عودة إلى جسور

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

 

 

heda_romance@hotmail.com  راسلوني

 

 

   1  

الحب بوصفه

أهم الخبرات الإنسانية

 

تعد خبرة الحب من أهم الخبرات الأخلاقية وأخطرها في حياة الإنسان، وليس بين البشر مخلوق لم يلتق في حياته بذلك "الآخر" الذي أثار اهتمامه وعمل على تحويل انتباهه من الأنا إلى الأنت، والحق أن الحب ليس مجرد انفعال أو عاطفة أو وجدان، بل هو أولا وبالذات نية واتجاه وسلوك، والحب الحقيقي هو ذلك الذي يرى في الأخر شخصا يحب لذاته، دون أن يتخذ منه أداة أو وسيلة لإشباع أنانيته أو إرضاء ميوله الذاتية ، ومن هنا نرى أن كلمة الحب لا تكاد تنفصل فى معناها عن كلمة الإيثار، على شرط أن نفهم من الإيثار أنه تحوّل تام لاهتمامات الشخص من دائرة الذات أو الأنا إلى دائرة الآخر أو الأنت.

ولنحاول عقد مقارنة سريعة بين الحب والعدالة لنرى إلى أي حد تختلف طبيعة الحب عن طبيعة العدالة، وهنا نرى أننا بإزاء قيمتين أو فضيلتين مختلفتين، ففي حين أن العدالة لا تهتم إلا بحقوق الآخر ومطالبه المشروعة، نجد أن المحبة تهتم بالشخص نفسه وتعنى به لذاته بغض النظر عن حقوقه واستحقاقه وقيمته، فالحب يتجه أولا وبالذات نحو الوجود الشخصي للكائن المحبوب، وحينما قال أرسطو قديما قولته المشهورة بأنه لو سادت المحبة أو الصداقة بين الناس لما احتاجوا إلى القانون، وقد كان يعنى بذلك أن المحبة تشمل العدالة وتطويها تحتها، أو لعله كان يعنى أن قانون المحبة لا يلغى قانون العدالة بل يطويه ويتجاوزه ويعلو عليه.

الدلالة الميتافيزيقية لخبرة الحب

وكما ميّزنا المحبة عن العدالة، فلابد لنا أيضا من أن نميّزها عن الشفقة، فالشفقة تنطوي على معنى التألم أو التعاطف مع ما قد يوجد لدى أي شخص بشرى من مظاهر ضعف أو مرض أو فقر وما إلى ذلك، في حين أن المحبة لا تتجه نحو مثل هذه المظاهر، بل هي تتجه بطبيعتها نحو القيم، وحتى حينما تتجه محبتنا نحو شخص ضعيف أو مريض أو فقير، نجد أن ما نحبه لدى هذا الشخص لا يمكن أن يكون هو ضعفه أو مرضه أو فقره، بل هو شيء آخر يكمن وراء كل هذا ، فالمحبة في صميمها إحساس قوى بالقيمة الحقيقية للشخص البشرى، خصوصا حين تجيء بعض العوامل الخارجية أو الداخلية فتهدد تلك القيمة ومن ثم تتجه المحبة بطبيعتها نحو إنقاذ تلك القيمة أو العمل على صيانتها .

ومن هنا نجد أن للمحبة طابعا ايجابيا يتمثل في بذل الذات بأسرها من أجل إنقاذ "إنسانية" ذلك الشخص المعذّب الذي ينطوي في ذاته على شيء جدير بالبقاء.

وهنا تبدو لنا خبرة الحب خبرة أصيلة فريدة، فالحب فعل من أفعال التجاوز أو التعالي لأنه ينطوي على عملية امتداد أو توسيع للخبرة الذاتية والوجدان الشخصي .

بيد أن الحب لا يعنى الامتزاج أو التطابق التام، فمن طبيعة فعل الحب أن يوسّع من عالم خبراتنا، وأن يثرى مضمونها بمضامين أخرى جديدة، دون أن يكون من شأنه القضاء على المعادلة الشخصية لأي طرف من الطرفين، أو محو إحدى الذاتين في الذات الأخرى تماما، بل هناك فعل وجداني نعلو فيه على ذاتنا الخاصة، ونعمد إلى الاهتمام بمصالح الآخر كما لو كانت مصالحنا تماما .

الحب الشخصي يتجه أولا وبالذات نحو القيم

الكثير من فلاسفة الأخلاق وعلى رأسهم ماكس شيلر ونيكولاى هارتمان، يحدثوننا عن الحب الشخصي أو حب الشخص للشخص، فيقولون لنا انه أعمق شكل من أشكال الحب لأنه يكشف عن فضيلة الشخصية الواحدة حين تتفتح للشخصية الأخرى.

والحق أن من طبيعة الشخصية أن تنشد التحقق وإلا لبقى وجودها مغلقا على ذاته، لكن لابد في الوقت ذاته لكل شخصية من أن تنشد ذلك الآخر الذي يمكن أن توجد له، ومن هنا فان الشخصية الأخرى هي وحدها التي يمكن أن تشبع تلك الحاجة إلى التحقق، وكأنما هي القطب الآخر الذي يكتمل به معنى الشخصية الواحدة، وإذا كان في الحب سرMystery ، فما ذلك السر سوى قدرته العجيبة على إشباع هذا النزوع العميق الباطن في أعماق الشخصية الفردية، وآية ذلك أن المحب يقدم للمحبوب هبة كبرى حين يوفر له هذا البعد الجديد الذي يضمن له أن يوجد لذاته بعد أن كان مجرد موجود في ذاته، ومعنى هذا أن الحب الشخصي يسمح للشخصية الفردية بأن تكتشف معناها الذاتي في شخص الآخر.

وربما كان من أهم مميزات "خبرة الحب" أنها تخلق بين الشخصين المتحابين جوّا أخلاقيا من نوع خاص، ألا وهو جو الألفة والتفاهم، فليس الحب مجرد تعاطف خارجي أو سطحي، بل هو علاقة حميمة يسقط معها كل افتعال أو تكلف. وهذا الموقف الشخصي الفريد يوسّع بالضرورة من دائرة الشخصية ويسمح لها بالتسامي إلى درجة عليا تستطيع معها أن تحتضن الكيان الشخصي للذات المحبوبة، وبالتالي تكون كل مشاركة ينطوي عليها الحب لابد وأن تؤدى بالشخصين المتحابين إلى التسامي فوق مستوى وجودهما الشخصي. ومعنى هذا أن خبرة الحب هي التي تكشف عن الطابع اللانهائي للمصير البشرى لأنها تظهر ذلك الجانب الخفي المجهول من شخصية الفرد.

القيمة الأخلاقية للحب بوصفه أعلى الفضائل

إن كثيرا من فلاسفة الأخلاق ليقولون أن الحب فضيلة الفضائل لأنه ينطوي في صميمه على قيمة أخلاقية كبرى ألا وهى إرادة الخير أو النية الطيبة، وليس من شك في أن الحب فضيلة ايجابية إلى أقصى حد لأنه في جوهره إثبات وإحياء وبناء، فهو لا يكاد يعرف الرغبة في التملك أو النزوع نحو السيطرة على الآخر لأنه حب إيثاري.

