
|
|
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |
|
1 صوت العقل تهادى طائرا فوق السحاب، والعالم ممتد تحته إلى ما لا نهاية، مَلَكَ الفضاءَ بجناحيه الكبيرين، فاتحا صدره لمداعبة الهواء، وعيناه الثاقبتان تمكنانه من رؤية أدق التفاصيل ومراقبة الكائنات الحية التي تتحرك على الأرض. رصد قطة تركض في الحقل فلحق بها وأمسكها، قاومته بكل ما أوتيت من قوة وبدأت تغرز مخالبها بجسمه منتزعة بعض ريشه مسيلة دماءه. وصادف أن مرَّ به طائر آخر وشاهد ما حلَّ به، فقال له: "أتركها، يكفي ما سال من دمك!". فردَّ النسر: "أنا أريد تركها لكنها هي لا يريد تركي". قصة بسيطة سمعتها من صديق، توصَّف بالضبط واقع حال القوات الأمريكية في العراق. فقد دمر هذا البلد بعد أن تآمر الجميع عليه، ومزِّق وأُدخل في نفق مظلم لا نهاية له، والضحية الأولى هو الإنسان العراقي البسيط الذي لا يريد أكثر من العيش بسلام وكرامة. ولم ينتهي الأمر عند هذا الحد، فالمؤامرة الكبرى هي في محاولة محو ذاكرة هذا الإنسان، والعودة به إلى عصور ما قبل التاريخ، بدءاً من تدمير المكتبة الوطنية في بغداد، إلى نهب المتحف الوطني، إلى قتل الكوادر العلمية، إلى استخدام المدن الأثرية قواعد عسكرية لجنود الاحتلال، هذا عدا التدمير الكامل للبنى التحتية، والخسارة المروعة في الأرواح البشرية وهي الأهم في هذا البلد المنكوب. غاب صوت العقل، وعلا صوت العنف والطائفية، ووصل الجميع إلى النقطة التي يريدها أعداء العراق ألا وهي الاقتتال الأهلي، هنا فقط يمكننا أن نقول إن أهداف من يريد لهذا البلد الزوال من الخريطة قد تحققت، وحرم العراق فرصة لا يملكها أي بلد عربي آخر، في الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة، وكلنا يعلم ما كان لدى هذا البلد من المؤهلات والقدرات والثروات. عند بداية الحرب على العراق، قال لي زوجي "قد تستغربين، ولكن هذا هو الانتقام لسبي بابل"، يومها ضحكت لهذه الفكرة المجنونة، ولم يمض أسبوع إلا وكتب صحافي إسرائيلي الكلام ذاته في يديعوت أحرونوت. الحقيقة، أننا لا نستطيع التيقن من إذا كان ما جرى هو كل ما أعدّ لهذا البلد أم أن في الجعبة مزيداً. ولكننا نأمل في أن يتوقف حمام الدم الحاصل، وأن يعمل العقلاء على إيجاد مخرج من هذا الواقع الأليم. والأمر ليس بصعب إن توفرت النوايا، إذ لا يمكنني أن أصدق أن هذا البلد الذي قدّم أول شريعة في التاريخ غير قادر على إيجاد الحلول، أو إيجاد إستراتيجية تخرج العراق من الكارثة التي حلت به.
2 خالتي أم بشار كانت خالتي أم بشار امرأة فارعة الطول، ذات وجه طفولي الملامح، تبرق فيه عيناها الجميلتان وكأن وجهها كله عيون، بشرتها بيضاء مشربة بحمرة خفيفة وشعرها أسود. عندما رأيتها للمرة الأولى كانت هي من ناداني من على سطح منزلها قائلة: "يا بنت، كيفك، أنا خالتك أم بشار". خالتي أم بشار، أم لسبعة أولاد، بسيطة، وساذجة، تصدق كل ما يقال لها، ويشاع في الحي أن الحجاب مكشوف عنها، ولها شخصية شفافة لا تعرف الحقد ولا الكره، وهي تحب كل الناس. صباح كل يوم، كانت نساء الحارة تتجمع في بيت واحدة منهن بشكل دوري ليتناولن الإفطار معا (الصبحية)، وكانت خالتي أم بشار زينتهن. بعد الإفطار يبدأ العزف على الطبلة ويبدأ الغناء والرقص، وهي على رأسهن، وتنتهي الجلسة دائماً بقراءة خالتي لفناجين القهوة. ذات يوم، دعيت أمي لزيارة خالتي على الصبحية وأخذتنا معها أنا وأختي. وتوافدت النساء على التوالي، مغمسات باللباس الأسود من رأسهن إلى أقدامهن، بالملايات، وكأنهن سقطن في دواة الحبر الأسود. وحين خلعن الملايات السوداء، ظهر تحتها أجمل نساء الأرض بفساتينهن الجميلة الملونة الزاهية التي تبعث على الفرح والبهجة، وتحتها سراويل بيضاء من القطن تصل إلى الركبة، تظهر بعد جلوسهن على الأرائك، متربعات كاشفات أرجلهن على شكل رقم سبعة (7)، فبدون بالنسبة لي كمنظر الفراشات البيضاء التي تجمعت على ورود الحديقة. بعد الفطور، قامت خالتي أم بشار بقراءة فناجين القهوة وهي عادة حرصت عليها نساء الحارة، فخالتي كما أوردت سابقا مكشوف عنها الحجاب، وهي تعرف ما كان وما هو حاصل وما سيكون، ولا يمكن لأي امرأة أن تخفي شيئاً عنها. ولطالما أثارتني شخصية خالتي، فهي قد تزوجت في التاسعة من العمر لرجل يكبرها بثلاثين عاماً، وكان لزاماً عليها أن تبقى في بيته وبين أطفال دار العائلة إلى بلغت الثالثة عشرة من عمرها. لم تفهم ماهية ليلة الدخلة فكانت صدمتها كبيرة، خصوصا حين أغلق الباب عليهما. وكانت تلك ليلة أشبه ما تكون بليلة اغتصاب تحت مسمى الزواج. لا