار الأحكام الأخلاقية مجرد أحكام نسبية، وآية ذلك أن فلاسفة الأخلاق وعلى رأسهم ماكس شيلر ونيكولاى هارتمان قد أثبتوا لنا "الطابع الأولي المطلق" لأحكامنا الأخلاقية، على الرغم من اعترافهم في الوقت نفسه بالصبغة الوجدانية المميزة لتلك الأحكام، وهذا ما عبّر به ماكس شيلر حينما كتب يقول (إننا حتى لو نظرنا إلى المظهر الوجداني للحياة النفسية - ألا وهو ذلك المظهر الذي يتمثل في انفعالنا وتفضيلنا وحبنا وكراهيتنا ومشيئتنا.. الخ - لوجدنا أن لهذا المظهر الانفعالي نفسه طابعا أوليا أصيلا يعبّر عما يصح تسميته باسم "العنصر الوجداني الأوّلى")، وليس هذا العنصر الوجداني الأوّلى مجرد عاطفة هوائية متقلبة بل هو نشاط انفعالي حدسي ندرك بمقتضاه القيم ونستطيع عن طريقه معرفة الخير والشر . الأخلاق بين "التعدد" و"الوحدة" يعود دعاة النسبية إلى الاعتراض فيقولون أن كل الدلائل شاهدة على تعدد الشرائع الأخلاقية، دون أن يكون في إمكاننا اكتشاف أية "وحدة"حقيقية بين كل الاتجاهات الأخلاقية المتباينة وبالتالي فإنه ليس ما يشهد بوجود حقيقة أخلاقية مطلقة. والحق أننا لو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن هناك أخلاق شجاعة وأخلاق طاعة، كما أن هناك أخلاق كبرياء وأخلاق تواضع... الخ. وكل هذه الاتجاهات الأخلاقية إنما هي دليل على أن البشرية لم تعرف يوما "وصايا أخلاقية مطلقة" أو "معايير أخلاقية ثابتة"، معنى هذا أن فكرة الوحدة الأخلاقية متضمنة منذ البداية في تلك الكثرة الهائلة من المذاهب الأخلاقية . القيم الأخلاقية: هل هي نسبية أم مطلقة؟ الحق أن للقيم "وجودها الخاص" بدليل أنها تفرض نفسها على كل وجدان بشرى بطريقة أولية حدسية. وقد يحتج أحدنا على هذا الرأي فيقول "ليس جميع الناس يدركون القيم وليس جميعهم يستطيعون التمييز بينها مما يدل على أنها ليست قيما مطلقة بل هي مجرد ظواهر ذاتية نسبية". وللرد على هذا الاحتجاج نقول أنه من المؤكد أن المسئول عن عجز بعض الأشخاص عن إدراك القيم أو التمييز بينها إنما هو "العمى الأخلاقي" الذي قد يرجع إلى انعدام النضج أو نقص التربية لدى هؤلاء الأشخاص، فالضعف الذي يتسم به بعض الناس من حيث مدى إحساسهم بالقيم إنما هو ظاهرة سيكولوجية لا يمكن أن تطعن في موضوعية القيم . ومن هنا فقد يصح لنا أن نقول أن الإحساس بالقيم يسير جنبا إلى جنب مع نضج "ملكة التمييز" لدى الفرد ونمو القدرة على الفهم لدى البشرية .
والحق
أن
القيم نفسها لا تتغير،
وإنما
الذي
يتغير هو إدراكنا لها
أو
نفاذ بصيرتنا إليها
.
5
الذوق الجمالي لا يمكن أن يقوم علم الجمال الذي يدرس الأحكام الجمالية الصادرة على الظواهر الجمالية بدون أن يكرّس الباحثون مجهوداتهم لدراسة أحد أهم عناصر التجربة الجمالية ألا وهو عنصر التذوق، فحكمنا على الشيء بالجمال يعنى أننا قد نفذنا إلى باطنه وتذوقناه وحدث ضرب من التماس الوجداني بيننا وبينه وليس معنى هذا أن التذوق تجربة صوفية غامضة تتحد فيها الذات مع الموضوع بل إن الذات من خلال لحظات التذوق تتعاطف مع الموضوع لإدراك معناه والكشف عن تراثه الفني ومدى ما يتكشف فيه من إتحاد بين الشكل والمحتوى. فالمتذوق يصدر حكمه على العمل الفني كما أنه يضع نفسه موضع الفنان الذي أبدعه وكأنه يمتلك الأثر الفني ويتعاطف معه. وحقيقة الأمر أن المرء لا يتذوق العمل الفني إلا إذا كان متأملا ومشاركا في نفس الوقت لأن التأمل وحده هو نظرة سطحية تقف عند الحدود الباردة لمناخ العمل الفني فلا تحتك بالجهد الخلاق الذي يكمن وراء ظاهرة التعبير الفني. فما هي إذن حقيقة التذوق الفني وما هي مواقفه إزاء الموضوع الجمالي ؟ يشير علماء الجمال إلى مواقف أو خطوات متتالية ومتداخلة يمر بها المتذوق فيكتمل لديه الإحساس بجمال الموضوع وتذوقه. وقد أجمل باير هذه المواقف فيما يلى:
1
ـ التوقف أي توقف مجرى الفكر العادي لمثول شيء غير مألوف أمام
الذات .
3 ـ إحساسنا بأننا
ماثلون أمام ظواهر لا حقائق ومن ثم فإن اهتمامنا ينسحب على شكل العمل الفني
وأسلوب أدائه.
5 ـ الطابع العاطفي أو
الوجداني بمعنى أن الموضوع الفني الماثل أمامنا
يثير فينا أحاسيس وانفعالات
خالصة وبسيطة. 7 ـ التقمص الوجداني أو التوحد وهو أن نضع أنفسنا موضع الأثر الفني فتتحقق بيننا وبينه مشاركة وجدانية أو محاكاة باطنية، وهذا هو ما يجعل أنفسنا تشعر بآلام أبطال المسرحية على - سبيل المثال - ويظهر على قسمات وجوهنا ما يشير إلى تقمصنا لمواقف أبطالها والتوحد معهم. ونلخص هذه المواقف باْن نقول إن المتذوق يبدأ بالسيطرة على الموضوع الجمالي ثم يستنير الموضوع أمامه تدريجيا وهنا تبدأ الذات في التراجع والتنحي عن امتلاك الموضوع ويأخذ الموضوع دوره في السيطرة على المتذوق فيتحقق نوع من التعاطف بينهما نتيجة للتقمص الوجداني. تربية الذوق الجمالي: التربية الجمالية إذن ضرورة لإصدار الحكم الجمالي ويحسن أن يتم البدء بها في وقت مبكر أي منذ مرحلة الطفولة حتى تتفتح ملكة الإحساس بالجمال لدى الطفل، والسمع والبصر هما الحاستان الجماليتان الأساسيتان اللتان يتعلق بهما الإحساس بالجمال وقد تتداخل الحواس الأخرى بينهما ولكن بدرجة اْقل. وهناك ثلاث طرق يمكن بواسطتها التوصل إلى تكوين أحكام جمالية ناضجة. 1 - طريقة الإسقاط أو الحذف التدريجي لكل ما هو قبيح: أي البدء باستبعاد ما هو أكثر قبحا ثم الصعود إلى ما هو متوسط القبح حتى الوصول إلى خط الحياد بين ما هو قبيح وما هو جميل أي ذلك الشيء الذي نسميه بالعادي المألوف ويظل المتذوق في عملية الحذف حتى يستبين له الجمال وحين ذلك يحس بذبذبات الجمال تسرى في أعماق نفسه من خلال هذه الممارسة العقلية الصاعدة ولا تلبث هذه الخبرات الجمالية المتراكمة تدريجيا أن تعمل على توّلد معنى الجمال لديه...لكن الطفل لا يستطيع أن يطبق هذه الطريقة بمفرده إلا إذا كان معه من يساعده ويرشده من اْجل إنجاح تلك الطريقة. 2 - طريقة تكرار المثول أمام الموضوع أي تكرار مشاهدة الآثار الجميلة التي خلّفها القدماء كاليونان والرومان وكذلك الآثار الفنية في عصر النهضة كتلك التي أنتجها رفائيل ومايكل أنجلو، فهذه الآثار تكشف عن سمات الروعة والجلال والجمال وهذا من شاْنه أن يُحدث أثرا ايجابيا في إحساس الفرد وخياله فلا يملك إلا أن يُسلم إزاءها بما لها من روعة وجمال وتفرد، وهذا يصدق أيضا فيما يختص بالشعر والنثر فإن القارئ يستطيع أن يلمس بنفسه سمات الجمال في الإلياذة والأوديسا وفى أشعار فرجيل والمتنبي وأبى تمام والبحتري، وبتكرار ممارسته لعملية القراءة الواعية للشعر والنثر يتدرج لديه الحس الجمالي شيئا فشيئا في سلم النضوج الفني حتى يصل إلى مرحلة النضج والاكتمال وبالتالي تكون لديه القدرة على التذوق السوي للجمال والحكم عليه. 3 - الطريقة المقارنة
هذه الطريقة يُطبق فيها الباحثون المقارنة بين
الآثار الجميلة والإنتاج الفني على ضوء ما لديهم من مواقف جمالية، فهم يلجئون عن
طريق
المقارنة إلى عملية تصنيف منهجي للأعمال الفنية المعروضة فيُلحقون كلا منها
بمدرسة معينة أو بموقف معين ثم يُخضعون أعمال
المدرسة الواحدة لدراسة مستوعبة
وهذا ينتهي إلى تكوين حكم ذاتي للباحث على ما عاينه
من أعمال فنية ولكنه حكم يتسم
بالدقة المبنية على الدراسة والمقارنة. وعلى هذا فاكتمال حاسة التذوق الجمالي أمر ضروري بالنسبة للباحثين في علم الجمال ولغيرهم من المتذوقين على السواء. أختم حديثي بالتأكيد على أن الحكم الجمالي إنما ينتج في الحقيقة من خلال الممارسة الفعلية للتذوق، أي التجربة الفردية البحتة والتي لا يمكن تعميقها إلا بالدراسة والممارسة كي يتألف في النهاية اللون الشخصي الفريد لأي حكم جمالي.