والحق أننا لو أمعنا النظر إلى القيمة الأخلاقية للحب لاستطعنا القول بأن هذه القيمة رهن بالنشاط الإبداعي للحب نفسه بوصفه فعلا أخلاقيا من الدرجة الأولى، حيث أن مهمة الكائن المحب هي العمل على استنهاض الكيان الأخلاقي للكائن المحبوب من أجل رفعه إلى مستوى المثل الأعلى والوصول به إلى الصورة العليا التي تبدت للكائن المحب منذ البداية.

والحب الحقيقي لا يمكن أن يخلو من عملية تحقق أو اكتمال تتم عبر هذا التفاعل الحي بين الإرادتين المتحابتين.

الحب الحقيقي هو فيما وراء السعادة والشقاء

إذا كان هناك من الناس من يتحدث عن سعادة الحب، نجد أن هذا الوصف لا ينطبق تماما على خبرة الحب، وآية ذلك أن الشحنات الوجدانية التي تنطوي عليها هذه الخبرة لا تتطابق مطلقا مع انفعالات الغبطة والسرور، إن لم نقل بأن السعادة نفسها أمر ثانوي فى الحب، والحق أن الحب يجمع بين اللذة والألم ، بين النشوة والعذاب ، بين السعادة والشقاء، وربما أعجب ما في الحب أنه حين يبلغ درجة معينة من العمق الوجداني، نجد أن الألم والسرور عندئذ لا يلبثان أن يستويا، وهذا هو السبب في أن عذاب المحبين قد يصبح مصدر سعادة لهم، كما أن سعادتهم قد تصبح مصدر ألم لهم، أو لعل الأقرب إلى الصواب أن نقول أن القيمة الوجدانية المميزة للحب تقع فيما وراء كل من السعادة والشقاء، معنى هذا أن الصبغة الوجدانية للحب تشتمل على مضمون روحي خاص. وإذا كانت خبرة الحب لا تخلو من ألم وعذاب، فهذا الألم وذاك العذاب هما الثمن الباهظ الذي لابد للمحبين من أن يدفعوه للحصول على تلك الدرجة العليا من المشاركة ، وليست حياة الحب سوى حياة روحية يقضيها المرء في التعرف على ما هو جدير حقا بالمعرفة، أعنى أنها حياة مشاركة يتعلّق فيها الإنسان بأسمى وأرفع ما في الإنسان .

وإذا كان للحب الشخصي قيمة أخلاقية كبرى فى حياة الإنسان، فذلك لأنه يخلع على الوجود البشرى عمقا ومعنى وقيمة فيكسبه بذلك اتجاها وقصدا وغاية.

 

   2  

بحث في المشكلة الأخلاقية

 

في الآونة الأخيرة أضحت مادة الأخلاق - مع الأسف الشديد- أقل مادة فلسفية تحظى باهتمام الباحثين بينما ظفرت المسائل السياسية والأيديولوجية والاجتماعية بالقسط الأوفر من الاهتمام وأصبح الاهتمام بالمشكلات الأخلاقية مجرد حديث يتجاذبه رجالات التربية دون أن يحاولوا إثارة القضية على الصعيد الفكري البحت ولم يكن من قبيل الصدفة أن تكون (الأخلاق) هي آخر مادة فلسفية تناولتها أقلام المفكرين العرب في الأعوام الأخيرة إذ قد وقر في نفوس الكثيرين أن حل المشكلة الاقتصادية سيكون هو الكفيل  بحل المشكلة الأخلاقية وكأن التفكير في الأخلاق مجرد ترف فكرى لا يذكر إلا في  الأزمات!!!

وأمّا الذين ارتأوا أن المهم في الأخلاق هو القدوة والمثال لا الأحاديث والأقوال فقد راحوا يعلنون عدم جدوى الأخلاق النظرية بحجة أنْها مبحث عقيم لا غناء فيه ولا طائل تحته وهكذا قذف بمادة الأخلاق إلى زوايا النسيان.

بيد أن بعض رجالات الفكر الإنجليزي المعاصر أمثال مور واير واستيفنسون لم يلبثوا أن حوّلوا اهتمام فلاسفة الأخلاق نحو اللغة المستخدمة في كتابات أهل الأخلاق الفلسفية فراح الباحثون يحللون القضايا الأخلاقية ويكشفون عن طابعها الوجداني ويقارنون بينها وبين اللغة المستخدمة في العلم أو المنطق مثلا،
وهكذا تحوّل اهتمام الباحثين من المشكلة الأخلاقية بمعناها المحدد إلى مشكلة أخرى ميتا - أخلاقية ألا وهى مشكلة لغة الأخلاق.

وكان من نتائج هذا التحوّل أن دعت الحاجة إلى التمييز بين الجانب العلمي للمشكلة الأخلاقية أي جانب النظرية الأخلاقية من جهة والجانب العملي أو التطبيقي للمشكلة ألا وهو جانب الحياة الخلقية من جهة أخرى ومن ثم فقد استحالت الأخلاق إلى ميتا - أخلاق وحلت مشكلة اللغة الأخلاقية محل مشكلة الحياة الأخلاقية.

ولئن يكن من العسير على الباحث المنطقي أن ينكر أهمية تلك الدراسات اللغوية إلا أن أحدا لا يتصور أن تقضى مثل تلك الدراسات اللغوية على صميم المشكلة الخلقية بوصفها إشكالا حيا يعيشه موجود تاريخي لا يكاد يكف عن التساؤل "ما الذي ينبغي لي أن أعمله" فليس في استطاعة الأبحاث المنطقية التي يجريها بعض الفلاسفة على لغة الأخلاق أن تقضى بجرة قلم على المشكلة الخلقية الحقيقية بكل ما تنطوي عليه من جدية وخطورة وقلق.

بيد أن ظاهرة التهرب من الذات قد حدت بالكثيرين إلى العمل على إسقاط المشكلة الأخلاقية من حسابهم الخاص فقضت على الحياة الباطنية للكائن البشرى وجعلت منه إنسانا خاويا
والواقع أنه إذا كان ثمة شيء قد أصبح الإنسان المعاصر مفتقرا إليه، فما ذلك الشيء سوى الوعي الأخلاقي الذي يمكن أن يوقظ إحساسه بالقيم.