شيء يجمعها بهذا الرجل، سوى أنه الآمر الناهي وعليها الطاعة. بدأت خالتي تعاني من نوبات صداع تدفعها للانعزال عن أهل الدار. مضت سنتان على دخلتها ولم تحمل. وبدأت الضغوط تتزايد على زوجها من قبل الأهل مطالبين إياه بتطليقها، فهي بحكم العاقر بالنسبة لهم خصوصا أنهم قد أخذوها للفحص عند أشهر الأطباء . دخلت خالتي في دوامة من الحزن واليأس، وعانت من نوبات الصداع، وبدأت ترى أشخاصا وهميين، وأهمهم الجنيّ الذي أحبها وهو باعتقادها من يعمل على إبعادها عن زوجها لأنه يحبها ويريدها لنفسه. سبع سنوات أخرى مضت ولم تحمل. لجأت خالتي إلى عالمها الخاص، و إلى أوهامها، وإلى الجن الذين يقومون بحمايتها من كل أذى قد يسببه لها المحيطون بها. خلق هروبها لديها إحساساً بالأمان، فالجني الذي يحبها ينتمي إلى عالم الأخيار ولا يؤذي، ولولاه لأصيبت بالجنون، فهي تعيش حالة انفصال كامل عن واقعها، ولا أحد يحس بها أو بما تعانيه، وهم أنقذها من الانهيار، وحماها من واقع فرض عليها. ازدادت الضغوط على زوجها لتطليقها، وفي اليوم الذي قرر فيه محاباة أهله، أصيبت أم بشار بدوخة ووقعت على الأرض. أتى طبيب العائلة وقام بفحصها، وخرج فرحا مباركا زافا البشرى: "أم بشار حامل" لم تصدقها نساء العائلة بل اعتقدن أنها قامت بهذه الحركة لتمنع زوجها من تطليقها، لكن أبا بشار آثر الانتظار وجاء بشار، وتلاه خمس بنات وصبي آخر.
3
الضيف الجديد
وصل... وانتشر الخبر بسرعة البرق. تراكض الجميع
رجالاً ونساءً وأطفالاً في محاولة يائسة لرؤيته، وتزاحمت الأسئلة: كم حجمه، مربع
أم مستطيل، كبير أم صغير، بني أم أسود اللون، أله أرجل أم عجلات، أله قاعدة ليوضع
عليها أم خزانة ليوضع فيها.. عجيب أمر هذا الجهاز، هل يشبه صندوق الدنيا أو أنه
يقوم بمهام الحكواتي... والسؤال الأهم كيف يدخل الناس فيه عبر سلكه الموصول
بالكهرباء.. الخ.
4 المضحك المبكي
جاء المحاضر وتهيأ الناس في المدينة للقائه. موضوع محاضرته يعتبر موضوع الساعة. إذ يدور حول تفنيد واقع المقاومتين الفلسطينية والعراقية. وقد حشد منظمو المحاضرة أبناء الجاليتين العربية والإسلامية لحضور هذا اللقاء المهم. كان الخلاف بيني وبين صديقي حول شخصية المحاضر، فقد اعتبره صديقي شخصية وطنية في زمن قلَّ فيه وجود الرجال غير المأجورين. وأنه الرجل الذي يجسد نبض الشارع ويعكس تطلعاته، ويعطي كل ذي حق حقه، ويطلق الألقاب (كالزعيم، والمناضل والشيخ والخ..) على الشخصيات المختلف حولها. لذا رأى صديقي بأن علينا دعمه بحضورنا ودعم منطقه الوطني. أما أنا فكان لي رأي آخر، إذ يمثل لي المحاضر شخصية الانتهازي بامتياز. الانتهازي الذي يمتطي أي قضية في سبيل تحقيق شهرة ما ولو على حساب كل من حوله باتباعه مقولة "الجمهور عايز كده"، فهو يقوم دائما بدغدغة مشاعر رجل الشارع وأحاسيسه. ومع ذلك ارتأيت أن أحضر مع صديقي هذه المحاضرة. وفعلا كان الحشد كبيراً في قاعة تتسع لما يقارب 1500 شخصاً. ابتدأت الاحتفالية بعزف وغناء للترانيم الدينية قدمتها فرقة من أبناء الجالية. ومن ثم دعا عريف الحفل المحاضر إلى المنصة بعد أن أتحفنا بنبذة منمقة عن حياته. وصعد المحاضر إلى المنصة مزهواً كالطاووس. وبدأ حديثه بشكل مؤثر استحوذ به على مشاعر وأحاسيس الجمهور الذي بدأ بتحيته، وبالتهليل والتكبير لدى تلفظه بالكلمات التي تحرك قلوب الحضور المكوية أصلاً بنار المعاناة جراء ما حصل في البلاد. وتطور الأمر إلى درجة بكاء بعض الناس. لكن حديث المحاضر لم يقدم أي معلومة جديدة، ولم يكن منسق بشكل أكاديمي. وحديثه معنا أشبه بحديث حكواتي الحارة ورواياته. في ذروة المحاضرة، أعلن عريفها التوقف عن متابعتها لفاصل قصير، وذلك لأن أحد ممولي المحاضرة افتتح حديثاً متجراً للالكترونيات، وقد تبرع بأربعة هواتف جوالة للحفل، وقد طلب عريف الحفل من المحاضر الكبير القيام بالإعلان عن المتجر وإجراء القرعة واختيار الأرقام الرابحة. ولم يكذب المحاضر الخبر وابتدأ بالإعلان بشكل مفصل عن المتجر، ومن ثم قام باختيار الأرقام الرابحة. وبدأ الهرج والمرج ونسى الجمهور موضوع المحاضرة. ذكرتني هذه الواقعة بمذيعة أحدى القنوات الجميلة وهي تلقي علينا باسمة خبر موت المائة شخص الذين جرحوا في اليوم السابق، ومن ثم تعتذر قائلة: "سنتابع الأخبار بعد فاصل قصير"، لتظهر صبية جميلة شقراء معلنة غنائياً عن العطر الجديد: " سمبا.. سمبا.. سمباتيك" "أنا حلوة.. أنا شيك". ولن استغرب إن قام المحاضر، خلال فاصل قصير، هو الآخر بارتداء بذلة الرقص الشرقي ليتحفنا بوصلة فنية تليق بنا. صحيح إذا لم تستح فأفعل ما تشاء.