6 قيمة الألم وأهميته في حياتنا الروحية
إن خبرة الألم لا تقوم بدور "المنبه" الذي يشعرنا بكياننا الفردي فحسب، بل هي أيضا حافز قوى يدعونا إلى الوحدة والانفصال. فهذه ذات متفتحة تتجاوب مع الآخرين، وتتجه بكل مشاعرها نحو غيرها من الذوات ولكنها على حين فجأة تتلقى ضربة عنيفة من ضربات الشر، فما هي إلا طرفة عين حتى نراها وقد انسحبت من العالم الخارجي لكي تعانى في صمت مرارة الألم وقسوة الوحدة. وإذا كان كثير من فلاسفة الأخلاق وعلى رأسهم كيركجارد قد غالوا في تقرير أهمية الألم، فذلك لأْنهم قد فطنوا إلى أن الآلام النفسية التي نعانيها هي التي تخلع على وجودنا الشخصي كل ما له من فردية وأصالة. والواقع أن خبرة الألم هي التي تبرز الجانب الشخصي من وجودنا، لأنها هي التي تضطر الذات في كثير من الأحيان إلى الغوص في أعماق وجودها من أجل العمل على اكتشاف ما ينطوي عليه هذا الوجود من "قيم"، ومعنى هذا أن الخبرات الأليمة التي يعانيها المرء لابد من أن تندمج في صميم وجوده، فتصبح بذلك ثروة باطنة تدخرها الذات للمستقبل وتتسلح بها ضد ما يستجد من هجمات. وليس أدل على قيمة الألم في حياتنا الروحية من أنه قد يستحيل إلى أداة فعالة تزيد من خصب حياتنا النفسية وتعمل على صقل شخصيتنا، فإن خبرة الألم تمثل تجربة ذاتية تزيد من عمق حياتنا الباطنية لأنها تقوم بدور الأداة الفعالة التي تكفل لنفوسنا ما هي في حاجة إليه من تربية أخلاقية. ولعل هذا ما حدا بالفيلسوف الأخلاقي هارتمان إلى التحدث عن الألم بوصفه قيمة من القيم الأساسية. الصلة بين "الألم" وعملية "تحقيق الذات": علّق المفكر الروسي المعاصر برديائيف على الألم أهمية كبرى في عملية تكوين الشخصية، نظرا لأنه قد فطن إلى أْن تحقيق الذات فعل أليم لا يتم بدون عناء ومشقة ومقاساة، وإذن فإن قيمة الحياة الإنسانية ـ فيما يقول برديائيف ـ تنحصر أولا وبالذات في عملية تحقيقنا لذواتنا وعلونا على أنفسنا وانتصارنا على شتى ضروب الحتمية وهذه كلها جهود عنيفة تضطرنا إلى تحمل الألم وتقبل التضحية لكل من يريد أن يجاهد في سبيل تحقيق ذاته. وهكذا نرى أن هذا الفيلسوف الذى رأى في التحرر السبيل الأوحد للوصول إلى مستوى الحياة الروحية الصحيحة قد جعل من الألم الجسر الضروري الذي لابد للذات من أن تمر به فى طريقها إلى الحرية. وليست الحرية في النهاية سوى الروح نفسها: أعنى ذلك الفعل الإبداعي الذي ينبثق من أعماق أعماقنا حين نكون قد نجحنا فى تحقيق ذواتنا. الصلة بين "الألم" و"الترقي الخلقي" لدى الفرد والجماعة: إن التاريخ البشرى شاهد على أن الإنسانية قد اضطرت إلى أن تجتاز أقسى التجارب وأقصى المحن من اْجل الوصول إلى مرحلة عالية من الرقى، والواقع أننا قد نكون على حق حين نقيس مدى رقى الجماعة ـ كما هو الحال أيضا بالنسبة إلى الفرد ـ بما عانته من محن وما مر بها من تجارب. وبالنسبة للفرد فإنه لمن الواضح أن المقدرة على التألم هي ـ إلى حد ما ـ مقياس لقدرة كل فرد على التحضر والترقي، ولسنا هنا في مجال الآلام الحسية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمطالب الجسد العضوية، بل نحن في مجال الآلام النفسية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمطالب الشعور الخلقي، وهكذا تجيء ضرورات الترقي الخلقي أو النمو الروحي فتفرض على الذات آلاما نفسية عديدة، إذ يشعر المرء بأن شخصيته لا يمكن أن تنمو وتترقى إلا إذا انصهرت في بوتقة الألم والعذاب، وهناك تجربة نفسية أْليمة كثيرا ما نعانيها في حياتنا الروحية العادية، ألا وهى تلك التجربة التي يحياها الإنسان كل يوم حين تجيء أفعاله دون مراميه، أعنى حينما يشعر بأن ما يمتلكه هو دون ما يريده بكثير، والأمر لا يحتاج إلى حس مرهف من أجل الشعور بهذه التجربة الأليمة وإنما حسب الإنسان أن يلقى نظرة عابرة على أفعاله العادية كي يدرك إلى أي حد يعمل الألم عمله في صميم الحياة الإنسانية الخلقية. ولاشك أن كل من يشعر بأن ثمة قوة باطنية تدفعه إلى الصعود والترقي لابد من أن يعانى في الوقت نفسه هذا الألم الذي لا علة له سوى شعور المرء بأنه دون ما يبغى بكثير. الألم بوصفه قيمة خلقية تزيد من عمق حياتنا الباطنية : لقد حاول الفيلسوف الألماني ماكس شيلر أن يظهرنا على الدلالة الروحية العميقة للألم فقال إن العلاقة وثيقة بين الألم والتضحية لأن الألم هو في صميمه تضحية بالجزء من أجل الكل، أو التضحية بما له قيمة دنيا من أجل ماله قيمة عليا، والصلة وثيقة بين الألم والموت لأن الألم موت للجزء، ولكنه موت يتحقق من ورائه إنقاذ الكل. كذلك يمكننا أن نربط الألم بالحب فنقول إن أية قيمة عليا لا يمكن أن تفرض علينا التضحية بقيمة أخرى دنيا إلا إذا كانت أْقدر منها على انتزاع حبنا، ومن هنا فإن الألم هو الذي يضطرنا إلى أن نخضع حياتنا الحسية لنشاط روحي يتزايد سموا يوما بعد يوم، وحين يقول أفلاطون ومن بعده فلاسفة المسيحية إن الألم أداة تطهير فإنهم يعنون بذلك أن آلام الحياة هي الكفيلة بأن توجه بصرنا الروحي نحو الخبرات العليا والقيم السامية، فترتفع بنا إلى مستوى الطهارة القلبية الحقة التي هي ينبوع السعادة الروحية العميقة. والواقع أْن من شأن الألم أن يولّد في النفس تناقضا خصبا يزيد من عمق حياتنا الباطنية، إذ تشعر الذات بتوتر حاد بين ما هي عليه وما تريد الوصول إليه، أي بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ومثل هذا التوتر هو على حد تعبير الفيلسوف الفرنسى رنيه لوسن R.Le Sene شعور بالقيمة، وليس معنى هذا أن الألم هو في حد ذاته خير، إنما قد يعود بالخير الكثير على الذات حين تستطيع أن تجعل منه أداة فعالة لتطورها الروحي وتنمية حياتها الباطنية. وليس من شك في أن الموجود البشرى الذي اعتاد أن يقبل على اللذة ويعزف عن الألم لا يمكن أن يصبح "كائنا أخلاقيا" بمعنى الكلمة، اللهم إلا فى اللحظة التي ينفصل فيها عن حياة التلقائية والسهولة واللذة، لكي يتجه بكل قوته نحو حياة المجاهدة. وليست خبرة الألم سوى مظهر من مظاهر صراع الإنسان ضد ذاته وضد كل ما تنطوي عليه ذاته من عناصر ضعف أو وهن أو تخاذل أو قصور. وإذا كان الكائن الحي الواعي وحده الذي يتألم، فذلك لأن الحياة الواعية هي الصراع ضد كل إمارات الموت في وجودنا، بما فيها "الضعف الخلقي" الذي لابد من العمل على استئصال أسبابه.
