![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |

|
|
![]()
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |
|
1 الولادة المتعثرةكثيرا ما نسمع في الهمس والجهر عن حاجتنا إلى تكوين لوبي عربي في أوربا يستطيع أن يشد أزر القوى التي تعمل على تطوير المجتمعات العربية، وفضح القوى والأنظمة التي تنتهك جميع ما اتفق عليه البشر من قيم إنسانية نبيلة. وحيث أننا تربينا وخرجنا من مجتمعات لم تعتاد على أي نوع من الروابط والتنظيمات الاجتماعية ماعدا العائلة والقبيلة والعشيرة، فإننا نقف في المجتمعات الأوروبية التي أصبحنا جزءً من نسيجها الاجتماعي، من دون أدوات تساعدنا على تحقيق جزءً يسيراً مما نتوق إليه ونتمناه. وعلى هذا فنحن أشبه بمن يقف على الشاطئ ليتمتع بالسباحة دون القدرة والجرأة لأن ينزل إلى الماء وهو لا يتقن فن العوم والسباحة. وهنا لابد لنا أن نفهم أنفسنا أولا، ونعمل على فهم المجتمعات التي نعيش فيها، ونبني القواسم المشتركة معها، وننخرط في مؤسسات المجتمع المدني، ونفهم آلية العمل الاجتماعي والسياسي في أوطان الهجرة، ونعمل وبكل قوة على تفعيل القوى الخلاقة في جالياتنا، للبروز في المجتمعات الجديدة بوجه حضاري، وندحر الخوف الكامن داخلنا من أننا غير مقبولين في هذه المجتمعات الغربية . إننا نتمتع بإمكانيات ومزايا لا حصر لها، ونحتاج إلى المخلصين الذين يرون الأمور بعين المستقبل، ليبادروا بالتوعية بالحقوق والواجبات، والعمل على التواصل مع المجتمع الجديد من خلال الأبواب المفتوحة في المساجد، والنشاطات الثقافية والفنية والاجتماعية المشتركة، وعلينا المشاركة في المجتمع الجديد في مناسباته الوطنية، والمساعدة في رفع المعاناة عنه عند المحن والكوارث . عندما نقتل وحش الخوف في داخلنا نستطيع أن نضع أقدامنا على بداية طريق طويل يحتاج جهد كل واحد منا مهما كان هذا الجهد زهيداً.
2 الرؤساء العرب.. ولعنة الكاريزماالرئيس جمال عبد الناصر كان وبلا منازع الرئيس الذي استحوذ على قلوب وعقول القسم الأكبر من شعبه وأمته من خلال المذياع، ولحسن حظه فقد كان عهده قد بدأ مع بداية عصر الترانزستور، وفي ذلك العصر تمتع الكثير من جيلنا من خلال هذه النعمة بأغاني أم كلثوم وخطابات عبد الناصر. ومنذ وفاته يحاول الكثير من الرؤساء أن يصلوا إلى ما وصل إليه هذا الزعيم عن طريق المذياع والتلفاز، ولكن دون جدوى، رغم أنه كان بينهم من هو أفصح منه لسانا. تذكرت ذلك وأنا أرى الرئيس بدون دولة، محمود عباس، وهو يلقي كلمته الجامعة في منتدى الحوار الوطني في رام الله. وذهلت من الإمكانيات الهائلة لهذا الرجل، فهو يستطيع أن يبكي الحضور ويضحكهم، ويتقمص شخصية أرسطو في الحكمة، وبرنارد شو في التهكم، ويسبق كل الديمقراطيون في حرصه على الديمقراطية. ويصفق الجميع لهذه الكاريزما الدونكيشوتية عندما يقول في مؤتمر الحوار، أنه لن ينتظر الحوار حتى يصل إلى نتائج مرضية، بل سيصوت الشعب الذي جوعوه بالسياسة الخرقاء على ورقة ضبابية بحاجة إلى جلسات وجلسات للحوار. وفي اللقاءات الدولية فهو سيد من لعب حسب الأصول، ففي مؤتمر العقبة يبكي على آلام الشعب اليهودي وكأنه وشعبه سبب هذه الآلام، وفي البيت الأبيض تنشرح أساريره لوعد الرئيس الضبابي بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية على ما تبقى من أرض فلسطين التي جاد عليهم بها صقور الصهاينة خلف السور ويصرخ بملأ صوته يحيا العدل.
3 من عمرو بن العاص إلى أبو موسى الأشعري
محمود عباس يتصرف هذه الأيام ومعه عصابة من المرتزقة بمصير الشعب الفلسطيني وكأن الشعب الفلسطيني قد استسلم للعدو الإسرائيلي، وكأن فتح ونضالها وشهدائها قد وقعوا وثيقة الاستسلام وركعوا أمام أبو مازن، وقد انزل كل واحد منهم العقال عن رأسه ووضعه في رقبته كالطوق (كناية عن الاستسلام عند العرب) والشعب الفلسطيني بتاريخه الطويل من النضال والكفاح والآلاف من الشهداء العرب والمسلمين الذين ضحوا وما زالوا على استعداد للتضحية. جميع هؤلاء وقفوا مطأطئين الرؤوس يسالون الرئيس عباس أن ينقذهم من ورطتهم ويسلك بهم طريق الآمان. هذا الكلام وهذه المقدمة لا تنطبق ولن تنطبق على الشعب الفلسطيني ، فهذا الشعب استجاب لقدره كواحد من الشعوب التي تعرضت إلى أقسى التجارب البشرية وأعتى أنواع الاستعمار والاحتلال والظلم العالمي، وتأقلم مع حياته اليومية التي لا تطاق وصادق الموت والشهادة وحياة الخيام، واعتاد الوقوف على الحواجز وما فيها من دروس الكرامة والذل والصبر. فالرئيس محمود عباس يريدنا أن نعترف بإسرائيل، وطبعا هذا ما يثير الضحك ليس أمام الرئيس (المنتخب على برنامجه للسلام) ولكن أمام العالم الذي يتظاهر بأن ما تقوله إسرائيل قد انطلى عليه، إن إسرائيل تريد ارض فلسطين وبدون فلسطينيين، لأن وجود هؤلاء يذكرون السارق أن صاحب الحق مازال متربصا به. ولكن وعلى سبيل الجدل العقيم نقول للعم أبو مازن نحن موافقون وأنت قبلنا وقبل حماس وقبل الجميع الرئيس الشهيد ياسر عرفات اعترف بإسرائيل وشطب في مهرجان كوميدي من الميثاق الوطني كل ما لا تريد أمريكا وإسرائيل سماعه، وكانت النتيجة أن إسرائيل لم تتزحزح قيد أنمله عن برنامجها الصهيوني القاضي باحتلال فلسطين خالية من الفلسطينيين. فإذا أصر العم أبو مازن اليوم على تسليم وثيقة الاعتراف التي لم تحتاجها إسرائيل في يوم من الأيام وخاصة في عصر السفاح الأمريكي، فيكون أراد أن يقدم للدول المانحة ثمن الهبات التي تذهب في غالبيتها إلى جيوب من يشدون آزره في هذا الطريق الواضح المعالم.
4
عندما تصبح اللغة بلا معنى!
إن أصعب ما يواجهه المنطق هو فقدان اللغة للمعاني، فعندما نتكلم عن الظواهر ولا نستطيع أن نلمسها أو نستشعر وجودها، ونتكلم عن الحقيقة ولا نرى لهذه الحقيقة من أثر، ونتكلم عن حقوق الإنسان ولا نرى لهذا الإنسان من حقوق، هنا يفقد المنطق صلته بالحقيقة. أشعر بهذه المفارقات وأنا أسمع عن محكمة العدل الدولية في لاهاي، وأرى كيف يمثل أعداء أمريكا أمامها، حيث يجرون كما يجر العبيد أيام حكم روما، أو أيام حكم الجاهلية في مكة، بينما لا نري أي صديق لأمريكا من عتاة المجرمين الذين استعبدوا شعوبهم وسلبوها مواردها وحرياتها، وأذاقوا من تجرأ على المعارضة منها كؤوس الذل والموت الزؤام يمثل أمام هذه المحاكم. وهنا تذكرت طيب الذكر وزير خارجية أمريكا في نهاية الخمسينات، من القرن الماضي، السيد جون فوستر دالاس، الذي كان يعمل وبكل قوة من أجل تركيز الأحلاف ضد الاتحاد السوفيتي، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث قال له أحد أصدقائه متسائلا عن سبب دفاعه عن دكتاتور كوبا السيئ السمعة قائلا: جون ألا تعرف أن باتستا هو ابن عاهرة ولا يمكن الدفاع عنه، فكان جواب جون فوستر دالاس. نعم أعرف ذلك، ولكن يجب أن تعلم أنه ابن عاهرتنا، ولذلك لن نتخلى عنه. وأسأل نفسي بمرارة إلى متى سيبقى الأمريكيون والإسرائيليون يعربدون على مرأى ومسمع من العالم، ولا نجد من يستطيع أن يقدمهم للمثول أمام هذه المحاكم، التي فقدت حتى معنى العدل من اسمها. أما عندما تقام محاكم غير رسمية ورمزية لمحاكمة هؤلاء المجرمون القتلة بإشراف حقوقيون وأكاديميون وسياسيون، شعروا أن القيم الإنسانية سوف تفقد أيضا معانيها، إذا ما تركوا لأمريكا العنان لتزييف كل ما اتفقت عليه الأديان والحضارات، نجد العالم، يقف من تلك المحاكم موقف التجاهل، وكأنه يقف أمام مسرحية خاصة، لها جماهيرها من المشاهدين المتحمسين الذين يتوقون أن تتحقق المعجزة. حقاً لقد فقدت اللغة معناها!!
