Google
 

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / مسموح بالنقل مع الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني

 

إنشاء الله

قالت محدثتي المستعربة:

يبدو أن لغتكم تعاني من ضمور في صياغة المستقبل، مقارنة بالفرنسية مثلا، التي تعجّ بتصاريف عديدة لتحديد المستقبل (مباشر، قريب، بعيد، بسيط، شرطي..) فلولا "سوف وابنها سين التسويف" لأصبح المستقبل العربي في خبر "كان" ثم أضافت بدعابة ساخرة: وماذا تفعلون بالمستقبل، مادمتم تملكون "إنشاء الله".

لا أنكر أن هذا الحوار الطريف استفزني، وبدأت أقلب الذاكرة عن تصاريف لغوية لزمن المستقبل، وكان الأمر عبثيا وسخيفا، ففي لهجاتنا المحكيّة!! تبدو الحالة أشد بؤسا ومرارة، وكأن تلك اللهجات، تبرأت حتى من "سوف وابنها سين"!! فاللهجة المصرية ابتكرت دينامية خاصة للتعبير بإدغام "حـ" (حـ نقول، حـ نمشي، نأكل..) والشامية ألزمت الفعل بـ "راح نأكل" راح نروح.. إلخ ماعدا ذلك تصبح لغتنا خرساء. حتى عبارة (إنشاء الله) التي تملك شحنة مستقبلية للتعبير، فدلالتها، متلوّنة وحربائية، وذات طبقات دلالية مركّبة؟

إنشاء الله، تعني الهيمنة اللاهوتية على المستقبل، والإيعاز بتركه إلى مقدر الأقدار، الذي لن يصيب إلا بما كتب. والحديث عن المستقبل هو مادة للمنجمين وراجمي الغيب، والتحكم فيه وتقريره هو اعتداء سافر على المشيئة الإلهية!! من هنا تقول كتب الرياضيات الوهابية: الخطان المستقيمان المتوازيان لا يلتقيان إلا بمشيئة الله؟
لكن الحياة العملية، والتكرار، جعل من العبارة، لازمة لغوية، تعني في أحسن الأحوال: (لا شيء). وأحيانا تعني الرفض المؤدب، أو التهرب من المسؤولية، وهنا تمارس لغة الضاد، وظيفتها كأداة للتمويه والمخادعة، وتتستر على الكسل والعشوائية، بمزيد من التوكّل والتثاؤب.
هذا عن الطبقات الأركيولوجيا القديمة "لإنشاء الله"، لكن الحقبة الأخيرة، قامت بتسييس العبارة، ومنحها مسبحة الصلاة، وزجّها ضمن مفردات الصحوة وفي قواميس بنوك النهب الحلال.

لقد صعقت في زيارتي الأخيرة للقاهرة، فإنشاء الله أصبحت تحشر نفسها في كل مكان، وأذكر أني سألت صاحب كشك لبيع الصحف والكتب عن مكان الفندق الذي أضعت طريقه. أجابني (بعد أن مسح لحيته بيده، وصلّى وسلم وتعوّذ وشكر وحمد): على اليمين إنشاء الله؟
لا أدري، قلت في نفسي سأتذرع ببعض البلاهة، كوني سائحا غريبا، وأثرثر معه، ما استطعت سبيلا قلت:
لماذا على اليمين إنشاء الله؟ فإما أن يكون على اليمين أو لا يكون تلك هي المسألة (عذرا لشكسبير) ولا أظن أن الله سينقل مكان الفندق إلى شارع آخر؟
ابتسم الرجل بمكر، وأحس من هندامي وبحلقتي المستمرة في عناوين كتبه، بأني زبون افتراضي (وصيد ثمين) ومهما بلغت التقوى والعفة والورع، فإن الإنسان لا يريد أن ينام بمعدة خاوية، والدين الذي يدل على تجارة تنجي من عذاب أليم، أصبح دكانا لتجارة تنجي من أمور أخرى.