وحسبنا أن نمعن النظر في حياة الإنسان الحديث لكي نتحقق من أنها سطحية وخاوية يعوزها عمق الاستبصار وينقصها كل إحساس بالمعنى أو القيمة خصوصا وأن الحياة الآلية الحديثة قد جعلت من وجود المخلوق البشرى وجودا مزعزعا لا سكينة فيه ولا تأمل بل مجرد حركة وسرعة وتعجل وقد لا تخلو حياة الإنسان الحديث من جهد ونشاط ولكنه جهد لا غاية له ونشاط لا هدف له، اللهم إلا إذا قلنا أن هذا الهدف هو التنافس الذي لا يخفي وراءه أي تأمل أو تفكير
وإذا حاول الإنسان الحديث أن يتوقف لحظة سيجد نفسه محمولا على تيار اللحظة التالية دون أن يملك من أمر نفسه شيئا
ولهذا أضحى الإنسان الحديث موجودا قلقا متهورا كما أصبح كائنا سطحيا لا شيء يلهمه ولا شيء يحرك كوامن وجوده الباطني.
والحق أن رجل الأخلاق هو على النقيض تماما من الرجل المتعجل المتهور
وقد كان القدماء يسمون الحكيم باسم الرجل العارف ولكنهم كانوا يعنون بالمعرفة هنا (الذوق) فكان الإنسان العارف في عرف القدماء هو الإنسان المتذوّق،
والفيلسوف الألماني الكبير نيكولاي هارتمان يشرح لنا معنى الإنسان المتذوق فيقول إنه المخلوق ذو البصيرة الذي يصح أن نطلق عليه رائي القيم.
ولو أننا فهمنا الأخلاق بمعناها الواسع لكان في وسعنا أن نقول أن رجل الأخلاق هو ذلك الإنسان الذي يتمتع بقوة نفاذة تعينه على تذوق قيم الحياة بكل ما فيها من وفرة وامتلاء
ونستطيع أن نقول إننا هنا بإزاء حساسية أخلاقية تتفتح لشتى ضروب الثراء الكامنة في الحياة وتنفذ إلى أعماق القيم الباطنة في الوجود.

وليست مهمة فيلسوف الأخلاق سوى أن يأخذ بيد الإنسان الحديث لمساعدته على استرداد تلك الحاسة الأخلاقية حتى يعاود النظر من جديد إلى عالم الأشياء والأشخاص بعين نفاذة ترى القيم وتدرك المعاني وبذلك ينفتح أمامه ذلك العالم الروحاني الذي أغلقه هو نفسه في وجه نفسه.

وإذا كان الكثير من الفلاسفة قد درجوا على تصوّر الأخلاق بصورة العلم المعياري الذي يحدد لنا السلوك الفاضل أو ما ينبغي أن يكون فمن واجبنا أن نضيف أيضا أن الأخلاق فلسفة علمية تفتح أمام الإنسان ملكوت القيم وعلى ذلك فالأخلاق لا تلقننا بعض الأحكام الجاهزة بل هي تعلمنا دائما كيف نحكم وتوجّه انتباهنا نحو العنصر الإبداعي في ذواتنا فتتحدانا طالبة إلينا في كل مرة أن نلاحظ ونحدس ونتكهن وتدعو الإنسان إلى التصرف في كل مناسبة وفق ما يقتضيه الموقف بحيث يجيء سلوك الإنسان سلوكا أصيلا جديدا مبتكرا.

فالفلسفة الأخلاقية لا تريد أن تحتبس الإنسان داخل بعض الصيغ الميتة الجامدة بل هي تريد له أن يتقدم باستمرار نحو المزيد من الحرية والمسؤولية والقدرة على توجيه الذات.

وإذا كان الكثيرون قد توهموا بأن الأخلاق لا تزيد عن كونها مجرد نداء الواجب وأنها تصدر بعض الأوامر والنواهي وتضع بعض الوصايا والقواعد فمن واجبنا أن نقول أن رسالة الأخلاق الحقيقية هي تحويل العالم من المرتبة الطبيعية البحتة إلى المرتبة الاكسيولوجية (الأخلاقية) الحقيقية وليس معنى هذا أن الإنسان هو خالق القيم إنما الإنسان هو همزة الوصل الوحيدة بين الواقعة والقيمة فهو الجسر الحقيقي الذي تعبر فوقه الطبيعة لكي تستحيل إلى ملكوت القيم،
والحق أن للأخلاق الفلسفية وظيفة إيجابية إلى أعلى درجة لأن واجبها أن تربى المربّى نفسه حتى يصبح أهلا لتربية النشء وهذا ما فطن إليه أفلاطون قديما حينما قال أن الأخلاق هي مربية الإنسانية.
معنى هذا أن الأخلاق تضطلع بمهمة المساهمة في إيقاظ الإحساس بالقيم لدى الإنسان، وسيبقى المربون الحقيقيون قلة دائما ولكنهم بلا شك ملح الأرض على حد تعبير السيد المسيح عليه الصلاة والسلام.
لأنهم وحدهم الذين يرون ثم يعلّمون الآخرين كيف يرون.
 

   3  

اليوتوبيا بين الحقيقة والخيال

تشير دلالة مصطلح يوتوبيا (Utopia) إلى العديد من المفاهيم والمعاني المتعلقة بأحكام القيمة المطلقة والنسبية، ويشير المعنى العام إلى اليوتوبيا باعتبارها الحالة الصحيحة التي (ينبغي) أن يكون عليها الوضع السائد حالياً.

ويسود الفهم والاعتقاد بأن أصل كلمة يوتوبيا يعود إلى الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، ولكن ما هو مؤكد وثابت أن الكاتب الانجليزي توماس مور هو أول من استخدم مصطلح يوتوبيا، الذي ورد عام 1515 في تسمية روايته المتعلقة بالجزيرة الخيالية. وبرغم ذلك فهناك من يرى ارتباطاً بين مصطلح Utopia الانجليزي، ومصطلحات الإغريقيين القدماء: مصطلح أوتوبوس (Ou-topos)  ومعناه اللامكان، ومصطلح إيوتوبوس (eu-topos)  والذي يعنى مكان الخير والفضيلة.

وقد ارتبط هذان المصطلحان الإغريقيان بكتاب «المدينة الفاضلة» الذي ألّفه الفيلسوف اليوناني أفلاطون، بحيث أصبح الكثيرون يربطون بين مضمون جمهورية أفلاطون، وفكرة اليوتوبيا.

وقد ارتبطت اليوتوبيا بحركة الفكر الإنساني، وحاول الكثير من المفكرين والفلاسفة بناء اليوتوبيات، باعتبارها النموذج الأمثل الذي يجب أن تسعى الإنسانية إلى تحقيقه، ويمكن تقسيم هذه اليوتوبيات على النحو الآتي:

-  يوتوبيا الفلسفة: وتقوم على الافتراض الفلسفي الذي يستند على حركة الذهن التجريدية في عملية بناء النماذج الافتراضية، ومن أبرزها: جمهورية أفلاطون، دولة المدينة لأرسطو، والمدينة الفاضلة للفارابي.

- يوتوبيا الدين: وتقوم على الربط بين الوسيلة والغاية، بحيث تكون طاعة الدين هي الوسيلة الإلهية اليوتوبية، وتمثل فكرة (الجنة) اليوتوبيا الدينية التي يسعى إلى الوصول إليها كل المتدينين في هذا العالم.

واليوتوبيات الدينية ليست حكراً على اليهودية، أو المسيحية، أو الإسلام، فهناك أكثر من 100 كتاب مقدّس في هذا العالم، منها على سبيل المثال: كتاب الفيدا الهندوسي، والأفيستا الزرادشتي، وغيرها من الكتب الأخرى التي مازال بعضها موجوداً في الكثير من الأديان، مثل الكونفوشيوسية، والبوذية، والشنتوية. إن كل كتاب مقدس من هذه الكتب يبشر أتباعه بـ (جنة خاصة)، ويخيرهم بين حياة الشقاء، وحياة النعيم.

- اليوتوبيا الأيديولوجية: وتقوم على الربط بين الوسيلة والغاية، ولكن بشكل مادي، ومن أبرزها: (المجتمع الشيوعي) الذي بشّرت به الأيديولوجية الماركسية، و(المجتمع الرأسمالي) الذي بشّرت به الأيديولوجية الليبرالية.

