![]()

![]()
أكثر من رأى10/ اسماعيل النوايسه |
|
د. اسماعيل النوايسه |
|
1 من صميم الواقع والخيال*
تمهيد الرواية:
نشأت هذه الرواية من صميم الواقع والخيال. ورأيتهما "حلماً في يقظة" وأردتهما "يقظة في حلم". وتكون اليقظة في "استغلال الطاقة العقلية الجماعية" وصقلها أيما صقل. لأن خلاص الفرد والأمة لا تكون له مكانة إلا في "شراكة العقل الجماعي" وما تفرزه من "عقل خاص"، وهذا يعني القيادة القانونية التي تقوم على رأي الأكثرية، وحبها للوطن يكون عذرياً ومجرداً من حب المناصب، بل تعرف جيداً بأن هلاك "العامة" لا يكون إلا بعدم قدرتها على الفهم والفرز والتحليل والنهوض في المجتمع، وتعمل بتدبير وتفكير مع الاعتماد على رأي الأكثرية في ظل حرية الرأي والقانون العادل واحترام الإنسان وخصوصيته. رأيت سبيل الخلاص للفرد والأمة يكمن في "مادة طاقتها العقل"، وكالبذرة أشبه في الجماد تحتوي على طاقة "موضعية" سرعان ما تتحول إلى طاقة "حركية" عند ملائمة الظروف، حيث تتغير وتتخذ أشكالاً حتى تحقق نفسها. ورأيت أنه كلما أشبعت "طاقة العقل" بحثاً تصقلها أيما صقل، وكلما زدتها فكراً "أينعت" وزادتك علماً ومعنى. رأيت في العقل إماماً إن "صدقته" صدقك. رأيت العقل في الأمة أمنها واقتصادها. رأيته في حرية الرأى والقانون والعدالة والمؤسسة ورأى الجماعة. رأيت الأمة لا تصلح إلا بصلاح عقلها حتى تكون قادرة على مواكبة التقدم والحداثة والإبداع. ومن ثم التجارب واكتساب الخبرة والاستنتاج مع التمسك في القيم الاجتماعية التي ثبتت أصالتها وقدرتها على النهوض في المجتمع وامتزجت في دماء وروح الأمة، وأقرها العقل السليم والعادات السليمة، ويكون تشخيص الخطأ والصواب لسلوك الأمة ذو طابع أخلاقي ويرتكز على مصداقية مع "حيادية الشعور". لأن الشعور لا يتعدى دوره أكثر من "دور الناقل" إلى العقل، والعقل هو القادر على الفرز والتحليل والتقييم، وكلما كان التقييم والفرز جماعياً كلما كانت النتائج أفضل، ويكون التشخيص للمشاكل العالقة بعيداً عن أساليب المخاصمة و"الإرجاف" أي الإساءة المقصودة، ولكن عن طريق الحكمة والمجادلة الحسنة، مع سلامة النية ومصداقيتها من أجل الأمة ومستقبلها، وبعيداً عن حب السلطة واقتناصها من أجل إشباع المآرب الشخصية أو الطائفية أو القطرية على حساب مستقبل الأمة، ولابد من تسخير العلم والطاقة اللغوية لأن الفكر في اللغة والعلم هو في واقع الأمر "طاقة" قد تولد طاقة إبداعية مثمرة من أجل مستقبل الأمة الواحدة. وحث الكتاب الكريم على التعامل عن طريق الحكمة والمجادلة الحسنة، كما جاء في سورة النحل "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" صدق الله العظيم، سورة النحل، آية 125. إن الإصلاح لابد من أن يشمل الاهتمام في اللغة العربية وإبعادها عن الشرذمة والتبعية، ذلك لأن اللغة هي الكنز الحافظ للجواهر الأدبية والتحف التراثية الفنية، وهي حافظة عقل الأمة، وقد حافظ العرب قبل الإسلام على اللغة العربية بالرغم من وقوعهم تحت التبعية الفارسية والرومانية، وقس ما بعد الشعر الجاهلي عليه، وازدهرت اللغة أثناء العصور الإسلامية، وبدأت في عصرنا هذا وللأسف ظاهرة التشرذم والتبعية اللغوية. نعم