قال الرجل (بعد أن اختصر ابتسامته وأعاد زبيبته المزدوجة إلى مكانها الطبيعي):
إن الله قادر على كل شيء يا أخي، ولو أراد أن ينقل الفندق لفعل؟

قلت له بخبث: أنت متأكد أن الفندق على اليمين؟ أم أن الله نقله إلى شارع آخر !؟

أجاب: بالتأكيد هو على اليمين، ولم ينقله أحد
قلت له: وما أدراك أن الله لم ينقله إلى شارع آخر! أليس هذا تدخلا بمشيئة الله ورجما بالغيب؟
شيئا فشيئا، ازدادت أريحية الرجل، وازداد ثقة، ومرحا، وأخذ يعرض أمامي بعض الكتب المفقودة في الأسواق، وما يخفيه الباعة من كتب الملاحدة الملاعين، وبالصدفة وقع نظري على عنوان فقررت أن أشتريه، وعندما سألته عن السعر قال لي: ستون جنيها إن شاء الله.

 

kraitt@jusur.net

حوار مع الرئيس الحالي

أم مع الرئيس القادم؟

د. حسن نافعة*

تبدو مصر في اللحظة الراهنة سفينة مبحرة في بحر هائج، يقودها ربان عجوز يصر على الجلوس في قمرة القيادة رغم علامات إرهاق تنطق بها ملامحه، ورغم مشاعر القلق التي بدأت تنتاب الجميع. ولأن أحداً لم يعد يعرف للسفينة المبحرة وجهة محددة، فقد بدأت همهمات الركاب تعلو من كل الجنبات دون أن نتبين منها شيئاً يمكن أن يسهم في البحث عن مخرج ينقذها من مصير بائس يترصدها. فها هي الانتخابات التشريعية والرئاسية الحاسمة تقترب من موعد استحقاقها بسرعة وسط حالة من السخط العام دون أن يظهر في الأفق ما يشير إلى استعداد حقيقي من جانب أى طرف، حكومة ومعارضة، بالتعامل مع استحقاقاتها بالجدية المطلوبة.

فالبيت الرئاسي لا يبدو منشغلاً بشيء قدر انشغاله بكيفية وتوقيت نقل السلطة من الأب إلى الابن، وحكومة رجال الأعمال ماضية في تصرفاتها العابثة والمستهترة، والمعارضة ليس لديها ما تقدمه سوى الصراخ والاحتجاج، وتبدو مشغولة بالصراعات الصغيرة فيما بينها أكثر من انشغالها ببلورة رؤية جادة لإنقاذ الوطن مما هو فيه.

تملكني هذا الشعور مرارا أثناء متابعتي تقارير صحفية ركز بعضها على أمور تتعلق بالرئيس الأب، بينما ركز بعضها الآخر على أمور تتعلق بالرئيس الابن، وبدا أن بينهما رابطاً لا أظن أنه يمكن أن يخفى على فطنة القارئ. فقد حفلت الصحف العالمية هذا الأسبوع بمجموعة تقارير وتحليلات تستند إلى معلومات استخباراتية في الأساس تركز على الحالة الصحية للرئيس الأب، وتُجمع على أنها تتدهور بسرعة أكبر مما كان متوقعاً، ونشر موقع «المصريون» على الشبكة العنكبوتية تقريراً يشير إلى انشغال الرئيس الابن بدراسة تقرير أعده مستشاروه ينصحونه فيه بإجراء اتصال مباشر مع أحزاب وقوى المعارضة، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، بهدف إدارة حوار حول: «ماذا تريد المعارضة من الرئيس القادم»؟.

قد يرى البعض في التزامن بين ما نُشر في الخارج حول صحة الرئيس الأب وما نُشر في الداخل حول نوعية القضايا التي تشغل الرئيس الابن هذه الأيام مجرد مصادفة تجعل من الربط بينهما تعسفاً لا مبرر له. غير أن المشكلة لا تكمن في تزامن النشر حول الموضوعين بقدر ما تكمن في أنهما يصبان في اتجاه واحد يوحى بالاعتقاد بأن عجلة الترتيبات لمرحلة ما بعد مبارك الأب بدأت تدور بالفعل.