7 الأمل بوصفه خبرة سيكولوجية لها دلالاتها الأخلاقية
قد تبدو كلمة الأمل ـ لأول وهلة - لفظا شعريا لا موضع له في كتابات الفلاسفة خصوصا لدى أولئك الذين يريدون لمصطلحاتهم الفلسفية أن تجيء مصبوغة بالصبغة العلمية الدقيقة ، ولكن من المؤكد أن كل أخلاق تستند إلى الإحساس بالقيم، ولا يمكن إغفال دلالة الأمل في حياتنا الخلقية العملية، وليس على ظهر البسيطة شخص لم يشعر يوما بأن الطريق قد أصبح مغلقا تماما أمامه، مثل هذا اليأس يعد ظاهرة بشرية عادية وموقوتة لأنه يمثل جوا خانقا لا تستطيع النفس البشرية - في نطاقه - أن تتنفس! ولو لم يكن الأمل هو الجو الروحي الأوحد الذي تحيى في كنفه النفس الإنسانية لاختنق البشر جميعا منذ زمن بعيد. الطابع "الإبداعي" لخبرة "الأمل": إن الكثيرين ليظنون أن الأمل خبرة سيكولوجية خاصة لا تنطوي على أية دلالات أخلاقية، لكن الحقيقة أن "الأمل" يكوّن جوهر الخبرة الأخلاقية لأنه يمثل النسيج الأصلي للحياة الأخلاقية من حيث هي سعى دائب نحو تحقيق المثل الأعلى، والحق أن الأمل هو اعتراف بأن الأفق مفتوح وإقرار بأن المستقبل لن يكون إلا كما نريد! وليس معنى هذا أن الأمل بطبيعته تهور واندفاع بل هو في صميمه خلق وإبداع لأنه يكشف لنا عن إمكانية "التغير". وهنا قد يعمد دعاة التشاؤم إلى صبغ كل مسعى أخلاقي بصبغة الوهم أو الخيال ، وكأن المثل الأعلى بطبيعته ضرب من المحال ، لكن خبرة الأمل هي التي تجيء فتذكّرنا بأن "المخاطرة الأخلاقية" انطلاق نحو آفاق المستقبل البعيد. وربما كانت خبرة الأمل هي التعبير الوجودي الصريح عن الثقة الإنسانية العميقة بمعنى الحياة. وكأن الموجود البشرى يشعر في قرارة نفسه بأن "العبث" أو "اللامعنى" لا يمكن أن يكون هو الكلمة الأخيرة في دراما الحياة. اليأس والعبث هما الواجهة الخلفية للأمل والقيمة: الحق أن الموجود البشرى لا يمكنه أن يحيا إلا بمقتضى فعل دائب من أفعال "الأمل" ألا وهو ذلك الفعل الذي يعبّر عن إيمانه الحي بقيمة الوجود . فليس اليأس سوى الواجهة الخلفية لما اصطلح بعض الفلاسفة على تسميته باسم "انفعال الموجود بالحياة" أو "تعلق الكائن البشرى بالوجود"، ومعنى هذا أن اليأس نفسه لا يخلو من تعبير عن حب الحياة، مادام الإنسان الذي يمر بتجربة اليأس إنسانا مريدا يسعى جاهدا في سبيل التحرر من مظاهر الألم والصراع والقلق. والواقع أن العبث ليس بأي حال من الأحوال "واقعة موضوعية" يلتقي بها المرء في صميم خبرته، بل هو أولا وبالذات "صفة " أو "كيفية" لا توجد إلا إذا أردنا لها نحن أن توجد، وذلك بمقتضى اختيارنا الحر! ومعنى هذا أن العبث يكشف عن "عمى إرادي" يمنع صاحبه من رؤية القيم المنبثقة من جذور العالم والتاريخ. ولمّا كان الإنسان يتمتع بحرية السلب والإنكار فإنه كثيرا ما يستخدم تلك الحرية في إغلاق عينيه عن رؤية أسباب الأمل ومظاهر القيم. وليس الأمل مجرد "واقعة محضة" أو "منحة" تجود بها علينا الطبيعة، بل هو كسب تحققه الحرية الإبداعية حين تعرف كيف تحيل "المثل الأعلى" إلى "واقعة"، وكيف ترقى بالواقعة - في الوقت نفسه - إلى مستوى المثل الأعلى، فمثل هذه الحرية لا تصبو إلاّ إلى "القيمة" أو "المثل الأعلى" أو "الغاية القصوى"، وهذا هو السبب في أنها تستشعر دائما رغبة عارمة فى العمل من أجل المستقبل، لأنها تدرك أن الأمل لا ينصب إلا على المستقبل. فهل يمكن أن يقوم أمل لو كانت الحياة مجرد "ماض" قد انقضى أو "حاضر" هو في طريقه إلى الزوال؟!. الإنسان المعاصر بين التشاؤم النظري والتفاؤل العملي: إن مشاعر القلق والعبث والغربة والضياع واليأس، مشاعر متواكبة قلّما يسير الواحد منها بمفرده، وذلك لأن اليأس هو النتيجة الطبيعية التي لابد من أن تفضي إليها حياة خاوية قد خلا منها كل إيمان ضمني بالقيم .ومهما كان من أمر الفلسفات التشاؤمية التي تشدّد على نغمة اليأس وتعمل على تأكيد نبرة القلق، فإن كل حياة إنسانية سوية لابد من أن تجد لنفسها حلا واقعيا لمشكلة الشر الخاصة بها ، ولعل هذا ما عناه الطبيب الفيلسوف ألبيرت شوايتزر حينا قال (إننى إذا كنت متشائما نظريا، فإنني متفائل عمليا). والحق أن الحياة وحب الحياة أمران لا ينفصلان ومن هنا فقد فطن علماء النفس وفلاسفة الأخلاق إلى ضرورة العمل على استعادة أسباب اتصال الإنسان بالعالم حتى يضمنوا للموجود البشرى ضربا من التكامل والتواصل بينه وبين العالم، وربما كان من بعض مزايا خبرة الأمل أنها تعيد للإنسان وشائجه القوية بالعالم والآخرين، فتضمن له ضربا من الثقة بالمستقبل والإيمان بالآخرين. وحين تتحقق "الوحدة" بين "العالم الأكبر" و"العالم الأصغر" فإن من المؤكد أن الحياة لابد من أن تكتسب "معنى" في نظر الإنسان، ولاغرو فإن تجربة الأمل تزود الكائن الأخلاقي بطاقة روحية هائلة، فتزيد من إيمانه بالقيمة العليا للوجود والتي تكفل وحدها تحديد الدلالة الكونية للإنسان. وليست "المثالية الأخلاقية" سوى هذا الإيمان القوى الفعال من أنه لابد للإنسان من أن يصبح - في خاتمة المطاف - على نحو ما يريد أن يكون، وأنه لابد لكل مخاطرة أخلاقية من أن تأخذ على عاتقها مسؤولية المستقبل دون تردّد أو تخوف أو ارتياب.