5
سوريالية
حط الفنانان رحالهما في عاصمة النور.. باريس.. المكان الذي يحلم معظم فنانو العالم بزيارته أو الدراسة أو العيش فيه.. وقد أصيب الفنانان بصدمة حضارية.. فقد كانا يسكنان في مدينة سورية عرفت بمحافظتها الشديدة على العادات والتقاليد.. حتى ليخال للمرء بأن حال هذه المدينة لم يتغير منذ نشأتها.. وهبطا في مدينة تعج بالحياة، مليئة بالمتناقضات، والجمال، وكل أنواع الفنون، موسيقى وغناء وفن تشكيلي الخ.. وقد أراد الفنانان التعرف على الأوبرا.. فقررا حضور أحد العروض.. ونظرا لغلاء ثمن البطاقة فقد اضطرا للعمل شهرا كاملا لدفع ثمنها، وقاما بتوفير المبلغ بقطع كل المصاريف الزائدة بما فيها التوفير في وجبات الطعام، وكانا يتناولان الموز طوال اليوم لأنه من أرخص ما يمكن تناوله من المواد الغذائية.. وجاء اليوم الموعود، وأمضيا ساعات في محاولة ارتداء اللباس الرسمي لحضور العرض.. ودخلا صالة دار الأوبرا مبهوران بفن العمارة وبأناقة الحضور، وصادف أن حصلا على مكانين رائعين في وسط الصالة، مواجه تماما لمنصة المسرح، وفرحا بالمكانين، وكان صف مقعدهما يضم ما يقارب المائة كرسي، وهما في الوسط.. بدأ العرض.. والناس جمودا.. ولا حركة.. حتى ولا نفس.. وبعد حوالي نصف الساعة أحس أحدهما بأن معدته تؤلمه وبأنه يريد الذهاب إلى المرحاض.. حاول الضغط على نفسه فهو لا يريد أن يزعج ما يقارب الأربعون شخصا لكي يذهب إلى المرحاض.. ومع مرور الدقائق زاد الأمر صعوبة، وبدأ يتململ.. ويتحرك في مقعده.. ويتلفت يمنة ويسرة.. مما أثار حفيظة من حوله من الحضور.. لكنه لم يعد يستطع الانتظار، وقال لرفيقه بأنه مضطر لإزعاج الناس لأنه لم يعد باستطاعته التحمل أكثر من ذلك.. وفعلا اضطر الناس للوقوف متأففين لكي يعبر صديقنا.. وركض خارج الصالة إلى الممر الخارجي.. محاولا بيأس إيجاد مكان المراحيض.. وأعاق حركته السريعة البساط الأحمر بين الممرات والذي غرقت قدماه فيه.. وبدأ بفتح الأبواب التي صادفها لعله يجد المكان الذي يريده، فتح الباب الأول فوجد أناس جالسون في الصالة، وفتح آخر ووجد ملابس معلقة، وفتح آخر فوجد ممثلون.. وكاد ينفجر.. وحتى لم يشم أي رائحة للنشادر لتدله على المراحيض.. ولم يعد بإمكانه تمالك نفسه.. ووجد ركن معتم في طرف الممر ينيره ضوء خافت جدا لا يمكن لأحد أن يرى شيء من خلاله.. فقرر صديقنا أن يدخل إلى هذا الركن المعزول ويقوم بقضاء حاجته، وأحس بعدها براحة كبيرة. عاد الفنان من جديد إلى صالة الأوبرا، ووقف الأربعون شخصا من جديد ليسمحوا له بالمرور، وجلس في مقعده، وسأل صديقه ماذا حصل في غيابه، قال له صديقه لم يحصل أي شيء مهم، فالبطل مازال يغني حاملا غيتاره، والبطلة مازالت تركب الأرجوحة وترد عليه غنائياً في عشية رومانسية في طرف المسرح.. وتابع كلامه قائلا: لكن يا أخي هؤلاء الفرنسيون عندهم سوريالية عجيبة غريبة.. ونحنا العرب ما بنفهمها.. تصور حصل شي ما فهمته، خلال المشهد، ظهر شخص في الركن المعتم الآخر من المسرح وقام بقضاء حاجته، ولم أتمكن من فهم علاقة هذا الشخص بمشهد الأوبرا الرومانسي.
