من نحن

   ملفات ساخنة  

 

سمير تادرس يكشف:

كيف وصلنا إلى مذبحة نجع حمادي؟

فتنة الأربعين عاما

 

جاءت مذبحة نجع حمادي لتفجر من جديد موضوع الفتنة الطائفية وعلى مدى شهر تناولت معظم الصحف هذا الموضوع كذلك كان الأمر على شاشات التليفزيون. قال البعض إنها ليست فتنة طائفية ولكنه حادث إجرامي فردي.

وحاول آخرون التماس العذر للجاني بأن قالوا إنه كان مستفزا لما حدث قبل شهرين في قرية فرشوط وأراد أن يثأر للمجني عليها.

تظاهر الشباب المسيحي في نجع حمادي يوم 7 يناير وقاموا بأعمال شغب وفى اليوم التالي 8 يناير تظاهر شباب المسلمين في قرية بهجورة وقاموا بأعمال شغب، كان تظاهر نجع حمادي يوم 7 يناير احتجاجا على جريمة القتل الجماعي التي حدثت عقب صلاة عيد الميلاد وكان المتظاهرون من المسيحيين، أما تظاهر قرية بهجورة يوم 8 يناير فكان ردا على أولئك الذين تظاهروا في اليوم السابق في نجع حمادي وقيل إن معظم متظاهري بهجورة كانوا من المسلمين.

سارعت السلطات الأمنية باحتواء الموقف وأصدرت تصريحات متناقضة.

بشاعة الجريمة وسمعة مصر الوطنية أصبحت موقع اهتمام الجميع في الداخل وأيضا في الخارج.

بعد مضى أكثر من شهر على هذه المذبحة وضح أن هناك رغبة من المسئولين في تمييع الموقف والحديث المعتاد عن أن كلنا أبناء وطن واحد وأن هذه الأحداث ما هي إلا جرائم فردية وأن مصر بتاريخها أبعد ما تكون عن الفتنة الطائفية.

صحيح كلنا أبناء وطن واحد ولكن يجب أن نتحلى بشجاعة نقد الذات والحديث عن المسكوت عنه عن الفتنة الطائفية.

الفتنة الطائفية أمر واقع في مجتمعنا المصري منذ ما يقرب من أربعين عاما وقد تصدى لها الكثيرون من الكتاب والصحفيين والأدباء وأطلقوا نذير التحذير وطالبوا سلطات الدولة بالتصدي الجاد لهذا الموضوع. و«العربي» إيمانا منها بخطورة ما يجرى في الوطن تفتح هذا الملف الوثائقي.

كانت الأحداث التي شهدتها مدينة الخانكة في نوفمبر من العام 1972 بمثابة جرس إنذار ولكن المسئولين لم ينصتوا لهذا الجرس كانوا مشغولين بتدعيم أركان ما يسمى ثورة 15 مايو سنة 71 والتركيز على سحق شباب الجامعات.

شعرت نقابة الصحفيين بخطورة الأمر، ولذا قام مجلس النقابة بتوجيه دعوة عاجلة لاجتماع عقد بمقر النقابة مساء يوم 15/11/1972 صدر عنه بيان من الكتاب والصحفيين المصريين عن الوحدة الوطنية.

وكان مجلس الشعب قد تناول موضوع أحداث الخانكة في جلسته المنعقدة يوم 13 نوفمبر وأصدر قرارا بتشكيل لجنة خاصة باستظهار الحقائق حول الأحداث الطائفية التي وقعت في مركز الخانكة وقد أصدر قرارا بتشكيل هذه اللجنة برئاسة المرحوم الدكتور جمال العطيفي.

قامت اللجنة بواجبها وقدمت تقريرها في 26/11/1972 ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن والتقرير حبيس أدراج مجلس الشعب ولم يتم تنفيذ أي من التوصيات التي جاءت بالتقرير.

 

النص الكامل لـ«تقرير العطيفي»

عن الفتنة الطائفية:

أخطر وثيقة محبوسة في أدراج مجلس الشعب

منذ 26 نوفمبر 1972

 

أصدر مجلس الشعب بجلسته المنعقدة يوم الاثنين من شوال 1392 الموافق 13 من نوفمبر 1972 قرارا بناء على طلب السيد رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة خاصة باستظهار الحقائق حول الأحداث الطائفية التي وقعت أخيرا في مركز الخانكة وإعداد تقرير للمجلس عن حقيقة ما حدث، وقد شُكلت هذه اللجنة برئاسة الدكتور جمال العطيفي وكيل المجلس وعضوية السادة أعضاء المجلس محمد فؤاد أبو هميلة وألبرت برسوم سلامة وكمال الشاذلي والدكتور رشدي سعيد وعبد المنصف حسن حزين والمهندس محب استينو.

ويعتبر هذا القرار أول ممارسة في ظل الدستور الجديد لما أجازته اللائحة الداخلية للمجلس من جواز تشكيل لجنة خاصة باستظهار الحقائق في موضوع معين وذلك طبقا للمادتين 16و 47 من اللائحة.

ومع أن قرار تشكيل اللجنة ينوط بها استظهار الحقائق في الأحداث الطائفية التي وقعت أخيرا في الخانكة، إلا أن اللجنة رأت بمناسبة بحثها لظروف هذه الأحداث والعوامل التي أدت إليها، أن حادث الخانكة وهو أحد الحوادث التي تكررت خلال هذا العام يطرح بصفة عامة وأساسية موضوع العوامل المؤثرة على العلاقات بين طوائف الشعب، وما إذا كانت هذه العوامل مصطنعة أو مغرضة ومدى تهديدها للوحدة الوطنية في هذه الظروف الدقيقة التي يجتازها نضالنا ضد العدو الصهيوني والاستعمار العالمي، ومن ثم فإن اللجنة تعرض في تقريرها لموضوع حادث الخانكة باعتباره حادثا متميزا يعبر عن مناخ غير صحي ساد العلاقات الاجتماعية خلال هذا العام ثم تتناول بعد ذلك هذه العلاقات بصفة عامة وتعرض تحليلا لها واقتراحات محددة لعلاجها.

إجراءات اللجنة:

1ـ في صباح يوم الثلاثاء 14 من نوفمبر 1972 عقدت اللجنة اجتماعا عرض فيه رئيسها التصور المبدئي للحوادث التي وقعت في الخانكة يومي 6نوفمبر و12 نوفمبر 1972 في ضوء المعلومات الشفوية التي تلقاها من السيد نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية والنائب العام.

ففي 6 نوفمبر وضع مجهولون النار في دار جمعية الكتاب المقدس التي كان يتخذها أهالي مركز الخانكة من الأقباط كنيسة بغير ترخيص لإقامة الشعائر الدينية. وفى يوم 12 نوفمبر وفد إلى الخانكة عدد كبير من القساوسة قدموا إليها بالسيارات ومعهم بعض المواطنين من الأقباط ساروا إلى مقر جمعية أصدقاء الكتاب المقدس المحترق وأقاموا شعائر الصلاة فيها وتجمع في المساء عدد كبير من المواطنين في مسجد السلطان الأشرف وخرجوا في مسيرة احتجاج على ذلك. نسب فيها إلى غالى أنيس بشاي أنه أطلق أعيرة نارية في الهواء على رؤوس المتظاهرين من مسدس مرخص له بحمله فتوجه بعض المتظاهرين إلى مسكن هذا الشخص وإلى أماكن أخرى للأقباط وقاموا بوضع النار فيها وإتلافها دون أن تقع إصابات، وبعد أن استمعت اللجنة إلى هذا العرض المبدئي للحادث، ناقشت خطة عملها وحددت البيانات والمعلومات التي تحتاج إليها من الجهات المختلفة.

2ـ في يوم الأربعاء 15 نوفمبر 1972 انتقلت اللجنة بكامل هيئتها إلى مركز الخانكة يصحبها السيد اللواء مصطفى الشيخ وكيل وزارة الداخلية لشئون الأمن العام والذي ندبته وزارة الداخلية بناء على طلب اللجنة لتسهيل مهمتها، وقد بادرت بزيارة الأماكن التي جرت فيها هذه الأحداث وناقشت المسئولين في مركز الشرطة وفى مجلس المدينة وفى الاتحاد الاشتراكي كما استمعت إلى ملاحظات المجني عليهم الذين وقع اعتداء على مساكنهم وحوانيتهم، فعاينت دار جمعية الكتاب المقدس التي كان الأقباط من سكان المركز قد جروا أخيرا على إقامة الصلاة فيها والتي تعرضت لوضع النار فيها صبيحة الاثنين 6 نوفمبر 1972، كما شاهدت آثار النار والكسر في منزل رزق صليب عطية المصور وفى حانوته، وكذلك في مساكن جرجس عريان سليمان وغبريال جرجس عريان وحليم حنا نعمة الله وغالى أنيس سعيد بشاي.