8 جذور الأدب العالمي "الأدب اليوناني القديم" يمتد الأدب الإغريقي اليوناني القديم إلى أربعة عصور هي العصر القديم، العصر الكلاسيكي، العصر الهيليني ثم عصر إمبراطورية روما، وكان من الطبيعي أن تستعمل هذه العصور عدة لهجات في اللغة اليونانية القديمة هي الأيونية، الأيولية، الدورية، الاتيكية (والأخيرة هي لهجة أثينا القديمة اليونانية الفصحى). إلا أن اللغة اليونانية المعتمدة في الآداب هي التي جاءت في الملاحم التي تركها هوميروس HOMER والتي عُدَّت حقاً البداية الناصعة لكل الأدب الإغريقي في عمليه الخالدين (الإلياذة، الأوديسة). العصر القديم:
ويقع ما بين القرنين الخامس والثامن قبل
الميلاد، ويتحدد في طورين: عصر الأدب الكلاسيكي:
الكلاسيكية هي أقدم المذاهب الفنية، ولم
يقتصر المذهب على الأدب فقد امتد إلى فنون المعمار والفنون التشكيلية والدراما
والمسرح، وهو مذهب أساسه الهدوء والتقيد والتوازن
وعظمة الشأن، لذلك تبدو محصلاته
الفنية كلاسيكية الطابع، وفي الأدب تعني الكلاسيكية
أنواعاً ثلاثة، النوع الأول يطلق على آداب العصر اليوناني القديم والآداب
الرومانية، والثاني هو التيار الأدبي
التابع، وينتمي كُتابه إلى الكلاسيكين الأوائل، ثم
النوع الأخير وهو ما تُعرف به
أعمال الكلاسيكيين الكبار في الأدب العالمي، إذاً
فلفظة (الكلاسيكية) في الأدب تعني الكُتاب القدامى، كما تعني تيار الكلاسيكية
الذي ساد القرنين 17، 18 الميلاديين
وبخاصة في الآداب الفرنسية، كما نجد لها نماذج أخرى
في القرن العشرين في أعمال
الشاعر الفرنسي بول فاليري
وفى
اْعمال كبار أدباء فرنسا آنذاك مثل راسين،
فولتير، ديدرو، وعند الانجليز جون درايدن، بن جونسون، جوناثان سويفت،
الكسندر بوب، وعند الألمان كريستوف جوتشد، جوتهولد افرايم ليسنج، يوهان فلفجنج
جوته، وفي ايطاليا نجد الكلاسيكيين فيتوريو الفييري، كارلو جولدوني. ويُعد القرن
الخامس قبل الميلاد
هو
العصر الذهبي للكلاسيكية العالمية قبل اليونانية القديمة وازدهار لا مثيل له في
السياسة والآداب والعلوم والفنون، وميلاد الديمقراطية الأثينية أول ديمقراطية في
التاريخ تنشد التناغم بين الفرد والسلطة من ناحية،
والفرد والمواطنين من ناحية أخرى، وقد قدمت درامات اسكيلوس أول دراميي الإغريق
الكثير في هذا المجال مثل
(الفُرس، سبعة ضد طيبة). وقد اجتهد العصر في ترسيخ القوانين العلمية
التي تضمن علاقة
طبيعية وعملية بين الطبيعة والمجتمع، وتوسعت علوم التاريخ في الجغرافيا الجديدة،
فليس
من قبيل الصدفة أن أُطلق على هيرودوت أبو التاريخ، فتاريخ الحروب الإغريقية
الفارسية كان الانطلاقة الحقيقية لالتصاق العلوم
والآداب بنتائج الحروب التي سجلت
انتصارات وانهزامات لا حد لها (أعمال الأديب
ثوكيديديس ) التي دفعت بالفكر إلى أعمال
أدبية وفنية استقت مضامينها من المعرفة التي كانت
مناط القول وحجر الزاوية في
تركيبة إنسان العصر آنذاك. تماماً كما تطور التيار الفلسفي الذي وُجه
إلى قيمة الحضور
الاجتماعي
SOCIAL
PRESENCE
عند
الطبقة الاجتماعية
SOCIAL
CLASS،
بما فيها طبقة
السوفسطائيين لإقرار ما عُرف مؤخرا عند روسّو باسم العقد الاجتماعي
SOCIAL CONTRACT وهو
عقد نظري بين أفراد المجتمع وبين الحاكم يحدد حقوق كل منهما وواجباته،
وكان
من الطبيعي والمنطقي أيضا أن تكون الكلمة هي منطلق التحقيق الفلسفي لعنايتها
بالمعارف الأدبية وفن الكلام للوصول إلى تعبير (المعرفة الإنسانية)، ومع ذلك فلم
تُغفل الفلسفة دور الأدب الأرستقراطي العالي المسمى (الكاردال)KARDAL
الذي
جاء في
أعمال وأدبيات سيمونيديس وبينداروس والتي استمسكت بالملاحم القديمة وفكرها حتى آن
أوان زوالها رويدا رويدا بعدما هجرتها الجماهير
الشابة. العصر الهيليني (الهيلينستي):
يحتل الفترة من نهاية القرن 3
قبل
الميلاد حتى القرن الأول الميلادي، ونتيجة للحكم المقدوني كوّن الإسكندر الأكبر
إمبراطورية واسعة الأطراف أدت إلى تغييرات سياسية واجتماعية كان من جرائها انتشار
الحضارة الإغريقية تجاه الشرق الأمر الذي انعكس
بطريق مباشر على حركة الآداب، فانتهى ازدهار الخطابة وتألقها، واختط الأدب طريق
جديد إلى عالم الحياة، في
محاولة الإجابة على سؤال محدد هو، كيف يمكن الوصول بالإنسان إلى
السعادة في
الحياة؟ عصر إمبراطورية روما: لا يُنبئ هذا العصر والذي استمر ستة قرون (من الأول قبل الميلاد حتى الخامس الميلادي) عن تغييرات أدبية ملحوظة، ولا عن تطورات في النظام الاجتماعي، وفي الجانب السياسي فقد توسعت الإمبراطورية الهيلينية إلى إمبراطورية أكبر توحّدت في روما، أمّا الدفعات القوية للآداب فقد استمرت كما كانت في السابق، لكن التقدم في هذه الدفعات كان ذا خصائص داخلية، تحوير لا يُذكر أو يظهر بارزا على الأشكال الأدبية، حذق وخبث في وسائل التأثير الأدبي يصلان أحيانا إلى حد الخديعة، ولم تدخل تغييرات جوهرية على القصيدة القصيرة (الإبيجرام) فقد ظلت شعبية كسابق عهدها، ولا يُسجَل لعصر إمبراطورية روما (أدبيا) وبتأثير من منهج كاليماخوس إلا إنطلاق الملاحم الشعرية القديمة وتمجيد الإله ديونيسوس إله الكروم والخمر عند الإغريق وصولا إلى تقنية شعرية عُرفت باسم (نونّوس) NONNOSZ، هكذا عاش هذا النوع من الأشعار جنبا إلى جنب مع روايات تاريخية عن الإسكندر الأكبر، متجاوزا عصر روما إلى عصر القرون الوسطى فيما بعد ومتأرجحا بين الروايات الدينية والكوميديا، كما في روايات ميليتوس، لونجوس، هيليودوروس أمّا آداب العلوم التخصصية فقد سارت وحدها في طريق مبشر نتيجة التصاقها بمصطلحات الآداب الجميلة وتعبيراتها، الأمر الذي أدى إلى انتشار العلوم والآداب معاً.
9 مفهوم الدولة العادلة عند أفلاطون
يُعد أفلاطون (427 ـ 347 ق.م) هو مؤسس الفلسفة السياسية في التاريخ، فبعد إدانة أستاذه سقراط وإجباره على تجرع السمّ الزعاف راح أفلاطون يطرح العديد من التساؤلات: كيف يمكن لحكومة منتخبة ديمقراطيا أن تقتل أفضل البشر!؟ ألا يعني ذلك أن هناك مشكلة في تصورها للحكم، ثم بشكل أخص للخير والشر؟، أليس من الشر أن نقتل الفيلسوف الحكيم الذي كرس حياته لتوعية البشر وتربيتهم وتثقيفهم؟، ألم يكن قلب سقراط مفعما بحب الخير للدولة والمجتمع وكل أبناء الشعب دون استثناء. فلماذا قتلوه إذن؟ . هذه الأسئلة وغيرها هي التي قادت أفلاطون إلى الاهتمام بالسياسة. ويعتبر أفلاطون هو أول من وضع نظاما سياسيا فلسفيا صاغه في الجمهورية وفي النواميس لاحقا. إذ حسب تصوره أن المشكلة الفلسفية الحقيقية إنما هي مشكلة سياسية تقع في صميم المجتمع وحياته المدنية التي تحتاج إلى إعادة بناء جذري بغية قيام نظام مثالي، وهذا التصور الفكري له صلة بحياته وخبرته سياسيا واجتماعيا وفنيا وأدبيا وعسكريا أيضا. فهو سليل أسرة عريقة عُرفت بالمجد والشرف السياسي والاجتماعي من جهة، وقد مارس من جهة أخرى نظم الشعر وتأليف المسرحيات ونبغ في الرياضيات والبلاغة والموسيقى، وشارك في حروب البلوبونيز من 431 إلى 404 ق. م. ونال جائزة لشجاعته. يضاف إلى ذلك سفراته ورحلاته لطلب العلم والمعرفة ومنها ذهابه إلى مصر. علاوة على المرارة النفسية التي ذاقها منذ إعدام أستاذه سقراط بدوافع سياسية، تلك الأمور والقضايا خلقت عند أفلاطون رؤية سياسية فلسفية مميزة قدم من خلالها الحل الأمثل لمشكلة السياسة داخل المدينة (أو الدولة) الفاضلة Utopia وبما أن الفيلسوف يحيا فقط بهذا النوع من المدن وليس في مضاداتها، وبما أن الحياة السياسية عبر كل العصور فيها شرور وبطش وفساد، لذا شيد أفلاطون جمهوريته النظرية القائمة على أسس العلم والمعرفة من ناحية، والمحكومة بقيادة العقل والفلسفة من ناحية أخري. ولكي نفهم تركيبة التفكير السياسي عند أفلاطون، علينا أن نفهم أيضا بنية تفكيره الأخلاقي، لأنها متضمنة ومتداخلة فيها. فالسياسة ليست أكثر من امتداد طبيعي للأخلاق. وهذا النهج اتبعه أفلاطون ثم أرسطو وبقية فلاسفة اليونان قاطبة. ومن هنا كان أفلاطون يدحض مزاعم السوفسطائيين القائلين بإنكار قوانين الأخلاق وقوانين الدولة، بدعوى أنها من اختراع الضعفاء من أجل حماية أنفسهم من جبروت الأقوياء. فالسلطة حسب رأيهم هي حق شرعي للأقوى دائما، بينما يرى أفلاطون أن إحراز السلطة إنما يكون بقوة العقل لا بقوة الغاب الوحشية، وهذا الرد رفع أكثر من شأن السياسة ككونها علماً متصلاً بالأخلاق وقوانينها. وكانت مسألة العدالة في صلب الفلسفة السياسية لأفلاطون، فهو لا يريد أن تصدر الدولة قرارا ظالما بحق أي شخص بعد كل ما حصل لسقراط العظيم، إنه يريد دولة تعاقب المجرم لا البرئ وتكافئ الإنسان الخيّر لا الشرير، وإذا لم يتم فعل ذلك فإن المقاييس تفسد في الدولة والمجتمع وتصبح الأمور عاليها سافلها وبالتالي فالعدل هو أساس الحكم عند أفلاطون. الدولة والشعب: دولة الحق التي شيدها أفلاطون يعمقها العدل أساسا. إنها صورة مكبرة للفرد، لأن غاية الأخلاق هي الدولة لا الفرد، بمعني آخر أن الفرد عبارة عن صورة مصغرة للدولة، والدولة هي الهيكل الضخم لهذا الفرد، وبما أن (القوة الناطقة) في الفرد تعتبر أعظم القوى جميعا، لذلك يجب أن تكون الفلسفة هي القوة الحقيقية في توجيه الدولة، ويجب أن يكون رئيسها فيلسوفا، لأن العدالة في الفرد وفي الدولة لا يمكن أن تتم ما لم يبسط العقل نفوذه وحكمه. ولقد قسم أفلاطون الدول التي تضاد دولة العدل إلى أربعة أقسام هي: 1 ـ الدولة الدينية: وهي حكومة الطبقة الوسطى، التي تسمح بالملكية الخاصة، وما يصيب النظام من اختلال بسبب ذلك، فتجعل العسكر في هذه الطبقة هم الأفضل مما يؤدي إلى العنف والحرب. 2 ـ الدولة الإقطاعية: ناتجة عن الدولة الدينية، حيث يعتاد الأفراد على جمع المال بأية وسيلة كانت، وبسبب ذلك تضمحل وتنتهي الفضيلة حيث لا يبقي غير الأثرياء الذين قد يكونوا جمعوا أموالهم بطرق مشروعة أو غير مشروعة. 3 ـ دولة الشعب: وهو الحكم الديمقراطي الفوضوي، حيث يثور الفقراء على الأغنياء، بسبب الحرمان والتعسف، ويصبح الحكم شائعا للجميع، لا نظام ولا قائد مُسيطر، بل الشعب يحكم نفسه بنفسه. 4 ـ الدولة الإستبدادية: وهو حكم الطغيان والمصالح الشخصية. إذ بعد أن تعم الفوضى لحكم الشعب، تفرز هذه الحالة فردا من المجتمع يوهم الجميع على أنه سوف يبني الدولة بلا ضرائب ولا ظلم.
ولقد قسّم
أفلاطون أيضا شرائح المجتمع إلى ثلاث طبقات مثلما قسم
النفس
الإنسانية. فالأولى هي طبقة الحكام والتي تقابلها النفس
الناطقة. الحاكم والرئيس: ينص أفلاطون على أن الحاكم لا يصلح ولا يكون إلا فيلسوفا ويسميه المثل الأعلى، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الفيلسوف أو الفلاسفة الحكام هم وحدهم الذين يدركون التصور المثالي للحكم لا سيما وأنهم لا يبغون السلطة من أجل المال أو الجاه أو التسلط. بل غايتهم المصلحة العامة فقط. النظام والتربية: يرى أفلاطون أن الإنسان المثالي هو الذي يسيطر بقواه العقلية على قوتي الغضب والشهوة، لذا فإن نظام الدولة يكون مثاليا من وجهة نظر أفلاطون إذا سيطرت طبقة الحكام الفلاسفة على طبقتي الجيش والعمال، ويكون نظام الدولة هو المسؤول عن تربية الأفراد وتنشئة الجيل المتميز بالعلوم والفنون والعدالة، فيأخذ كل فرد منزلته العلمية والعملية في المجتمع حتى يصيروا جديرين بنيل المثل العليا في رئاسة الدولة والحفاظ على نظامها التربوي والتعليمي. في الختام أود أن أقول أن أفلاطون قد فهم أن السلطة هي وحدها القادرة على لجم السلطة ومنعها من تجاوز الحدود في التعسف والبطش والظلم، وبالتالي فلا ينبغي أن نترك نزوات الحاكم تأخذ كل أبعادها وتقود إلى الاستبداد والكوارث، وإنما ينبغي تحجيمها أو لجمها عن طريق القوانين والتشريعات. كما رأى أفلاطون أنه حتى الديمقراطية يمكن أن تحمل في طياتها بذور الطغيان والتعصب والظلم إذا لم تقودها القوانين العادلة والحكيمة.
10 الفينومينولوجيا وفلسفة الفهم الفينومينولوجيا هي علم الظواهر (phénomènes)، وقد استعملت أولاً في ميدان علم النفس لتدل على الظواهر السيكولوجية (الرغبة، الإدراك، الإحساس،…) ومظاهر الوعي في محتواه النفسي، والقائمة على ملاحظة ووصف الظاهرة كما هي معطاة، بقصد تحليلها وتحديد خصائصها وفهمها على وجه الخصوص. وتعني الفينومينولوجيا في إطارها الفلسفي والأنطولوجي تحديد بنية الظواهر وشروطها العامة؛ بمعنى مشكل الظهور أو الانبثاق - لأية ظاهرة كانت - ذلك الانبثاق الذي يتصل لأول وهلة اتصالاً مباشرا بالوعي. ويهتم علم النفس بـ"الوعي التجريبي" بينما تهتم الفينومينولوجيا بالوعي "الخالص". ولا تسعى الفينومينولوجيا إلى تفسير العالم من خلال البحث عن شروطه الممكنة وإنما تهتم بتشكيل التجربة، كأول لقاء –أنطولوجي - بين الوعي والعالم والذي يعتبر لقاءاً سابقاً على كل تفكير حول هذا العالم. وهناك ثلاثة أنواع من الاتجاهات في الفينومينولوجيا : 1 - الفينومينولوجيا النقدية مع كانط (Kant) وهي تلك التي تسعى إلى تبيان الشروط الممكنة للموضوعية تؤطرها بنية الذات "Sujet" والتي تحدد بالمقابل حدود المعرفة التي تجد نفسها في مواجهة فكرة "المطلق". 2 - فينومينولوجيا المظاهر (apparences) التي يحددها مراتب ظهور الكائن عند هيجل (Hegel) ومساره الأنطولوجي نحو المعرفة المطلقة. 3- فينومينولوجيا التأسيس (Ursprung) وهي التي تبحث عن الشروط الممكنة لكل تفكير أو تعبير أو تدبير وخلافا لتجليات الكائن عبر مراحل أنطولوجية يبتغي من ورائها الفكر المطلق، يطرح هسرل فينومينولوجيا التأسيس التي تبحث عن قاعدة أو دعامة تنبثق من خلالها، أو تتأسس بموجبها، أو ترى الوجود على إثرها كل ظاهرة معينة. فمشكلة الفينومينولوجيا هي مشكلة النشوء أو التكون (genèse) لا بالمعنى البيولوجي لتكون الجنين أو نشوء الكائنات لكن بالمعنى الذي يجعل من الظاهرة، ظاهرة ذات ماهية وقابلة لتلقي المعنى الذي يضفيه الوعي عليها في أول لقاء له بها. من هنا كان معنى الظاهرة أيضا هو معنى "التشكيل" أو "إضفاء الشكل أو الصورة" (mise en forme) وذلك أن الظاهرة، بالمعنى الأرسطي، هيولى وصورة (hylè/morphè). فالظواهر تتميز عن بعضها البعض بالصور أو الأشكال وإن كانت تشترك أحيانا في المادة. فالمادة الأولى (materia prima) عبارة عن احتمالات (potentialités) غير محددة ولكنها تتحدد بالمواد الثانوية التي تفصل بين مختلف خصائص هذه المادة. هذا الاختلاف بين صور الظواهر هو محل الإشكال الذي طرحته الفينومينولوجيا: كيف يمكننا التمييز بين الظواهر بأية وسيلة يمكننا الحكم على أن الظاهرة (أ) تختلف عن الظاهرة (ب)؟ باختصار يتبلور الإشكال في الفكر الفينومينولوجي كما يلي: ماذا يعني أن نضفي "المعنى" على الظواهر حتى يمكننا الإقرار بالاختلاف الكائن بينها؟ فمشكل الفينومينولوجيا يتجلى في مسألة "معنوية" (Signifier) الظواهر. وهذا المعنى الذي يسنده الوعي إلى الظاهرة في أول لقاء بينهما ليس هو نتاج تخمينات ينسجها هذا الوعي حول الظاهرة المعطاة أمامه، بل إسناد للمعنى يسبقه "إدراك" الظاهرة. والإدراك هو مجموع الدلالات التي يضفيها الوعي على الظاهرة، هو صياغة "الصورة" (forme) لظاهرة معينة بعدما كانت غير محددة المعالم وغير متميزة الأحكام. بهذه الصياغة، تكتسب الظاهرة دلالة معينة أي تتحلى بماهية تخصها. تختص إذن الفينومينولوجيا بصياغة صور الظواهر من خلال إضفاء المعاني والدلالات عليها وإكسابها ماهيات تعبر عن خصوصيتها وتميزها. ومراحل الصياغة والدلالة هي مراتب الالتقاء بين الوعي والأشياء الكائنة خارجه. فالروابط - الأنطولوجية والدلالية والصورية - بين الوعي والشيء كظاهرة هو الذي يحدد موضوع الفكر الفينومينولوجي بامتياز. بتعبير آخر، يتشكل المعنى من التوجه الذي يباشره الوعي تجاه موضوعه وهو ما يسميه هسرل بـ"القصدية" (intentionnalité) وهي نمط العلاقة التي تربط الوعي بمضمون الظاهرة كتحديد لماهية "الظواهر" أو "الأفعال النفسية"، فالوعي هو دائما الوعي "بـ" شيء ما (conscience) والوعي "بـ" الموضوع هو رصده وإدراكه ، والإدراك الحدسي نوعان: 1 - إدراك حدسي تجريبي (intuition empirique) ويتمثل في التجربة وهو الوعي بالموضوع الفردي كمعطى أصلي (une donnée originaire) يدرك أساساً في خصوصيته المادية (ipséité corporelle). 2 - إدراك حدسي ماهوي (intuition eidétique)، هو الوعي بشيء ما، الوعي بموضوع ترصده رؤية الإدراك الحدسي. وعليه فإن تشكيل الصور وإضفاء المعاني وصياغة الماهيات هي معطيات ينسجها الوعي حول موضوعه. لكن لا تنشأ هنا علاقة حميمية بينهما، بحيث يتلون الوعي بتلون موضوعه، وإنما يستقل الوعي بخصوصيته الثابتة والمطلقة والخالصة عن موضوعه مهما طرأت عوارض وتبدلات وتحولات إزاء هذا الموضوع. وعليه يعتبر هسرل أن الوعي "نسق وجود مغلق على نفسه ودوامة تشد إليها كل الأشياء. فعالم الأشياء هو عالم "معطى" من أجل الوعي، يستثمره هذا الأخير في تجاربه الخاصة، عالم يفقد كل وجود وكل معنى خارج هذا الوعي. ينكشف إذن الوعي كنشاط خلاق للمعنى من خلال المراحل الوجودية والتجارب التي تتوالى عليه أو بالأحرى التي يمارسها في نشاطه الدلالي. فن التأويل: فلسفة في "الفهم": فلسفة "المعنى" التي أسسها الفكر الفينومينولوجي نجد صداها واسعاً في فلسفة "الفهم" التي بلورتها فلسفة فن التأويل المعاصرة (philosophie herméneutique). أ ـ فن التأويل: مرفولوجيا وجنيالوجيا. تجدر الإشارة إلى ترجمة كلمة "herméneutique" بـ"فن التأويل" تمييزاً لها عن "التأويل" بمعنى "interprétation" والعلة في ذلك سأذكرها في معرض التحليل الاشتقاقي لكلمة "herméneutique"."Herméneutique" (بالإغريقية herméneutikè) تتضمن في اشتقاقها اللغوي كلمة "technè" التي تحيل إلى "الفن" بمعنى الاستعمال التقني لآليات ووسائل لغوية ومنطقية وتصويرية ورمزية واستعارية. وبما أن "الفن" كآلية لا ينفك عن الغائية (téléologie =finalité) فإن الهدف الذي لأجله تجند الوسائل والآليات هو "الكشف" عن حقيقة شيء ما. وتنطبق جملة هذه الوسائل على النصوص قصد تحليلها وتفسيرها وإبراز القيم التي تختزنها والمعايير والغايات التي تحيل إليها. وعليه، تعني "herméneutique" "فن" تأويل وتفسير وترجمة النصوص": "التأويل هو فن" ،بمعنى طريقة الاشتغال على النصوص بتبيان بنيتها الداخلية والوصفية ووظيفتها المعيارية والمعرفية؛ والبحث عن حقائق مضمرة في النصوص وربما المطموسة لاعتبارات تاريخية وإيديولوجية هو ما يجعل فن التأويل يلتمس البدايات الأولى والمصادر الأصلية لكل تأسيس معرفي وبرهاني وجدلي: "والفهم عندما يعمل لا يلغو فقط، أي لا يقول رموزاً، وإنما هو يؤول. أي أنه يبحث عما هو أول في الشيء، عما هو الأساس والأصل"، نفس الدلالة يمنحها "لسان العرب" لابن منظور: "التأويل المرجع والمصير مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه" ،نجد في اشتقاقات كلمة "تأويل" الآل بمعنى عمد الشيء الذي يستند عليه والآل بمعنى السراب، والقيمة الدلالية والأنطولوجية التي يمكن أن نمنحها إلى (الآل = السراب) هو أن الأصل الذي تؤول إليه الأشياء والذي يبحث عنه التأويل هو تأسيس متعدد الأوجه أو هو حقل تجوبه جملة العلاقات الاختلافية والاستعارية دون إرجاع الأشياء إلى قيم متعالية أو أصل مطلق، بحيث يصبح المعنى المكتشف مجرد دلالات نسبية وعلاقات وإحالات متبادلة. والآلة = الشدة أي الصرامة في فحص وقراءة النصوص التي تستدعي الآلة = الأداة بمعنى الوسائل والآليات اللغوية والتركيبية والفنية الموظفة في قراءة هذه النصوص. تاريخيا، ارتبط فن التأويل (الهرمينوطيقا) بإشكالية قراءة الكتابات اللاهوتية والنصوص المقدسة، مما دفع أحد اللوثريين (نسبة إلى رائد الإصلاح "Réforme" مارتن لوثر M.Luther) وهو "ماتياس فلاسيوس (Matthias Flacius) إلى الثورة على سلطة الكنيسة (L'Eglise de Trente) في مسألة مصادرة حرية قراءة النص المقدس ليقترح أولوية التراث في تأويل بعض المقاطع الغامضة من النص وطابع الاستقلالية في فهم محتوياته بمعزل عن كل إكراه أو توجيه قسري في مواجهة لسلطة القراءة "الأحادية" للنص المقدس وهكذا يعود الفضل إلى فلاسيوس في تأسيس حلقة فن التأويل (le cercle herméneutique) والتي تنتقل من الفهم الكلي والشامل للمعنى الذي يختزنه النص إلى فهم أجزاء هذا النص. وعليه ينشأ تأويل شبه دوري يستند فيه الفهم الكلي للنص على فهم أجزائه وعكسه. فمثلاً تأويل الإنجيل (La Bible)، ويرى دلتاي أنه ينبغي أن يفهم كل كتاب وكل مقطع انطلاقاً من الدلالة العامة لمجموع الكتب، وهذه الدلالة الشاملة تتشكل بالاستناد إلى فهم كل جزء على حدة. هذه الإزاحة التي مارسها فلاسيوس في قضايا تأويل وفهم النصوص بعيداً عن الإطار الإيديولوجي والسياج الدوجمائي المغلق الذي تنحصر فيه، ليست كافية من منظور دلتاي لأن هناك عوامل أخرى أغفلها فلاسيوس وهي قراءة كل