6
الزمن الجميل
تفاجئك دمشق.. الجميلة.. الغافية على كتف بردى.. بحميميتها.. مدينة لا يمكن لك أن تحس فيها بالغربة.. فهي قادرة على استيعاب كل عابر بها وساكن فيها.. تذيبه في حناياها وفي نسيجها الاجتماعي.. دفئها يجعلك تشعر وكأنك قد عدت إلى حضن عائلتك.. ورائحة ياسمينها وليمونها وبنفسجها ووردها وتوابلها تعشش في ذاكرتك.. كل ذلك بالرغم من تقسيم حاراتها الغريب والذي قد يتناقض مع عدم إحساسك بالغربة، فهناك حارة لكل قومية، فمثلاً، فيها حارات للأرمن، والمغاربة، والشركس، والأكراد، وكذلك حارات لكل طائفة فالعمارة للسنة، والأمين للشيعة، والقشلة لليهود، وباب توما للمسيحيين. سكنت وعائلتي في حارة العمارة تمامًا على حدود حارة باب توما. وكما كان لكل حيٍّ مرشد روحي، كان الشيخ محمد المرشد الروحي لحي العمارة، وكان هو صاحب الكلمة العليا مع عقيدها المشهود له بالاستقامة والأمانة. وكان في حارتنا أربعة بيوت مسيحية فقط، وكان حكم شيخها في القضايا الحياتية يسري أيضًا على هذه البيوت. وشيخنا كان رجلاً ورعًا ومستقيمًا، أمَّا من ناحية الشكل فكان قصير القامة ونحيفها. وكذلك كان أبونا حنا كاهن حارة باب توما مشهودًا له أيضًا بالورع والاستقامة. أما من ناحية الشكل فكان عكس شيخنا محمد فهو طويل وسمين، وكل منهما كان له وجه مورد كله سلام. وقد جمع حب طاولة الزهر ما بين الشيخ والكاهن فكانا يلتقيان مساء كل خميس للعبها، حيث تبدأ بحماس يتزايد مع كل ضربة حجر. وكان جمهور كبير يشهد اللعبة وينقسم إلى فريقين، يشجع كل واحد منهما واحدًا من اللاعبين. ومع مرور الأيام، اتفقا على لعب المحبوسة مع حق الخاسر الأول بدورة أخرى، وفي حال التعادل لعب دورة ثالثة تكون الفاصلة، وتحدد الفائز لتلك الليلة. وتحولت ليالي الخميس إلى ليالٍٍ ساخنة ما بين الشيخ والكاهن من جهة وبين جمهور الحارتين من جهة أخرى، فالكل مترقب، فقد تحولت هذه المباراة بين الإثنين إلى حرب طاحنة، لا تنتهي في ليلتها بل تنسحب آثارها على مدى الأيام الثلاثة التي تليها. فإن خسر الشيخ خصص ثلاثة أرباع خطبته في اليوم التالي، الجمعة، للحديث عن هؤلاء الكفار واحتفالاتهم الغريبة بأعيادهم وأنهاها بـ "اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا". أما إذا خسر الكاهن فتتحول ثلاثة أرباع خطبة قداس يوم الأحد إلى انتقاد المسلمين وأعمالهم لتنتهي بحثِّ أبناء الحارة على عدم الاختلاط بجيرانهم المسلمين. ويأتي يوم الاثنين، وتبدأ النفوس بالهدوء، ويحاول ناس الاصطياد في الماء العكر، ويقومون بأخذ الشيخ على حدة وينتقدون الكاهن الذي لم يعد يستحي، فتثور ثائرة الشيخ قائلاً لهؤلاء: كيف تتجرءون على التفوه بما لا يجوز عن صديقي، وحين يجيبه الشخص قائلاً: "ولكنك أنت يا شيخي من تكلم عنه بالسوء بداية"، فيرد الشيخ قائلاً: "أنا الوحيد المسموح له بانتقاد الكاهن، وليكن في علمك وعلم الآخرين أن من سيتجرأ على فعل ذلك منكم سينال مني الجزاء الذي يستحقه". أما في يوم الثلاثاء فقد كان الشيخ والكاهن يخصصانه للتباحث في شؤون الرعية، ولتبادل الآراء وللمساعدة في حل الأزمات والخلافات. وأما الأربعاء فكان يوم النُّزهة في الغوطة، حيث يقوم الشيخ والكاهن مع بعض الأصدقاء بإعداد لوازم السيران *، من تبولة ولحمة مشوية للجميع، وكاس عرق للكاهن فقط. مضى أكثر من عشرون عامًا على صداقة الاثنين التي كانت حديث القاصي والداني، إلى أن كان يوم لم يظهر الكاهن في الحارة، وكان ذلك يوم الثلاثاء وهو يوم المباحثات. وحين حلَّ ظُهر ذلك اليوم ولم يظهر الكاهن، أرسل الشيخ محمد شابًّا من الحارة إلى باب توما للسؤال عن أبونا حنا، وجاء الخبر المشئوم إلى الشيخ فقد نام أبونا حنا ولم يستيقظ، ولما حاولوا إيقاظه تبين أنه قد توفي أثناء نومه. عمَّ الحزن الحارتين، وأصيب الشيخ محمد بكآبة كبيرة، وعزف عن لعب الطاولة والذهاب إلى الغوطة، وغرق في حزن شديد. ثم لم يلبث أن توفي الشيخ محمد بعد شهر واحد على وفاة صديقه الكاهن حنا.