لم يحدث من قبل أن تواترت أخبار مثيرة للقلق حول صحة الرئيس بمثل ما حدث في الأسبوع الماضي. فبعد قيام مصر بتأجيل موعد زيارة بنيامين نتنياهو بدأت صحف إسرائيلية تكشف تفاصيل عن تدهور الحالة الصحية للرئيس، استناداً إلى معلومات استخباراتية. غير أن الأمر لم يتوقف عند الصحف الإسرائيلية وإنما امتد ليشمل صحفا بريطانية وأمريكية جادة ومؤثرة تناولت الموضوع نفسه بطريقة مثيرة، بل ومتجاوزة أحياناً. فقد اعتراني ما يشبه الذهول حين طالعت في إحدى الصحف الأمريكية الجادة مانشيتاً كبيراً يقول: «مبارك: جثة تمشى على قدمين». وكان لافتاً للنظر تخصيص مجلة الإيكونوميست البريطانية عدداً عن مصر والسعودية تتصدر غلافه صورة للرئيس مبارك في هيئة فرعون يغوص في رمال صحراء متحركة حول أهرامات الجيزة.

ومن المفارقات أن الصورة التي رسمتها الأوساط الغربية عن «الجثة التي تمشى على قدمين» أو «الفرعون الغائص في رمال الصحراء»، تناقضت بشكل حاد مع صورة سعت مصر الرسمية للترويج لها تظهر الرئيس مبارك وهو يتدفق صحة وحيوية أثناء ممارسته نشاطه المعتاد بينما «يلهث وراءه معاونوه». لا أظن أن هناك جدوى من الدخول في مقارنة جدلية حول قضية المصداقية، ولأنني لست من المصابين بعقدة الخواجة ولا من المبهورين بنموذج ليبرالي غربي أعتقد أنه سقط في أوحال حرب غير مشروعة شُنت ظلما على العراق، والتعذيب الذي شهدته سجون جوانتانامو وأبو غريب، فمن الطبيعي ألا أستبعد احتمال أن تكون المعلومات الواردة في هذه التقارير منقوصة وكاذبة ومضللة. غير أن هذه الحقيقة لن تنتقص شيئاً من حجم البلبلة التي تثيرها في الأذهان بسبب ما يتسم به النظام في مصر من غياب كامل للشفافية.

فمن الطبيعي أن يربط المواطن المصري في ذهنه بين هذه المعلومات وبين حقائق أخرى كثيرة تضفى عليها مصداقية، منها: تقدم الرئيس في السن، إقامته شبه الدائمة في شرم الشيخ، تعرضه منذ سنوات لحالة إغماء أثناء إلقائه خطاباً في مجلس الشعب يُبث على الهواء مباشرة، إجراء عملية جراحية كبيرة له مؤخرا في ألمانيا، خلو نشرات الأخبار من متابعة يومية لنشاطه مثلما اعتاد من قبل، وكلها شواهد توحي بأن الحالة الصحية للرئيس لم تعد على ما يرام، وأن وظائفه في النظام السياسي أصبحت مقصورة على الجوانب «البروتوكولية» فقط. ورغم خطورة هذه المسألة، التي تتعلق بمستقبل الوطن ومصيره ككل، فإن المؤسسات الرسمية تتعامل معها ببلادة وباستخفاف لا يليقان ببلد كبير كمصر.

فإذا انتقلنا لاستعراض الوجه الآخر، في حال ثبوت صحة التقرير المشار إليه، الذي يبدو فيه الرئيس الابن مشغولاً بإعادة صياغة علاقة النظام بالمعارضة، يمكن أن تكتمل الصورة. فاللقاءات المزمع عقدها مع المعارضة تستهدف، وفقاً للنص الوارد في «المصريون»، الاتفاق على مجموعة من الترتيبات المتعلقة بمستقبل الحكم وضمان انتقال هادئ للسلطة وتفادى دخول مصر في مرحلة من الفوضى إذا ما قرر الرئيس حسنى مبارك عدم الترشح لانتخابات الرئاسة في العام المقبل واختار الحزب أمين السياسات خلفا لوالده. وتطمئننا الصحيفة الإلكترونية بأن الحوار المرتقب سيجرى «بدون خطوط حمراء»، وسيتضمن «وعوداً بتهيئة المناخ السياسي لممارسة أكثر ديمقراطية».