كتاب على ضوء مختلف الظروف (التاريخية والاجتماعية) والسياقات والاستعمالات (اللغوية). يطرح كل من "سبينوزا" (Spinoza) و"كلادينيوس" (Chladénius) مسألة الفهم من وجهة نظر قيمية وأكسيولوجية: فهم النص هو فهم حقيقة هذا النص لكن لا يخلو هذا الفهم من معايير لغوية وفنية وحتى نفسية تحاول فك العقد المبهمة التي ينطوي عليها النص، مثل مسألة "المعجزات" (Miracles) في النص المقدس. نشاط فن التأويل من منظور سبينوزا وكلادينيوس هو تداول الفهم الأساسي للنص. "ماير" (G.F.Meier) و"شلايرماخر" (Schleiermacher) افتتحا عهدا جديدا من خلال توسيع حركة التأويل من قراءة النص المقدس إلى فحص وتمحيص مختلف النصوص المرتبطة بميادين متعددة (الأدب، الفن، الفلسفة…). خلافاً لسبينوزا وكلادينيوس، لا يتعلق مشكل الفهم عند "شلايرماخر" بين فهم عادي وفهم أفضل للنصوص قصد إدراك طبيعة الموضوع بتعبير آخر لا يولي شلايرماخر الاهتمام بشرعية الفهم وصلاحيته، وإنما يرتبط الفهم من منظوره بفردانية الفكر لشخص معين الذي يتلفظ بخطاب معين ضمن سياق زماني ومكاني خاص ومعين. وممارسة الفهم عند شلايرماخر على نوعين: 1 - فهم غير صارم يتجنب من خلاله عدم التفاهم (les malentendus). 2 - فهم صارم يقر بحقيقة عدم التفاهم كظاهرة عادية وطبيعية وينصب اهتمامه على البحث عن فهم مشترك. يعقد فن التأويل بذلك علاقات نقدية ومعرفية مع الميادين الفكرية المتنوعة وخصوصا أن دلتاي يعتبره القاعدة الأساسية للعلوم الإنسانية أو علوم الفكر (Geisteswissenschaften) والمفتاح الهام الذي لا يمكن الاستغناء عنه ليس فقط في فهم النصوص المكتوبة (حكايات، روايات، قصص، رموز، أساطير) وإنما أيضاً النصوص المرئية المتمثلة في شبكة العلاقات والممارسات الاجتماعية والتاريخية والتحف الفنية. الانتقال والإزاحة اللذان مارسهما دلتاي لهما أهمية قصوى، بحيث سمحت باستحداث "نموذج جديد" (nouveau paradigme) غير الواجهة المعرفية والقيمية في التعامل مع النصوص بحيث تتجه حركة التأويل من المكتوب إلى المرئي مروراً بالمقروء كما أنها لا تغفل تلك الذات الناسجة للنصوص والكائنة خلفها والنص من هذا المنظور ليس نسقاً مغلقاً من الرموز والإشارات والدلالات وإنما هو خطاب مثبت ومفتوح لا تنفك عنه حركة القراءة والنقد والتواصل الفكري وتداول المفاهيم ورؤوس أموال معرفية بين القارئ والكاتب. هذا النشاط الفكري والنقدي الدؤوب والحوار الدائم بين القارئ والمقروء، دفع فلاسفة فن التأويل إلى دراسة ظاهرة فهم المعنى الذي يحتويه النص ومعرفة ما إذا كان هذا المعنى يعبر "فعلا" عن مقاصد وأهداف المؤلف (ومن ثم أي فعل أو حركة يمكن معالجتهما بنفس المنحى من خلال رصد مقاصد الفاعل وإدراك المعنى الذي تنطوي عليه أفعاله). فالاتجاه الوضعي يرى أن فهم المعنى ينحصر فقط في إعادة تركيب ذهني لجملة المقاصد والأهداف. لكن هذا الرأي يؤسس فقط الفرضيات التي تفسر الأسباب التي من خلالها يسلك الفعل هذا السلوك أو ذاك دون أن يرتقي إلى درجة المنطقية والعلم. وهذه الدرجة تتجلى في الحالة التي تتأسس فيه الفرضيات التفسرية ضمن نظريات عامة للسلوك البشري ومن ثم التحقق من هذه الفرضيات عبر مناهج الملاحظات التجريبية. لكن يلح مفكرو فن التأويل على أسبقية "فهم" طبيعة فعل ما أو اعتقاد معين كنشاط علمي على "تفسير" انبثاق أو ظهور هذه المقاصد والاعتقادات. ويبقى الإشكال في علاقة التفسير بالفهم وخصوصا أن دلتاي أرجع التفسير إلى ميدان علوم الطبيعة والفهم إلى علوم الفكر. ب ـ أسس فن التأويل: بين "الحقيقة" و"المنهج". لقد تبين إذن الحقل المعرفي الذي يشتغل عليه فن التأويل في فحص النصوص داخلياً وربطها بسياقها العام خارجيا وأنه يطمح -أي فن التأويل- إلى درجة العالمية (L'universalité) بحكم أنه تجاوز التصور الكلاسيكي لفهم النصوص ومستويات الحقيقة التي تتضمنه إلى فهم الظواهر الاجتماعية والأحداث التاريخية والإبداعات الفنية والجمالية. هذا التحول الذي شهده فن التأويل ابتدأ مع شلايرماخر الذي اعتبر أن الفهم لا يرتبط بإدراك الحقيقة التي ينطوي عليها تصريح أو تأكيد بقدر ما يبحث عن الشروط الخاصة الكامنة في التعبير الذي بلوره هذا التأكيد أو التصريح. بمعنى أنه يميز بين فهم "محتوى الحقيقة" وفهم "المقاصد". وعليه يميز شلايرماخر بين منهجين في الممارسة التأويلية: 1 - منهج قواعد اللغة (l'interprétation grammaticale) الذي يعالج النص أو أي تعبير كان انطلاقا من لغته الخاصة (لغة إقليمية، تركيب نحوي، شكل أدبي) وتحديد دلالة الكلمات انطلاقا من الجمل التي تركبها ودلالة هذه الجمل على ضوء الأثر في كليته. 2 - منهج التأويل النفسي (l'interprétation psychologique) والذي يعتمد على بيوجرافيا المؤلف أي حياته الفكرية والعامة والدوافع (motivations) والحوافز الذي دفعته للتعبير والكتابة ، وبينما كان مشكل الفهم عند سبينوزا وكلادينيوس هو البحث عن "حقيقة" متوارية خلف النصوص والتعبيرات؛ يصبح عند شلايرماخر "إنتاجاً أصلياً" للإبداعات الأصلية للمؤلف؛ إعادة تذهّن اللحظة الخلاقة التي فاض عنها المعنى وتوجه فيها الوعي إلى موضوعه. انتقل شلايرماخر إذن من "الحقيقة" إلى "المنهج". يتجاوز دلتاي صرامة المنهج عند شلايرماخر ليركز جهوده على مفهوم "التجربة". فهو يميز بين نوعين من التجربة: 1 - التجربة المعيشة (Erlebnis) التي استعملها في وصف علوم الفكر أو العلوم الإنسانية (Geistes wissenschaften). 2 - التجربة العلمية (Erfahrung) التي تخص علوم الطبيعة (Natur wissenschaften). وهذه التجربة العلمية تتمتع بطابع "العلمية" (scientificité) الذي يجعل من التجربة المعيشة والتجربة الممارسة وجهين لنفس الحقيقة؛ وبطابع الجدلية والتاريخية. فالتجربة في طابعها العلمي تعني تكرار المعطيات والنتائج للوصول إلى تنظير عام ومتفق عليه؛ في طابعها التاريخي-الجدلي هي تجربة لا تتكرر، تنفي كل ما سبقها بحيث لا يمكن معاينة ومعايشة التجارب السابقة بنفس المقاصد والدوافع وتختفي هي الأخرى بخصوصيتها وفرديتها. لكن الطابع التجريبي للعلوم الإنسانية لا يتجلى في محور تكرار التجارب. فهذه العلوم هي متجذرة في تجارب الممارسات التاريخية؛ إذ المؤرخ أكثر إدراكاً لتجربة التاريخ من الذين عاينوا الأحداث التي يتولى دراستها فالتجربة المعيشة والممارسة (Erlebnis) تعني ما هو معطى مباشرة للوعي الفردي، فلها بذلك وظيفة معرفية تؤطرها الذات (fonction cognitive). تختلف إذن التجارب المعيشة (Erlebnisse) عن تجريدات العلوم الطبيعية من حيث إنها تطرح موضوعاتها في إطار الإدراك المباشر للوعي وهذه التجارب المعيشة هي جملة الممارسات والمقاصد المتوجهة نحو الموضوع المعطى للوعي والتي تنتظم حولها حياة الفرد بحيث لا يعيش هذا الأخير في العالم وإنما يعيش "العالم" كعلاقة انتماء جذري. فالفرد يدرك تجربته الخاصة بناءاً على نمط إدراكه لحياته في مجموعها وإدراكه لحياته هو تأويل حيوي وفعال للتجارب المعيشة. فيمكن القول إذن إن فلسفة دلتاي التأويلية هي رؤية متميزة لـ"حياة" الفرد ولتجاربه المعيشة. وبالتالي تتطور وتتبلور بنية الفهم الذاتي (فهم الذات) حول التجربة الفردية والتأويل وإعادة التأسيس. لكن أين يتموقع فهم الذات ضمن تجربة الآخر؟ أو بأي معنى يمكننا الحديث عن وعي فردي في سياق متعدد ومتنوع التجارب والممارسات؟ وهل فهم الذات يقصي كل انفتاح على تجربة الآخر كمعطى لكل ممارسة تأويلية؟ يواجه دلتاي مشكلة فهم تجربة الآخر باقتراحه لمفهوم "الفكر" أو "الروح" (Geist) كسياق معياري وعام يجمع الأفراد حول حياتهم الخاصة، ومن ثم فهو يرى أن تاريخ حياة الفرد لا يتماشى وفق محور عمودي لحياته بل وأيضا وفق محور أفقي يدمج إطاره الاجتماعي والتاريخي.يكون دلتاي بذلك قد أنزل "الفكر" من السماء إلى الأرض ليدل لا على المعرفة المطلقة والمتعالية على التاريخ وإنما على معرفة تاريخية ومتجذرة في تجربة الحياة ، فالفن والدين والفلسفة والعلوم والمنطق ليست معارف أو أشكال معرفية مذابة في معرفة مطلقة ومغلقة وإنما هي تجارب حيوية واستعمالات تعبر عن الطابع الخلاق للحياة وتجليات للفكر التاريخي.والمعنى على الأثر الفني تمنح لهذا الأخير سلطة إشراك الأفراد ضمن حقيقته المعيارية وكشفه عن حقيقة يعيها هؤلاء الأفراد ،فعلاقة القارئ بالأثر الفني أو الأدبي أو الفلسفي هو علاقته بالحقيقة (Vérité) وبالتالي فإن فهم الأثر الفني هو فهم لحقيقته ،غير أن هذه الحقيقة لا تنفك عن نمط التجارب المعيشة والممارسة.وانخراط الحقيقة في التجربة هو اعتبار الفهم كسماع شاعري لما يمكن أن يقول الأثر أو النص في سياق اللحظة الراهنة ،لكن بنية الفهم التي يحللها غادامير بإسهاب لا يمكن أن تغفل "ما قبل" الفهم أو الإطار النظري والعملي الذي يتموقع فيه "الافتراض المسبق" (Préjugé). بينما كان هذا الأخير عنصراً مبهماً يعيق البداهة في عصر الأنوار، يرتد في الفكر التأويلي الغاداميري، عنصرا فعالا في الفهم التأويلي. فقبل أي تأويل أو رصد للمعنى يحتمله النص أو الأثر، تتشكل هندسة قبلية تضع هذا النص أو الأثر في سياق خاص وضمن منظور معين، تعبر عن السيلان أو التدفق (Flux) اللانهائي للمعاني التي تتجه من الوعي إلى الموضوع (النص/الأثر)؛ والافتراض المسبق يدل على انخراط الوعي في سياق تاريخي ولغوي خاص. فكل فهم أو تأويل يتجه من القارئ إلى المقروء يؤطره عامل اللغة والتاريخ ليس كعائق ابستمولوجي للفهم وإنما كتوجيه منهجي ينير السبيل الذي يسلكه الوعي في رصد موضوعاته. وهذه التأسيسات القبلية تعتبر أن المواضيع التي يقصدها الوعي وأن النصوص التي يؤولها القارئ ليست مواضيع أو نصوص مستقلة ومعطيات مطلقة، وإنما هي "آفاق منصهرة" من تأويلات وقراءات آنية تشكلت في الحاضر وأخرى تأسست في الماضي. وعليه ينخرط "التراث" Tradition بكل إمكانياته وكموناته الدلالية والرمزية والتأويلية والتاريخية في آنية الحاضر. تصبح كل قراءة لنص أو أثر فني هي قراءة وتأويلا للتراث، ما دام هذا النص أو هذا الأثر هو نسيج علاقات تأويلية وخطابية مثبتة تشكلت في التاريخ.ويتخذ النص أو الأثر بذلك صورة وعاء قد احتوى على تأويلات وخطابات ورؤى ومناهج سابقة ليحتوي أيضا على افتراضاتنا الخاصة وتأويلاتنا وقراءاتنا الراهنة.
11 اللوفر متحف الفن والجمال اللوفر هو متحف الجمال والروعة والجلال، إنه جمال اللون وروعة التناسق وسمو وجلال المشاهد التصويرية، وتلك المساحة المميزة من حرية التأمل التي يمنحها متحف اللوفر لزواره. يعود أصل اللوفر إلى العام 1190م، حيث قام فيليب أوجست بتشييد حصنه وقلعته على ضفاف نهر السين بباريس عاصمة فرنسا ، ولقد أخذت القلعة اسم المكان الذي شُيدت عليه، لتتحول لاحقا إلى قصر ملكي عُرف باسم قصر اللوفر قطنه ملوك فرنسا وكان آخر من اتخذه مقرا رسميا هو الملك لويس الرابع عشر، والذي غادره إلى قصر فرساي عام 1672م، تاركا اللوفر ليكون مقرا يحوي مجموعة نادرة وفريدة من التحف الملكية. فكرة متحف اللوفر بدأت يوم بدأ الملك فرانسوا الأول ملك فرنسا آنذاك بجمع مختارات فنية جديدة مكونة من اثنتي عشر لوحة ثم تابع ابنه هنري الثاني وزوجته كاثرين دي ميديشي عملية إثراء المجموعة بأعمال مميزة، وفي زمن الملك لويس الرابع عشر كانت حصيلة المجموعة قد وصلت إلى 2500 قطعة وتحفة فنية، ظلت هذه المجموعة خاصة لمتعة البلاط الملكي الحاكم فقط ، وذلك حتى قيام الثورة الفرنسية عام 1789م، فأدرك الملك لويس السادس عشر آنذاك أهمية تحويل القصر إلى متحف، ليُفتتح المتحف في 10 أغسطس 1793م. ويعد اللوفر أكبر متحف وطني في فرنسا بل وفي العالم كله. يدخل الزائر إلى متحف اللوفر من خلال هرم زجاجي ضخم تم افتتاحه في عام 1989م، وأهم أقسام المتحف القاعة الكبرى التي شيدتها الملكة كاثرين دي ميديشي في القرن السابع عشر، وتحتوي القاعة على العشرات من اللوحات النادرة لعباقرة الرسامين، تتصدرها تحفة ليوناردو دا فينشي الموناليزا الشهيرة أو الجيوكوندا، وأيضا من روائع لوحات القاعة وجه الملك فرانسيس الأول للرسام الإيطالي الكبير تيتيان، وإلى يمين القاعة الكبرى هناك قاعة ضيقة يُعرض فيها بعض لوحات الرسام الفرنسي تولوتريك الذي اقترن اسمه بمقهى المولان روج. وفي قاعة أخرى من المتحف يمكن مشاهدة لوحة زيتية شهيرة هي لوحة تتويج نابليون الأول للرسام الفرنسي جاك لوي ديفيد، واللوفر كما هو الآن أكبر متحف في العالم، بعد إتمام مراحل التوسيع المتواصلة فيه والتي بدأت في سنة 1984م، واستمر العمل فيه حتى بداية سنة 1998م ليأخذ شكله النهائي الذي هو عليه الآن، وتبلغ المساحة المخصصة للعرض 60 ألف متر مربع، والمتحف مُقسّم إلى أجزاء عدة حسب نوع الفن وتاريخه. ويبلغ مجموع أطوال قاعاته نحو 13 كيلو متر، وهي تحتوي على أكثر من مليون قطعة فنية نادرة ورائعة سواء كانت لوحة زيتية أو تمثالاً. واللوفر يستقبل سنويا أكثر من خمسة ملايين زائر. وينقسم المتحف جغرافيا إلى ثلاثة أجنحة "ريشليو، دونون، سولي" تنقسم بدورها إلى عشر دوائر، ومن الأقسام والمدارس الفنية التي يضمها المتحف، المدرسة الفنية الإيطالية والفرنسية والهولندية والفلمنكية والانجليزية، وبالمتحف مجموعة نادرة وفريدة من الآثار الإغريقية والرومانية، هناك كذلك الآثار الشرق أوسطية من الحضارة المصرية القديمة ومن حضارة بلاد الرافدين العريقة والتي يبلغ عددها 5664 قطعة أثرية، بالإضافة إلى لوحات وتماثيل يرجع تاريخها إلى القرن الثامن عشر الميلادي. وكأن الزائر إلى اللوفر يسبح وسط أمواج عقل إنساني فيه كل اللاوعي الجمعي للبشرية بتناقضاته المتباينة من لهو وجد، مرح وحزن، حلم ووهم، سكينة وقلق، أسطورة وحقيقة، وكثير من التوق الإنساني للخلود والذى هو محاولة سامية للارتقاء بالنفس البشرية عن كل الأدران والشوائب ممثلة في ذلك الفن الراقي النبيل المُعلّق على جدران أروقة اللوفر.
|