3ـ في مساء اليوم نفسه استقبلت اللجنة أمين الاتحاد الاشتراكي بمحافظة القليوبية وأمين وحدة المركز، كما استقبلت السيد عبد القادر البرى عضو المجلس الشعبي للمحافظة المختار عن وحدة الاتحاد الاشتراكي بالمركز والذي كان قد اتهمه بعض المجني عليهم في التحقيق بالتحريض على ارتكاب الحادث، كما استقبلت الشيخ زين الصاوي البدوي إمام مسجد السلطان الأشرف الذي تجمع فيه أهالي مركز الخانكة مساء يوم الأحد 12 نوفمبر سنة 1972 .

ـ طلبت اللجنة من السيد أمين الاتحاد الاشتراكي بمحافظة القليوبية معلوماته وملاحظاته وقد وافاها بها بعد ذلك.

4ـ في يوم الخميس 16 نوفمبر1972 اجتمعت اللجنة بقداسة البابا شنودة بطريرك الأقباط في دار البطريركية، وشهد هذا الاجتماع المطارنة والأساقفة، وخلال هذا الاجتماع استمعت اللجنة إلى ملاحظات البابا شنودة، كما اجتمعت اللجنة بعدها بفضيلة الإمام الأكبر محمد الفحام شيخ الأزهر وشهد هذا الاجتماع أمين عام مجمع البحوث الإسلامية فضيلة الدكتور عبد الرحمن بيصار ومدير البعوث بالأزهر الدكتور عبد المنعم النمر ومدير مكتب شيخ الأزهر فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل.

5ـ في مساء اليوم نفسه استقبل رئيس اللجنة أحد المبلغين الذي كان أرسل إلى السيد رئيس مجلس الشعب بأن لديه معلومات لتوضيح ملابسات الحادث، وقد أعادت اللجنة مناقشته بعد ذلك مساء السبت 18 نوفمبر وأخطرت النيابة العامة لسؤاله.

وكانت اللجنة قد تلقت أيضا برقيتين من الحوامدية المتخذ كنيسة منذ بضعة أعوام بغير ترخيص، وقد رأت اللجنة مثل هذا النزاع يعطى صورة عن بعض جوانب الاحتكاك الذي تكرر نوعه فدعت إليها الشاكين وقد أمكنها تسوية الموقف وإبقاء الحالة على ما هي عليه.

6ـ في يوم السبت 17 نوفمبر سنة 1972 اجتمع رئيس اللجنة بفضيلة الدكتور عبد الحليم محمود وزير الأوقاف وشئون الأزهر، وشهد المقابلة السيد اللواء حسين الرخاوى كيل الوزارة لشئون مكتب الوزير والأمن، وبعدها استقبلت اللجنة السيد المهندس إبراهيم نجيب عضو الأمانة بالاتحاد الاشتراكي ورئيس لجنة إدارة أوقاف البطريركية، كما استقبلت معه فضيلة الأستاذ زكريا البرى أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية حقوق جامعة القاهرة وأمين الشئون الدينية بأمانة الدعوة والفكر بالاتحاد الاشتراكي، وانضم إلى الاجتماع بعد ذلك فضيلة الدكتور حسين حامد أستاذ الشريعة الإسلامية المساعد بحقوق القاهرة وأحد خبراء اللجنة التشريعية بالمجلس في شئون الشريعة الإسلامية، وقد اطلعت اللجنة خلال هذا الاجتماع على البيان الذي أعده الاتحاد الاشتراكي بشأن الوحدة الوطنية ووجوب القضاء على أي سبب للفرقة، وفى مساء اليوم نفسه، استقبل رئيس اللجنة الأستاذ على عبد العظيم عضو لجنة الدروس القرآنية بمجمع البحوث الإسلامية وقد عرض بعض الكتب الدينية التي يرى أن فيها مساسا بالعقيدة الإسلامية، وقد اتصل رئيس اللجنة خلال هذه المقابلة بالسيد طلعت خالد المسئول عن رقابة النشر بوزارة الثقافة والإعلام للوقوف على نظام رقابة الكتب الدينية.

7ـ وقد تلقت اللجنة في اليوم نفسه إخطارا من الدكتورة عائشة راتب وزيرة الشئون الاجتماعية ببيان المبالغ التي صرفتها الوزارة لمن لحقتهم خسائر من جراء هذه الحوادث بالخانكة وذلك بعد أن قامت السيدة الوزيرة ورجال الوزارة بزيارة مكان الحوادث يوم 16 نوفمبر. كما تلقت اللجنة في اليوم نفسه إخطارا من السيد محمد حامد محمود الأمين الأول المساعد للاتحاد الاشتراكي العربي، بأن أحد الشمامسة بكنيسة كفر أيوب بمركز منيا القمح كان يوزع يوم 6/11 كتيبات من مؤلفاته اشتبه في مضمونها، وقد طلبنا من النيابة العامة ووزارة الداخلية معلومات مفصلة عن ذلك.

كذلك تلقت اللجنة برقيتين إحداهما من الدكتور القس عبد المسيح اسطفانوس يشكو فيها من واقعة قديمة خاصة بما سماه اغتصاب أرض الكتاب المقدس بالإسكندرية بزعم إقامة مسجد عليها والأخرى من عبد الفتاح بشير وتتضمن اتهاما عاما لعناصر لم يذكرها تحاول إحداث فتنة طائفية بهيئة النقل وقد أخطرت الجهات المختصة بالبرقيتين.

8ـ وفي صباح يوم الأحد 18 نوفمبر 1972 استقبلت اللجنة بعض أهالي مركز الخانكة الذين قدموا معلومات عن الحادث وقد رأت اللجنة إبلاغها إلى النائب العام.

وفى مساء اليوم ذاته، استقبلت اللجنة الأنبا صمويل أسقف الخدمات والأنبا دوماديوس مطران الجيزة والقمص زكريا جيد راعى كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة واستمعت إلى ملاحظاتهم.

القسم الأول:

وقائع حوادث الخانكة

استعانت اللجنة أساسا في تحديد هذه الوقائع بتقارير النيابة العامة وهى السلطة القضائية المختصة بالتحقيق، وفى الوقت نفسه فإنها راجعت ما قدمته إليها الجهات الأخرى المختصة، كما أطلعت على تقرير أعد عن هذه الحوادث وقدم إلى قداسة البابا شنودة ومن خلال قيامها بالانتقال والمعاينة والمناقشة التي أجرتها مع جميع الأطراف المعنية. أمكنها أن تستخلص الوقائع الصحيحة.

حادث يوم الاثنين 6 نوفمبر 1972:

منذ عام 1946 وجمعية أصدقاء الكتاب المقدس تباشر نشاطها في الخانكة كجمعية دينية مسجلة بوزارة الشئون الاجتماعية، ومنذ حوالي سنة قام المحامى أحمد عزمي أبو شريفة ببيع قطعة أرض كبيرة يملكها مجاورة لمنزله بالحي المسمى الحي البولاقي بمدينة الخانكة إلى من يدعى محمد سعد الجلدة، العامل بمزرعة الجبل الأصفر الذي باعها بدوره إلى أحد المسيحيين، وتسلسلت عقود بيعها حتى انتهت ملكيتها إلى الأنبا مكسيموس مطران القليوبية، وكان الظن وقتئذ أنها ستبنى مقرا لهذه الجمعية، وقد سورت فعلا وألحقت بها حجرات نقلت إليها الجمعية. غير أنه في مطلع صيف هذا العام أقيم فيها مذبح للصلاة ورتب فناؤها بما يسمح بإقامة الشعائر الدينية فيه، وتولى القس مرقص فرج وهو وراعى كنيسة أبو زعبل التي تبعد قرابة ثلاثة كيلومترات من الخانكة إقامة الشعائر الدينية فيها، في أيام الجمع لانشغاله أيام الآحاد بكنيسته الأصلية في أبو زعبل.

ولما كانت الجمعية لم تستصدر قرارا جمهوريا بالترخيص بإقامة كنيسة، فقد أخذت الإدارة تعهدا على رئيس الجمعية شاكر غبور بعدم استخدامها ككنيسة إلا بعد الحصول على الترخيص. وقد أثار استخدام هذا المكان ككنيسة بغير ترخيص اعتراض بعض المقيمين بمدينة الخانكة ومن بينهم عبد القادر البرى وهو مفتش وعضو المجلس الشعبي بمحافظة القليوبية وليس هنا ما يدل على أن هذا الاعتراض قد اتخذ مظهرا عنيفا أو كان موضع اهتمام عام.