5 حرب الثلاثة وثلاثون يوما ودروسها
كانت معركة بل لنقل جولة، وكنا نحن المشاهدين نعد النقاط منذ بداية الجولة الأولى، الممثلون على المسرح لعبوا دورهم حسب قناعاتهم، وبعضهم حسب ما طلب منهم، أو لنقل حسب قدراتهم . إسرائيل اللاعب الرئيسي قامت بالدور الذي أتقنته منذ إنشائها على أحسن وجه، فقد بدأت منذ اللحظة الأولى باستعمال طيرانها لتدمير كل ما يرمز إلى المدنية والحياة، وأرسلت جنودها إلى المعركة وهي تعتقد أنها نزهة، ولكنها لم تكن كما تخيلت وخططت، حيث تحطمت الغطرسة في الميدان رغم سيطرتها على الجو والبحر. وقام حزب الله بدوره كقوة مقاومة وطنية ولعب دوره بشكل أسعد الأصدقاء وكدر الأعداء، حيث أدار المعركة على المستوى العسكري والتعبوي والسياسي بشكل كان مفخرة لأمة اعتادت الهزائم منذ قرون. ومنذ اللحظة الأولى هرولت الدول "الصديقة" للبنان لتبكي على نكباته وتحمل حزب الله مسؤولية المغامرة وتبتسم في السر ابتسامة الرضا أن ساعة الخلاص منه قد دنت، وبيت العائلة (الجامعة العربية) اجتمع ليعلن للمشاهدين أن هذه الأمة التي ينتظر منها المساعدة في رد العدوان حسب اتفاقية الدفاع المشترك، ترقد في غرفة العناية المركزة بعد أن توقف الدماغ عن أداء دوره، أما أمريكا وبريطانيا وكل من وضع استراتيجيته من اجل استعباد وتخلف هذه المنطقة، فقد عملوا بكل القوى المتاحة من أجل أن لا تخرج إسرائيل، التي تمثل جبروت الغرب في هذه المنطقة مهزومة. وأما شعبنا العربي الذي عودته أنظمة القهر والبطش والفساد، أن لا يرفع صوته إلا في مناسبات تمجيد الحكام، فقد قدم ولاءه وانحيازه منذ اللحظات الأولى من بداية المعركة إلى المقاومين، وبدأت حملات التبرع بكل شيء، والتظاهر رغم كل القيود، وفي سورية حيث أنها بلد الجوار، أظهر هذا الشعب الوفي لمبادئه وقيمه الوطنية والقومية ما يثلج الصدر ، حيث فتحت البيوت والمدارس وتفانى القائمون على الإغاثة وحولهم أعداد كبيرة من الجنود المجهولين الذين قدموا بكل تفان ما برهن على أن هذه الأمة ستنتصر لا محالة، عندما تستوعب دروس الحرب السادسة كما يحلو للعدو تسميتها.
6 نحن والانتخابات
ماذا ننتظر من الانتخابات، وما هو واجبنا تجاهها؟ كمواطن نمساوي من أصول غير أوربية، وخاصة عربية. فان نعمة الديمقراطية بكل ما لها وما عليها هي شيء طارئ، نسمع بها كما يسمع فقير بلادنا عن الكافيار دون أن يدري كنهه وفائدته وطعمه. ويقف الكثير منا متهيبين حتى من الولوج إلى مراكز الاقتراع ليجربوا هذه اللعبة الاجتماعية السياسية التي يمارسها الغالبية من الأوربيون ويفتخرون بممارستها. واسأل نفسي ونحن على أبواب الانتخابات، أين أقف من هذه اللعبة، وهل أقف كغيري من النمساويين الذين لا يعيرونها أي اهتمام. وهنا أجد لزاما علي أن أفكر كانسان يعيش في هذه الدولة ويقدم كل ما يطلب منه من واجبات، هل حقوقي مصانة على نفس الدرجة التي يجب علي فيها أن أصون واجباتي تجاه الدولة والمجتمع، وبنظرة سريعة أشعر أنني استطيع أن أؤمن هذه الحقوق لي ولجاليتي من خلال تواجدنا السياسي ضمن التجمعات الحزبية، التي تحتاج إلى صوت كل واحد منا في فترة الانتخابات. وهنا يبدأ الفرز المنطقي لشعارات هذه الأحزاب وقربها أو بعدها عن الأهداف التي أسعى إلى تحقيقها والتي تحقق لي الأمان والاستقرار. ثم أدقق النظر بالمرشحين على قائمة الحزب الذي اخترته، وهل هؤلاء المرشحون يمكن أن يشعروا بما أعانيه، وهل هم من النوع الذي يتجاوب مع القضايا الملحة التي أتعرض لمضايقاتها مع الكثير من أقراني. وبعد هذا الفرز أقدم على الانتخاب وأذهب إلى صندوقه وأنا واثق أنني بدأت أشعر أنني فعلت كل ما علي أن أفعله في يوم الانتخاب، وعلي متابعة ذلك مع الحزب الذي انتخبته من خلال المرشح الذي فوضته عني من خلال الصندوق. وتجربتنا العربية في المهجر لا خلال السنوات الماضية قٌدمت من النجاحات ما يحق لنا أن نقول أننا نسير على الطريق الصحيح، وان المرشح الذي اخترناه أهل لأن نكمل المشوار معه، وسندعم وبكل قوة من وقف معنا، وكان دائما إلى جانب الجالية العربية والإسلامية.
7 من قال أن إسرائيل فشلت
إن الحكم على الأمور بخواتمها، فإسرائيل وضعت خطة منذ الانتفاضة الثانية وهي تسير حسب ما يخطط أصحابها، أما نحن الذين لا نستوعب الدروس إلا بعد انتهاء الامتحان، فهذا شأننا، وهي خاصية غبية قد تنفرد فيها منطقتنا. وضعت إسرائيل خطتها لتصفية القيادات الفلسطينية التي أثبتت فعاليتها وعقلانيتها على ارض المعركة، وذلك بتصفيتها جسديا أو زجها خلف القضبان (الشيخ ياسين، الدكتور الرنتيسي، الرئيس ياسر عرفات، مروان البرغوتي، أحمد سعدات) وأعداد أخرى، حيث أن هذه القيادات وإلى حد كبير، كانت قد أثبتت جدارتها من حيث التعبئة والتنظيم والتحكم بجماهيرها، وحملت على عاتقها حرمة الاقتتال الفلسطيني، وخلق رأي عام لديه القناعة التامة أن المعركة الأساسية هي معركتنا مع الاحتلال وأن التناقض الأساس هو التناقض مع الدولة العبرية، المسئولة مسئولية تامة عن كل ما تعرض له الشعب الفلسطيني خلال تاريخه الحديث. ومع هذه الخطوة كانت آلة القتل الإسرائيلية تصفي خيرة الكوادر الفلسطينية المقاومة، وتحكم حصارها الجائر على شعبنا الفلسطيني (بمساعدة قوة الظلم الأمريكية ورياء ألأوربيين ونفاقهم) وذلك بمنعه من العمل ومنع المساعدات الدولية والعربية عنه ومن خلال تهديد البنوك التي توصل المساعدات بالعقاب، وعدم دفع حصة السلطة الفلسطينية من جمارك واردات الضفة والقطاع. واليوم بالاقتتال الداخلي في قطاع غزة يحق لإسرائيل أن تشعر بالفخر، فقد نجحت خطتها، وهاهم الفلسطينيون يتبادلون التهم على شاشات الفضائيات، ويتراشقون بالرصاص والقذائف في شوارع غزة. أما حكماء هذه الأمة فما زالوا يصرخون ويحذرون فهل هناك من أمل، بأن يصل صوتهم قبل فوات الأوان وحلول الكوارث.
8 "الحيطه الواطيه"
هذا المثل العامي الدارج في بلاد الشام، يحتاج إلى قليل من الشرح قبل الولوج في الموضوع (فالحيط هو الجدار، وجدار الفقير والضعيف يكون بالعادة غير مرتفع، لأن صاحبه لا إمكانيات لديه لأن يبنيه بالشكل الذي يمنع عنه الطامعين، ولذلك فكل من يفكر في السرقة لا يجد في الدخول إلى البيت أية صعوبات). تذكرت ذلك وأنا أرى حرمات أمتنا تداس كل يوم، وأراضينا وأجواؤنا ومياهنا وحتى أعراضنا تستباح، من العراق إلى فلسطين ومن لبنان إلى السودان، وهذه الأمة اليتيمة لا تجد من يدافع عنها. في العراق وحسب الإحصائيات الأمريكية فإن عدد القتلى منذ الاحتلال وحتى اليوم يزيدون عن ستمائة وخمسون ألف قتيل. هذا العدد من القتلى يساوي عدد سكان دولة هي الإمارات العربية، وفي لبنان وخلال ثلاثة وثلاثون يوما فقط دمر تتار العصر الحديث ما بناه اللبنانيون خلال سنين، وفي فلسطين حدث ولا حرج، فهناك كل شيء مستباح، لأداة القتل والتدمير الإسرائيلية استباحت كل ما كان محرما. ونأتي إلى السودان تتجه المؤامرة على هذا البلد إلى تقطيع أوصاله وتبديد كل مصادر القوة لديه، تارة عبر النزاع الديني وتارة عبر النزاع العرقي، وتارة عبر المذابح الجماعية. أراقب جلسات ما يسمى ظلما وكذبا مجلس الأمن، فأجد أن الدول المشاركة تختلف فيما بينها عند يعمل على استصدار قرار إدانة أو شجب أو عقوبات على أية دولة من دول العالم: (إيران، كوريا، روسيا، الهند وباكستان)، أما العقوبات والقرارات التي تصدر لإزلالنا وقهرنا وقتلنا وتفتيت وحدتنا فغالبا ما تصدر بالإجماع . والسبب، في تقديري أننا جعلنا من أنفسنا "حيطه واطيه" يسهل تسلقها.. أما آن لسكان هذا البيت أن يتعاونوا على رفع جدرانه، أما آن لهم أن يتعلموا من مآسيهم ونكباتهم! ولكن هيهات هيهات.. فما لجرح بميت إيلام..