لن تتوقف ثقافة اليوتوبيا، طالما أن (الحلم) كامن في أعماق النفس البشرية، وأيضاً لم يعد التبشير باليوتوبيا من مهمة الأديان والمصلحين الاجتماعيين فقط، بل أصبح الأمر يرتبط بالكيانات الدولية العملاقة، وها هي الكيانات الرأسمالية الكبرى تبشر الشعوب بـ (يوتوبيا) العولمة باعتبارها المخرج من الشقاء والمدخل لجنة النعيم والرفاهية والحياة السعيدة.

كل الشواهد تؤكد استحالة استغناء الإنسان نهائياً عن الحلم واليوتوبيا، والوقوف عند واقع بعينه، كما وتؤكد استحالة القضاء على كل ما في الروح الإنسانية من نزوع نحو التجديد والكمال. وهذا النزوع اللامتناه نحو الكمال هو الذي يجعل الوعي عاجزاً على الدوام عن الاقتناع أو التوقف أو الركون إلى واقع بعينه، آملاً بأنه لابدّ أن يرقى إلى ذلك الكمال الأقصى، الذي يخاطبه بلغة الرجاء والحلم، بالرغم مما يعتريه أحياناً من شك وتردد وارتياب.

سيظل الواقع الإنساني مهما تقدم، حقيقة غير ناجزة مكتفية بنفسها، مغلقة على ذاتها. فالعالم يظل ناقصاً من جهة طموح الإنسان، دون أن يحقق كفاية مقاصد الأخير اللامتناهية؛ إذ سرعان ما يجد الوعي الحر ثغرة في نسيج العالم القائم، ويجد نفسه مدعواً إلى التعالي على الوضع القائم، مؤمناً على نحو ضمني بإمكان عالم أكثر كمالاً يتجاوز النقص الموجود. فنراه يسلّط عليه نقداً قاسياً وينسب إليه كل تأخر وعجز ومحدودية، ممهّداً بذلك لفكرة جديدة. هكذا هو الحال بالنسبة للوعي اليوتوبي حين يؤمن بالتقدم المستمر واللامتناه. نفهم من ذلك أن هذا الوعي يظلّ قائماً على إيمان لامتناه بأنه في طريق مفتوح إلى كمال لايحدّه حد، وأنه صائر على نحو مستمر إلى التحكم بمصيره وبمستقبله.

إن عالماً أجمل وأفضل محتمل التحقق في زمن مقبل، يعدّ تعبيراً عن رغبة الإنسان إلى عالم مثالي وتنطوي هذه الرغبة على نقد ورفض ونزوع نحو تخطي العالم القائم. إنه سعي إلى صياغة العالم على نحو يتفق وتلك المقاصد الإنسانية. وهذه الثقافة هي التي تخلع على العالم القائم تلك الأهمية من القدسية والأبدية وحتى المعقولية، ومهما حاول أعداء المثالية طرد فكرة اليوتوبيا من الوعي البشري، بزعم الواقعية العملية السائدة، فإن الحاجة إلى اليوتوبيا تظلّ قائمة في صميم الوجود الإنساني.

 

   4  

الأخلاق

بين النسبية والإطلاق

 

 

قد تكون أول مشكلة تواجه فيلسوف الأخلاق هي مشكلة المبادئ الأخلاقية نفسها، خصوصا وأن كلمة المبادئ تشير في العادة إلى معاني الضرورة والكلية والثبات... والواقع أنه كثيرا ما يقال أن العصر الذي نعيش فيه لم يعد عصر مبادئ  أخلاقية مطلقة وقيم أزلية ثابتة بل قد أصبح عصر مرونة وتساهل ونسبية.

ولاشك أننا إذا ربطنا الظاهرة الأخلاقية بعجلة التغيّر الاجتماعي وإذا سلّمنا مع بعض رجال الأخلاق والقانون بضرورة اصطناع ضرب من المرونة في الحكم على شتى أنماط السلوك الفردي فإننا قد نجد أنفسنا مدفوعين إلى دفع كل القيم الأخلاقية بطابع النسبية. ولكن المشكلة ليست بهذا القدر من السهولة لأن دفع كل القيم الأخلاقية بطابع النسبية لن يلبس أن يصيب الحقيقة الأخلاقية في الصميم وبالتالي سيؤدى هذا إلى بلبلة الرأي العام الأخلاقي.

ولو سلّمنا بأن الأخلاق "علم" وإذا اعترفنا في الوقت نفسه بأن من شأن كل علم أن ينطوي على مجموعة من الحقائق العامة التي تتسم بطابع الصدق فلابد لنا من التسليم بأن علم الأخلاق ينطوي على مجموعة من الأحكام الأخلاقية التي لا تصدق بالنسبة إلى فرد بعينه بل تصدق بالنسبة إلى الأفراد جميعا في كل زمان ومكان .
والواقع أن كل عصر وكل مجتمع إنما يضعان تحت "مفهوم الإنسان إنسان "هذا العصر" أو "هذا المجتمع" لا "الإنسان المطلق" أو "الإنسان بصفة عامة".

اختلاف الشرائع الأخلاقية هل هو "اختلاف مطلق"؟

نحن لا ننكر أن تاريخ الحضارة البشرية حافل بالشرائع الأخلاقية المختلفة والمعايير الاجتماعية المتباينة، ولكننا نلاحظ أن الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة قد كشفت لنا عن وجود تقارب كبير بين هذه الشرائع الأخلاقية المختلفة، فمثلا قد تختلف الشرائع الأخلاقية في حكمها بحق الرجل البالغ في الزواج من واحدة أو أكثر ولكنها تتفق جميعا على أنه ليس من حق الرجل أن يتزوج أية امرأة شاء في أي وقت شاء.
وربما اختلفت الشرائع الأخلاقية أيضا في تحديد "الحالات " التي يكون فيها الكذب أهون الشرّين، ولكنها تجمع بلا استثناء على اعتبار "قول الصدق" في الحالات العادية عملا أخلاقيا صائبا .
والواقع أنه على الرغم من وجود شرائع أخلاقية متعددة فليس ما يمنع من إمكان قيام "شريعة أخلاقية مطلقة".

وربما كان الأصل في الخلاف المستمر بين فلاسفة الأخلاق حول المبادئ الأخلاقية وهل هي نسبية أو مطلقة، هو وجود خلط مستمر في أذهان الكثيرين بين مبادئ الأخلاق من جهة وأساليب السلوك من جهة أخرى.

والحق أنه مهما يكن من أمر تغير الظواهر الأخلاقية ، فمن المؤكد أن الشرائع الأخلاقية لا تمثل مجموعة من القواعد التعسفية أو الاعتباطية، بل هي مبادئ إنسانية عقلية تستمد أصولها من قاعدة أولية عامة وهى احترام الشخص البشرى وتقديس القيم الإنسانية .

ضرورة التمييز بين "المبادئ الأخلاقية" و"قواعد السلوك"

صحيح أن معظم السلطات الأخلاقية قد لقيت في الأيام الأخيرة الكثير من أسباب الضعف أو الوهن، فأصبح الناس يميلون إلى اعتبار الأخلاق مجرد مجموعة من "المواضعات النسبية المتغيرة"، ولكن هذه "الظاهرة" لا تمنعنا من التمييز بين المبادئ الأخلاقية وقواعد السلوك.