وفى صبيحة يوم الحادث 6 نوفمبر 1972 وهو أول أيام عيد الفطر المبارك أخطرت النيابة العامة بحدوث حريق في هذا المبني، وقد تبين أن النار قد أتت على سقفه وهو من الأخشاب كما امتدت إلى موجوداته ولكنها لم تمتد إلى جدارنه المبللة، ولم تتوصل التحقيقات التي أجرتها النيابة إلى معرفة الفاعل، غير أن بعض الذين كانوا يبيتون في المبنى لحراسته قرروا في تحقيق النيابة أنهم شاهدوا جملة أشخاص يلقون زجاجات مشتعلة من الخارج، وقد أمكن لرجال المطافئ إخماد النار بمعاونة بعض الأهالي من المسلمين والمسيحيين. ودون تدخل في إجراءات التحقيق الجنائي وما يمكن أن تستخلصه النيابة العامة من ثبوت للتهمة أو عدم ثبوت فإن هناك حقائق يجب أن تؤخذ في الاعتبار.

1ـ أن أهالي مدينة الخانكة كانوا يعيشون دائما في وئام، وقد ضربوا المثل في التعاون والوحدة حينما تعرض أحد مصانع أبو زعبل القريبة من الخانكة لغارات طائرات إسرائيل الفانتوم في فبراير 1970 حيث قتل سبعون عاملا وأصيب 69 غيرهم بجراح، مما عبأ الجميع ضد العدو، لأن القنابل التي ألقيت لم تفرق بين المسلم والقبطي.

2ـ إن رئيس مجلس المدينة السابق كان من الأقباط وقد ظل في مركزه قرابة اثنتي عشرة سنة وهو السيد أديب حنا، ولم يثر هذا أية حساسيات طوال هذه السنوات، وحينما عين خلفه الحالي السيد عادل رمضان في مارس 1972 احتفلت به جمعية أصدقاء الكتاب المقدس في مبناها الجديد الذي انتقلت إليه، ويشغل عدد كبير من الأقباط وظائف مهمة خاصة في قطاعي الصحة والصحة النفسية، حيث تزيد نسبة الموظفين الأقباط على ستين في المائة، إذ يبلغ عددهم 38 من بين 59 موظفا (طبقا للبيانات التي قدمها رئيس مجلس المدينة) ويبلغ مجموع الموظفين الأقباط في هذا المركز 111 من بين مجموعهم البالغ 856 موظفا.

3ـ إن مبنى جمعية أصدقاء الكتاب المقدس الذي احترق سقفه واحترقت موجوداته هو مبنى صغير يقع في مكان غير مطروق يقع بالجهة الشرقية للمدينة ويقوم حوله بعض مساكين المسلمين، ولم يكن مرخصا كبناء فضلا عن عدم الترخيص به ككنيسة، ولكن من ناحية الأمر الواقع كانت تباشر فيه الشعائر الدينية دون تعرض من جهات الإدارة ويتسامح منها، وقد قام بعض المسلمين من أهالي الخانكة بجمع تبرعات لإقامة مسجد شديد القرب من هذا المكان وشرع فعلا في بنائه.

4ـ إن عدد سكان الخانكة كما جاء بالتعداد العام للسكان المنشور عام 1960 بلغ 863.2 منهم 615 مسيحيا غير أن البيانات التي قدمت للجنة من مجلس المدينة تفيد أن عدد المسيحيين لا يجاوز ستا وثلاثين أسرة.

وقد طلبت اللجنة بيانا من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بعد اتصال قام به رئيسها بالفريق جمال عسكر، ويتبين من الرد الذي تلقته اللجنة أنه كان في مدينة الخانكة في عام 1966 عدد 692 مسيحيا فزاد في عام 1972 إلى 803 مسيحيين، بينما جملة المسيحيين في مركز الخانكة «مدينة وقري» بلغ في عام 1966 عدد 2552، وزاد في عام 1972 إلى 2963.

5ـ إنه قد بولغ في تصوير هذا الحادث فيما عرض على قداسة البابا من معلومات عنه، وزاد من حدة التوتر أنه سبقه منذ شهور قليلة حادث مماثل في سنهور بجهة دمنهور.

فقد ورد في التقرير الذي قدم إلى قداسة البابا عن هذا الحادث ما يفهم منه أن المكان قد أحرق بالكامل وصور الحادث على أن المطافئ تباطأت في إطفاء الحريق وأن المتآمرين منعوا رجال الإطفاء من أداء واجبهم، كما تضمن هذا التقرير تشكيكا في سلامة إجراءات التحقيق وعدم جديتها.

وقد أثبتت المعاينة التي قامت بها اللجنة بالإضافة إلى المعاينة التي أجرتها النيابة أن الحريق لم يمتد إلا إلى السقف الخشبي وإلى الموجودات الخشبية وأنه لولا تدخل رجال الإطفاء لما كانت النار قد أخمدت دون خسائر أخري، كما أن وصف الحادث بأنه حريق لكنيسة (بينما لا توجد كنيسة مصرح بها رسميا) وأنه بذلك ينطوي على امتهان المقدسات المسيحية، قد أضفى على تصوير الحادث طابع الإثارة.

وقد عرضت اللجنة على قداسة البابا الوقائع الصحيحة التي استخلصتها، فوافق قداسته على عدم اعتماد المعلومات التي قدمت إليه انتظارا لما يسفر عنه التحقيق.

6ـ على أنه من ناحية أخري، فقد أحالت اللجنة كل ما تقدم إليها من معلومات عن اتهام أشخاص معينين، بالاشتراك أو التحريض على ارتكاب هذا الحادث إلى النائب العام ليجرى شئونه فيه.

حادث يوم الأحد 12 نوفمبر 1972:

في صبيحة هذا اليوم اتجهت إلى مدينة الخانكة بعض سيارات أتوبيس السياحة والسيارات الخاصة والأجرة يستقلها حوالي أربعمائة شخص يرتدى أكثر من مائة شخص منهم الملابس الكهنوتية الخاصة بالقساوسة والشمامسة، وكان قد نما إلى علم السلطات أن قرارا قد اتخذه مجمع كهنة القاهرة بإقامة الصلوات يوم الأحد في مقر جمعية الكتاب المقدس الذي وقع فيه حادث الحريق وهى الجمعية التي كان يتخذها الأقباط المقيمون في الخانكة كنيسة لهم، وقد استوقفتهم قوات الأمن التي قدمت على عجل من عاصمة المحافظة عند قرية القلج التي تقع في طريق الخانكة وذلك في محاولة لإثنائهم عن عزمهم خشية أن يؤدى هذا المجمع الكبير إلى إثارة غير محمودة العواقب والاكتفاء بمدد محدود منهم، ولكنهم صمموا أن يمضوا في تنفيذ ما اعتزموه فأخذت قوات الأمن الاحتياطيات اللازمة ومضوا سيرا على الأقدام في موكب طويل مرددين التراتيل الدينية يتقدمهم بعض القساوسة، وحينما وصلوا إلى مقر الحادث ثبتوا مكبرات الصوت وبدأ القداس على مرتين، حتى يتسع الاشتراك فيه لهذا الجمع الغفير. ثم انصرفوا بعدها دون أن تقع أية حوادث وقد نسب إلى بعض الغلاة منهم تفوههم بعبارات غليظة في الاحتجاج على ما وقع من حادث في هذا المبنى في الأسبوع الماضي، وتصويره على أنه اعتداء طائفي لم تتخذ سلطة الدولة حياله الإجراءات المناسبة.