9 الأولويات ووحدة الهدف
منذ وصول حماس إلى قمة السلطة في فلسطين، والساحة تشهد انشقاقات وخلافات لا عهد لنا بها، وحسب المنطق والعقل الذين لا مكان لهما على الساحة العربية، فان الحكومة التي تديرها فئة أو حزب أو تنظيم يتمتع بالأغلبية في المجلس التشريعي، تتمكن من إدارة شؤون الدولة وتنفيذ البرنامج الذي وعدت به مناصريها أو لنقل جزء منه دون صعوبات. ولأن الوضع الفلسطيني شاذ عن المقاييس المنطقية والقانونية والمعرفية، فقد فشلنا حتى الآن من نشر الأمن بين ربوعنا ولا نتحدث عن اللاأمن القائم والمروع بسبب الاحتلال ونكباته، وهنا يحق لكل إنسان غيور على حقوقه وحريته واستقلاله أن يسأل: هل هناك وحدة في الهدف والأوليات، هل الاستقلال والتحرر وإقامة الدولة الفلسطينية حسب القرارات الدولية أمر متفق عليه ويحظى بالأولويات، هل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لها تعريف موحد، هل هناك إستراتيجية مرحلية متفق عليها فلسطينيا وعربيا وتحظى بالإجماع، ولأن ذلك غير موجود، ولأن الكثير من شعبنا قد تاه وفشل في تحديد ألأوليات بشكل دقيق، فان الاستقرار الداخلي يحتاج إلى وقت (والوقت يجري لغير صالحنا)، وهذا الوقت يجب أن يستغل بسرعة وعلى الوجه الذي يعطي الأولية لإعادة بناء استراتيجيه متكاملة، لا تدع للعدو مجالا للمغامرة والمناورة، وتبعد تجار أوسلو والمستفيدين من تفسيراتها عن ساحات الإعلام.
10 مغص دماغي
الإحباط هو المرحلة البدائية في العمل العام ولكنها الخطرة، وخطرها يكمن أنها تتكرر على الألسن لهواة السياسة والعمل العام، وأكرر قول "الهواة" لأن المحترف يعرف محيطه بشكل جيد، ويعرف المشاكل بشكل مدروس، ويعرف الأدوات المتاحة للخروج من هذه المشاكل والمعضلات، وذلك بالعمل على تنمية الأدوات الايجابية وتحييد وإزالة الأدوات السلبية. والعمل العام سواء كان سياسيا أم اجتماعيا فهو من الأمور التي تحتاج إلى بصر وبصيرة، فالهدف يجب أن يكون واضحا، والأسلوب يجب أن يكون متفق عليه لدى فريق العمل، فبدون إستراتجية واضحة المعالم وفريق صادق الإيمان والولاء لهذه المبادئ، لا يمكن الوصول إلى الأهداف والغايات التي يتوق إليها ويعمل للوصول إليها هذا الفريق. أكتب هذه السطور وأنا أشعر بالمغص الدماغي مما أسمعه وأشاهده على الساحة الفيناوية، (التي تبلور لنا بصغرها شريحة من شرائح المجتمع العربي). فقد فقدت تياراتنا السياسية الإستراتجية التي فقدت بفقدها ألأولويات، وأصبح أسلوب الرياء مألوفا ولا يجد من يندد به، وأصبحت المقالات ذات القيمة تطبع إلى جانب المقالات التي لا قيمة لها، وأصبحت صور وجوه المجتمع معلقة إلى جانب مقالات يشمئز الإنسان من قراءتها. وبعد أن نستريح من العناء والمشاحنات التي تنفس عن العجز المختزن في الباطن اللاإرادي لدينا، نتراجع إلى الوراء ونبدأ ننعى جاليتنا وأمتنا وقدرنا ونرفع أيادينا مستسلمين للإحباط.
11 لك الله يا فلسطين أقول هذا وأنا أشعر بالكارثة تحل بأمتي كلها وليس بشعبي، فهذه الأمة التي بذلت وما زالت على استعداد للبذل من أجل فلسطين وتحرير فلسطين ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني، ترى اليوم هذا الشعب وقد وقف بعض منه ضد بعضه الآخر. وانهال الرصاص والعصي على المارة والمحتفلين، وانتشرت الصور التي يخجل منها حتى من لم يعتد على الخجل. هل أصبح الفلسطيني يتخندق في أحلاف لا تدفع بالقضية إلى الأمام، هل وصول أموال إلى حماس جريمة! وحتى على سبيل الفرض أنها لن توضع في صندوق الحكومة الفلسطينية، أليست تحل أزمة لفئة من الشعب الفلسطيني، أليست أمريكا وصندوق نقدها الدولي هي التي شهرت بفساد السلطة الفلسطينية وضغطت من أجل أن لا تتابع الدول المانحة برامجها التنموية وهباتها للسلطة الفلسطينية، أليس الضغط الأمريكي هو الذي دفع الرباعية إلى وقف المساعدات عن الفلسطينيين بحجة أن الحكومة الفلسطينية غير مستعدة للاعتراف بإسرائيل، وبالاتفاقيات الدولية الموقعة معها، وهل تساءلت أمريكا ولجنتها الرباعية إذا كانت إسرائيل تعترف بالاتفاقيات الدولية أو تحترمها. أين العقل الفلسطيني، أين أرواح الشهداء، أين تضحيات الأسرى الذين قضوا شبابهم خلف القضبان، هل انتصار فتح على حماس أو حماس على فتح هو انتصار للقضية الفلسطينية! في ندوة عن الأزمة الفلسطينية الحالية وما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية في المنتدى الفلسطيني في فيينا قال الكاتب فيصل حوراني في نهاية النقاش (لا خوف من حرب أهلية فلسطينيه لأن البنية الداخلية للشعب الفلسطيني لم تعرف التشرذم الطائفي والمذهبي)، ولكن هناك خوف من حرب الزعران (الأوباش والعربجية) وهذا خطر ممكن سوف يدفع ثمنه الشعب الفلسطيتي بكل فئاته ويعيد القضية الفلسطينية إلى المربع الأول.
12 تصبحون على خير
كل يوم أجلس ساعات طوالا أمام هذا الجهاز العجيب المسمى كمبيوتر، أطل من خلاله على العالم، من خلال الرسائل الالكترونية وصفحات المعلومات التي هي نتاج العقل البشري، وكشخص في مثل عمري المتقدم، كان عندي وعند جيلي في مراحل الشباب أمل في وطن عربي موحد وقوي وديمقراطي، وتبددت تلك الآمال شيئا فشيئا، ثم أصبح من يحمل بعض آثار هذا الأمل متهما في ولائه وانتمائه ا لقطري، ومهددا في لقمة عيشه، ومطلوبا لدى زائري ما بعد منتصف الليل. أقول هذا وفي قلبي من هموم أمتي ما يجعل اللبيب حيران (في حيرة)، وكما يهرب مدمني المخدرات من عالمهم إلى عالم آخر، تحولت إلى الفكاهة حيث تذكرت طرفة يرويها أهل مدينة جدة ممن تعودوا العيش على شواطئ البحر وتفننوا في أكل السمك ومعرفة أنواعه وأمراضه، والطرفة تقول: إن رجلا عجوزا دخل إلى سوق السمك وسأل البائع إن كانت البضاعة من الصيد الجديد، وأمسك بالسمكة وبدأ يقلبها وشمها من جهة الذيل، فضحك بائع السمك وقال: يا عم السمك يفحص من الرأس وليس من الذنب، فابتسم العجوز وأجابه بهدوء متعمد، الرأس فاسدة منذ زمن طويل وما أريد معرفته هو، هل وصل الفساد إلى الذنب؟؟ أجل لقد وصل الفساد إلى قلوبنا وعقولنا وتصرفاتنا وبتنا كمن أصابه الجنون، نضرب ذات اليمين وذات الشمال دون وعي، لا نعرف أين نضرب ولما نضرب، وماذا ننتقد ولما ننتقد، وماذا نشتم ولم نشتم، وأصبحت هذه النعمة الكبرى وهي الكمبيوتر والانترنت وبالا علينا، وانتشر بيننا الغث وغاب عنا السمين، وبدل أن نرسل النصيحة أصبحنا نتعمد التشهير. ألسنا في بلاد الديمقراطية، إن الخيانة هذه الأيام هي وجهة نظر، وديمقراطية العراق وجهة نظر، والاقتتال في لبنان وفلسطين اقتتال ديمقراطي، ورجال من عهد توت عنخ آمون حكموا ولم يزل بعضهم يحكم هي قمة الديمقراطية. وهنا أعود إلى هذه الشاشة الخبيثة التي فتحت أمامي عالم واسع، وطالبتني بعقلي المحدود أن أختار ما يحلوا لي، وأن أصدق ما أشاء، وان أترك ما أشاء. وهنا ما كان مني، سوى أنني أقفلت هذه الشاشة وقلت تصبحون على وطن.