ولهذا راح فلاسفة الأخلاق يدعون المربين والمصلحين إلى مساعدة النشء على إدراك المبادئ التي تكمن من وراء قواعد السلوك، حتى يفطن أبناء الجيل الحاضر إلى وجود "قوانين أخلاقية مطلقة" تكمن وراء شتى المواضعات الاجتماعية المتغيرة. ولعل هذا ما عناه أحد فلاسفة الأخلاق حينما كتب يقول (إنه لابد للقائمين على شئون التربية من الأخذ بيد النشء من أجل مساعدتهم على التمييز بين السلوك الذي يمكن أن يتغير بتغير الظروف وبين تلك المبادئ التي لابد أن تصدق في كل زمان ومكان).

دور الانفعالات في تأكيد نسبية الأخلاق

يعترض دعاة النسبية على القول بأخلاق مطلقة فيقولون أن الأحكام الأخلاقية في جوهرها أحكام وجدانية تستند الى العواطف وترتكز على الانفعالات وبالتالي تختلف من فرد لآخر، بل قد تختلف لدى الفرد الواحد باختلاف حالاته الوجدانية، وأصحاب هذا الرأي يؤكدون مع العلامة الانجليزي وستر مارك أن الانفعالات هي المصدر الحقيقي لمعظم أحكامنا الأخلاقية بدليل أن عواطف الاستحسان أو الاستهجان هي الأصل في الكثير من "الأحكام الأخلاقية" التي نحكم بها على أفعال الآخرين .

على أننا حتى لو سلّمنا مع بعض أصحاب هذا الرأي بأن الأحكام الأخلاقية أحكام وجدانية ترتكز على العواطف وتستند إلى الانفعالات فإن هذا الرأي لا يدفعنا بالضرورة إلى اعتبار الأحكام الأخلاقية مجرد أحكام نسبية، وآية ذلك أن فلاسفة الأخلاق وعلى رأسهم ماكس شيلر ونيكولاى هارتمان قد أثبتوا لنا "الطابع الأولي المطلق" لأحكامنا الأخلاقية، على الرغم من اعترافهم في الوقت نفسه بالصبغة الوجدانية المميزة لتلك الأحكام، وهذا ما عبّر به ماكس شيلر حينما كتب يقول (إننا حتى لو نظرنا إلى المظهر الوجداني للحياة النفسية - ألا وهو ذلك المظهر الذي يتمثل في انفعالنا وتفضيلنا وحبنا وكراهيتنا ومشيئتنا.. الخ - لوجدنا أن لهذا المظهر الانفعالي نفسه طابعا أوليا أصيلا يعبّر عما يصح تسميته باسم "العنصر الوجداني الأوّلى")، وليس هذا العنصر الوجداني الأوّلى مجرد عاطفة هوائية متقلبة بل هو نشاط انفعالي حدسي ندرك بمقتضاه القيم ونستطيع عن طريقه معرفة الخير والشر .

الأخلاق بين "التعدد" و"الوحدة"

يعود دعاة النسبية إلى الاعتراض فيقولون أن كل الدلائل شاهدة على تعدد الشرائع الأخلاقية، دون أن يكون في إمكاننا اكتشاف أية "وحدة"حقيقية بين كل الاتجاهات الأخلاقية المتباينة وبالتالي فإنه ليس ما يشهد بوجود حقيقة أخلاقية مطلقة. والحق أننا لو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن هناك أخلاق شجاعة وأخلاق طاعة، كما أن هناك أخلاق كبرياء وأخلاق تواضع... الخ. وكل هذه الاتجاهات الأخلاقية إنما هي دليل على أن البشرية لم تعرف يوما "وصايا أخلاقية مطلقة" أو "معايير أخلاقية ثابتة"، معنى هذا أن فكرة الوحدة الأخلاقية متضمنة منذ البداية في تلك الكثرة الهائلة من المذاهب الأخلاقية .

القيم الأخلاقية: هل هي نسبية أم مطلقة؟

الحق أن للقيم "وجودها الخاص" بدليل أنها تفرض نفسها على كل وجدان بشرى بطريقة أولية حدسية. وقد يحتج أحدنا على هذا الرأي فيقول "ليس جميع الناس يدركون القيم وليس جميعهم يستطيعون التمييز بينها مما يدل على أنها ليست قيما مطلقة بل هي مجرد ظواهر ذاتية نسبية". وللرد على هذا الاحتجاج نقول أنه من المؤكد أن المسئول عن عجز بعض الأشخاص عن إدراك القيم أو التمييز بينها إنما هو "العمى الأخلاقي" الذي قد يرجع إلى انعدام النضج أو نقص التربية لدى هؤلاء الأشخاص، فالضعف الذي يتسم به بعض الناس من حيث مدى إحساسهم بالقيم إنما هو ظاهرة سيكولوجية لا يمكن أن تطعن في موضوعية القيم .

ومن هنا فقد يصح لنا أن نقول أن الإحساس بالقيم يسير جنبا إلى جنب مع نضج "ملكة التمييز" لدى الفرد ونمو القدرة على الفهم لدى البشرية .

والحق أن القيم نفسها لا تتغير، وإنما الذي يتغير هو إدراكنا لها أو نفاذ بصيرتنا إليها .
وهنا يقرر فيلسوف الأخلاق الألماني نيكولاى هارتمان أن للأخلاق طابعا مطلقا يتجلى فيما تتسم به "القيم" من كلية وضرورة وموضوعية وآية ذلك أنه إذا تهيأ للمرء القسط اللازم من التربية الأخلاقية فإن إحساسه بالقيم لابد من أن يمكنه من إدراك المعايير الأخلاقية الأساسية، وبالتالي فإنه لابد من أن يصل إلى درجة من "النضج النفسي" يستطيع معها تكوين إدراك شامل للقيم.

 

   5  

 

 

  Bookmark and Share

التذوق وتربية

الذوق الجمالي

لا يمكن أن يقوم علم الجمال الذي يدرس الأحكام الجمالية الصادرة على الظواهر الجمالية بدون أن يكرّس الباحثون مجهوداتهم لدراسة أحد أهم عناصر التجربة الجمالية ألا وهو عنصر التذوق، فحكمنا على الشيء بالجمال يعنى أننا قد نفذنا إلى باطنه وتذوقناه وحدث ضرب من التماس الوجداني بيننا وبينه وليس معنى هذا أن التذوق تجربة صوفية غامضة تتحد فيها الذات مع الموضوع بل إن الذات من خلال لحظات التذوق تتعاطف مع الموضوع لإدراك معناه والكشف عن تراثه الفني ومدى ما يتكشف فيه من إتحاد بين الشكل والمحتوى. فالمتذوق يصدر حكمه على العمل الفني كما أنه يضع نفسه موضع الفنان الذي أبدعه وكأنه يمتلك الأثر الفني ويتعاطف معه.

وحقيقة الأمر أن المرء لا يتذوق العمل الفني إلا إذا كان متأملا ومشاركا في نفس الوقت لأن التأمل وحده هو نظرة سطحية تقف عند الحدود الباردة لمناخ العمل الفني فلا تحتك بالجهد الخلاق الذي يكمن وراء ظاهرة التعبير الفني.