وفى المساء حينما عاد إلى المدينة شبانها من المسلمين الذين كانوا في الجامعات أو في المصنع أو المكاتب خارج المدينة وروت لهم صورة لما جرى في الصباح اعتبروا ذلك تحديا واستفزازا لشعورهم، فاجتمعوا بمسجد السلطان الأشرف الذي يقع بالجهة الغربية للمدينة ومعهم الشيخ زيد الصاوي البدري إمام المسجد وتوجهوا إلى مركز الشرطة في مسيرة تكبر بالله، وقد طلب منهم المسئولون الانصراف وانصرف الشيخ زيد الصاوي بعد أن نصحهم بالتفرق بينما استمر الباقون في مسيرتهم إلى مقر الاتحاد الاشتراكي، وفى مرورهم على حانوت بقال يدعى غالى أنيس بشاي سمع صوت طلقات نارية نسب البعض إطلاقها إلى هذا البقال الذي تبين فعلا أنه كان يحمل مسدسا مرخصا به وإن كان لم يرد في فحص الطب الشرعي ما يقطع بأنه قد أطلق حديثا، ولكن ذلك أدى إلى إثارة الجماهير التي اندفعت إلى منزل هذا البقال فوضعت فيه النار واندس بينها من اغتنم هذه الفرصة السانحة للسرقة، كما أحرقت مساكن أخرى لكل من أنيس بشاي وحليم نعمة الله ورزق صليب عطية وجرجس عريان وغبريال جرجس عريان وموجودات استوديو للتصوير يملكه رزق صليب عطية، كما تحطم زجاج صيدلية الدكتور كامل فهمي اقلاديوس. وتوجه بعض المتظاهرين إلى مقر جمعية أصدقاء الكتاب المقدس وأشعلوا النار في إحدى حجراتها الملحقة ببنائها المتخذ كنيسة للصلاة. ومع ذلك لم تحدث أية خسائر في الأرواح وأصيب ثلاثة أشخاص عرضا بينهم اثنان من المسلمين بإصابات بسيطة وقد قبض على جملة أشخاص متهمين بالسرقة أو بالحريق أو الإتلاف، قررت النيابة العامة حبس تسعة منهم حبسا احتياطيا.

ودون تعرض لوقائع الاتهام الجنائية فإن هناك حقائق أمكن للجنة استظهارها:

1ـ إن الحادث الذي وقع يوم الاثنين 6 نوفمبر كان يجب أن يبقى في حدوده الصحيحة، وكان من حسن السياسة أن يحصر في هذا النطاق، وحسبما ذكر الأنبا شنودة لأعضاء اللجنة، فإنه قد زار بعدها فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر مهنئا بالعيد دون أن يترك هذا الحادث أثرا في نفسه، لولا ما بدا له من أن يد العدالة لم تستطع أن تتوصل إلى المسئولين عن هذا الحادث، وأن البعض قد خشي أن ينتهي التحقيق إلى ما انتهى إليه في حوادث أخرى وقعت قبل ذلك ولم تتخذ فيها مبادرات قوية صريحة، وأن من ذهبوا إلى الصلاة في مكان الحادث لم يقصدوا أن يتوجهوا إلى الخانكة في مسيرة ولكنهم ساروا على الأقدام بعد أن استوقفهم السيد مدير الأمن ونائبه لإقناعهم بالعدول عن المسيرة.

2ـ إنه كان من المحتمل أن تتعرض مسيرة الصلاة للكنيسة، مع ما انطوت عليه من مظاهر الاحتجاج والإثارة لاحتكاك سلمت منه نتيجة أصالة الوعي بالوحدة الوطنية الذي استقر في قلوب المصريين جميعا منذ مئات السنين.

3ـ إنه يجدر تسجيل الموقف المشرف لبعض القساوسة ومنهم القمص إبراهيم عطية الذي ألقى كلمة بعد الصلاة في الجمعية المتخذة كنيسة، معلنا أن من قام بالحريق إنسان مغرض لا ينتمي إلى المسيحيين أو المسلمين، وأشاد فيها بالتضامن والوحدة بين عنصري الأمة.

4ـ إن قوات الأمن الإضافية التي استدعيت في الصباح بعد جمع القساوسة للصلاة في الخانكة، قد عادت بعد انصراف المصلين وبعد أن هدأت الحالة وتركت لتعزيز قوة المركز، وبعد أن وقعت حوادث المساء دعمت بقوة من الإدارة المركزية للأمن، للمحافظة على النظام.

5ـ إن الدكتورة وزيرة الشئون الاجتماعية قد بادرت إلى زيارة موقع هذه الحوادث وقررت بناء على توجيه السيد رئيس الجمهورية صرف تعويضات فورية لمن وضعت النار في مساكنهم أو حوانيتهم، فاستحقت جمعية أصدقاء الكتاب المقدس مائتي وعشرة من الجنيهات هي قيمة الخسائر المقدرة، كما قررت مبلغ مائتي جنيه تعويضا لخسائر لحقت منزل وحانوت رزق صليب عطية، ومبلغ مائة وخمسين جنيها لغبريال جرجس غبريال. ومبلغ ستين جنيها لكل من حليم حنا نعمة الله وأنيس سعيد بشاي، وللمهجر جابر مسعود جابر تعويضا عن إتلاف الأكشاك ومبلغ ثلاثين جنيها لصيدلية الدكتور كامل فهمى إقلاديوس، وقد تلقت السيدة الوزيرة عن ذلك برقية شكر من وجيه رزق متى نيابة عن المسيحيين بالخانكة.

مقدمات أسباب حوادث الإثارة الطائفية: 

لقد صاغ شعبنا وحدته الوطنية خلال أجيال من تاريخه الطويل وهذه الوحدة هي التي مكنته من مقاومة الغزاة والاحتفاظ بشخصيته القومية وأصبحت بذلك جزءا من تراثه الحضاري، وقد استطاعت هذه الوحدة أن تقف في وجه محاولات التفرقة التي كان الاستعمار يبثها، وبدت هذه الوحدة قوية صلبة تعانق فيها الهلال مع الصليب خلال نضالنا الوطني عام 1919 تحت شعار «الدين لله والوطن للجميع» وهذه الوحدة هي التي مكنتنا من مقاومة غزو عام 1956 وهى التي مكنتنا من الصمود والمقاومة بعد هزيمة يونيه 1967.

على أنه من الملحوظ بتاريخنا القومي أن بعض هذه الحوادث المثيرة للفتنة كانت تفتعل حينما يبلغ نضالنا القومي ذروته، حدث هذا في عام 1911 وحدث هذا إبان معركتنا ضد المستعمر في السويس في عام1952. ومع ذلك فلا يمكن الزعم بأن أي بلد مهما تعاظم فيه الشعور بالوحدة الوطنية يمكن أن يكون بمنأى عن حوادث فردية أو شقاق بين أشخاص ينتمون إلى طوائف مختلفة سواء أكانت غير دينية أم دينية.

غير أنه بينما كانت هذه الحوادث متفرقة تقع على تباعد السنوات، إذ بها قد زادت زيادة ملحوظة في العامين الأخيرين، فبلغت خلال المدة من 16/6/1970 حتى 12/11/1972 إحدى عشرة حادثة وقع منها عشر حوادث ابتداء من 11 أغسطس 1971 وأصبحت هذه الحوادث تعبر عن حالة من التوتر يزكيها تيار ديني قوى يمضى بغير إرشاد سليم يبعد خطر المتعصب، وتحفه المبالغة التي يسهم فيها بحسن نية بعض المواطنين دون أن يفطنوا إلى أن بث التفرقة والكراهية بين الطوائف هي السلاح الذي يستخدمه الاستعمار لإضعاف جسد الأمة وصرفها عن قضيتها الأساسية وهى التحرير.

المقدمات:

ومن الدراسة التي قامت بها اللجنة استخلصت المقدمات التي أدت إلى تزايد هذه الحالة من التوتر:

1ـ ففي خلال عام 1970 وقع بمدينة الإسكندرية حادث فردى خاص باعتناق شابين من المسلمين للمسيحية تحت تأثير ظروف مختلفة، وقد سرت أخبار ذلك بين الناس وكانت موضع تعليق ونقد بعض أئمة المساجد استنكارا للنشاط التبشيري، وقد أعدت مديرية الأوقاف بالإسكندرية وقتئذ تقريرا قدمه الشيخ إبراهيم عبد الحميد اللبان وكيل المديرية لشئون الدعوة «بنتيجة بحثه لموضوع الانحراف العقائدي لبعض الطلاب بمنطقة جليم والرمل». وقد ذكر فيه الأخطار التي تهدد بعض الشباب نتيجة حملات تبشير نسبت إلى بعض القساوسة، كما تضمن جملة افتراضات تعكس مخاوف مقدم التقرير من هذه المخاطر.

وفى عام 1972 أي بعد قرابة سنتين من تقديم هذا التقرير الذي يعد تقريرا داخليا ليس معدا للنشر، امتدت يد خبيثة إليه فحصلت على صورة منه وقامت بنسخه بالاستنسل وتوزيعه على نطاق واسع.

وقد تضمنت التقرير بعض الأمور التصورية المنسوبة إلى بعض رجال الدين الأقباط والتي من شأنها أن تثير استفزاز من يطلع عليها من المسلمين، تحمله على تصديق أمور لم يقم أي دليل على نسبتها إليهم، وبعضها بعيد التصديق مما حمل بعض أئمة المساجد على أن يتناولوها في خطبهم بالتنديد الشديد، وكانت نتيجة ذلك زيادة استياء كثير من المسلمين وبذر بذور الشك بينهم وبين إخوانهم الأقباط، ورغم شيوع أمر هذا التقرير لم تقم الجهات المسئولة والإعلامية بالتصدي له بالمواجهة والنفي، ربما ظنا منها أن أثره سيكون محدودا وأنه سرعان ما يتلاشي، كما أن العدالة لم تستطع أن تمتد إلى مروجيه.