بل إن التقرير يدخل في التفاصيل الإجرائية للطريقة المقترحة لإجراء اللقاءات حين يشير إلى أن البداية «ستكون مع الأحزاب الشرعية، وفى مقدمتها الوفد والناصري والأحرار والتجمع، ثم الأحزاب الصغيرة، وانتهاء باللقاء مع الأحزاب وحركات المعارضة التي تقود الحراك السياسي في الشارع». ثم يضيف: «ويستحوذ الحوار مع الإخوان على اهتمام كبير، حيث من المقرر أن يخضع مسبقاً للدراسة على مستوى الخبراء داخل الحزب لبحث أهم النقاط التي ستتم إثارتها خلاله، وفى الوقت ذاته يتم إجراؤه بشكل لا يبدو اعترافاً بهم كجماعة شرعية، وحتى لا يقال إنه حصل على ضوء أخضر منها لخلافة والده في السلطة».

ليس من المستبعد مطلقاً أن يكون لهذا الكلام أساس قوى من الصحة. فكثيرة هي المؤشرات على تصاعد قلق النظام من المحاولات الجارية حالياً لضم صفوف المعارضة والسعي لتوحيد موقفها في الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة. ورغم أن النظام الحاكم يدرك، في تقديري، طبيعة الصعوبات التي لا تزال تكتنف هذه المحاولات، إلا أنه يعتقد أن الشوط الذي قطعته المعارضة على طريق توحيد الصفوف وتنسيق المواقف بات ينذر بالخطر ويفرض، من ثم، تحركاً سريعاً لوقف ما يعتبره «تحالف المعارضة مع الدكتور البرادعي».

ومن الواضح أن التكتيك المقترح من جانب الحزب الوطني يقوم على التمييز بين صفوف المعارضة، بتصنيفها إلى شرعية وغير شرعية، وإبداء الاستعداد لتقديم عروض مغرية للمعارضة الشرعية تضمن انسلاخها عن الباقين، ثم التعامل مع جماعة الإخوان بمفردها واستخدام أسلوب العصا والجزرة في مواجهتها لمنعها من الالتحام ببقية صفوف المعارضة.

غير أن أخطر ما توحي به هذه الصورة يكمن في أن الحوار المقترح لن يدور مع «الرئيس الحالي» أو حول الضمانات التي تطالب بها المعارضة من أجل نزاهة الانتخابات التشريعية أو الرئاسية المقبلة، وإنما ستدور مع «الرئيس القادم» وحول ما ستطلبه منه بعد التثبيت وليس قبله. ومعنى ذلك أنه على المعارضة أن تسلم أولاً بأن تتحاور مع «الرئيس القادم» وأن عليها أن تتعامل معه منذ الآن بهذه الصفة، ولا بأس من أن تتقدم له بمطالب يمكن أن يعد ببحثها بعد أن يتم تعميده رسمياً.

وإذا صحّ هذا الاستنتاج فمعنى ذلك أن الحزب الوطني بصدد التفاوض مع المعارضة حول صفقة مفادها القبول بالدخول في انتخابات شكلية تسفر عن فوز جمال بالموقع الرئاسي وعدم التشكيك في شرعية انتخابه، مقابل تنازلات تقدم لاحقاً قد يكون من بينها القبول بتعديل المادة ٧٧ لقصر مدة الرئاسة على ولايتين فقط، ورفع حالة الطوارئ، وتوسيع نطاق الحريات، وربما إعادة تشكيل لجنة الانتخابات لتصبح أكثر استقلالاً وتوسيع نطاق صلاحياتها لضمان انتخابات تالية أكثر نزاهة وشفافية.

والسؤال: هل يمكن أن تنجح محاولة خبيثة من هذا النوع وتلتقط المعارضة الطعم الممدود في المصيدة المنصوبة أمامها؟ آمل ألا تنسى المعارضة أن الحوار الذي قد تكون مستعدة له هو فقط مع «الرئيس الحالي»، وليس مع «الرئيس القادم»، وأن الهدف الرئيسي منه هو الحصول على ضمانات حقيقية لانتخابات حرة ونزيهة يتم بموجبها انتخاب النواب الحقيقيين لممثلي الشعب في مجلس الشعب القادم، ورئيس جديد للدولة في عام ٢٠١١ يعبر فعلاً عن إرادة الشعب، شريطة ألا يكون اسمه معروفاً سلفاً!

..........................

* كاتب مصري

...........................

* موقع جريدة المصري اليوم

 

 

  Bookmark and Share

 

للتعليق على الموضوع

أضف

المقال

 

postmaster@jusur.net

 

حدث الصفحة

هنا النمسا  /  من نحن

تلفزيون جسور

أحوال مصر

المحبوسة

سكينة فؤاد