13
رسالة مفتوحة سعادة رئيس السلطة الفلسطينية في دولة فلسطين المحتلة سعادة رئيس وزراء دولة فلسطين الديمقراطية الغير معترف بديمقراطيتها ولا بوجودها. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من مواطن حمل خيمته على كتفه ثلاثة أجيال، إلى أن وجد له مرتعا في منحدرات جبال الألب. لقد صبر شعبنا خلال رحلته القاسية مع قدره كما لم يصبر أي شعب آخر، وتحمل من العدو والصديق ومن الأهل والأخوة ما يمكن أن تكتب فيه ملاحم، وكما أن الأخوة من حولنا صبروا وعانوا أيضا من مزاج ثورتنا، ما يحتاج إلى توثيق. وكل ذلك جرى ونحن نرى أنفسنا نقترب من فلسطين خطوة ونبتعد خطوات، وكنا نعتقد أننا نتعلم الكثير من ذلك الكر والفر، وخلال هذه المسيرة كان هناك شعار يتمسك الجميع به وهو أن الدم الفلسطيني الفلسطيني خط أحمر لا يمكن لأحد تجاوزه، وإن كانوا في بعض الأحيان، وعندما تتأزم الأمور وتخرج من يد الكبار لتؤول إلى المراهقين الثوريين والمغامرون، وكذلك ممن تجربتهم النضالية وأيديولوجياتهم النظرية تحتاج إلى وضوح وتوضيح، كان يضرب بهذه القاعدة عرض الحائط. وكانت الديمقراطية التي كنا نشعر بالحاجة الماسة إليها وتبدو لنا ترفا لا يليق بنا، نحن أبناء الثورات المتكررة من ثورة 1919 وعدد أو أختصر ما شئت، فقد كان الزعيم بالنسبة لنا قائدا ملهما لا يمكن مراجعته حتى لو قادنا من هزيمة إلى أخرى، فنحن الجيل الذين رضع مع حليب أمه قول "سيف الدين لحاج أمين" وكذلك "حاج أمين لا تهتم عندك شعب بيشرب دم" ثم جاء عهد عبد الناصر وهتفنا كما لم يهتف أحد ورقصنا كما لم يرقص أحد، ولا أريد ان أطيل، وأذكر كم هتفنا لأبو عمار وكم تغاضينا عن الأخطاء. واليوم لا تنتظروا منا أن نهتف فلم يعد لنا صوت، ولم تعد لنا قوة، ولم يعد عندنا أمل. فقد أوصلتمونا بارك الله فيكم الى عهود كنا نتصور أنها من عهود الجاهلية البالية، وأن الشعب الفلسطيني الذي عرف طريقه في الكفاح لن يحيد عن هذا الطريق. وإذا بنا اليوم أمام معارك نخجل منها، ونخجل من أنفسنا، ونخجل إمام العالم من نتائجها. ماذا سوف تقولون لأرامل الشهداء، وأبناء الشهداء، وإخوان الشهداء ورفاق سلاحهم، بأي وجه ستقابلون الأسرى إذا قدر لهم أن يفرج عنهم، ماذا نقول للأبطال من أمتنا الذين عاهدوا الله والوطن وعاهدونا أن تكون فلسطين منهم موقع القلب من الجسد، كيف يكون موقف الكثيرين من محبي الحرية، والذين دافعوا عن ثورتنا وشعبنا في جميع المحافل وبكل مالديهم من قوة وإيمان. اتقوا الله في هذا الوطن واتقوا الله في هذا الشعب، فقد تلاشت محنة الوطن أمام محنتنا بقيادتكم وإستراتجيتكم وحتى بقواكم العقلية والفكرية.
14
حتى أنت يا بروتس
تذكرت هذه الجملة المشهورة، والتي ذهبت مثلا لعدم الوفاء والطعن في الظهر خلال عصور وعصور. ودليل استعمالها حتى يومنا هذا إنما يدل على أن العنصر البشري بضعفه وقوته، بظلمه وعدله، بازدهاره وانحطاطه، لم يتغير أو يتبدل في مكوناته النفسية، وإنما جرى صقل بعضها عند من أتيح لهم فهم الكون من خلال موسوعة القيم السامية. اضطررت إلى هذه المقدمة وأنا أقرأ في الصحف الفييناويه، والكثير الكثير من الرسائل الالكترونية عن الزوبعة التي قامت حول الشيخ عدنان إبراهيم، إمام وخطيب مسجد الشورى في فيينا، ومما لاشك فيه أن الفكر وتحليلاته يقود المفكر إلى الاختلاف والالتقاء مع محيطه، وهذه ظاهرة حضاريه في التاريخ الإنساني ساعدت على تطوير الفكر، ومن خلاله تطور المجتمعات البشرية. ومما أشعرني بالحزن العميق أن الذين أثاروا هذه الزوبعة في الصحف لم يتصلوا بالشيخ عدنان ليلفتوا نظره إلى أخطائه، إذا كانت هناك أخطاء من وجهة نظهرهم، أو إلى هفواته أن كانوا يعتبرونها هفوة أو لنقل زلة، بل عملوا وبمستوى لا يليق بأي إنسان عاقل ومتحضر، إلى إرسال الشكاوي إلى الصحف والنائب العام بأسماء إما وهميه أو بدون أسماء. ولأن لكل عمل هدف فإنني أسال هؤلاء العقلاء ما هو المطلوب من زوبعتهم هذه؟. هل المطلوب القضاء على ظاهرة الإسلام المتنور؟؟ هل المطلوب أن نذكر العنصريين أن عليهم أن لا يهادنوا الوجود الإسلامي، أم المطلوب هو الشيخ عدنان إبراهيم كرجل استطاع أن يثقف نفسه ويغذي فكره من ينابيع متعددة، ومن خلال هذه الينابيع يثبت جودة ما يعتقد انه الينبوع الأنقى والأعزب والأصفى، وهذا حقه الذي تكفله له جميع الشرائع الكونية، باستثناء الشمولية. وكنت أتمنى على القائمين على هذا المهرجان، لو عملوا وبشكل حضاري من خلال المنظمات العربية والإسلامية وما أكثرها، لتشرح وتناقش بحضور خطباء المساجد ما يجب التركيز عليه وما يجب الابتعاد عنه درأ للفتن وصونا للتعايش المشترك في المجتمع الجديد. أو من خلال رسائل مفتوحة ومعنونة بالشكل الصحيح، بحيث تكون مادة للنقاش بين المرسلين والموجهة إليهم، وكذلك بين المهتمين وعامة الجالية، اللهم إلا إذا كان أصحاب المهمة يرون أن الصحف ممكن أن تناصرهم على أبناء جلدتهم بالشكل الأفضل. أما ما يقال أن الشيخ عدنان يحرم الزواج من أتباع الدين المسيحي واليهودي، فلا أريد أن أجيب عنه، وأن أضع نفسي مكانه، ولكن بمعلومات أي كائن عاش في المنطقة العربية وعرف شيئا من حضارتها، يعرف أن الرسول محمد بن عبد الله (ص) تزوج من مسيحيه ويهودية، وبقيتا على دينهما في بيته الذي كان مدرسة وإدارة حكم في ذلك الزمان. أما الإرهاب هذه التهمة البشعة، والتي فقدت معانيها وبريقها لما اقترف باسمها من إرهاب وآثام، فالإرهاب هو الاحتلال وإشعال الفتن والظلم. والوقوف ضد الظلم والقهر والتعسف هو الطريق لقيام حضارة إنسانيه متوازنة. إنني أدعوا هؤلاء الذين أرادوا وعملوا أن تحرق الفتن الأخضر واليابس في الأرض العربية، أن يتركوا ساحة النمسا بهدوء وأمن وأمان، رحمة بنا وبأنفسهم، فالفتنة والحقد والتعصب لا حدود لجحيمها رغم أن مقدماتهم معروفة للجميع.
15
تسقط فتح تعيش حماس .. تسقط حماس تعيش فتح
الشعب الفلسطيني كجزء من أمته العربية يعاني ويواجه أزمة أخلاقية. هذه الأزمة تمتد من المحيط إلى الخلي. ولا يجوز أنت تترك هذه الأزمة بدون علاج. وإن لم يبادر المثقفون والعلماء المشهود لهم بالأمانة والحكمة وسعة الاطلاع إلى قيادة الصفوف فعلى هذه الأمة السلام. إن سياسة إقصاء الآخر في برامجنا الحزبية والوطنية والكفاحية قد تجذرت بشكل أصبح من الصعب علينا القفز عليها رغم صراخنا ومعاناتنا من نتائجها وويلاتها. أطلت في هذه المقدمة لأصل إلى موضوعي، وهو بيان صدر في فيينا تحت عنوان: "فلسطينيو وعرب النمسا يستصرخون كافة الأطراف المتناحرة لردم مستنقع الدم الفلسطيني ويطالبون بتحريم العبث بالوحدة الوطنية" قامت رابطة فلسطين في النمسا وجمعية المغتربون الفلسطينيون بالدعوة إلى اجتماع للجاليات الفلسطينية والعربية ولبى النداء عدد لا بأس به من الجمعيات التي دعيت، وكان الأخوة الداعون إلى الاجتماع قد طلبوا إلى عدد كبير من مناصريهم حضور هذا الاجتماع المخصص بالأصل للجمعيات والمؤسسات. أما أنصار الفريق الآخر فلم يدعوا إلى هذا الاجتماع، ووزع الداعون إلى هذا الاجتماع بيانا مصاغا، وقالوا هذا هو البيان ومن عنده اعتراض فليقل رأيه. وهنا سألت نفسي وسألت الحضور، أليس من الحكمة أن يصوغ المجتمعون البيان بدل الاستهانة بقدراتهم وعقولهم!!! وفي النهاية اتفق المجتمعون أن تعاد صياغة البيان بعد التعديلات المقترحة عليه، ويرسل إلى المشاركون بالبريد الالكتروني، ومن يوافق عليه يعيده مع إضافة تعليقه وموافقته، إذا كان موافقا أن يظهر اسمه بين الموقعين على هذا البيان. ولكن مع الأسف الشديد ظهر البيان على شاشات الكمبيوتر في الصحف الالكترونية ويحمل توقيع من يحق له ومن لا يحق له التوقيع. وهنا يحق لي كمراقب على هذه الساحة النمساوية الفلسطينية والعربية أن أتساءل، هل هذه هي الطريق التي ستوصلنا إلى أهدافنا، إذا كان فرض الرأي واستعجال النتائج، تأتي من أناس يعتقدون أنهم مثقفون ومسئولون ومنظرون لمستقبل أفضل، فكيف سيكون هذا المستقبل. وهنا لذت بالصمت مع بيت من الشعر كان قد أرسله لي صديق من الذين نجحوا في الغرب نجاحا باهرا وعملوا دائما في الشأن العام في سبعينات القرن الماضي وكانوا يتوقون إلى مستقبل أفضل بعد عودتهم إلى وطنهم.. عنون هذا الصديق رسالته بهذا السطر من الشعر: دعوت على عمرو فمات فسرني وعاشرت أقواما بكيت على عمرو وسنبقى نبكي ونذرف الدموع ما دام هذا التزييف والكذب والرياء والادعاء والانفراديه وضيق الأفق تسيطر على عقولنا وقلوبنا وتقتل ضمائرنا.