2ـ وحينما بدأت مرحلة تصحيح مسار الثورة في 15 مايو 1971 ودعوة الجماهير إلى المشاركة في إعداد الدستور الدائم، كان من الواضح إلى اللجنة المختصة بإعداد الدستور الجديد التي طافت أنحاء البلاد حينئذ، بروز تيار متدفق يدعو إلى اعتبار الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، تقابله دعوة أخرى من المواطنين الأقباط إلى التمسك بحرية العقيدة والأديان خاصة إلغاء التراخيص المقررة لإقامة الكنائس. ولم يكن التوضيح كافيا بأن الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لا تتنافى مع حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية التي كفلها الدستور لجميع المواطنين، وأن الإسلام والمسيحية رسالتا تسامح ومحبة يدينان التعصب الديني.

في هذا المناخ الذي سادته مفاهيم الحرية وسيادة القانون وارتفعت فيه دولة العلم والإيمان، انتخب الأنباء شنودة بابا لكنيسة الإسكندرية وكرازة المرقصية في آخر أكتوبر 1971 ونصب يوم 14 نوفمبر في احتفال شهده رئيس الوزراء وقتئذ وكبار المسئولين في الدولة وأذيع بالتليفزيون والراديو، وكان موضع اهتمام واسع من جميع وسائل الإعلام، وكان من الواضح أن البابا الجديد قد بدأ نشاطا واسعا في خدمة الكنيسة والوطن، بمجرد انتخابه ألقى محاضرة عن إسرائيل في نقابة الصحفيين تقرر طبعها بخمس لغات، وينشر في بعض الصحف حديثا أسبوعيا يوم الأحد، وأعلن تنظيمات للكنيسة تدعيما لرسالتها الروحية ومعالجة لقضايا المجتمع داخل النطاق بأسلوب علمي وروحي، وهو أول بابا في العصر الحديث من رؤساء الكلية الأكليركية.

يبدو أن بعض الحساسيات كانت تنشأ أحيانا عن هذا النشاط الواسع، حتى قبل انتخاب الأنبا شنودة للبابوية، فقد أصدرت مجلة «الهلال» عددا خاصا عن القرآن في ديسمبر 1970 ونشر فيه مقال عنوانه «القرآن والمسيحية» بقلم الأنبا شنودة مبينا فيه الالتقاء بين الإسلام والمسيحية. وقد تناوله بالرد بعض الخطباء على منابر المساجد على حد ما نشرته مجلة «الهلال» في عددها الصادر بعد ذلك في فبراير 1971 والذي تضمن نشر تعليقات أخرى على هذا المقال.

كما أن إعلان البابا شنودة بعد انتخابه عن تمسكه برفض أية دعوة إلى إباحة الطلاق للمسيحيين إلا لعلة الزنا، وأن كل طلاق يحدث بغير هذه العلة الواحدة لا تعترف به الكنيسة، كان يقابله على الجانب الآخر رفض لأية دعوة إلى تعديل قانون الأسرة بالنسبة للمسلمين ووضع أي تنظيم لحق الطلاق، ومثله أي حديث له عن تطوير الكلية الأكليركية، أو استعادة كنيسة الإسكندرية لمنزلتها العالمية وقيادتها الإفريقية، رغم أنه معنى سبق أن ردده بعض كبار الأقباط ممن تعاونوا دائما مع نظام الدولة بإخلاص (على سبيل المثال مقال الدكتور كمال رمزي استينو، بعنوان «آمالنا في عهد البابا شنودة» جريدة «الأهرام» في 15 نوفمبر 1971). ومثل هذه الحساسيات لمستها اللجنة أيضا لدى بعض رجال الدين المسيحي بشأن ما نشره بعض الكتاب المسلمين عن المزامير والتوراة والتثليث.

ومن هذه النقاط المختلفة، لتعاظم الشعور بالحساسية من كل ما ينشره أو يقوله رجال الدين المسيحي في نطاق العقيدة المسيحية عن فهم للإسلام، ومن كل ما يدين به رجال الشرع الإسلامي في نطاق العقيدة الإسلامية عن فهم للمسيحية، وقد استطاعت اللجنة أن تلمس خلال لقاءاتها بالبابا شنودة من ناحية وبالإمام الأكبر الأزهر وفضيلة وزير الأوقاف من ناحية أخرى الحساسية إلى حد الاستياء من أية عبارة قد ترد في سياق ما لكاتب أو صحفي مما يمكن أن يساء تأويله وفهمه. وهى حساسية يجب على المسئولين الدينيين أن يرتفعوا فوقها وإلا أصبح إبداء الرأي والتعليق والاستدلال محفوفا بالمخاطر.

3ـ وبعدها تناقل الناس أخبار تقرير آخر غير تقرير الشيخ إبراهيم اللبان، وقد وصف بأنه تقرير لجهات الأمن الرسمية عن اجتماع عقده الأنبا شنودة في 15 مارس 1972 بالكنسية المرقصية بالإسكندرية، وقد أخذ هذا التقرير طريقه إلى التوزيع، وقد صيغ على نحو يوحى بصحته كتقرير رسمي، وتضمن أقوالا نسبت إلى بطريرك الأقباط في هذا الاجتماع، ورغم أن هذا التقرير كان ظاهر الاصطناع، فقد تناقله بعض الناس على أنه حقيقة، مما ولد اعتقادا خاطئا لدى البعض بأن هناك مخططا لدى الكنيسة القبطية حسبما جاء بهذا المنشور تهدف به إلى أن يستوي المسيحيون بالعدد من المسلمين والسعي إلى إفقار المسلمين وإثراء الشعب القبطي حتى تعود البلاد إلى أصحابها المسيحيين من أيدي الغزاة المسلمين، كما عادت إسبانيا النصرانية بعد استعمار إسلامي دام ثمانية قرون!

ورغم خطورة هذا المنشور المصطنع وأثره على نفسية بعض المسلمين الذين يطلعون عليه ويتناقلون مضمونه، فلم يتخذ إجراء حاسم لتنبيه الناس إلى إنكاره، وإذا كان الاتحاد الاشتراكي قد أصدر أخير بيانا بتكذيب ما تضمنته هذه النشرة، فقد كان المأمول ألا يقتصر توجيهه على القواعد التنظيمية بالاتحاد الاشتراكي. وقد استغل بعض المتطرفين هذا التقرير المصطنع فراحوا يوزعونه مع تعليق فيه إثارة وحض على الكراهية.

وقد أحدث ذلك رد فعل ربما كان من أسوأ مظاهره ما بدا في مؤتمر عقده بعض رجال الدين المسيحي بالإسكندرية يومي 17 و18 يوليو 1972، واتخذوا فيه قرارات أبرقوا بها إلى الجهات المسئولة ومن بينها مجلس الشعب، وكلها تدور حول المطالبة بما سموه حماية حقوقهم وعقيدتهم المسيحية وأنه دون ذلك سيكون الاستشهاد أفضل من حياة ذليلة، وهو موقف كان موضع استياء عام من كل الطوائف المسيحية نفسها.

4ـ وقد نبهت هذه الظروف مجتمعة إلى الخطر الذي بدأ يهدد الوحدة الوطنية، مما دعا السيد الرئيس أنور السادات إلى أن يدعو المؤتمر العام للاتحاد الاشتراكي العربي إلى أن يبحث في دور انعقاده في 24 يوليو 1972 موضوعا واحدا هو الوحدة الوطنية. وخلال جلسات هذا المؤتمر أعلن الرئيس أن هناك محاولات تشكيك تبذل للتأثير في جبهتنا الداخلية وأنهم وصلوا إلى حد التشكيك بالوحدة الوطنية وأن هناك منشورات في هذا المعنى قدمت من خارج البلاد وبالتحديد من الولايات المتحدة، بينما أن أرض هذا الوطن واحدة وأن سماءه واحدة وشعبه واحد. وأعلن الرئيس أنه سيدعو مجلس الشعب لدورة طارئة حتى يشرع قانونا للوحدة الوطنية.

وقد دعا مجلس الشعب فعلا إلى دور انعقاد غير عادى في شهر أغسطس 1972 حيث أعد مشروع قانون لحماية الوحدة الوطنية أصبح نافذا بعد نشره في الجريدة الرسمية في 27 سبتمبر 1972.