إنه لا مانع من استعارة المصطلحات العلمية وتقريبها من الفهم قلباً وقالباً، ولكن حذاري من التبعية اللغوية ومن ثم القومية. وعودة إلى الآية الكريمة فإن لها ظاهراً يسهل فهمه وباطناً ينطبق عليه القول بأنه "السهل الممتنع" فالحكمة والقدرة على إعطاء النصيحة الحسنة واختيار المجادلة الأحسن لا تحصل إلا بعد إجهاد العقل في التعليم والممارسة مع إشراك الحس والشعور في طريقة المعاملة لإنجاح هذا الثالوث، وهو إعطاء الحكمة والنصيحة الحسنة واختيار المجادلة الأحسن، والحكمة هي خلاصة تجارب العقل، والرأي هو قناعة الفكر، والفكر هو معرفة ماهية الأشياء ووضعها تحت قياس العقل، وإن لم يكن جوهر الأشياء المطلق ولكنه أصلح ما يمكن الاعتماد عليه، والحكمة كالجواهر في الأصداف لا ينالها إلا الغواص الحاذق، وهي سلم إلى الأصل فمن عدمها عدم الوصول إلى مسببها، وقال أرسطو "الحكمة أس الممدوحات وكفاها فضلاً أن الجهل ضدها". ومن هنا ندرك أهمية اللغة القصوى وما تحتويه الكلمات من معاني. أما مختصر قصتي فهو كما يلي: قد يكون الخيال ظل الحقيقة، وقد يكون الوهم غذاء الخيال، وإذا سيطر الوهم على "الخيال" والتبس مع الشعور فإنه يسوق العقل إلى الضمور ويصبح المنساقين مثل "طابور النمل" الكل يسير في اتجاه واحد، ومن سار معاكساً للاتجاه يصبح في عداد المفقودين، وقليلون هم الذين يرجعون إلى جوهر العقل ويصقلون فهمهم أيما صقل. وقصتي هذه لم تأتي من لا شيء، وإن كان غزلها خيال فله واقع يعيش في مجتمعنا العربي، واخترت أن أصنع من الشيء والخيال نادي ثقافي، وأسميته نادي الشيخ وضاح، وهذه كنية لشخص ما يهدف إلى تشخيص الأخطاء والأمراض الاجتماعية من صميم الواقع العربي، ومن ثم يبحث عن العلاج الناجع، وأشخاص النادي هم شرائح اجتماعية مختلفة من حيث المهنة والسلوك والإدراك، فمنهم الطبيب والمهندس ورجل الدين وشيخ القبيلة والتاجر والمزارع والفيلسوف وراعي الغنم، وأسمائهم عربية ونعوتهم عربية. وشعوب الأرض فيما يتعلق في الحياة بعد الموت "ذوي اعتقاد" ولكنهم يختلفون في التركيبة العربية لما لدي العربي من صعوبة الانقياد بغير "وازع من نفسه" وهو وإن تأقلم مع الحياة الحضرية يبقى في داخله شيئاً من خشونة الصحراء، ويبدو هذا الشعور بعلو الهمة وحب التنافس على السلطة والنقاش في المشاكل السياسية مع منافسيه من أبناء وطنه، حيث يرى أنه صاحب الحق وغيره في ضلال وهو لا ينصاع إلا لوازع نزل من السماء، حيث استطاع الدين الإسلامي أن يصنع من العرب أمة ذات بأس وصولة وقوة تحت توحيد الوازع النفسي والقناعة الذاتية، بأن الأمر لله وحده وأن الجميع أخوة في الله، لا ظالم ولا مظلوم، وعندما بدأ هذا الوازع يضعف شيئاً فشيئاً عاد إلى تركيبته التي جبل عليها، يفاخر بعلو همته ونجاحه كفرد، ولكن من غير عقل الجماعة والذي من دونه لن تقوم لأمة عصرية قائمة، وسوف يتعذر صنع الحضارة التي تقوم على الذات بعد غياب الوازع النفسي، والذي كان سبباً في انتفاضة الأمة على طريق المجد والتقدم، وأصبح الإنسان العربي بعد غياب هذا الوازع غير قادر على إيجاد البدائل القادرة التي تدفع الأمة إلى طريق الوحدة والحرية والتقدم والعمل، من أجل المجتمع المتكامل