16 الخطر الداهم
الإنسان الذي لا يعرف أولوياته ويصنفها حسب الضروريات يسير على الأرض بغير هدى ، يخطئ كثيرا وقليلا ما يصيب. والمرحلة التاريخية المعقدة التي تمر بها أمتنا اليوم، تقتضي من قياداتنا ومفكرينا وإعلاميينا أن يكونوا على درجة عالية من الوعي والإلمام بقضايا أمتهم، بحيث لا يتركون بوصلة التوجه بيد من لا يريدون لأمتنا الخير والفلاح. فأعداؤونا هم الذين يرسمون لنا صورة العدو، ووهمنا يجعلنا نسير في طريق مخططاتهم، نقول ما يقولون، ونعمل ما يسعدهم بنجاح خططهم ويسعدنا بسماع آيات الإطراء على حصافتنا وقدراتنا المزيفة من قبلهم. وبعد أن تستهلك قوانا في المعارك التي خططوا لها نكون بعد ذلك لقمة سائغة لهم، فيستكملون مخططاتهم ويحققون أهدافهم من خلال شعوب فقدت بوصلة التوجيه ودخلت معارك ليست ضرورية ولا مصيرية بالنسبة لها، بل هي معارك تجلب على الأمة من الويلات ما لا تستطيع الأجيال القادمة إزالة أثارها. فالعدو الأساسي لأمتنا هي أمريكا المتصهينة وإسرائيل المتغطرسة المزهوة بالدعم الأمريكي اللامحدود، هي من تريد أن تسيطر على المنطقة وخيراتها، وهي التي لا مصلحة لها في نهوضنا وتقدمنا، وهي التي تعلم أن قوتنا هي ضعف لها وضعفنا هو قوة لها، ولذلك ستعمل مع أصدقائها وحلفائها على أن نبقى ضعفاء، ومن مقومات الضعف الاقتتال الداخلي، والأعداء الموهومون الذين نجند قوانا لمحاربتهم مما يمزق جبهتنا الداخلية ويدخلنا في صراع مع أنفسنا وأهلنا وشركائنا في الوطن والمصير، وهذا كله استنادا إلى ما يروجه الغرب من الخطر الإيراني على المنطقة. ومنذ متى كان يهم الغرب مصير أهل المنطقة، وماذا قدموا حتى الآن من أجل أن تعيش هذه المنطقة بأمن وسلام، هل عملوا على تنفيذ القرارات الدولية في فلسطين رغم ما تحمله من ظلم فاضح، وهم الذين زرعوا أسبابه بدفن خطاياهم العنصرية في أرضنا. ألم يحرضوا شبابنا على الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، ويدربوهم ويزودوهم بكل أنواع الأسلحة، ويفتحوا أمامهم أبواب البيت الأبيض والكونغرس ويفرشوا أماهم السجاد الأحمر، وتحتل صورهم الصفحات الأولى في صحفهم ونشرات أخبارهم. وتحملت أوطاننا من غلوائهم كما لم يتحمل أحد، وبعد أن أكملوا المهمة كانوا لهم بالمرصاد، أصبحت أمتنا كلها موصومة بالإرهاب. ألم يحرضوا إيران ضدنا وحرضونا ضد إيران في حرب دامت ثمانية سنوات سميت آنذاك بالحرب المنسية، أهلكوا فيه دولتين كبيرتين من دول المنطقة، واستفادوا مليارات الدولارات من تجارة أسلحتهم وتطويرها على ارضنا، بحيث قضوا على الفوائض المالية لدول الخليج. لماذا تحريض العرب اليوم ضد إيران، وتحريض إيران ضد العرب. أليس لإقحام المجتمعات العربية المتماسكة إلى حد ما، في نزاع سني شيعي لا يستفيد منه إلا من يريد تفتيت هذه الأمة وإضعافها، فنار الطائفية تأكل الأخضر واليابس ولا تبقي على شيء . إن إيران جارة لنا وعلينا أن نتعامل مع معها من خلال عقل سياسي يعرف لغة المصالح المتبادلة، ونقاط القوة والضعف، فإيران سوف تكون ضعيفة بدون جوار عربي قوي، يعرف لغة المصالح والتعاون، والمنطقة العربية ستكون ساحة للمستعمرين ومصاصي دماء الشعوب ولإسرائيل وعربدتها من دون إيران القوية والعزيزة والصديقة لأمتنا والواعية للتعاون المثمر والمشترك.
17
الطريق إلى برشلونة
لا أدري لماذا كل هذه الضجة وكيل التهم جزافاً من الفريق المؤيد وكذلك من الفريق المعارض لمؤتمر برشلونة . وطبعا لكل حججه ومنطلقاته وحساباته، ولكن المطلوب منا جميعاً هو أن لا نفقد وضوح الرؤية وسلامة المنطق ولباقة الخطاب. وتذكيراً لمن يريد أن يتذكر!! فعندما انطلقت الثورة الفلسطينية في 1965 كان هناك من يشكك ومن يخون ومن يلقي بتهم العمالة عليها دون أن يرمش له جفن، ونفس التهم قوبلت بها ثورة 1936 وقيادة الحاج أمين الحسيني واللجنة العربية العليا. وسؤالي للجميع: ما المانع أن يحصل هذا المؤتمر، كما حصل قبله مؤتمر الإسلاميين في هولندا، ومؤتمر المستقلين في بيروت؟ هل غرق السلطة الفلسطينية في بحر من الطين نتيجة عوامل كثيرة (لا نريد أن نفصلها حتى لا نحسب على فريق دون أخر) يبرر لها وقوفها بهذه الشراسة والعناد ضد انعقاد هذا المؤتمر، وهل سيل الاتهامات التي لا منطق لها هو ما نحتاجه اليوم في ظل مثل هذا الضياع؟ هل يجب أن يحظى المؤتمر بمباركة أبو مازن ومستشاريه، وأن يبتعد عنه أبو اللطف ومساعديه حتى يكون مقبولا؟ دعوا المؤتمر والمؤتمرين يناقشوا ما يجدونه صالحا لقضيتهم، أليسوا جزءً من نسيج هذا الشعب الذي يشعر أنه أصبح بلا قيادة تمثله وتدرك احتياجاته الأساسية.. أم أن مهمة القيادة الحكيمة أصبحت تذكيره باحتياجات وأوامر مغتصبيه، دعوهم يناقشوا فنحن أمة مكبوتة تحتاج أن تتعود على النقاش وعلى تعدد الاتجاهات والأفكار، فالحجر على الفكر والرأي حولنا إلى دواجن تخشى الحركة لأنها تؤثر السلامة. ونقول لإخواننا الذين يعارضون: أن الحكم على الأمور بخواتمها ونتائجها، فليس من مصلحة الوطن أن نرسل العرائض المعنونة بأسماء منظمات ربما لم تجتمع هيئاتها الإدارية أو العامة منذ استشهاد أبو جهاد وحتى اليوم لتكون دليلا على معارضة الجاليات في أوربا لفكرة المؤتمر. وعلى ضوء نتائج هذه المؤتمرات يمكننا أن نوحد الجهود في مؤتمر عام نتفق فيه على القواسم المشتركة لهذه المؤتمرات بحيث نخرج بجبهة عريضة تضم معظم المنظمات الفلسطينية في الشتات، تضع خطط عملها على ضوء استراتيجيه واضحة المعالم لصالح الجاليات في أوربا، بحيث تستطيع حل مشاكلها في الشتات، وكذلك المساعدة في دفع القضية الفلسطينية إلى الأمام، والعمل على تطوير أساليب النضال والوصول إلى قيادة فلسطينية تمثل أماني ومعاناة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، قيادة منتخبة بطريقة ديمقراطية ونزيهة.. فالجاليات التي قاطعت المؤتمر لا يمكن أن تكون جاليات تشعر بمسؤولياتها، ونحن أعلم بأحوال الجاليات الفلسطينية في أوربا ومشاكلها وخلافاتها وقدرتها على التأثير في محيطها الفلسطيني والعربي، وإلى أن يصل الفلسطينيون في الشتات إلى القدرة على العمل الجاد والخلاق فلا بأس أن يترك المجتمعون في برشلونة علامات وإشارات على طريق طويل وشاق.