وفى صدر هذا القانون برز معنى مهم يجب أن يكون موضع إدراكنا العميق، وهو أن الوحدة الوطنية هي القائمة على احترام المقومات الأساسية للمجتمع كما حددها الدستور ومنها على وجه الخصوص حرية العقيدة وحرية الرأي بما لا يمس حريات الآخرين أو المقومات الأساسية للمجتمع.

ورغم إصدار هذا القانون فقد وقع حادث اعتداء مؤسف على مبنى جمعية «النهضة الأرثوذكسية» بجهة سنهور بالبحيرة وذلك يوم 8/9/1972 (الجناية 3، 31 لسنة 1972 جنايات مركز دمنهور) وأبلغ بعدها في 29 أكتوبر 1972 (القضية رقم 654 لسنة 1972 أمن دولة عليا) عن قيام بعض الأشخاص بطبع مائة نسخة من التقرير المصطنع عن الاجتماع المنسوب إلى البابا والذي أسلفنا الإشارة إليه، وأخيرا وقعت الحوادث المؤسفة التي جرت في الخانكة.

وتود اللجنة أن تسترعى النظر أن قانون حماية الوحدة الوطنية لا يعدو أن يكون الإطار الشرعي لهذه الحماية التي يجب أن تجد سندها لدى كل مواطن ولدى سلطة الدولة ولدى التنظيم السياسي وفى هذا الخصوص لدى المسئولين الدينيين.

الأسباب:

تدرك اللجنة قيمة ما بذل أخيرا من جهود على المستويين السياسي والإعلامي، لتأكيد أهمية حماية الوحدة الوطنية، خاصة البيان الذي أذاعته الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي على مستوياته التنظيمية، والبيان القيم الذي أذاعته نقابة الصحفيين والذي يعتبر مثلا كان يجب أن تحتذ به سائر المنظمات الجماهيرية، والتأكيد في خطب الجمعة وفى دروس الصباح في المدارس على هذه المعاني. ولكن ما لم ننفذ إلى المشكلة في أعماقها ونتعقب الأسباب المؤدية إليها، ونقترح لها علاجا، فإن هناك خشية أن تتوقف المتابعة حينما تهدأ النفوس وتستقر الأوضاع، ويفتر بذلك الاهتمام بإيجاد حلول دائمة لا تقديم مسكنات وقتية، مما يهدد بعودة الداء الكامن إلى الظهور أشد خطرا وفتكا.

وقد استطاعت اللجنة من خلال المناقشات التي أجرتها والدراسات التي قامت بها أن تستظهر جملة أسباب مباشرة تولد احتكاكا مستمرا يمكن أن يكون تربة صالحة لزرع الفرقة والكراهية وتفتيت الوحدة الوطنية، ونجملها تحت عناوين ثلاثة: الترخيص بإقامة الكنائس ـ الدعوة والتبشير ـ الرقابة على نشر الكتب الدينية.

الترخيص بإقامة الكنائس:

منذ أن انتصر عمرو بن العاص على الروم البيزنطيين الذين كانوا يحكمون مصر وقد أصبح أقباطها يتمتعون بحرية العبادة. فقد خلص هذا الانتصار العربي الأقباط من وطأة حكم الروم البيزنطيين واضطهادهم وأمنهم على حرية ممارسة شعائرهم الدينية، وسمح المسلمون للأقباط ببناء كنائس جديدة والاحتفال بأعيادهم، وكان عيد وفاء النيل عيدا عاما يشترك فيه الولاة والمسلمون والأقباط على السواء، بل لقد قام الواليان العباسيان الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة ببناء الكنائس وقالا: هو من عمارة البلاد، بل قيل إن عامة الكنائس التي بمصر لم تبن إلا في عهد الإسلام في زمن الصحابة والتابعين (يراجع في ذلك كتاب «الإسلام وأهل الذمة» تأليف الدكتور على حسنى الخربوطلى من نشرات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ص167) وتزوج بعدها الخليفة العزيز بالله من خلفاء الدولة الفاطمية من زوجة قبطية مثلما فعل محمد (صلى الله عليه وسلم) حينما تزوج من مارية القبطية المصرية وحينما أوصى بالقبط خيرا.

وفى عصرنا الحديث لا يزال تنظيم إقامة الكنائس أو تعميرها وترميمها يخضع لأحكام الخط الهمايوني الصادر من الباب العالي في فبراير 1856 والذي كان يمثل وقتئذ اتجاها إصلاحيا تناول جملة نواح منها تأمين حقوق الطوائف غير الإسلامية. وقد تقرر في الخط الهمايوني إباحة إقامة الكنائس أو ترميمها بترخيص من الباب العالي. وقد ورد به في هذا الشأن ما نصه:

»ولا ينبغي أن تقع موانع في تعمير وترميم الأبنية المختصة بإجراء العبادات في المداين والقصبات والقرى التي جميع أهاليها من مذهب واحد ولا في باقي محالهم كالمكاتب والمستشفيات والمقابر حتى هيئتها الأصلية، لكن إذا لزم تجديد محال نظير هذه فيلزم عندما يستصوبها البطرك أو رؤساء الملة أن تعرض صورة رسمها وإنشائها مرة إلى بابنا العالي لكي تقبل تلك الصورة المعروضة ويجرى اقتضاؤها على موجب تعلق إرادتي السنية الملكانية، أو تبين الاعتراضات التي ترد في ذلك الباب بظرف مدة معينة، وإذا وجد في محل جماعة أهل مذهب واحد منفردين يعنى غير مختلطين بغيرهم فلا يقيدون بنوع ما عن إجراء الخصومات المتعلقة بالعبادة في ذلك الموضع ظاهرا وعلنا، أما في المدن والقصبات والقرى والتي تكون أهاليها مركبة من جماعات مختلفة الأديان فتكون كل جماعة مقتدرة على تعمير وترميم كنائسها ومستشفياتها ومكاتبها ومقابرها إتباعا للأصول السابق ذكرها في المحلة التي تسكنها على حدتها، لكن متى لزمها أبنية يقتضى إنشاؤها جديدا يلزم أن تستدعى بطاركتها أو جماعة مطارنتها الرخصة اللازمة من جانب بابنا العالي فتصدر رخصتنا السنية عندما لا توجد في ذلك موانع ملكية من طرف دولتنا العلية والمعاملات التي تتوقع من طرف الحكومة في مثل هذه الأشغال لا يؤخذ عنها شيء«.

وكثير من الكنائس القبطية قد تقادم العهد عليه. فلا يعرف شيء عن تطبيق الخط الهمايوني بشأنه، ولكن في شهر فبراير 1943 أصدر وكيل وزارة الداخلية قرارا بالشروط التي يعين توافرها للتصريح ببناء كنيسة وقد سميت بالشروط العشرة. وهذه الشروط هي التي مازالت مطبقة حتى الآن، وحينما تتحقق جهة الإدارة من توافرها يصدر قرار جمهوري بالتصريح بإقامة الكنيسة.

وقد طلبت اللجنة بيانا من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عدد الكنائس القائمة في مصر فاتضح أن عددها يبلغ 1442 ولكن البيانات التي وافتنا بها وزارة الداخلية عن عدد الكنائس المسجلة لديها يدل على أنها خمسمائة كنيسة منها 286 كنيسة قبطية، وقد يرجع هذا الخلاف إلى أن جانبا من هذه الكنائس قد أقيم قبل صدور قرار وزارة الداخلية في عام 1934 كما أن بعضها قد بني بغير أن يصدر بالترخيص به قرار جمهوري، وقد تبين أيضا أن مجموع الكنائس التي صدرت بها تراخيص في العشر سنوات الأخيرة يبلغ مائة وسبعا وعشرين كنيسة، منها ثمان وستون كنيسة للأقباط الأرثوذكس. ومن هذا العدد رخص بإقامة اثنتين وعشرين كنيسة جديدة، وصدرت أربعة تراخيص بإعادة بناء وترميم لكنائس قائمة، واعتبرت اثنتان وأربعون كنيسة قديمة مرخصا لها.