المتكافل في السراء والضراء، والمؤمن في شراكة العقل الجماعي لإنجاح هذه المهمة الضرورية، من أجل مستقبل الأمة كلها والحفاظ على وحدتها وأمنها القومي، في خضم تصارع القوى على ثروتها، وفي ظل هذه التطورات الداخلية التي لا تبشر في الخير، وهي تشرذم الأمة تحت شعارات المذهبية والطائفية والتبعية وما شابه ذلك، مع أن الأمل لا يزال موجوداً وممكناً. والمحزن في الأمر والذي أصبح واقعاً ملموساً هو عدم القدرة على وحدة الصف، لأسباب في الداخل والخارج، وأما الأسباب في الداخل تعود للأنانية والطمع والتسلط مدعومة في الأسباب الخارجية، والتي ترى خطراً على مصالحها وخطراً على مصالح أصدقائها، والذين ترتبط معهم في رباط روحي كما هو الحال في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العرب خاصة وتجاه العالم الإسلامي. ورأيت الخلاص في الاعتماد على القدرات الذاتية وذلك في استغلال الطاقة العقلية الجماعية والبناء عليها، ولابد من القناعة التامة وتحقيقها على أرض الواقع، وإن شئتم أثناء الحياة العاجلة أي الدنيا، لأنه لا آخرة لأمة ليس لها دنيا في كرامة العيش والعدالة وحرية الرأى والأخذ برأي الأكثرية، وكلنا يدرك أن السر بعد الموت مغيب، والملتمس باحثاً عن الحقيقة فيما بعد الموت بعقله "مخيب"، وليس لديه غير الاعتقاد والإيمان فيما أنزل الله على رسله وما تربى عليه منذ طفولته، وهذا لا يتعارض مع "حيادية الشعور" وترجيح العقل وإشغاله في صناعة الحاضر والمستقبل، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وقد لا يسلم من شذ عما وجد الناس عليه، ولابد له من أن يعتزلهم حتى يسلم من أذاهم لخروجه عما هم عليه، وقد حصل وما زال يحصل في كل المجتمعات البشرية، ولقد أعدم العالم الإيطالي قاليلو من قبل الكنيسة، لأنه ادعى أن الأرض كروية، وكان عقابه الموت على هذه المعرفة، وأدرك غيره أن خلاص الفرد والأمة لا يقوم إلا على المعرفة العلمية المجردة، والحقائق العلمية التي يمكن إعادة بنائها بعد هدمها كما كانت، واستطاع الغرب بعد أن أخذ ما أوجدته الحضارة العربية الإسلامية من اكتشافات علمية أولية أن يطور الحضارة الغربية الماثلة، وعرف كيف يسوقها على المستهلكين في الداخل والخارج، مع الاحتفاظ في سر الاكتشاف لصالحه الخاص، فكل المستهلكين مثلاً لديهم تلفون وسيارة وغيرها، مقابل الثمن الذي يدفعونه، ولكن "سر الصناعة" يبقى ملكاً لمن اكتشفه. وركز الغرب على البحث العلمي ومسابقة الكفاءات، ومن ثم القانون وحرية الرأى، لأن في ذلك ضمان للعدل والأمن والاستقرار، ومن ثم رأى الأكثرية والضمان الاجتماعي والاقتصادي والصحي، ولم يركز على الناحية الدينية، بالرغم من التعصب للدين، إن ادعى الأمر تعصباً للحياة والثقافة والتقاليد والتراث وأسلوب الحياة الذي اعتادوا عليه، ووقف العرب عند قناعة الاعتقاد في الوحي والإلهام، معتمدين على العلاقة "الشعورية" بين الخالق والمخلوق، مع شبه إهمال للعلوم العقلية، ومع أن القرآن حث على العلم، فقد قيل عن معاذ بن جبل، أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يحث على طلب العلم والتعلم ويقول: تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ودراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه عبادة وتعليمه صدقة وبذله لأهله قربة، وهو المؤنس في الوحشة والمحدث في الخلوة والصاحب في الغربة والدليل على السراء والمعين على الضراء والسلاح على الأعداء. يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة تقتفى آثارهم ويقتدي بأفعالهم وينتهي إلى رأيهم وترغب الملائكة في خلتهم ويصلي عليهم رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه والسماء ونجومها والأرض وخزانها؛ لأن العلم حياة القلب من الجهل ونور الأبصار ومصابيحها في الظلمة وقوة الأبدان من الضعف، والفكر في العلم يعدل الصيام وبالعلم توصل الأرحام وتفصل الأحكام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبالعلم يوحد الله ويعرف، وبالعلم يطاع ويعبد، والعلم إمام العقل، وهو فائدة يرزقه الله السعداء ويحرمه الأشقياء. وأدرك الغرب فائدة العلم والعمل به، ولكن معرفتهم قادتهم إلى استغلال واستعمار الشعوب الأقل إدراكاً، وسلب مواردها، وبعد أن رحل الغرب بجيوشه عاد بأفكاره ووصايته. إلى يومنا هذا، ومجتمعنا لا يزال أمام خيارين، وهما أن يبقى كما هو، يبحث عن الخلاص، مبتعداً عن السعي والبحث على طريق العلم، وهذا يتطلب الصبر والصدق والمصداقية مع الذات والغير، أو غرس كل آماله في رحم الغيب دون السعي الجاد إلى اللقاء الذي يحبه الله، وهو أنه لا إمام سوى العقل، فلقد حفظه الله في أعلى منطقة في الجسد لما له من أهمية قصوى، وأودعه في جمجمة عظمية وجعل فيها شبابيك وحواس تطل على العالم وتنقل انطباعاتها إلى العقل، حيث يتم الفرز والتشخيص ومعرفة الصواب والخطأ والحلال والحرام، ومن ترك أحكام العقل يكون قد أساء فهم رسالة ربه، وهي الاستفادة مما في العقل الجماعي من قوة لا تغلب بأمر الله، ذلك لأن العمل عن طريق العقل يبعد الإنسان عن التعصب والأحكام "الشعورية" لأن الشعور وإن كان رفيق العقل فإن القرار الصحيح والمرشح للنجاح هو قرار العقل والشعور أشبه بالمجس أو الناقل وفي اللغة اللاتينية "سنسور" أي أن الشعور أشبه بمن "ينقل الأشياء" إلى العقل والعقل يقوم بالفرز والتحليل، ومن أراد أن يصنع جنة الدنيا على الأرض لابد له من العلم والعمل الشاق المثمر والبحث واكتساب الخبرة والتجارب التي تقود إلى النصر، ويكون هذا الهدف في مقدمة رأسه، أي في جبينه، ويجعل الله سنده الدائم كيف ما يعمل، ومن أراد أن يكون هكذا سوف يعمل لدنياه بعقله كأنه يعيش أبداً بالفعل لا بمجرد القول، ولآخرته وهو مدرك أن الموت جزء من الحياة، ولا بد من الصبر والصدق والجد والإبداع في البحث العلمي، والذي من دونه لا تقوم قائمة لحضارة عصرية، تعتمد على الطاقة الذاتية، ولابد من الاهتمام بالبحوث الاقتصادية، والبحث عن مصادر الطاقة، والاهتمام بحرية الرأى مع الابتعاد عن "الإرجاف" وهو الإساءة المقصودة إلى الغير، وحرية الرأى لابد من أن تكون ذات سلوك وطابع أخلاقي لا يمس شعور الآخرين وخصوصياتهم واعتقاداتهم، ولابد من إعطاء المؤسسة والقوانين الذكية القادرة على إيجاد حلول عصرية أولوية قصوى ومتجددة متطورة مع العصر، وقادرة على إحلال العدل والمساواة بين جميع أبناء المجتمع