7 الخوف ثقافة سائدة للحيطان آذان، قولي ما تريدين، همساً! جارنا خطُّه حلو، ويمكنه في أي لحظة أن يكتب عنّا تقريرا يذهب بنا وراء الشمس. خوف يؤدي بنا إلى خلق القيود وتقييد أنفسنا بها، قيود تقضي علينا، رغم أن التحرر منها بسيط، ودفع الثمن أمر لا بد منه للحصول على أي شيء، فما بالكم بحريتنا. خوفنا يؤثر على عقلنا وجسمنا، بحيث تضعف إرادتنا وتتأثر سلوكياتنا، ولا يعود بمقدورنا مواجهة التزاماتنا تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين، فنُصاب بحالة من الشلل والعجز عن حل مشاكلنا، ونصبح مهزومين من الداخل. فنحن نخاف كل ما يحيط بنا، المجتمع والحكومة والمخابرات والمسئولين والنمامين والشكاكين وكُتاب التقارير، وكذلك غرف التحقيق. ويرافقنا الخوف من طفولتنا إلى قبرنا ونقع فريسته. ونحن نعرف أنه عندما يصبح الخوف حالة دائمة في حياتنا فإنه يتحول إلى مرض جسدي ونفسي. هذا، إضافة إلى أننا نتوارث ثقافة الخوف في مجتمعاتنا المغلقة والمقموعة، بحيث وصلنا إلى مرحلة التدجين، فالكل يخاف من الكل، ونقوم نحن بدورنا بتوريث هذه الثقافة لأجيالنا القادمة. فنحن نقوم بتخويف أطفالنا المشاكسين بالشرطة، ونقوم بتخويف الآخرين بالأشخاص الذين نعرفهم في سلك المخابرات أو الشرطة أو الدولة. ومجرد التفكير بغرف التحقيق في الفروع الأمنية يصيبنا بخوف وهلع رهيبين. فنحن نتحدث هنا عن الانتهاكات التي تمتهن كرامة الإنسان وحقوقه. فالخوف أصبح في منطقتنا ثقافة، وتستغله الأنظمة الديكتاتورية للسيطرة على مجتمعاتها مسخّرة كل إمكانياتها كالقوانين والسلطة الرابعة وعمليات غسل الأدمغة، بحيث تتمكن هذه الأنظمة من السيطرة على الناس، وتقوم بمنعهم من التعبير عن أنفسهم. فليس هناك أحزاب ولا منظمات أهلية ولا معارضة، ورويداً رويداً تقضي الأنظمة الديكتاتورية على كل زعامة تتبدى في المجتمع ولا يبقى زعامة غير زعامة النظام القائم. والتهم جاهزة لكل من تسول له نفسه الاعتراض. عاودتني هذه الهواجس المكررة حين عرفت ما وقع للمساجين السياسيين المعتقلين في سجن "صيدنايا" في سورية. لكن بالرغم من هذه الصورة القاتمة، هناك بصيص أمل في زمن لا يمكن فيه لأي كان حجب المعلومات ولا الخبرات المتراكمة لتجارب الشعوب الأخرى. التي تمكنت من تجاوز محنها وبناء مجتمعاتها الديمقراطية. والأمثلة كثيرة من آسيا إلى أمريكا اللاتينية.
8 البلاغ رقم 11555
صدر البلاغ رقم 11555، بتاريخ 1 أيار/مايو 2230، وجاء فيه: تمنع الأحلام بأمر من الحاكم بأمر الله، ويعاقب كل من يحلم بالسجن وقد تصل العقوبة إلى حد الإعدام وذلك بحسب خطورة الحلم. وقد اعتبر الحاكم بأمر الله أن الأحلام معدية، وتنتقل بسرعة كالوباء عبر الهواتف والانترنيت والمحطات والمطارات والطرقات، وكل ما يتحرك على وجه هذه الكائية. واعتبرت الأحلام ممنوعة بمجملها، الملونة الحديثة والبيضاء والسوداء القديمة، وتصنف بالخطرة لأنها تنقل معها الأفكار الهدامة من الدول التي تعتبر قد حققت بعضاً منها، خاصة ما يتعلق منها بحقوق المواطن. إذ أن البلاد التي عملت على تحقيق هذه الأحلام، يبحث بها عن الحقوق، أما في بلادنا فما زلنا نبحث فيها عن المواطن، هذا المواطن الذي لا قيمة له، ولا تقارن قيمته بقيمة قطعة الأثاث التي تباع وتشرى، فهو ما زال بعيداً عن هذه المرتبة. نعود إلى الأحلام، فقد صدر مع قرار منعها آلية تحقيق هذا المنع. فقد شكلت وحدات أمنية مهمتها السهر على أمن المواطن ومراقبة أحلامه عبر استخدام مناظير خاصة تركز في أماكن المدن العالية، ومن ثم يتم مصادرة أحلام المواطنين بعد ضبطها، ويصار إلى تحليلها وتمحيصها لمحاولة فهم نوايا المواطنين. وتجدر الإشارة أن القرار لم ينس تضمين أحلام اليقظة إلى قرار المنع. طبق القرار، ومنعت الأحلام، وانتشرت بالتالي تجارة الأحلام السرية المهربة. وتضاعف عمل وحدات مراقبة الأحلام، وبدأت حملات المداهمة للمواطنين ومصادرة أحلامهم. وتمكن ضباط وحدات المراقبة بعد فترة من الزمن من تحديد الطبقة الاجتماعية التي ينتمي الحالمون إليها، فالأحلام الملونة هي من نصيب الأغنياء، والأحلام الأسود/الأبيض فهي من نصيب الطبقة الوسطى، أما الفقراء فأحلامهم هي كإرسال التلفاز عندما ينتهي البث، خطوط وصوت زنين مزعج. وانتشر الفساد في صفوف وحدات المراقبة، وبدأ أفرادها بالاستيلاء على الأحلام المصادرة التي تجلب اهتمامهم ومشاهدتها سراً. واحتارت الدولة، كيف لها أن توقف زحف تأثير هذه الأحلام التي أصبحت كالوباء، فلو اقتصر أمر استيلاء وحدات المراقبة على الأحلام الجنسية لبلع الأمر، أما أن يتمادى ويصل إلى الأحلام التي تهز كرسي العرش، فهذا أمر أصبح يشكل تهديداً كبيراً. ولكن الأخطر هو عودة أبناء الوطن من بلاد الاغتراب مشبعين بما يسمى حقوق وما إلى ذلك من أفكار هدامة، وجاهزون لبثها. لذلك اضطرت الحكومة إلى تطبيق قوانين الطوارئ فالوضع مقلق ويهم مستقبل الوطن وسيادته. وصدرت الأوامر بالقبض على الجميع وعلى كل من تسول له نفسه الحلم أو التفكير بالحلم أو حتى من لديه نوايا من هذا النوع بالحبس والإهانة والعمل على كسر عزيمتهم وكبريائهم، وذلك لإيصال رسالة إلى أبناء الوطن في الداخل وفي الخارج أن "لا ذقن ممشطة".