وقد تبينت اللجنة أن من أهم الأسباب التي تؤدى إلى الاحتكاك وإثارة الفرقة عدم وضع نظام ميسر لتنظيم هذه التراخيص دون تطلب إصدار قرار جمهوري في كل حالة. ذلك أن استصدار هذا القرار يحتاج إلى وقت، وكثيرا ما تتغير خلاله معالم المكان الذي أعد لإقامة الكنيسة، مثل أن يقام مسجد قريبا منه مما يخل بتوافر الشروط العشرة. ونتيجة لبطء الإجراءات كثيرا ما تلجأ بعض الجمعيات القبطية إلى إقامة هذه الكنائس دون ترخيص. وفى بعض الحالات تتسامح جهة الإدارة في ذلك وبحالات أخرى يجرى تحقيق مع المسئول عن الجمعية. وهو أمر بادي التناقض بين احترام سيادة القانون من ناحية وبين احترام حرية ممارسة الشعائر الدينية من ناحية أخري، وهو المبدأ الذي كفله الدستور في مادته السادسة والأربعين والذي جاء نصه مطلقا وهو يجرى كالآتي «تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية» وهو نص يغاير في صيغته ما كانت تنص عليه الدساتير السابقة من حماية حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا للعادات المرعية في مصر. وفى ظل دستور سنة 1923 أصدرت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة حكما في 26 فبراير 1951 بأن إقامة الشعائر الدينية لكل الطوائف قد كفلها الدستور في حدود القوانين والعادات المرعية، ولكنها ألغت قرارا لوزارة الداخلية برفض الترخيص بإنشاء كنيسة، وكان أساس الرفض قلة عدد أفراد الطائفة، وقالت المحكمة في حكمها إنه ليس في التعليمات نص يضع حدا أدنى لعدد الأفراد الذين يحق لهم إقامة كنيسة. ومع ذلك فإن وضع تنظيم لإقامة الكنائس لا يعتبر في حد ذاته افتئاتا على حرية ممارسة الشعائر الدينية، وإن كان من المناسب أن يعاد النظر في أحكام الخط الهمايوني وقرارات وزارة الداخلية في هذا الشأن تجنبا لحالة شاعت وهى تحويل بعض الأبنية أو الدور إلى كنائس دون ترخيص، وما يؤدى إليه ذلك أحيانا من تعرض بعض الأهالي له دون أن يدعو هذا الأمر لسلطة الدولة وحدها. وقد راجعت اللجنة الحوادث التي وقعت في العامين الأخيرين، فتبين لها أن معظمها يرجع إلى إقامة هذه الكنائس بغير ترخيص وتصدى الإدارة أو بعض الأهالي للقائمين عليها.

على أنه يجدر التنويه بأن كثيرا من هذه الكنائس لا يعدو أن يكون غرفة أو ساحة صغيرة بغير أجراس أو قباب، وهذه قد جرى الاكتفاء بقرار من وزير الداخلية للترخيص بإقامتها. ومن ثم فإن اللجنة تقترح إعادة النظر في نظام التراخيص بغية تبسيط إجراءاته، على أن تتقدم البطرخانة بخطتها السنوية لإقامة الكنائس لتدرسها الجهات المختصة دفعة واحدة، بدلا من أن تترك للمبادرة الفردية للجمعيات أو الأشخاص ودون تخطيط علمي سليم.

الدعوة والتبشير:

الدعوة إلى التربية الدينية والقيم الخلقية أمر يلتزم به مجتمعنا طبقا للدستور الجديد في مادته السابعة عشرة، كما تلتزم الدولة بالتمكين لهذه المبادئ، وتقوم المساجد والكنائس والمدارس الدينية أساسا بشئون الدعوة الدينية.. ولما كان كثير من الشكايات التي ولدت بعض الحساسيات ترجع إلى ما يتردد أحيانا فى خطب المساجد وعظات الكنائس أو إلى نظام تبشيري تقوم به بعض الجمعيات، فقد أولت اللجنة هذا الموضوع اهتمامها.

وقد تبينت اللجنة من إحصاءات المساجد التي حصلت عليها من وزارة الأوقاف أن عدد المساجد التي تتبع وزارة الأوقاف لا يتجاوز أربعة آلاف مسجد، بينما تفوق المساجد الأهلية هذا العدد. وهذه المساجد لا شأن لوزارة الأوقاف بتعيين أئمتها أو وعاظها، وقد سبق أن صدر القانون رقم 157 لسنة 1960 وقرر أن تتولى وزارة الأوقاف إدارة المساجد سواء صدر بوقفها إشهار أو لم يصدر، على أن يتم تسليم هذه المساجد خلال مدة أقصاها عشر سنوات، يكون للوزارة الإشراف على إدارة هذه المساجد إلى أن يتم تسليمها، كما تتولى أيضا الإشراف على إدارة الزوايا التي يحددها قرار من وزير الأوقاف وتوجيه القائمين عليها لتؤدى رسالتها الدينية على الوجه الصحيح. وقد عللت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون التي أعدها وزير الأوقاف وقتئذ إخضاع جميع المساجد لإشراف وزارة الأوقاف «بأنه لوحظ أن عددا كبيرا من المساجد لا يخضع لإشراف وزارة الأوقاف وهذه المساجد يترك شأنها للظروف: ولا يوجد بها من يحمل مسئولية التعليم والإرشاد. ولما كان بقاء هذه الحال قد ينقص من قيمة التوجيه الديني ويضعف الثقة برسالة المساجد، خاصة أن ما يقال فوق منابر المساجد إنما يقال باسم الله، فإن الأمر يقضى بوضع نظام للإشراف على هذه المساجد، بحيث يكفى لتحقيق الأغراض العليا من التعليم الديني العام وتوجيه النشء وحمايتهم من كل تفكير دخيل«.

وحسبما ذكر السيد وزير الأوقاف ردا على سؤال وجه إليه في مجلس الشعب، فقد كان المفروض أن ينفذ هذا القانون بضم ألف مسجد كل عام وهو ما تم عام 1961، وانتهى الأمر بأن الميزانية لم تسمح بذلك بعدها، إذ إن ضم المسجد يحتاج إلى خمسمائة جنيه سنويا على أقل تقدير، فكأننا نحتاج إلى ثمانية ملايين من الجنيهات من أجل ضم المساجد الأهلية فحسب، وقد أعلن السيد وزير الأوقاف أنه ابتداء من عام 1973 سيعمل على ضم ألف مسجد سنويا. (مضبطة مجلس الشعب، الجلسة الرابعة والثلاثون في 28 مايو 1972 حيث قدم سؤال من السيد العضو صلاح الطاروطي، وسؤال آخر من السيدة كريمة العروسى بخصوص هذا الموضوع).

ومع تقدير اللجنة لظروف الميزانية وأولويات المعركة، فالذي لا شك فيه أن إخضاع هذه المساجد للإشراف الكامل لوزارة الأوقاف من شأنه أن يبعد مظنة التجاوز فيما قد يلقى فيها من خطب أو وعظ. وحتى يتم ذلك فإن وزارة الأوقاف عليها أن تمارس رقابتها في الإشراف على إدارة المساجد والزوايا وتوجيه القائمين عليها لتؤدى رسالتها الدينية على الوجه الصحيح. كما تقترح اللجنة أيضا في هذا الصدد أن يكون تعيين أئمة هذه المساجد بموافقة وزارة الأوقاف بعد التحقق من توافر الشروط الشرعية لتعيين إمام المسجد وفهمه الصحيح لأحكام الدين وتنظيم الإشراف على ما يلقى من خطب فيها حتى لا تجاوز شرح أحكام الدين الحنيف إلى توجيه انتقادات أو مطاعن في الأديان الأخرى.

وتلاحظ اللجنة أيضا أن ما يلقى من مواعظ في الكنائس يمكن أن يقع فيه تجاوز أيضا إذا لم يلتزم الواعظ الحدود التي تطلبها شرح أحكام الدين والدعوة إلى الحق والخير والفضيلة، على أنه لما كان تعيين راعى الكنيسة يعتمد دائما على قرار من المطران المختص أو البطريركية، فإنها تكون مسئولة عن أدائه واجباته الدينية، ويمكن مراجعتها في ذلك عند أي تجاوز لهذه الواجبات.

وقد تبينت اللجنة أيضا من المعلومات التي طلبتها من وزارة الشئون الاجتماعية أن عدد الجمعيات الإسلامية المقامة في مصر يبلغ 679 جمعية بينما يبلغ عدد الجمعيات المسيحية الأرثوذكسية 438 جمعية وهى جمعيا ـ إسلامية ومسيحية ـ تتلقى إعانات دورية سنوية من وزارة الشئون الاجتماعية تبلغ 49290 جنيها بالنسبة للجمعيات الإسلامية وتبلغ 25785 جنيها بالنسبة للجمعيات الأرثوذكسية.