18 النفق المظلم
الاقتتال الفلسطيني بين فتح وحماس هل هو سمة بارزة من سمات عالمنا العربي الذي بدأ بالتراجع والانحدار دون ضوابط وكوابح وأصبحنا من حيث ندري أو لا ندري نسير مع أعداء أمتنا على منهاج تمزيق وتخريب كل ما يترك للمواطن العربي أمل في وطن أو ملجأ؟ فهاهو العراق دماء تنزف ووطن يتفتت وجماجم تبني العزلة والخوف والتمترس في خنادق الطائفية الحاقدة، وتهدم الثقة بالمستقبل، وسياسيون يلهثون خلف الثراء قبل فوات الفرصة، أو حاقدون وضعوا أنفسهم والغاصبين في خندق واحد للقضاء على حصن له شواهد في الدفاع عن هذه الأمة. وهاهو لبنان يتفجر من داخله بعد أن حقق نصر الصمود أمام العدو الصهيوني وآلته العسكرية ومعسكره الامبريالي الداعم لرغباته. فهل عجز بلد العلم والنور والتنوير وأهله عن الجلوس والتفاهم حول مصير سفينة لو غرقت لغرق الجميع، ألم يتعلم سياسيو هذا البلد من حرب أهلية دامت طويلا وأكلت الأخضر واليابس وشردت مئات الآلاف في أصقاع أوربا وإفريقيا والخليج، وهدمت بلدا كان يفتخر العرب بزيارته، هل الطريق إلى بناء الوطن هو الهدم والانفراد والإقصاء؟ أما فلسطين فحدث ولا حرج، الزاهدون في الحكم دفعوا رغبة وقسرا إلى المبارزة في انتخابات لاختيار حراس للاحتلال، صدق الكثير أحجية الديمقراطية، ونجح من نجح وفشل من فشل، ودارت دورة من الظلم الدولي والتعسف الداخلي، وتشابكت حرب المصالح وحرب المبادئ، ودعم الاحتلال كل المعارك بلا استثناء، وها نحن في النهاية نصل إلى ما كانت تتمناه جولدا مائير واسحق رابين من أن يبتلع البحر غزة بمن فيها، رحم الله فلسطين إذا كان هؤلاء هم أصدقاؤها وأهلها فقد كفاها الله شر الأعداء.
19
فتح وحماس ولعبة عض الأصابع
لقد نسيت فتح وحماس، أنهم أخذوا شرعية وجودهم واحترامهم من خلال تبنيهم لقضية عادلة واستعدادهم للدفاع عنها، من خلال تبنيهم للكفاح المسلح طريقا للتحرير، حيث قدموا الكثير من التضحيات والشهداء وقوافل من القادة السياسيين والميدانيين الذي استشهدوا وهم يضمون راية المقاومة إلى صدورهم. واليوم بعد أن حدث ماكان يجب أن يحدث على يد السلطة وأجهزتها الأمنية من بسط الأمن في ربوع قطاع غزة، حصل بطريقة مختلفة، حيث قامت حماس بذلك، واستطاعت خلال أيام أن تقوم بما عجزت عنه السلطة خلال فترة ليست بالقصيرة. لاشك أنه ليس من حق أي فصيل أن يفرض مايراه أحقية وطنية وقومية دون مشاورة شريكه في الوطن والأرض والحكم، ولكن حسب الكثير من المناورات والمؤامرات والمكائد لم يكن بإلامكان أحسن مما كان، وحدث الكثير من التجاوزات والحماقات والشطحات التي لا تمثل قيم هذا المجتمع، ولا تمت إلى قيم العروبة ولا الإسلام بصلة. وقامت حرب داحس والغبراء، وتمترس كل فريق في خندقه، كل يريد رأس خصمه ولو بمعاونة من لا يريد الخير لفلسطين والفلسطينيين، حتى وإن وصل الأمر إلى الاستعانة بالعدو الصهيوني، الذي أصبح فجأة يوزع شهادات حسن السلوك ويصرف من أموال الشعب الفلسطيني على الموالين له. وكان أبو مازن يحاول معظم الوقت أن يكون رئيسا لكل الفلسطينيين، وخاصة بعد أن عانى كرئيس وزراء من الكثير مما عانى منه السيد إسماعيل هنيه وحكومة حماس. وكان الأجدر به بعد استيلاء حماس على السلطة في غزة، أن يصل فورا إلى غزة، وبصفته القائد العام أن يطلب من حماس إعادة الاعتبار إلى أجهزة السلطة ومؤسساتها، فان لم تفعل فسوف تكون قد خرجت بنفسها عن الإجماع الوطني، وأبعدت نفسها عن الثقة التي وضعها فيها الشعب الفلسطيني. ولكن وللأسف الشديد، فقد تمترس أبو مازن في خندق المنتفعين والفاسدين من فتح وجمع حوله كل من لا مصلحة له في بناء دولة فلسطينيه، وأصبحت المكائد والدسائس والاستقواء بالإسرائيليين والأمريكيين وحتى الأوربيين من أجل تجويع القطاع وأهله وتركيع حماس ومناصريها، وهنا وجدت إسرائيل في الرفيق أبو مازن خير من يستطيع أن يعيد أمانة ما تبقى من الضفة الغربية إلى الحكم الهاشمي تحت مسميات كثيرة، كان العارفون بالتاريخ الفلسطيني يذكرونها ويذكروا معها مؤتمر أريحا وقيام المملكة الأردنية الهاشمية على أراضي الضفتين، أما غزة فكل التمنيات الإسرائيلية من تمنيات جولدا مائير وبعدها تمنيات اسحق رابين أن يبتلع البحر غزة فلم تستجب.. فهل تمنيات أبو مازن مستجابة!!
20
أمة لا قيمة لها بين الأمم
المشهد العراقي المفزع ومشاهد القتل والدمار اليومي في فلسطين والصومال، لم تستقطب أي تعاطف أو استنكار جدي محلي أو دولي، لا من أنصار حقوق الإنسان ولا من أنصار البيئة ولا حتى من أنصار الرفق بالحيوان. ودموع الأمهات الثكلى والأرامل والمشردون الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها بدون مأوى أو لاجئين في بلادهم أو في بلاد الجوار. لم يجدوا من أمتنا نداء إلى اجتماع للشجب أو التنديد أو مؤتمرا للبحث في مشاكلهم أو لمواساتهم سواء ماديا أو معنويا. أكتب هذه الآهات وأنا أشعر بالخجل من نفسي ومن أمة تسير بتسارع خطير نحو النهاية، حيث أن مؤتمراتنا وإرادتنا وكذلك عواطفنا هي رهن إشارة من يريدون لنا الهلاك؛ فشرم الشيخ وجدول أعمال مؤتمراتها، يقول أن أولويات أمتنا لا قيمة لها أمام أولويات أعدائها، فأولويات الأعداء في المقدمة وعلينا أن نكون حريصين كل الحرص على التجاوب مع متطلباتها سواء بالنسبة للخطر الإيراني المزعوم، أو أمن إسرائيل الذي لم يكن مهددا يوما ما، وكذلك أمن القوات الأمريكية الغازية في العراق. أما أوليات الأمن القومي العربي، وأوليات شح المياه الصالحة للشرب، وأولويات إيجاد فرص عمل لملايين العاطلين والبؤساء، وأولويات تطوير نظام تعليم يخرج الكوادر القادرة على إنجاح برامج التصنيع الوطني واجتذاب المستثمرين والشركات التي تبحث عن الأسواق المؤهلة من حيث العمالة الماهرة والسوق الاستهلاكي الواسع. فكل هذه الأولويات التي أصبحت أكثر من ضرورية لا تجد لها حيز؛ ليس في عقول المسؤولين فقط ولكن حتى في حقول الإعلام، لأن الهم الأكبر أن يبقى المواطن في سباته العميق، وأن لا يصحو سوى على الكوارث التي تصيبه بالشلل الفكري وتجعل منه أشلاء إنسان. وهنا، لابد لنا أن نتساءل، والعالم ينظر إلى الأقوياء ومنجزاتهم، بأي عين يقيم منجزاتنا. فالمليارات من الدولارات تتدفق إلينا جراء ارتفاع أسعار النفط وتتكدس في مصارفنا وفي البنوك الغربية بحيث لا نستطيع التحكم بحركاتها وتحويلاتها، ورغم ذلك فان دولنا لا تحاول أن تضمد جرح جريح أو تمسح دمعة يتيم أو أرملة أو تقيم مشروع علمي أو صناعي يشهد المختصون بأنه سد فراغا في حاجات الأمة وما أكثرها، أو تقيم مشروع استراتيجي يسد ثغرة في جسم وافي الثغرات!.
21 أين المفر مسكين هذا المواطن العربي الذي يتاح له القليل من القدرة ليفكر بهموم أمته، إنه محاصر من الجهات ألأربع، يتأمل من الداخل فيرى جحافل الشر ومواكب المرتزقة المتحالفة مع قوى الخارج المعتدية والمغتصبة والمدمرة تكتسح المشهد السياسي من جنوب الوطن العربي حتى شماله ومن شرقه إلى غربه، بقوة لا تقل عن قوى العواصف الطبيعية المدمرة. وبالمقابل مشهد القوى التي ترى الكارثة وهي تعمل بكل ما لديها من جهد ووعي للوقوف أمامها ومقاومتها، ولكنها في كثير من الأحيان تنجر خلف النظريات والأيدلوجيات من دون تحديد للأولويات بالدقة المطلوبة، والاتفاق على القواسم المشتركة التي لا يمكن التفريط بها، وزع بذور المحبة والتوافق وقيم العمل المشترك البعيدة عن الأنا المدمرة، لأن الوطن المستقل المزدهر والحر يتسع لجميع أبنائه على اختلاف أفكارهم ودياناتهم ومذاهبهم وتطلعاتهم. هل هي إذا معركة نضوج فكري!!!، هل هي معركة مفاهيم وأولويات لم يتم التوافق عليها!!!، وإلا لما هذه الانقسامات على الساحة العربية من اليمن إلى الجزائر ومن العراق إلى فلسطين ولبنان. التحديات القاتلة تقف في وجوهنا فاغرة أفواهها مذكرة أن هذا العصر حكر على من يقبل التحدي ويكسب رهانه. وتنشب أظفارها في لحومنا وعقولنا. فالفقر توسعت مرابعه في بلادنا، وشح المياه وندرة الكهرباء وعدم الحصول على السكن الذي يحفظ للإنسان إنسانيته وما يرافق ذلك من تكدس البشر في المدن للبحث عن عمل وترك القرى والأراضي الزراعية للبوار، ناهيك عن المدارس ومستوياتها التي لا ترقى إلى كتاتيب الشيخ أو الخوجة في الأزمان الغابرة. أما مثقفونا والواعين منا فقد انسلخوا في أغلب الأحيان عن مجتمعاتهم وتركوا هذه المجتمعات نهبا للمستغلين والمرتزقة واللامنتمين أو أصبحوا جزءً منهم. وهنا يتبادر إلى ذهني السؤال المحير، هل نحن مخلصون لهذا الوطن؟ هل هو جزء منا ونحن جزء منه؟ هل كرامتنا مرهونة بتقدمه ورفعته؟ أم أن ما نتشدق به لا يعدو كلمات لا تمس القلب والعقل. إن من يغار على وطنه يخجل من الانقسامات الموجودة حيث وجدت، ويعالج أسبابها ليمنع حدوثها حين يشعر أن هناك ما يستوجب ذلك. ولنا في حكمة سليمان مثل، فحين ادعت امرأتان بنوتهما لطفل واحد، فما كان منه وهو المعروف بالحكمة أن حكم بقطع الطفل إلى قسمين وأن تأخذ كل واحدة النصف وبذلك يكون الحكم. فما كان من الأم الحقيقية إلا أن تنازلت فورا عن نصيبها من أجل أن يبقى ولدها على قيد الحياة كاملا معافى. فليتنا جميعا نرقى إلى مستوى هذه الأم لنصون أوطاننا موحدة ونحافظ على وجودنا أولا وعلى السفينة التي تحملنا وفيها كرامتنا ومستقبلنا وعزتنا.