الواحد، ولا فرق في تطبيق القوانين بين حاكم أو محكوم، ولابد من التركيز على الحاضر والمستقبل، والاستفادة من أخطاء الماضي، وذلك عن طريق إعادة قراءة التاريخ والاستفادة من عبر الماضي، ذلك لأن التاريخ يعني أن نتعلم من أجل الحاضر والمستقبل، والأمة التي لا تملك ذاكرة تاريخية لن تكون قادرة على صنع الحاضر والمستقبل بشكل يضمن لها سلامة الاستمرار للوصول إلى أهدافها الحضارية والإنسانية المنشودة، ولابد من حرية الرأى والتعبير ولابد من الديمقراطية التي تعتمد وتقوم على رأي الأكثرية. واخترت أن تكون العربية الفصحى هي لغة المتحاورين، وإن تركت في بعض المواقف مكاناً للهجة الشعبية، وسوف يجد القارئ بعض الكلمات العربية الغريبة غير المستعملة في عصرنا، والتي استعرتها من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وهي من صميم اللغة العربية الفصحى، وغير المستعملة في عصرنا، وإن كان لها من الدلالات العملية في التعامل بين أطياف المجتمع العصري ما يبررها، مثلاً: الأعطية والصلات والإرجاف والهيف، وهي مشروحة تمام الشرح، ويتخلل الرواية قصة خيالية لها صدى في العقل والخيال العربي، وقد استعرت فكرتها من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، واخترت لها شخصيات تنم بكل مصداقيتها عن عصرنا الحاضر، وهي تتحدث عن شخص ما مكث في القبر آلاف السنين ثم نهض من القبر، وانتظر خمسين ألف عام من أعوام الدنيا في ساحات الجنة حتى أذن له في الدخول، والشخص الذي اخترته لهذه المهمة يمثل في عين الحقيقة شريحة كبرى من المجتمع العربي العصري، والتي تأمر بالمعروف ولا تتواني عن عمل المنكر، إذا ما رأت أن المنفعة الشخصية لا تتم من دون عمل المنكر، ولأنه لا يوجد وازع ديني أو خلقي أو إدراكي من عمل المنكر، ولا توجد قناعة تامة وحواجز في الداخل الإنساني تمنع من عمل المنكر والحصول على المنفعة الشخصية، أو الكسب لا يتم من غير القيام بما هو منكر، وخصوصاً عند غياب الوازع الديني ورقابة القانون، والقابلية الشخصية للقيام بما هو منكر موجودة في التركيبة "الجينية البشرية"، واخترت أن يكون الشخص قد تاب في الربع الأخير من عمره، بعد أن جر في الثلاثة أرباع الأولى من حياته في الباطل ذيلاً وباعاً طويلاً، واخترت أن يكون جامعياً وليس سوقياً أي من العامة، ولكنه أدرك في الربع الأخير من عمره أن التوبة لابد منها، وكانت هذه التوبة أشبه بالمصباح في يدي الراهب تدله في ظلام الليل على الطريق الصواب ومكنته من دخول الجنة. واستعرت من القرآن الكريم مدة صعوده حتى أولى ساحات الجنة، وهي خمسين ألف عام من أعوام الدنيا، واشتد عليه الحر والقر، وكان بطبعه "مهيافاً" أي شديد العطش. وبعد أن درس كاتب الجنة ملف حياته أثناء "العاجلة" أي الدنيا، وعرف أنه صادق أذن له بدخول الجنة. وقد وجد أن الله جلت قدرته قد غرس للمؤمنين من أبناء آدم شجر لذيذ اجتناء، تأخذ الشجرة فيه ما بين المشرق والمغرب، وجذور هذا الشجر متلاقية في الأرض وفروعه متشابكة في السماء، ويجري في عروقه أنهار من الماء الطاهر واللبن الذي لم يتغير طعمه، وأنهار من العسل المصفى، ومن الخمر لذة للشاربين، ومن كل أنواع الفواكه، كما جاء في الكتاب