فما هي إذن حقيقة التذوق الفني وما هي مواقفه إزاء الموضوع الجمالي ؟

يشير علماء الجمال إلى مواقف أو خطوات متتالية ومتداخلة يمر بها المتذوق فيكتمل لديه الإحساس بجمال الموضوع وتذوقه.

وقد أجمل باير هذه المواقف فيما يلى:

1 ـ التوقف أي توقف مجرى الفكر العادي لمثول شيء غير مألوف أمام الذات .
2 ـ العزلة ونعنى بها استئثار الموضوع بكل انتباهنا بحيث يعزلنا عن العالم المحيط بنا ويجعلنا نحيا بداخله وننفصل عن العالم.

3 ـ  إحساسنا بأننا ماثلون أمام ظواهر لا حقائق ومن ثم فإن اهتمامنا ينسحب على شكل العمل الفني وأسلوب أدائه.
4 ـ الموقف الحدسي وهو أْن الموضوع الماثل أمامنا يوقف عمليات البرهنة والاستدلال العقلي ويدفعنا إلى الحدس المباشر.

5 ـ الطابع العاطفي أو الوجداني بمعنى أن الموضوع الفني الماثل أمامنا يثير فينا أحاسيس وانفعالات خالصة وبسيطة.
6 ـ التداعي، قد تثير هذه الانفعالات ذكريات ماضية لنا فنشعر بالتأثر.

7 ـ التقمص الوجداني أو التوحد وهو أن نضع أنفسنا موضع الأثر الفني فتتحقق بيننا وبينه مشاركة وجدانية أو محاكاة باطنية، وهذا هو ما يجعل أنفسنا تشعر بآلام أبطال المسرحية على - سبيل المثال - ويظهر على قسمات وجوهنا ما يشير إلى تقمصنا لمواقف أبطالها والتوحد معهم.

ونلخص هذه المواقف باْن نقول إن المتذوق يبدأ بالسيطرة على الموضوع الجمالي ثم يستنير الموضوع أمامه تدريجيا وهنا تبدأ الذات في التراجع والتنحي عن امتلاك الموضوع ويأخذ الموضوع دوره في السيطرة على المتذوق فيتحقق نوع من التعاطف بينهما نتيجة للتقمص الوجداني.

تربية الذوق الجمالي:

التربية الجمالية إذن ضرورة لإصدار الحكم الجمالي ويحسن أن يتم البدء بها في وقت مبكر أي منذ مرحلة الطفولة حتى تتفتح ملكة الإحساس بالجمال لدى الطفل، والسمع والبصر هما الحاستان الجماليتان الأساسيتان اللتان يتعلق بهما الإحساس بالجمال وقد تتداخل الحواس الأخرى بينهما ولكن بدرجة اْقل.

وهناك ثلاث طرق يمكن بواسطتها التوصل إلى تكوين أحكام جمالية ناضجة.

1 - طريقة الإسقاط أو الحذف التدريجي لكل ما هو قبيح: أي البدء باستبعاد ما هو أكثر قبحا ثم الصعود إلى ما هو متوسط القبح حتى الوصول إلى خط الحياد بين ما هو قبيح وما هو جميل أي ذلك الشيء الذي نسميه بالعادي المألوف ويظل المتذوق في عملية الحذف حتى يستبين له الجمال وحين ذلك يحس بذبذبات الجمال تسرى في أعماق نفسه من خلال هذه الممارسة العقلية الصاعدة ولا تلبث هذه الخبرات الجمالية المتراكمة تدريجيا أن تعمل على توّلد معنى الجمال لديه...لكن الطفل لا يستطيع أن يطبق هذه الطريقة بمفرده إلا إذا كان معه من يساعده ويرشده من اْجل إنجاح تلك الطريقة.

2 - طريقة تكرار المثول أمام الموضوع أي تكرار مشاهدة الآثار الجميلة التي خلّفها القدماء كاليونان والرومان وكذلك الآثار الفنية في عصر النهضة كتلك التي أنتجها رفائيل ومايكل أنجلو، فهذه الآثار تكشف عن سمات الروعة والجلال والجمال وهذا من شاْنه أن يُحدث أثرا ايجابيا في إحساس الفرد وخياله فلا يملك إلا أن يُسلم إزاءها بما لها من روعة وجمال وتفرد، وهذا يصدق أيضا فيما يختص بالشعر والنثر فإن القارئ يستطيع أن يلمس بنفسه سمات الجمال في الإلياذة والأوديسا وفى أشعار فرجيل والمتنبي وأبى تمام والبحتري، وبتكرار ممارسته لعملية القراءة الواعية للشعر والنثر يتدرج لديه الحس الجمالي شيئا فشيئا في سلم النضوج الفني حتى يصل إلى مرحلة النضج والاكتمال وبالتالي تكون لديه القدرة على التذوق السوي للجمال والحكم عليه.

3 - الطريقة المقارنة

هذه الطريقة يُطبق فيها الباحثون المقارنة بين الآثار الجميلة والإنتاج الفني على ضوء ما لديهم من مواقف جمالية، فهم يلجئون عن طريق المقارنة إلى عملية تصنيف منهجي للأعمال الفنية المعروضة فيُلحقون كلا منها بمدرسة معينة أو بموقف معين ثم يُخضعون أعمال المدرسة الواحدة لدراسة مستوعبة وهذا ينتهي إلى تكوين حكم ذاتي للباحث على ما عاينه من أعمال فنية ولكنه حكم يتسم بالدقة المبنية على الدراسة والمقارنة.
لكن إتّباع هذه الطريقة النقدية لا يمكن أن يصل بالفرد للتذوق المتكامل للجمال إلا إذا كان لديه استعداد مسبق للتذوق نتيجة لخبرات جمالية متراكمة.

وعلى هذا فاكتمال حاسة التذوق الجمالي أمر ضروري بالنسبة للباحثين في علم الجمال ولغيرهم من المتذوقين على السواء.

أختم حديثي بالتأكيد على أن الحكم الجمالي إنما ينتج في الحقيقة من خلال الممارسة الفعلية للتذوق، أي التجربة الفردية البحتة والتي لا يمكن تعميقها إلا بالدراسة والممارسة كي يتألف في النهاية اللون الشخصي الفريد لأي حكم جمالي.

 

   6  

قيمة الألم

وأهميته  في حياتنا الروحية

 

إن خبرة الألم لا تقوم  بدور "المنبه" الذي يشعرنا بكياننا الفردي فحسب، بل هي أيضا حافز قوى يدعونا إلى الوحدة والانفصال. فهذه ذات متفتحة تتجاوب مع الآخرين، وتتجه بكل مشاعرها نحو غيرها من الذوات ولكنها على حين فجأة تتلقى ضربة عنيفة من ضربات الشر، فما هي إلا طرفة عين حتى نراها وقد انسحبت من العالم الخارجي  لكي تعانى في صمت  مرارة الألم وقسوة الوحدة.