22 قنديلنا الذي رحل
اليوم، ننعي الدكتور حيدر عبد الشافي، ونحن في أحوج مانكون الى أمثاله، الذين أصبحوا من الندرة بمكان، في عهد العهر السياسي والفساد والمحسوبية وعدم وضوح الطريق والاختلاف على الثوابت وبيع المقدسات. رحل أبو الأمة وحكيمها، رحل بعد أن رأى كل أحلام شعبه تتساقط كما تساقطت أصنام مكة. كان كشجرة الصفصاف في أرضنا بجذورها المغروسة في تراب الوطن، هاجر معظم المتعلمون والمثقفون الى الخليج وغيره، طلبا للمال وردا للعوز، ولكن فقيدنا آثر البقاء بين فقراء شعبه، يضمد جراحهم ويعالج مريضهم ويعطف على مسنيهم. أما في السياسة فكان دائما في المقدمة؛ ففي الاتحاد القومي كان الفارس صاحب الرأي السديد، وفي عهد الاحتلال كان الرجل الذي يجمع قلوب الرجال، وفي مدريد حيث اختير رئيسا للوفد الفلسطيني ـ المرافق للوفد الأردني ـ كان صاحب الرأي السديد والموقف الصلب. وعندما سحبوا البساط من تحت قدميه من أجل اوسلو المخزيه، كان مثال العاقل المتزن والمتريث، فلم يتعرض لهم بالهجاء كما تعودنا في تاريخنا النضالي، رغم قناعته الكاملة أن الصهاينه لايريدون السلام ولايمكن للسلام في المنطقة أن يمر بموافقتهم بل رغما عنهم. رحلت أيها الفارس النبيل، رحلت وأنت غير راض عنا، رحلت وأنت ترى صفحات صحفنا وقد نسيت العدو المحتل وجندت كل مالديها من كتاب ومفكرين وأدباء لتغطية أخبار حرب داحس والغبراء. لقد ذهبت وأنت النطاس مداوي الجروح، في وقت لانجد فيه من يداوي الجراح، كان الجميع يمالقون من أجل التقرب إليك، لا ليتعلموا منك الحكمة والاتزان وبعد النظر، بل لأخذ الصور التي يستغلونها لتبيض صحفهم السوداء. واليوم بعد أن نحروك، هاهم يركضون خلف نعشك من أجل أن ننسى ونصفح عن سيئاتهم. رحمك الله أيها البطل، فقد كنت قنديلنا، بعد ليالي أوسلو المظلمة.
23 كل عام وأنتم بألف خير
هذا ما أتمناه لنا جميعا على الصعيد الشخصي، وكذلك بل وأكثر على صعيد الأمة والأوطان، فمما لاشك فيه أن عام 2007 كان عاما مليئا بالنكسات والفشل؛ فلا نجاحات في مجال السياسة ولا الاقتصاد ولا السلام الداخلي، في مجتمعات تتآكل الطبقة الوسطى فيها كما تتآكل ضفاف الأنهار الرملية أمام الفيضانات الجامحة. وودعنا عامنا القاسي بالتذمر والشكوى وندب الحظ. وهنا يجب أن لا نفتري على الحظ كثيرا، فقد كان إلى جانبنا في طفرة أسعار النفط، التي آمل أن لا تذهب كغيرها من الطفرات لتمويل حروب لا ناقة لنا بها ولا جمل. وهنا لابد لي من أن أتذكر قول الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا فشعوبنا سلمت زمام أمورها إلى حكومات غير مؤهلة وغير ديمقراطية، حيث أن هذه الحكومات أصبحت ترى في أي احتجاج أو رفض أو استنكار لأي مرسوم من مراسيمها التعسفية خروج عن طاعة ولي الأمر، يعاقب القائمون عليه بالويل والثبور وعظائم الأمور. وبعد أن فقدنا الأمل بالتغيير من فوق، وأصبحت البرلمانات العربية تملأ مقاعدها حسب مزاج الحكام ومصالح القوى الهامشية التي توافقت مصالحها ومصالحهم وأهدافها وأهدافهم. هل نبقى على قناعتنا أن لا أمل بالتغيير من الأسفل، بعد أن وصلت المدارس إلى مستوى أشبه بزرائب الأغنام، وأضحى المدرس براتبه الضئيل أشبه بالراعي الذي لا يملك من القطيع الذي يرعاه ولا حتى نعجة واحدة، وأصبحت الجامعات البعيدة عن البحث العلمي أشبه بمدارس محو ألأميه. وأضحت السجون المأوى الأخير لكل صاحب رأي إذا ما فشل في الهجرة أو رغب عنها، وعاد رغيف الخبز ليحتل سلم الأولويات. هل نحن في العام الجديد قادرون على مقارعة قوة من البيروقراطية استفادت وما زال وضعها في تحسن مستمر في غياب الشفافية والمحاسبة وسلطة القانون. هل الإقطاع السياسي الذي انتشر من خلال رؤساء يجلسون على كرسي الحكم مدى الحياة ويصدرون القوانين التي تثبت وحدانيتهم ولياقتهم وأهليتهم لمرحلة لم تخلق لسواهم، وعندما يستبشر الشعب بالخير وأن منيتهم قد اقتربت، تخرج عليك جوقات الممثلين والمهرجين واللصوص المتكاتفة مع الحكم لتقنعك بأن ولده سيكون خير خلف لخير سلف. وهنا علينا اليوم ومن هنا ومن بلاد المهجر أن ننظم صفوفنا ونوحد القوى الديمقراطية الوطنية منها والإسلامية، لنكون من هنا اليد القوية التي تساعد قوى المجتمع المدني المتناثرة على مساحة الوطن العربي لتستطيع مقارعة الظلم والتعسف والفساد، ونبني سويا وطنا لنا وللأجيال من بعدنا بعيدا عن التدخلات الأجنبية يواكب روح العصر بديمقراطيته وازدهاره العلمي والاجتماعي والاقتصادي.
24
نحن وغزة والحصار
غزة خرجت كما لم تخرج من قبل، خرجت لتقول للموت جوعا لا وألف لا، فإذا كان لابد من الموت فلسان حالها يقول: دعوني أختار كيف أموت. وغزة اعتادت على الموت كما اعتاد عليه الفلسطينيون جميعا، دماء مباحة ومستباحة رغم كل ما يقال عن حقوق وقوانين وقيم يفرضها القوي على الضعيف. وهذا الشعب الصغير بعدده، الكبير بأمته، أمته التي نسيته أو تناساه قادتها خوفا أو ترهيبا أو ترغيبا، قد تعايش مع الموت ومع مفرداته.. وأراد هذه المرة الإفلات من الموت الجماعي بعد أن مات الضمير العالمي، وأصبحت الأمم المتحدة ومجلس الأمن ألعوبة في يد الأقوياء. هربت الجموع باتجاه مصر.. معتمدة على أنه إن نسي العرب حق الأخ على الأخ، فان ذاكرتهم مازالت قادرة على أن تتذكر حق الجار على الجار، وهكذا وجد الغزاويون قارب النجاة في دك السور الذي يفصل الرفحيين عن بعضهم، وكان ذلك عرسا قوميا وطنيا وحياتيا، كل أخذ منه ما يريد وكل فسره كما يريد. الواقع الجديد فرض على المنطقة آلية جديدة؛ فكل أراد أن يستفيد ويتحرك إلى مركز أفضل، ودعت القاهرة إلى اجتماع للمسؤولين الفلسطينيين من فتح وحماس، للاتفاق على صيغة جديدة لإدارة المعابر، ووجد أبو مازن الفرصة مناسبة لتكرار شروطه وإرضاء من يريد إرضائهم، وأصبح أبو مازن صقرا من الصقور الكاسرة في هذه المفاوضات التي يحتاج إليها الشعب الفلسطيني والأمة العربية بفارغ الصبر، في مواجهة العجز والإذلال أمام الطغيان والتعسف الإسرائيلي على بوابات المعابر من والى غزة. والسؤال اليوم على كل لسان، ماذا يريد أبو مازن، ولماذا هذه السياسة ذات الوجهين؟؟.. سياسة الحمل الوديع والناسي والمتناسي لألام شعبه ومعاناته ودماء شهداءه وآلام معتقليه، والظلم الفادح في الاستيطان والحواجز والتنكيل والقتل بدون رادع أو مسؤولية. مقارنة مع الوجه الأخر في رأب الصدع الفلسطيني الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى الحكمة والاتزان ومراعاة الأولويات والقفز فوق الكثير من الجراح من أجل فلسطين، إذا كانت فلسطين الحرة المحررة والمستقلة بأقل ما يقال بها حتى حدود 1967 مع القدس كعاصمة لها، لماذا لا يشعر أبو مازن أن هذا الوطن للجميع؟ وأن ما حدث بغزة كان نتيجة لتراكم أخطائه وأخطاء من سبقوه ومؤامرات الاحتلال، وأن الظلم والتعسف سواء جاء من حماس أو فتح أو أي فصيل آخر فان نهايته معروفه، وإن كان غباء مقترفيه قد أفقدهم رؤية المخاطر وضخامة المسئولية. وإذا ما استمر الخلاف الفلسطيني الفلسطيني واستمر كل فصيل يدافع عن شرعية كاذبة فعليهم أن يعرفوا أن الشرعية الحقيقية دفنت مع الشهداء في قبورهم، وتركت لنا الشرعية المزيفة التي يريدها أصحاب المصالح المادية والمكاسب بعيدا عن آلام ومعاناة الشعوب.