الكريم. ويحدث هذا الشجر لتلاقي جذوره وتشابك فروعه ظل ظليل، مما جعل أرضه مستورة عن الرؤيا، ولعل الجنة في اللغة العربية جاءت من الجنين، حيث يتبدل ويتغير محجوباً عن الرؤيا، ولا يمكن رؤيته إلا بعد الولادة، وكذلك الجنة لا ترى إلا بعد القيام في العمل الصالح أيام العاجلة أي الدنيا، ورؤيتها يكون محتوماً بعد الموت لمن من الله عليه في الرحمة والغفران بعد أن تاب وعاد لربه، كما فعل الشيخ ابن عاشور الجعدي وكنيته أبو صهيب، والذي تاب في الربع الأخير من عمره بعد أن وقع في الموبقات. والأنهار تسمى جعافر لأن الجعفر في اللغة العربية هو النهر، ويعبق بين جذور هذا الشجر نسيم عليل لا بارد ولا حار ومشبع برائحة القرنفل والخزاما*، وذلك من أمر العلي القدير. وأراد هذا الشخص الذي نال الحظ أن يتجول في الجنة، وأن يبحث عن الحسان الحور ووجدهن على ضربين، أي على نوعين، أما النوع الأول، فكن قد نشأن في الجنة، والنوع الثاني هم من مؤمنات الفانية أي الدنيا، ووجد مؤمنات الفانية من جميع أديان الأرض، وبعكس ما ذكره الكوميدي "دانتي" صاحب الملحمة الإلهية، الذي رأى أن الحوريات فقط من الديانة الكاثوليكية. وفضل الشيخ علي بن عاشور الجعدي، وكنيته أبو صهيب، أن تكون حورية قلبه من الحواري اللاتي نشأن في الجنة. وهمس في داخله "هامس" بأن يخاطب عصفورة تغرد على غصن شجرة من شجر الجنة وتحولت بقدرة العلى القدير إلى حورية تصرع الألباب، وسألته أن يحدثها عن شعر أهل الفانية أي الدنيا، وكان ملماً في الشعر العربي أيام "العاجلة" أي الدنيا. واجتمع مع حكماء الجنة وطرح عليهم أسئلته عن الحياة الدنيا واستمع إلى إجاباتهم، وأخبروه عن نشوء الأرض، وأجريت له محاكمة بعد لقاءه مع حاكم عدل الجنة ودار بينهما حوار مطول، وأعلمه أنه كان يعيش في ثلاث شخصيات، وغيره كان لهم آلاف الشخصيات، ولولا توبته في الربع الأخير من عمره لما كان له أن يفوز في الحظ السعيد، وأن يدخل الجنة. وقد صادفه الحظ أن يستمتع في جلسة شراب مع "رهط" أي جماعة من أهل الجنة، واستمع إلى إجاباتهم عن الأرض والحياة الدنيا، واستمتع في جلساتهم وشرب على نخبهم. وبعد أن أفاق من حلمه الذي كان "يقظة في حلم" وجد نفسه في الواقع المؤلم، هو "حلم في يقظة". وتطلع وإذا بزوجته نائمة بجنبه، فلعن الشيطان الذي طرده من الجنة كما أخرج أبينا آدم. وعندما سمع الناس بحلمه أصبح الكثير منهم أعداءه، وأما زوجته فقد قالت له أن حلمه بدعة من بدع الشيطان، وأن حلمه إن دل فإنه يدل على أن الشيطان قد اختاره ولقح شعوره أي تلبسه، وأن عليه أن يصلي عشر ركعات وأن يطعم عشرة مساكين، وأن لم يفعل فقد أصبحت لا تحل له كزوجة، وأذعن الرجل إلى رغبة زوجته وأصبح يقضي معظم وقته في الجامع، ولا ينام إلا والقرآن بجانب سريره. .......................... * المقال تمهيد لرواية بقلم الكاتب، قيد النشر * الخزاما: نبات ربيعي واسع الانتشار، ينبت في الأراضي الرملية والسهول طوله 30 سم تقريبا، وسيقانه تنفرش في كل اتجاه وتشكل دائرة قطرها أكثر 40 سم والأوراق شبة دائرية متقابلة وأزهارها على شكل نصف دائرة ولونها بنفسجي أو أحمر زاهي جميل وله رائحة ذكية جدا، والنبات طعمه حار. |
![]()