9
فارس هذا الزمان
جمعت العائلة كل ما ادخرته، وما أمكن استدانته لترحيل الصبيتين لتتمكنا من اللحاق بأمهما، التي سبقتهما إلى أمريكا. فالحرب كشفت كل ما كان معتماً عليه، وبدأ القتل على الهوية، وأول ضحايا هذه الحرب كانت النساء والأطفال والعجز والأقليات. وعائلة هاتين الفتاتين كانت تعيش في قرية مسيحية في منطقة معزولة من البلاد، لم يغادرها سكانها في حياتهم، تربوا فيها على الخوف من الغرباء، وتحديدا من الغالبية المسلمة التي تعودت على إذلالهم متى سنحت الفرصة لها لإحساسها بالقوة، والغلبة والتفوق العددي والاقتصادي على سكان القرية المسيحية. وكان سكان هذه القرية كالسكان المسيحيين الآخرين يحاولون السير، كما يقولون، الحيط الحيط ويارب السترة، اتقاء لغضب المسلمين، حتى أنهم كانوا يعمدون إلى تسمية أبنائهم الصبية بأسماء مسلمة خوفاً من أن يتعرف عليهم المسلمون. فصورة المسلم بالنسبة لهؤلاء المسيحيين كانت صورة الطاغي الذي يريد إيذائهم وإزالتهم من الوجود. انضمت الفتاتان إلى مجموعات أخرى غالبيتها من النساء ومن قرى مسيحية أخرى، حتى وصلن إلى أوروبا. هناك، وفي إحدى مراكز تجميع المهربين ألحق بهن مجموعة كبيرة من الشبان الأفغان. أفغان، يعني مسلمون، انكمشت الفتيات على أنفسهن، وبدأن بالبكاء، وأجسادهن ترتعش من الخوف، وبدأن يتناقشن فيما بينهن محاولات تصور ما قد يمكن أن ينالهن على أيدي هؤلاء المسلمين، واتفقن على تناوب الحراسة، ليل نهار، ليكن على أهبة الاستعداد في حال حاول أحد هؤلاء الشبان الأفغان التحرش بهن. وأمرهم المهربون بالاستعداد للمسير، وكان عليهم أن يقطعوا غابات وأحراشا في أماكن موحشة لا يعرفونها، متسترين برداء الليل. وعرفوا منذ البداية أن من يتعب أو يتخلف عن الركب يصفى جسدياً من قبل عصابات التهريب، إذ ليس لديهم وقت للانتظار أو حتى الأدوات لحمل من يتعب، والتخلص من عبء الإنسان الذي يتخلف عن الركب لا يكلف سوى رصاصة واحدة. وكانت إحدى الفتاتين ممتلئة الجسد، يزيد وزنها عن المائة كيلو غرام، ترتدي حذاء أملس المداس لا يناسب الأحذية الخاصة بالسير في الأدغال، التي يجب أن تكون سميكة ومفرغة من أماكن عدة حتى لا ينزلق من يلبسها. ولكن لسوء حظ الفتاة، زلقت رجلاها، وسقطت بكل ثقلها على ركبتيها، ومع ذلك حاولت متابعة السير، لكن ألم ركبتها تزايد وكذلك تزايد ورمها. عرفت الفتاة أنه لم يعد بإمكانها متابعة الطريق، وأنها هالكة لا محالة، وبدأت النسوة بالبكاء، ورجتهم الفتاة بأن يأخذوا أختها وينتبهوا لها وقامت بتوديعها، وكان مشهدا مأساويا ما بين الأختين، مشهدُ الأخت الأولى وهي تحاول إبعاد الأخت الثانية التي ترفض تركها وتصر على مساعدتها. غضب رجل المافيا، الذي حثهم على الإسراع... تركها يعني تصفيتها، وعيارها طلقة واحدة لا تكلف سنتاً. في وسط هذه البلبلة، فجأة، تقدم أحد الشباب الأفغان من المصابة، وكان يتكلم اللغة العربية الفصحى، وقال لها: "لن أتركك وحدك"، ورفض السير دونها، وأصر وسط ذهول الجميع على حملها على كتفيه. وأحست هي بالأمل وبالخجل في آن واحد... فهي تعلم أن وزنها قد يُهلكها ويهلكه معها، وهو في نفس الوقت، رجل مسلم، وهي تربت على أن المسلم لا يريد الخير لأي مسيحي، فكيف لهذا الرجل أن يساعدها. إصراره، لم يترك لها المجال لرفض مساعدتها، ودون أن ينتظر ردها، تقدم منها وحملها على ظهره... ووعدها بأن لا ينزلها إلا بعد وصولهم إلى بر الأمان. رائحة ملابسه وعرقه دخلت في أنفها، أحست بالدفء، كيف كان لها أن ترى فيه عدواً، ودقات قلبها تعانق دقات قلبه، فهو القريب والبعيد في آن واحد. تلازم جسديهما خط ظلاً واحداً على الأرض، ومصيرهما المشترك أبعد شبح الكراهية، تمنت لو كان لديهما فرصة أفضل للتعارف، للتواصل، لهدم حاجز الخوف الذي بني فقط على هواجس دفعتها للتقوقع على ذاتها. غريب هذا العالم، فلو توقف كل منا لحظة، وأمعن النظر في عيني الآخر، لتلاشت كل المخاوف ولتلاقى البشر. استمر هذا المسير تسع ساعات عبر الأحراش والغابات، حتى وصلوا إلى الحدود النمساوية، هناك أنزلها الشاب من على ظهره، لم تعد قادرة على قول كلمة تفي هذا الإنسان حقه، والكلمة