25 إمبراطورية غزة العظمى
شغلت أحداث غزة الأخيرة الصفحات الأولى في معظم صحف العالم، واحتلت الصدارة في نشرات الأخبار، وسيطر بعدها الإنساني على عقول الكثير من المهتمين بالشأن العام. وكذلك على اهتمام الكثير من الناشطين في مجالات حقوق الإنسان، والرفق بالحيوان. فجأة، تحول هذا الزحف الجائع، الخائف، المكون من مجموعات من المرضى الذين يبغون العلاج، وزوار هاربون من الحصار، يودون العودة إلى البلاد التي جاؤوا منها، وجوعي يحلمون بشراء حوائجهم اليومية مهما بولغ في أسعارها.. تحولت هذه الجموع المقهورة والمحبطة والمنهارة إلى غزاة، مجهزين بصواريخ القسام الفتاكة والأحزمة الناسفة والقنابل العنقودية التي تحملها طائراتهم، يهددون الأمن القومي لمصر العزيزة على قلب كل عربي ومخلص، وانبرت الصحف والمحطات الفضائية في توظيف كل من يعرف ومن لا يعرف عن القضية الفلسطينية، والأمن القومي المصري، شريطة أن يكون حاقداً على العروبة وعلى المستقبل المشترك لهذه الأمة، ومؤمنا بحق إسرائيل بالوجود والاحتلال والتوسع، وأن يبين للجماهير العربية الخطر الكاسح والمصيري التي يمثله اختراق الحدود من قبل جيوش الإمبراطورية الغزاوية العظمى على السلم والأمن المصري، ومن بعده السلم العربي والعالمي!. وهنا تذكرت حادثة ذات دلالة في هذا الشأن؛ ففي العشرينات من القرن الماضي، حين كان الزعماء العرب رغم اختلافاتهم السياسية يتزاورون، ويناقشون خلافاتهم بعيدا عن الصحف والإذاعة والفضائيات، قام أحد القادة في الجبهة الوطنية السورية، وهو الدكتور عبد الرحمن الشهبندر بزيارة إلى الأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن، الذي أصبح فيما بعد ملكا للمملكة الأردنية الهاشمية، وعندما وصل إلى قرية من قرى سهل حوران في ذلك الزمن، يقال لها الرمثا، تقع على الطريق بين عمان ودمشق، تنبه الرجل إلى وجود لوحة تشير إلى حدود الإمارة الأردنية، فما كان منه إلا أن ترجل وطرحها أرضاً، ودخل على الأمير عبد الله غاضبا متسائلاً: أمن أجل هذه (يشير إلى اللوحة) قمنا بالثورة العربية الكبرى يا شريف؟! واليوم غزة التي كانت على مسار التاريخ والجغرافيا جزءً من أمن مصر، أصبحت اليوم، وبخبرة أمريكية صهيونيه سلطوية تمثل الخطر الداهم على هذا الأمن!!.
26 هل هناك حرية رأي حتى يأخذوها
انتهت المهمات التي أوكلها الرؤساء العرب إلى وزراء داخليتهم بالنجاح والتوفيق، فهناك في تونس واحة الحرية الفكرية والسياسية والعقائدية!، استطاع هؤلاء الوزراء وعلى مدى سنوات من العمل الشاق والطويل على تدارس أحسن الطرق لمنع أي ازعاج لأولياء أمورهم، بتحسين الأنماط الجهنمية للتحقيق مع الخارجين عن بيعة السلطان، وتسجيل أسماء المشتبه بوجود موروثات ثورية أو سلفية، أو ممن يتوقون إلى نظام ديمقراطي يرفع شأن العلم والتعليم ويؤسس لدولة المؤسسات. وبعد أن اكتملت المهمة الشاقة وأصبح كل مواطن عربي يصل إلى حدود أي بلد عربي يعرف أن رجل الحدود هذا أمام الكمبيوتر قد وضحت أمامه صورة هذا الزائر، وأمامه ثلاث احتمالات: أما أن يختم الجواز مع كلمة تفضل، أو عليك غدا ومنذ الصباح الباكر مراجعة دائرة المخابرات لاستلام جوازك (وهناك العديد من الخيارات في تللك الدائرة)، وإما أنت ممنوع من الدخول لأنك خطر على أمن مولاي السلطان. وخلال انجاز هذه المهمة برزت على السطح قضية لم يكن جلادونا يحسبون حسابها، أجل لقد سيطروا على سياج مزارعهم بالشكل التام ولكن أن يأتي الخطر على موجات الهواء فهذا مالم يكن في الحسبان. والآن يجتمع وزراء إعلامهم الميامين، لإصدار وثيقة شرف لا تحمل من الشرف شيئا، تبتغي تكميم الأفواه ومصادرة الآراء والتجهيل والتعتيم. إنهم يملكون الكثير من العوامل المساعدة، فالمال الوفير قد تجمع في خزائنهم، وقوى الظلم والعدوان تشعر أن خسارتهم إنما هي خسارة لمصالحها وإستراتيجيتها، أما نحن والمطلوب أن نكون رؤوسا خاوية، فلن نستسلم وسنعيد صياغة إستراتجية جديدة على غرار نكتة أبونا.. حيث كان في أحد قرى جبل لبنان خوري "زفر اللسان" (يتكلم ويتهجم بشتائم سوقية عندما لا يعجبه أمر ما) واحتجت الرعية على أسلوبه، وانقسمت القرية بين مؤيد ومعارض، وأخيرا اتفقوا معه على أن يضع بحصة في فمه حتى لا تفلت الكلمات النابية وتقلق من يقلق من سا ميعيها، وسارت الأمور على أحسن مايرام حتى جاء يوم إلى الكنيسة شخص لم يحترم ما اجتمع الناس عليه وأثار وجوده البلبلة، فما كان من الحشد أن هتفوا بصوت واحد يا أبونا بق هالبحصة (أي أبصق البحصة خارج فمك واشتم كما يحلو لك).. والآن هل يحق لنا أن نشتم؟.. فقد حرمونا الأدب والفن والتعليم والأمن، وقبل هذا وذاك حرمونا لقمة العيش الهنية.
27 هل السلام المنشود سراب كانت أوسلو استراحة محارب، لمن يعتقدون أن السلام مع العدو الصهيوني ممكن، إذا ما قمنا ببعض التنازلات الأليمة في محيط حق العودة والقبول بدولة في حدود 5 حزيران 1967. ولا أدري إن كان هذا التصور نابعا من بساطة في التفكير وعدم فهم التاريخ بما حمل من معلومات عن أهداف وأمال وأيديولوجيات وتصورات لهذه الدولة المزروعة في الجسم العربي التي تخدم أهداف شريرة أقلها تمزيق الوطن العربي وفصل شماله عن جنوبه واستنزاف إمكانياته في حروب لانهاية لها إلا بتغيير ثقافته والتنكر لحضارته والرضوخ التام وغير المشروط لإملاءات أعدائه وجلاديه. أقول هذا وأنا أراجع ما نتج عن المبادرة اليمنية التي نحتاجها لرص الصفوف ومراجعة المسيرة (الأسلوية) بما لها وما عليها، وكذلك مراجعة أسلوب المقاومة ونهجها والطريق الأنجع لتفعيل أدائها ورفع مستوى المقاومة بين صفوف الشعب الفلسطيني، وتنشيط وتنظيم الدعم العربي والعالمي ليرفد مسيرتها التحريرية. فعندما وافق الرئيس جمال عبد الناصر على مشروع روجرز هرع رئيس الدبلوماسية المصرية محمود رياض إلى الجنود المرابطين على قناة السويس يطالبهم بأقصى درجات الاستعداد والجهوزية لأن السلام المطلوب وحدوده ترسم من خلال ما نستطيع تحقيقه على الأرض من انتصارات وتنغيصات واستنزافات لعدو متغطرس مدعوم من قوى لا تقيم لنا وزنا. وهنا لابد لنا في فلسطين من توحيد جهودنا لأن الطائر الفلسطيني لا يستطيع التحليق بجناح واحد، فقوته تكمن في جناحيه القويين اللذان يقودهم رأس حكيم ومتزن ومخلص يعرف مصلحة الوطن والمواطن ويحلق للوصول إلى الهدف بثبات ووعي كاملين. وهنا نتذكر قول المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعلي مضر كوضع السيف في موضع الندى
|
|
kahdra@jusur.net راسلوني |