وإذا كان كثير من فلاسفة الأخلاق وعلى رأسهم  كيركجارد قد غالوا في تقرير أهمية الألم، فذلك لأْنهم قد فطنوا إلى أن الآلام النفسية التي نعانيها  هي التي تخلع على وجودنا الشخصي كل ما له من فردية وأصالة. والواقع أن خبرة الألم  هي التي تبرز الجانب الشخصي من وجودنا، لأنها هي التي تضطر الذات في كثير من الأحيان  إلى الغوص في أعماق وجودها من أجل العمل على اكتشاف ما ينطوي عليه هذا الوجود من "قيم"، ومعنى هذا أن  الخبرات الأليمة  التي يعانيها المرء لابد من أن تندمج في صميم وجوده، فتصبح بذلك ثروة باطنة تدخرها الذات للمستقبل وتتسلح بها ضد ما يستجد من هجمات. وليس أدل على قيمة الألم في حياتنا الروحية من أنه قد يستحيل إلى أداة فعالة تزيد من خصب حياتنا النفسية وتعمل على صقل شخصيتنا، فإن خبرة الألم تمثل تجربة ذاتية تزيد من عمق حياتنا الباطنية لأنها تقوم بدور الأداة الفعالة التي تكفل لنفوسنا ما هي في حاجة إليه من تربية أخلاقية. ولعل هذا ما حدا بالفيلسوف الأخلاقي هارتمان إلى التحدث عن الألم بوصفه قيمة من القيم الأساسية.

الصلة بين "الألم" وعملية "تحقيق الذات":

علّق المفكر الروسي المعاصر برديائيف على الألم أهمية كبرى في عملية تكوين الشخصية، نظرا لأنه قد فطن إلى أْن تحقيق الذات فعل أليم لا يتم بدون عناء ومشقة ومقاساة، وإذن فإن قيمة الحياة الإنسانية ـ فيما يقول برديائيف ـ تنحصر أولا وبالذات في عملية تحقيقنا لذواتنا وعلونا على أنفسنا  وانتصارنا على شتى ضروب الحتمية  وهذه كلها جهود عنيفة تضطرنا إلى  تحمل الألم  وتقبل التضحية لكل من يريد  أن يجاهد  في  سبيل تحقيق ذاته. وهكذا نرى أن هذا الفيلسوف الذى رأى في التحرر السبيل الأوحد للوصول إلى مستوى الحياة الروحية الصحيحة قد جعل من الألم الجسر الضروري الذي لابد للذات من أن تمر به فى طريقها إلى الحرية.  وليست الحرية في النهاية سوى الروح نفسها: أعنى ذلك الفعل الإبداعي الذي ينبثق من أعماق أعماقنا حين نكون قد نجحنا فى تحقيق ذواتنا.

الصلة بين "الألم" و"الترقي الخلقي" لدى الفرد  والجماعة:

إن التاريخ البشرى شاهد على أن الإنسانية قد اضطرت إلى أن تجتاز أقسى التجارب وأقصى المحن من اْجل الوصول إلى مرحلة عالية من الرقى، والواقع أننا قد نكون على حق حين نقيس مدى رقى الجماعة  ـ كما هو الحال أيضا بالنسبة إلى الفرد ـ بما عانته من محن وما مر بها من تجارب. وبالنسبة للفرد فإنه لمن الواضح أن المقدرة على التألم هي ـ إلى حد ما ـ مقياس لقدرة كل فرد على التحضر والترقي، ولسنا هنا في مجال الآلام الحسية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمطالب الجسد العضوية، بل نحن في مجال الآلام النفسية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمطالب الشعور الخلقي، وهكذا تجيء ضرورات الترقي الخلقي أو النمو الروحي  فتفرض على الذات آلاما نفسية عديدة، إذ يشعر المرء بأن شخصيته لا يمكن أن تنمو وتترقى إلا إذا انصهرت في بوتقة الألم والعذاب، وهناك تجربة نفسية أْليمة كثيرا ما نعانيها  في حياتنا الروحية العادية، ألا وهى تلك التجربة التي يحياها الإنسان كل يوم حين تجيء أفعاله دون مراميه، أعنى حينما يشعر بأن ما يمتلكه  هو دون ما يريده بكثير، والأمر لا يحتاج إلى حس مرهف من أجل الشعور بهذه التجربة الأليمة وإنما حسب الإنسان أن يلقى نظرة عابرة على أفعاله العادية كي يدرك إلى أي حد يعمل الألم عمله في صميم الحياة الإنسانية الخلقية. ولاشك أن كل من يشعر بأن ثمة قوة باطنية تدفعه إلى الصعود والترقي  لابد من أن يعانى في الوقت نفسه هذا الألم  الذي لا علة له سوى شعور المرء بأنه دون ما يبغى بكثير.

الألم بوصفه قيمة خلقية تزيد من عمق حياتنا الباطنية :

لقد حاول الفيلسوف الألماني ماكس شيلر أن يظهرنا على الدلالة الروحية العميقة  للألم  فقال إن العلاقة وثيقة بين الألم والتضحية لأن الألم هو في صميمه تضحية بالجزء من أجل الكل، أو التضحية بما له قيمة دنيا من أجل ماله قيمة عليا، والصلة وثيقة بين الألم والموت لأن الألم موت للجزء، ولكنه موت يتحقق من ورائه إنقاذ الكل. كذلك يمكننا أن نربط الألم بالحب فنقول إن أية قيمة عليا لا يمكن أن تفرض علينا التضحية بقيمة أخرى دنيا إلا إذا كانت أْقدر منها على انتزاع حبنا، ومن هنا فإن الألم  هو الذي يضطرنا إلى أن نخضع حياتنا الحسية لنشاط روحي يتزايد سموا يوما بعد يوم، وحين يقول أفلاطون ومن بعده فلاسفة المسيحية إن الألم أداة تطهير فإنهم يعنون بذلك أن آلام الحياة هي الكفيلة بأن توجه بصرنا الروحي نحو الخبرات العليا والقيم السامية، فترتفع بنا إلى مستوى الطهارة القلبية الحقة التي هي ينبوع السعادة الروحية العميقة. والواقع أْن من شأن الألم أن يولّد في النفس تناقضا خصبا  يزيد من عمق حياتنا الباطنية، إذ تشعر الذات بتوتر حاد بين ما هي عليه وما تريد الوصول إليه،  أي بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ومثل هذا التوتر هو على حد تعبير الفيلسوف الفرنسى رنيه لوسن  R.Le Sene شعور بالقيمة، وليس معنى هذا أن الألم هو في حد ذاته خير، إنما قد يعود بالخير الكثير على الذات حين تستطيع أن تجعل منه أداة فعالة لتطورها الروحي وتنمية حياتها الباطنية.

وليس من شك في أن الموجود البشرى الذي اعتاد أن يقبل على اللذة ويعزف عن الألم لا يمكن أن يصبح "كائنا أخلاقيا" بمعنى الكلمة، اللهم إلا فى اللحظة التي ينفصل فيها عن حياة التلقائية والسهولة واللذة، لكي يتجه بكل قوته نحو حياة المجاهدة. وليست خبرة الألم سوى مظهر من مظاهر صراع الإنسان ضد ذاته وضد كل ما تنطوي عليه ذاته من عناصر ضعف أو وهن أو تخاذل أو قصور. وإذا كان الكائن الحي الواعي وحده الذي يتألم، فذلك لأن الحياة الواعية هي الصراع ضد كل إمارات الموت في وجودنا، بما فيها "الضعف الخلقي" الذي لابد من العمل على استئصال أسبابه.