الوحيدة التي تمكنت من قولها كانت: "لن أنساك مدى الحياة"، وحاولت لثم يديه، فسارع إلى سحبهما وقام بتقبيل يديها ورجاها فقط أن تصلي من أجله لكي يصل إلى البلد المتوجه إليه. وابتعد فارس هذا الزمان الأفغاني ملوحاً لها بيده، وظلت تنظر إليه وهو يبتعد متسائلة هل ستصادف مرة ثانية شخصا يحمل صفات هذا الشاب الجميل، والذي يحوي الجمال كله النابع من داخله لينعكس على وجهه الطافح بالرجولة. بقيت الفتاة محدقة في الفراغ، هكذا انتهى الحلم، ولن تراه مرة أخرى، لكن هذا الشاب الأفغاني استطاع خلال هذه الساعات، والفتاة على ظهره، أن يجعلها تعيد النظر بكل الأحكام المسبقة التي أخذتها عن العائلة والمجتمع. عاهدت الفتاة نفسها أن ترفض، من الآن وصاعدا، أي نوع من أنواع التمييز، بل وستعمل على رواية تجربتها لمن يحيط بها لكي يقوموا بالانفتاح على الآخر، ومصالحته، لأن قوة المجتمع بتعدديته
10
تعاظم المدّ الديني المتعصب في سورية
حذرت السيدة بثينة شعبان، المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية العربية السورية، في كلمة لها أمام أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي من خطورة تعاظم المد الديني المتعصب في سورية، وأردفت أن على الحزب التصدي لهذا المد الذي هو برأي السيدة شعبان ناتج عن تقصير الحزب وفشله وليس ناتج عن قوة الآخرين ونشاطهم. نعم يا سيدتي، فسورية التي عرفت بالتعايش والتسامح بدأت تنحوا منحى مقلقا، فهذا البلد الذي عرف عبر التاريخ باحتضانه للمستضعفين في العالم العربي وغيره بدأ يتجه نحو التطرف. ولكن ذلك لم يأت من العدم، فقد سبقه العديد من الإجراءات التي ساهمت بظهور هذا المد الديني المتعصب، وذلك بمباركة الدولة وتشجيعها، منها السماح بفتح مدارس طائفية، حيث تدرس فيها مناهج تقصي الآخر، الشريك في الوطن، وتحرض على كراهيته، وتكرس ثقافة الواحد، وتفرض الحجاب على الأطفال وكذلك تحرم الاختلاط ببقية أبناء الطوائف، الخ.. أما الإعلانات المنتشرة على طرق المدن في سورية فالحديث عنها يطول، فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك إعلانات منتشرة تدعو المواطنين إلى التبرع للمؤسسات الدينية لإعانة الآخرين على الحياة والزواج والدراسة إلخ، بحيث أخذت المؤسسة الدينية دور الدولة تجاه مواطنيها. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يتحول ولاء هذا المواطن إلى المؤسسة الدينية والطائفة وليس إلى الدولة التي ينتمي إليها. وقد جرت محاولات متعددة لفرض قانون أحوال شخصية على السوريات والسوريين تفوح منها رائحة النفوذ الديني، ولولا رفض منظمات المجتمع المدني "غير المرخصة من قبل الدولة" لمُرِّرَ هذا القانون. فبدلا من العمل على إيجاد قانون عصري مدني لكل السوريين نعود مئات السنين إلى الوراء. وبات التشديد على رقابة الفكر والكتب وإغلاق المنابر الحرة العلمانية والتقدمية حقيقة قائمة بحيث لم يبق مُتنفس لهذا المواطن سوى المنبر الديني. إضافة إلى السماح لبعض من هذه الجماعات بالمناداة بقيام أمة إسلامية ترفض كل ما عداها وتعاديه، وتدعو بعودة المرأة إلى المنزل وإلى التراجع عن كل المكتسبات التي ناضلت من أجلها "جماعة الشيخ عبد الهادي الباني" مثالا. وأخيراً ليس أخراً إلغاء انعقاد مؤتمر العلمانية في المشرق في دورته الثانية بدمشق بعد اعتذار رئاسة جامعة دمشق من استضافته بحجة عطل تقني في أجهزة الصوت. فيا سيدتي الحديث يطول، ولكن علينا مضاعفة الجهود لنعيد نشر ثقافة قبول الآخر بكل الوسائل المتاحة ابتداء من المنزل إلى المدرسة والجامعة إلى مراكز العمل على أساس من المساواة بين الجميع أمام القانون والدستور، وعلى أساس المواطنة التي لا تسمح بالتمييز، وفتح المراكز التي عليها أن تعيد بناء شخصية الإنسان السوري الذي لطالما عرف بانفتاحه على الآخر واحترامه له. كل ذلك يحتاج أولا إلى قرار سياسي في بدء اتخاذ هذه الإجراءات. والأمر الأهم هو البدء بإعادة إحياء مؤسسات المجتمع المدني والمنابر الحرة التي هي في معظم بلدان العالم المساعد الرئيسي للدولة والمواطن فهي التي تنقل نبض الشارع وآماله لمؤسسات الدولة.