وتخضع هذه الجمعيات لرقابة الجهة الإدارية طبقا لأحكام القانون رقم 23 لسنة 1964 بشأن الجمعيات والمؤسسات الخاصة، وهو يجيز للجهة الإدارية أن تقرر إدماج أكثر من جمعية تعمل لتحقيق غرض مماثل أو توحيد إدارتها، كما يجيز حلها بقرار مسبب من وزير الشئون الاجتماعية لأسباب مختلفة من بينها إذا ارتكبت مخالفة جسيمة للقانون أو إذا خالفت النظام العام أو الآداب.

وقد تبينت اللجنة من استقراء الحوادث التي حققتها النيابة العامة بشأن النشاط الطائفي ومن المقابلات التي أجرتها مع المسئولين في مشيخة الأزهر وفي البطريركية على حد سواء، أن بعض هذه الجمعيات قد نسب إلى بعض أعضائه توجيه مطعن أو توزيع نشرات تنطوي على إساءة للأديان الأخرى والقائمين عليها، كما أن بعض الجمعيات يتزايد عددها في الحي الواحد إلى حد لا يمكنها من أداء رسالتها في فاعلية وبمسئولية، وأن بعضها ينسب إليه القيام بنشاط تبشيري سواء بالنسبة للمسلمين أو حتى داخل نطاق المذاهب المختلفة المسيحية، بينما أن رسالته التبشيرية يجب أن توجه إلى إفريقيا والعالم الخارجي لا إلى المواطنين بمصر الذين يجب أن نحمى حريتهم وعقيدتهم الدينية من تزايد عدد هذه الجمعيات العاملة في نفس الميدان، التي يجب أن يتوافر في القائمين عليها إدراك سليم لأحكام الدين ونظرة متسامحة إلى العقائد الأخرى وبعيدة عن التعصب الذميم وانصراف أساسي إلى التربية الخلقية والوطنية، وهو ما يقتضى إحكام الإشراف المقرر لوزارة الشئون الاجتماعية على مثل هذه الجمعيات.

وتلاحظ اللجنة أيضا، أنه بعد أن أصبحت التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم العام طبقا للمادة 19 من الدستور الجديد، فإن المدارس قد أصبحت من مؤسسات الدعوة، خصوصا المدارس التي تضم أبناء من المسلمين والأقباط، إذ يجب إتاحة الفرصة للدروس دينية منظمة للتلاميذ الأقباط في المدارس يتعلمون فيها أحكام دينهم، كما يجب أن تتسم دروس الدين جميعها بعرض لحقائق الأديان بحسن إدراك وسعة أفق وبعيدا عن التعصب.

الرقابة على نشر الكتب الدينية:

تبينت اللجنة من دراستها أن بعض الكتب الدينية التي تنشر في مصر للمؤلفين من المسلمين كثيرا ما تتعرض لأحكام الديانة المسيحية، والأمر كذلك بالنسبة للكتب الدينية التي يكتبها مؤلفون من الأقباط فقد تتعرض لأحكام الإسلام، وفى الحالتين كثيرا ما يقع التشكيك من أن ما نشر فيه مساس بالعقيدة الأخرى.

وعلى سبيل المثال اطلعت اللجنة على بعض الكتب التي رأت مشيخة الأزهر أنها تروج لمفاهيم تمس العقيدة الإسلامية، كما اطلعت على بعض المؤلفات والأحاديث التي رأت البطريركية فيها مساسا بالعقيدة المسيحية. وقد تبينت اللجنة أن بعض هذه المصنفات لم يعرض على رقابة النشر، رغم أن الطابع أو الناشر معروف. كما تبين أن بعض هذه الكتب ومنها كتاب «القرآن دعوة نصرانية» من سلسلة مسماة «في سبيل الحوار الإسلامي المسيحي» مطبوع في الخارج، وقد ذكر الأستاذ على عبد العظيم من مجمع البحوث الإسلامية أن اسم المؤلف المطبوع على الكتاب وهو الأستاذ الحدود اسم مستعار، لأن هذا الكتاب لا يمكن أن يصدر إلا عن جماعة متخصصة في الشئون الدينية ذات إلمام واسع بأحكام الدين الإسلامي والدين المسيحي، وأنه مليء بالمغالطات والأخطاء التي يقصد بها عرض أحكام الدين الإسلامي مشوهة. ومثل هذا الكتاب قد وفد من الخارج دون أن تمنع رقابة النشر دخوله.

وتلاحظ اللجنة أن قانون المطبوعات رقم 20 لسنة 1936 المعمول به حتى الآن يجيز بقرار من مجلس الوزراء أن يمنع من التداول داخل البلاد المطبوعات التي تصدر في الداخل والتي تتعرض للأديان تعرضا من شأنه تكدير السلم العام، أما بالنسبة للمطبوعات التي تصدر في الخارج فإن من سلطة الإدارة منع دخولها للبلد أصلا متى كان ذلك لازما للمحافظة على النظام العام أو الآداب العامة والأديان. وقد سبق لمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة أن أيدت بحكمها الصادر في 11 مايو 1950 قرار مجلس الوزراء بمصادرة كتاب تعرض للدين على نحو من شأنه إثارة الخواطر وإهاجة الشعور. كما تلاحظ اللجنة أن الرقابة على النشر تمارس سلطة أوسع في حالة الطوارئ وهى معلنة منذ 5 يونيو 1967.

وقد تبينت اللجنة في بحثها لنظام الكتب الدينية، أن بعض هذه الكتب كان يعرض قبل التصريح بنشره على مجمع البحوث الإسلامية، بينما كان البعض الآخر يعرض على أمانة الدعوة والفكر بالاتحاد الاشتراكي أو يتولاه نفس موظفي الرقابة. وتوصى اللجنة وزارة الثقافة والإعلام بوضع نظام محكم فعال ومستنير لرقابة الكتب الدينية بسعة أفق وبغير أن تتحول هذه الرقابة لتصبح سلاحا يشهر في وجه حرية البحث العلمي أو لإزكاء نزعات الجمود والتقليد، ومع ضمان التزام آداب النشر الديني في دولة دينها الإسلام ومن تعاليم هذا الدين (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) ومن تعاليمه أيضا (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله).

كما يمكن على مستوى التنظيم السياسي أن تنشأ بأمانة الشئون الدينية مكاتب دينية متخصصة يرجع إليها عند أي خلاف.

وتلاحظ اللجنة أيضا أنه منذ 12 من سبتمبر سنة 1961 لم تجر انتخابات للمجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس، وهى الهيئة التكميلية التي تقوم إلى جانب السلطة الدينية للمجمع المقدس، ومن ثم فقد استحال على المجلس الملي أن يباشر اختصاصاته، وكان ذلك نتيجة بوادر نزاع بدأ بين المجلس الملي والمجمع المقدس في عام 1955 ثم تجدد في عام 1961 وترتب عليه أن طلب قداسة البابا، وقتئذ إجراء الانتخابات الجديدة التي كان محددا لها يوم 12 من يوليو 1961 وتوصى اللجنة وزارة الداخلية بأن تتخذ التدابير اللازمة لإجراء انتخابات المجلس الملي العام، طبقا للأمر العالي الصادر في 14 من مايو 1883 مع إعمال أحكام القانون رقم 48 لسنة 1950 الذي أجاز أن تتولى اختصاصات المجلس الملي، هيئة مؤلفة من أبناء الطائفة، وذلك بصفة مؤقتة حتى يتم إجراء الانتخاب.

وتود اللجنة في ختام تقريرها أن تنوه بأنه أيا كانت خطورة هذه الحوادث الطائفية فإن الاهتمام بمعالجتها ومحاولة القضاء على أسبابها إنما يرجع أساسا إلى أن مصر عاشت دائما هبة شعبها بكل طوائفه، ولم تعرف أبدا أي تمييز بين أبنائها بسبب العنصر أو الدين أو الأصل، وبرأت من عيوب التفرقة التي تعانى منها بعض المجتمعات المدنية ذاتها حتى بين أبناء الدين الواحد المختلف المذهب أو اللون. واللجنة إذ تتقدم بتقريرها إلى السيد رئيس الجمهورية وإلى مجلس الشعب ترجو أن يعهد المجلس إلى إحدى لجانه أو إلى لجنة خاصة بمتابعة تنفيذ ما يتضمنه التقرير من توصيات ضمانا للمحافظة على الوحدة الوطنية في هذه المرحلة المهمة من نضالنا الوطني، وعاشت الوحدة الوطنية لشعب مصر الخالد.

...................

المصدر: العربي الناصرية

 

هنا النمسا

جسور / مجلة ثقافية ـ اجتماعية ـ مستقلة  © تعنى بشؤون الجالية العربية في النمسا ودول الجوار / غير مسموح بالنقل بدون الإشارة إلى المصدر وإعلامنا عبر البريد الإلكتروني