 

   7  

الأمل

بوصفه خبرة سيكولوجية

لها دلالاتها الأخلاقية

 

قد تبدو كلمة الأمل ـ لأول وهلة - لفظا شعريا لا موضع له في كتابات الفلاسفة خصوصا لدى أولئك الذين يريدون لمصطلحاتهم الفلسفية أن تجيء مصبوغة بالصبغة العلمية الدقيقة ، ولكن من المؤكد أن كل أخلاق تستند إلى الإحساس بالقيم، ولا يمكن إغفال دلالة الأمل في حياتنا الخلقية العملية، وليس على ظهر البسيطة شخص لم يشعر يوما بأن الطريق قد أصبح مغلقا تماما أمامه، مثل هذا اليأس يعد ظاهرة بشرية عادية وموقوتة لأنه يمثل جوا خانقا لا تستطيع النفس البشرية - في نطاقه - أن تتنفس! ولو لم يكن الأمل  هو الجو الروحي الأوحد الذي تحيى في كنفه النفس الإنسانية لاختنق البشر جميعا منذ زمن بعيد.

الطابع "الإبداعي"  لخبرة "الأمل":

إن الكثيرين ليظنون أن الأمل خبرة سيكولوجية خاصة لا تنطوي على أية دلالات أخلاقية، لكن الحقيقة أن "الأمل" يكوّن جوهر الخبرة الأخلاقية  لأنه يمثل النسيج الأصلي للحياة الأخلاقية من حيث هي سعى دائب نحو تحقيق المثل الأعلى، والحق أن الأمل  هو اعتراف بأن الأفق مفتوح وإقرار بأن المستقبل لن يكون إلا كما نريد! وليس معنى هذا أن الأمل بطبيعته تهور واندفاع بل هو في صميمه خلق وإبداع لأنه يكشف لنا عن إمكانية "التغير". وهنا قد يعمد دعاة التشاؤم إلى صبغ كل مسعى أخلاقي  بصبغة الوهم أو الخيال ، وكأن المثل الأعلى بطبيعته ضرب من المحال ، لكن خبرة الأمل هي التي تجيء فتذكّرنا بأن "المخاطرة الأخلاقية" انطلاق نحو آفاق المستقبل البعيد. وربما كانت خبرة الأمل هي التعبير الوجودي الصريح عن الثقة الإنسانية العميقة بمعنى الحياة. وكأن الموجود البشرى يشعر في قرارة نفسه بأن "العبث" أو "اللامعنى" لا يمكن أن يكون هو الكلمة الأخيرة في دراما الحياة.

اليأس والعبث هما الواجهة الخلفية للأمل والقيمة:

الحق أن الموجود البشرى لا يمكنه أن يحيا إلا بمقتضى فعل دائب من أفعال "الأمل" ألا وهو ذلك الفعل الذي يعبّر عن إيمانه الحي بقيمة الوجود . فليس اليأس سوى الواجهة الخلفية لما اصطلح بعض الفلاسفة على تسميته باسم "انفعال الموجود بالحياة" أو "تعلق الكائن البشرى بالوجود"، ومعنى هذا أن اليأس نفسه لا يخلو من تعبير عن حب الحياة، مادام الإنسان الذي يمر بتجربة اليأس إنسانا مريدا يسعى جاهدا في سبيل التحرر من مظاهر الألم والصراع والقلق.

والواقع أن العبث ليس بأي حال من الأحوال "واقعة موضوعية" يلتقي بها المرء في صميم خبرته، بل هو أولا وبالذات "صفة " أو "كيفية" لا توجد إلا إذا أردنا لها نحن أن توجد، وذلك بمقتضى اختيارنا الحر! ومعنى هذا أن العبث يكشف عن "عمى إرادي" يمنع صاحبه من رؤية القيم المنبثقة من جذور العالم والتاريخ.

ولمّا كان الإنسان يتمتع بحرية السلب والإنكار فإنه كثيرا ما يستخدم تلك الحرية في إغلاق عينيه عن رؤية أسباب الأمل ومظاهر القيم. وليس الأمل مجرد "واقعة محضة" أو "منحة" تجود بها علينا الطبيعة، بل هو كسب تحققه الحرية الإبداعية حين تعرف كيف تحيل "المثل الأعلى" إلى "واقعة"، وكيف ترقى بالواقعة - في الوقت نفسه - إلى مستوى المثل الأعلى، فمثل هذه الحرية لا تصبو إلاّ إلى "القيمة" أو "المثل الأعلى" أو "الغاية القصوى"، وهذا هو السبب في أنها تستشعر دائما رغبة عارمة فى العمل من أجل المستقبل، لأنها تدرك أن الأمل لا ينصب إلا على المستقبل. فهل يمكن أن يقوم أمل لو كانت الحياة مجرد "ماض" قد انقضى أو "حاضر" هو في طريقه إلى الزوال؟!.

الإنسان المعاصر بين التشاؤم النظري والتفاؤل العملي:

إن مشاعر القلق والعبث والغربة والضياع واليأس، مشاعر متواكبة قلّما يسير الواحد منها بمفرده، وذلك لأن اليأس هو النتيجة الطبيعية التي لابد من أن تفضي إليها حياة خاوية قد خلا منها كل إيمان ضمني بالقيم .ومهما كان من أمر الفلسفات التشاؤمية التي تشدّد على نغمة اليأس وتعمل على تأكيد نبرة القلق، فإن كل حياة إنسانية سوية لابد من أن تجد لنفسها حلا واقعيا لمشكلة الشر الخاصة بها ، ولعل هذا ما عناه الطبيب الفيلسوف ألبيرت شوايتزر حينا قال (إننى إذا كنت متشائما نظريا، فإنني متفائل عمليا). والحق أن الحياة وحب الحياة أمران لا ينفصلان ومن هنا فقد فطن علماء النفس وفلاسفة الأخلاق إلى ضرورة العمل على استعادة أسباب اتصال الإنسان بالعالم  حتى يضمنوا للموجود البشرى ضربا من التكامل والتواصل بينه وبين العالم، وربما كان من بعض مزايا خبرة الأمل أنها تعيد للإنسان وشائجه القوية بالعالم والآخرين، فتضمن له ضربا من الثقة بالمستقبل والإيمان بالآخرين. وحين تتحقق "الوحدة" بين "العالم الأكبر" و"العالم الأصغر" فإن من المؤكد أن الحياة لابد من أن تكتسب "معنى" في نظر الإنسان، ولاغرو فإن تجربة الأمل تزود الكائن الأخلاقي  بطاقة روحية هائلة، فتزيد من إيمانه بالقيمة العليا للوجود والتي تكفل وحدها تحديد الدلالة الكونية للإنسان.

وليست "المثالية الأخلاقية" سوى هذا الإيمان القوى الفعال من أنه لابد للإنسان من أن يصبح - في خاتمة المطاف - على نحو ما يريد أن يكون، وأنه لابد لكل مخاطرة أخلاقية من أن تأخذ على عاتقها مسؤولية المستقبل دون تردّد أو تخوف أو ارتياب.