11
مفهوم الآخر لدى شعوب البحر الأبيض المتوسط دعوة لفتح الحوار (1) تنامي مشاعر العداء، وتأصل الصورة المغلوطة عن الآخر، رجالا ونساء، على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، يدفعنا نحن من يحس بهذا الأمر إلى العمل على محاولة فهم الأسباب وتلمس الحلول وإيجاد طرق العمل لمحاولة ردم الفجوة الحاصلة بين العالمين، وذلك لبناء مستقبل أفضل، تتعايش فيه الشعوب بعيدا عن الكراهية والتعصب وفي سلام. بداية، قمت بطرح استبيان بسيط على أناس ينتمون إلى العالمين العربي والإسلامي من جهة والأوروبي من جهة أخرى، ومن الجنسين، وما بين 25 – 50 سنة، لمعرفة رأي كل من الطرفين وكيف ينظر واحدهما للآخر، ومن أين تولدت لديهم هذه القناعات وكيف يرون الحلول. حاولت التعاطي مع هذا الموضوع بعيدا عن الخطاب التعميمي الذي هو غالبا ما يفتقر إلى الانفتاح النقدي والذي بدوره يساعدنا على تشخيص الواقع. ووجدت أنه لتأسيس خطاب واقعي ونقدي علينا الانتباه إلى ما يلي: 1 ـ استمرار تأثير القناعة القديمة المتولدة بدورها من إرث العلاقة الكولونيالية بين البلاد العربية والإسلامية وبين دول الغرب التي مارست الاستعمار أو تَسلَّطت على بلدان العالم الثالث بأساليب الاستعمار الجديد والعولمة الراهنة. 2 ـ ما سبق يشير إلى أن سوء الفهم بين العالمين لا يعود إلى أحداث أيلول 2001 الارهابية، وإنما يعود إلى مرحلة تاريخية قديمة وما زالت، من أنواع متعددة من الاستعمار (القديم، الجديد، العولمة). 3 ـ انتهاء الحرب الباردة، وسقوط الاتحاد السوفياتي والأنظمة الاشتراكية في دول شرق أوروبا، وما نجم عنه من حاجة سادة النظام العالمي الجديد إلى وجود عدو يَحِّل محل الاتحاد السوفياتي، ويوجهون نظر جمهورهم إلى أخطاره ويوفر لهم مسوغات عملهم لتوسيع سيطرتهم في كل مكان. 4 ـ اتساع الفجوة وسوء الفهم، وما نجم عنه من صعود مريع في الخوف والتخويف من الإسلام "الاسلاموفوبيا"، والخوف من الغرب الكافر الملحد، مما هيأ أرض خصبة للتطرف على الجانبين. 5 ـ تأثير الحروب التي يقوم بها سادة العالم الجديد، على البلدان المستهدفة التي هي بمعظمها عربية وإسلامية، تحت عنوان مكافحة الإرهاب. إضافة إلى دعم الغرب الأنظمة المكروهة من شعوبها، وللكيانات الاستيطانية والمختلقة التي تعادي شعوب المنطقة، كل ما سبق عمل على تكريس روح العداء للغرب، وإحياء عدد من العناوين والمقولات التي تعطي الانطباع أن الغرب يشن على المسلمين بالذات حرباً صليبية جديدة، وليس حرباً يمليها تناقض المصالح التي لا علاقة فعلية لها بأي دين. هنا، يبرز واقع انحياز دول الغرب لإسرائيل بوصفه عاملا شديد التأثر في استمرار تردي العلاقة مع الشعوب التي تستفزها سياسة إسرائيل وممارساتها العدوانية التوسعية. 6 ـ الافتقار إلى التشخيص الواقعي أفرز عدداً كبيراً من المقولات المغلوطة وأبقى تأثير المفاهيم النمطية في نظرة كل طرف للآخر، فأسهم في توسيع الفجوة، وأبعد فرصة الفهم الصحيح والتفاهم، وأبقى الباب مفتوحاً لاستمرار سوء الفهم واستشراء روح العداء. من أمثلة المفاهيم المغلوطة كما تروج في الغرب ما يلي: أ ـ إظهار الإسلام باعتباره هو الموجه الوحيد لسلوك الناس في الدول العربية والإسلامية، وإغفال المؤثرات الأخرى غير الدينية. ب ـ تعميم صورة للإسلام على أنه دين عنف وإرهاب وإهمال العوامل العديدة الأخرى، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التاريخية والمعاصرة، التي تدفع إلى ممارسة الإرهاب أو إلى تأييده. ج ـ التركيز على العرب وحدهم من بين المسلمين وكأنهم هم وحدهم كل المسلمين. د ـ تعميم الانطباع بأن الإسلام عدو للسامية، وإغفال أن العرب أنفسهم ساميون وأنهم كانوا ضحايا نظرات عنصرية نشأت في الغرب. هـ ـ النظر إلى العالم العربي والإسلامي على أنه عالم واحد وليس عوالم متنوعة، حتى في الدولة الواحدة هناك اختلافات. ومن أمثلة التعميمات المغلوطة على الجانب الآخر تجاه الغرب نذكر ما يلي: أ ـ الاعتقاد الغالب بأن الغربيين مجردون من الأخلاق. ب ـ تصوير الغربيين على أنهم مسيحيون يهتدون بكتب مقدسة جرى تحريفها فلم تعد تتضمن ما أمر الرب به جميع خلقه. ج ـ تعميم الحكم بأن الغربيين عموماً مستغلون يفرضون سطوتهم على العالم الثالث بالقوة وينهبون ثرواته نهباً. د ـ تصوير الغربيين على أنهم قساة لا رادع لبطشهم للآخر. هـ ـ القناعة بأن الغربيين بإجمالهم غير منصفين والتركيز على أنهم منحازون لكل ما هو معاد للعرب والمسلمين ـ الانحياز لإسرائيل على وجه الخصوص. و ـ اعتبار الغربيين جميعهم رأسماليين جشعين والشك حتى بدعوات بعضهم إلى الاشتراكية واحتساب هذه الدعوات في سياق التضليل. وهم بمجملهم جزء من المنظومة الرأسمالية حتى من اعتبر بنظامه أنه يمثل الاشتراكية أو ما بعد مرحلة الاشتراكية ـ النمسا مثالا ـ. س ـ النظر إلى العالم الغربي على أنه عالم واحد وليس عوالم متنوعة حتى في الدولة الواحدة هناك اختلافات. (يتبـــع...)
|
|
kiriaky@jusur.net راسلوني |
![]()
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |

