
|
|
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |
|
1 صوت العقل تهادى طائرا فوق السحاب، والعالم ممتد تحته إلى ما لا نهاية، مَلَكَ الفضاءَ بجناحيه الكبيرين، فاتحا صدره لمداعبة الهواء، وعيناه الثاقبتان تمكنانه من رؤية أدق التفاصيل ومراقبة الكائنات الحية التي تتحرك على الأرض. رصد قطة تركض في الحقل فلحق بها وأمسكها، قاومته بكل ما أوتيت من قوة وبدأت تغرز مخالبها بجسمه منتزعة بعض ريشه مسيلة دماءه. وصادف أن مرَّ به طائر آخر وشاهد ما حلَّ به، فقال له: "أتركها، يكفي ما سال من دمك!". فردَّ النسر: "أنا أريد تركها لكنها هي لا يريد تركي". قصة بسيطة سمعتها من صديق، توصَّف بالضبط واقع حال القوات الأمريكية في العراق. فقد دمر هذا البلد بعد أن تآمر الجميع عليه، ومزِّق وأُدخل في نفق مظلم لا نهاية له، والضحية الأولى هو الإنسان العراقي البسيط الذي لا يريد أكثر من العيش بسلام وكرامة. ولم ينتهي الأمر عند هذا الحد، فالمؤامرة الكبرى هي في محاولة محو ذاكرة هذا الإنسان، والعودة به إلى عصور ما قبل التاريخ، بدءاً من تدمير المكتبة الوطنية في بغداد، إلى نهب المتحف الوطني، إلى قتل الكوادر العلمية، إلى استخدام المدن الأثرية قواعد عسكرية لجنود الاحتلال، هذا عدا التدمير الكامل للبنى التحتية، والخسارة المروعة في الأرواح البشرية وهي الأهم في هذا البلد المنكوب. غاب صوت العقل، وعلا صوت العنف والطائفية، ووصل الجميع إلى النقطة التي يريدها أعداء العراق ألا وهي الاقتتال الأهلي، هنا فقط يمكننا أن نقول إن أهداف من يريد لهذا البلد الزوال من الخريطة قد تحققت، وحرم العراق فرصة لا يملكها أي بلد عربي آخر، في الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة، وكلنا يعلم ما كان لدى هذا البلد من المؤهلات والقدرات والثروات. عند بداية الحرب على العراق، قال لي زوجي "قد تستغربين، ولكن هذا هو الانتقام لسبي بابل"، يومها ضحكت لهذه الفكرة المجنونة، ولم يمض أسبوع إلا وكتب صحافي إسرائيلي الكلام ذاته في يديعوت أحرونوت. الحقيقة، أننا لا نستطيع التيقن من إذا كان ما جرى هو كل ما أعدّ لهذا البلد أم أن في الجعبة مزيداً. ولكننا نأمل في أن يتوقف حمام الدم الحاصل، وأن يعمل العقلاء على إيجاد مخرج من هذا الواقع الأليم. والأمر ليس بصعب إن توفرت النوايا، إذ لا يمكنني أن أصدق أن هذا البلد الذي قدّم أول شريعة في التاريخ غير قادر على إيجاد الحلول، أو إيجاد إستراتيجية تخرج العراق من الكارثة التي حلت به.
2 خالتي أم بشار كانت خالتي أم بشار امرأة فارعة الطول، ذات وجه طفولي الملامح، تبرق فيه عيناها الجميلتان وكأن وجهها كله عيون، بشرتها بيضاء مشربة بحمرة خفيفة وشعرها أسود. عندما رأيتها للمرة الأولى كانت هي من ناداني من على سطح منزلها قائلة: "يا بنت، كيفك، أنا خالتك أم بشار". خالتي أم بشار، أم لسبعة أولاد، بسيطة، وساذجة، تصدق كل ما يقال لها، ويشاع في الحي أن الحجاب مكشوف عنها، ولها شخصية شفافة لا تعرف الحقد ولا الكره، وهي تحب كل الناس. صباح كل يوم، كانت نساء الحارة تتجمع في بيت واحدة منهن بشكل دوري ليتناولن الإفطار معا (الصبحية)، وكانت خالتي أم بشار زينتهن. بعد الإفطار يبدأ العزف على الطبلة ويبدأ الغناء والرقص، وهي على رأسهن، وتنتهي الجلسة دائماً بقراءة خالتي لفناجين القهوة. ذات يوم، دعيت أمي لزيارة خالتي على الصبحية وأخذتنا معها أنا وأختي. وتوافدت النساء على التوالي، مغمسات باللباس الأسود من رأسهن إلى أقدامهن، بالملايات، وكأنهن سقطن في دواة الحبر الأسود. وحين خلعن الملايات السوداء، ظهر تحتها أجمل نساء الأرض بفساتينهن الجميلة الملونة الزاهية التي تبعث على الفرح والبهجة، وتحتها سراويل بيضاء من القطن تصل إلى الركبة، تظهر بعد جلوسهن على الأرائك، متربعات كاشفات أرجلهن على شكل رقم سبعة (7)، فبدون بالنسبة لي كمنظر الفراشات البيضاء التي تجمعت على ورود الحديقة. بعد الفطور، قامت خالتي أم بشار بقراءة فناجين القهوة وهي عادة حرصت عليها نساء الحارة، فخالتي كما أوردت سابقا مكشوف عنها الحجاب، وهي تعرف ما كان وما هو حاصل وما سيكون، ولا يمكن لأي امرأة أن تخفي شيئاً عنها. ولطالما أثارتني شخصية خالتي، فهي قد تزوجت في التاسعة من العمر لرجل يكبرها بثلاثين عاماً، وكان لزاماً عليها أن تبقى في بيته وبين أطفال دار العائلة إلى بلغت الثالثة عشرة من عمرها. لم تفهم ماهية ليلة الدخلة فكانت صدمتها كبيرة، خصوصا حين أغلق الباب عليهما. وكانت تلك ليلة أشبه ما تكون بليلة اغتصاب تحت مسمى الزواج. لا شيء يجمعها بهذا الرجل، سوى أنه الآمر الناهي وعليها الطاعة. بدأت خالتي تعاني من نوبات صداع تدفعها للانعزال عن أهل الدار. مضت سنتان على دخلتها ولم تحمل. وبدأت الضغوط تتزايد على زوجها من قبل الأهل مطالبين إياه بتطليقها، فهي بحكم العاقر بالنسبة لهم خصوصا أنهم قد أخذوها للفحص عند أشهر الأطباء . دخلت خالتي في دوامة من الحزن واليأس، وعانت من نوبات الصداع، وبدأت ترى أشخاصا وهميين، وأهمهم الجنيّ الذي أحبها وهو باعتقادها من يعمل على إبعادها عن زوجها لأنه يحبها ويريدها لنفسه. سبع سنوات أخرى مضت ولم تحمل. لجأت خالتي إلى عالمها الخاص، و إلى أوهامها، وإلى الجن الذين يقومون بحمايتها من كل أذى قد يسببه لها المحيطون بها. خلق هروبها لديها إحساساً بالأمان، فالجني الذي يحبها ينتمي إلى عالم الأخيار ولا يؤذي، ولولاه لأصيبت بالجنون، فهي تعيش حالة انفصال كامل عن واقعها، ولا أحد يحس بها أو بما تعانيه، وهم أنقذها من الانهيار، وحماها من واقع فرض عليها. ازدادت الضغوط على زوجها لتطليقها، وفي اليوم الذي قرر فيه محاباة أهله، أصيبت أم بشار بدوخة ووقعت على الأرض. أتى طبيب العائلة وقام بفحصها، وخرج فرحا مباركا زافا البشرى: "أم بشار حامل" لم تصدقها نساء العائلة بل اعتقدن أنها قامت بهذه الحركة لتمنع زوجها من تطليقها، لكن أبا بشار آثر الانتظار وجاء بشار، وتلاه خمس بنات وصبي آخر.
3
الضيف الجديد
وصل... وانتشر الخبر بسرعة البرق. تراكض الجميع
رجالاً ونساءً وأطفالاً في محاولة يائسة لرؤيته، وتزاحمت الأسئلة: كم حجمه، مربع
أم مستطيل، كبير أم صغير، بني أم أسود اللون، أله أرجل أم عجلات، أله قاعدة ليوضع
عليها أم خزانة ليوضع فيها.. عجيب أمر هذا الجهاز، هل يشبه صندوق الدنيا أو أنه
يقوم بمهام الحكواتي... والسؤال الأهم كيف يدخل الناس فيه عبر سلكه الموصول
بالكهرباء.. الخ.
4 المضحك المبكي
جاء المحاضر وتهيأ الناس في المدينة للقائه. موضوع محاضرته يعتبر موضوع الساعة. إذ يدور حول تفنيد واقع المقاومتين الفلسطينية والعراقية. وقد حشد منظمو المحاضرة أبناء الجاليتين العربية والإسلامية لحضور هذا اللقاء المهم. كان الخلاف بيني وبين صديقي حول شخصية المحاضر، فقد اعتبره صديقي شخصية وطنية في زمن قلَّ فيه وجود الرجال غير المأجورين. وأنه الرجل الذي يجسد نبض الشارع ويعكس تطلعاته، ويعطي كل ذي حق حقه، ويطلق الألقاب (كالزعيم، والمناضل والشيخ والخ..) على الشخصيات المختلف حولها. لذا رأى صديقي بأن علينا دعمه بحضورنا ودعم منطقه الوطني. أما أنا فكان لي رأي آخر، إذ يمثل لي المحاضر شخصية الانتهازي بامتياز. الانتهازي الذي يمتطي أي قضية في سبيل تحقيق شهرة ما ولو على حساب كل من حوله باتباعه مقولة "الجمهور عايز كده"، فهو يقوم دائما بدغدغة مشاعر رجل الشارع وأحاسيسه. ومع ذلك ارتأيت أن أحضر مع صديقي هذه المحاضرة. وفعلا كان الحشد كبيراً في قاعة تتسع لما يقارب 1500 شخصاً. ابتدأت الاحتفالية بعزف وغناء للترانيم الدينية قدمتها فرقة من أبناء الجالية. ومن ثم دعا عريف الحفل المحاضر إلى المنصة بعد أن أتحفنا بنبذة منمقة عن حياته. وصعد المحاضر إلى المنصة مزهواً كالطاووس. وبدأ حديثه بشكل مؤثر استحوذ به على مشاعر وأحاسيس الجمهور الذي بدأ بتحيته، وبالتهليل والتكبير لدى تلفظه بالكلمات التي تحرك قلوب الحضور المكوية أصلاً بنار المعاناة جراء ما حصل في البلاد. وتطور الأمر إلى درجة بكاء بعض الناس. لكن حديث المحاضر لم يقدم أي معلومة جديدة، ولم يكن منسق بشكل أكاديمي. وحديثه معنا أشبه بحديث حكواتي الحارة ورواياته. في ذروة المحاضرة، أعلن عريفها التوقف عن متابعتها لفاصل قصير، وذلك لأن أحد ممولي المحاضرة افتتح حديثاً متجراً للالكترونيات، وقد تبرع بأربعة هواتف جوالة للحفل، وقد طلب عريف الحفل من المحاضر الكبير القيام بالإعلان عن المتجر وإجراء القرعة واختيار الأرقام الرابحة. ولم يكذب المحاضر الخبر وابتدأ بالإعلان بشكل مفصل عن المتجر، ومن ثم قام باختيار الأرقام الرابحة. وبدأ الهرج والمرج ونسى الجمهور موضوع المحاضرة. ذكرتني هذه الواقعة بمذيعة أحدى القنوات الجميلة وهي تلقي علينا باسمة خبر موت المائة شخص الذين جرحوا في اليوم السابق، ومن ثم تعتذر قائلة: "سنتابع الأخبار بعد فاصل قصير"، لتظهر صبية جميلة شقراء معلنة غنائياً عن العطر الجديد: " سمبا.. سمبا.. سمباتيك" "أنا حلوة.. أنا شيك". ولن استغرب إن قام المحاضر، خلال فاصل قصير، هو الآخر بارتداء بذلة الرقص الشرقي ليتحفنا بوصلة فنية تليق بنا. صحيح إذا لم تستح فأفعل ما تشاء.
5
سوريالية
حط الفنانان رحالهما في عاصمة النور.. باريس.. المكان الذي يحلم معظم فنانو العالم بزيارته أو الدراسة أو العيش فيه.. وقد أصيب الفنانان بصدمة حضارية.. فقد كانا يسكنان في مدينة سورية عرفت بمحافظتها الشديدة على العادات والتقاليد.. حتى ليخال للمرء بأن حال هذه المدينة لم يتغير منذ نشأتها.. وهبطا في مدينة تعج بالحياة، مليئة بالمتناقضات، والجمال، وكل أنواع الفنون، موسيقى وغناء وفن تشكيلي الخ.. وقد أراد الفنانان التعرف على الأوبرا.. فقررا حضور أحد العروض.. ونظرا لغلاء ثمن البطاقة فقد اضطرا للعمل شهرا كاملا لدفع ثمنها، وقاما بتوفير المبلغ بقطع كل المصاريف الزائدة بما فيها التوفير في وجبات الطعام، وكانا يتناولان الموز طوال اليوم لأنه من أرخص ما يمكن تناوله من المواد الغذائية.. وجاء اليوم الموعود، وأمضيا ساعات في محاولة ارتداء اللباس الرسمي لحضور العرض.. ودخلا صالة دار الأوبرا مبهوران بفن العمارة وبأناقة الحضور، وصادف أن حصلا على مكانين رائعين في وسط الصالة، مواجه تماما لمنصة المسرح، وفرحا بالمكانين، وكان صف مقعدهما يضم ما يقارب المائة كرسي، وهما في الوسط.. بدأ العرض.. والناس جمودا.. ولا حركة.. حتى ولا نفس.. وبعد حوالي نصف الساعة أحس أحدهما بأن معدته تؤلمه وبأنه يريد الذهاب إلى المرحاض.. حاول الضغط على نفسه فهو لا يريد أن يزعج ما يقارب الأربعون شخصا لكي يذهب إلى المرحاض.. ومع مرور الدقائق زاد الأمر صعوبة، وبدأ يتململ.. ويتحرك في مقعده.. ويتلفت يمنة ويسرة.. مما أثار حفيظة من حوله من الحضور.. لكنه لم يعد يستطع الانتظار، وقال لرفيقه بأنه مضطر لإزعاج الناس لأنه لم يعد باستطاعته التحمل أكثر من ذلك.. وفعلا اضطر الناس للوقوف متأففين لكي يعبر صديقنا.. وركض خارج الصالة إلى الممر الخارجي.. محاولا بيأس إيجاد مكان المراحيض.. وأعاق حركته السريعة البساط الأحمر بين الممرات والذي غرقت قدماه فيه.. وبدأ بفتح الأبواب التي صادفها لعله يجد المكان الذي يريده، فتح الباب الأول فوجد أناس جالسون في الصالة، وفتح آخر ووجد ملابس معلقة، وفتح آخر فوجد ممثلون.. وكاد ينفجر.. وحتى لم يشم أي رائحة للنشادر لتدله على المراحيض.. ولم يعد بإمكانه تمالك نفسه.. ووجد ركن معتم في طرف الممر ينيره ضوء خافت جدا لا يمكن لأحد أن يرى شيء من خلاله.. فقرر صديقنا أن يدخل إلى هذا الركن المعزول ويقوم بقضاء حاجته، وأحس بعدها براحة كبيرة. عاد الفنان من جديد إلى صالة الأوبرا، ووقف الأربعون شخصا من جديد ليسمحوا له بالمرور، وجلس في مقعده، وسأل صديقه ماذا حصل في غيابه، قال له صديقه لم يحصل أي شيء مهم، فالبطل مازال يغني حاملا غيتاره، والبطلة مازالت تركب الأرجوحة وترد عليه غنائياً في عشية رومانسية في طرف المسرح.. وتابع كلامه قائلا: لكن يا أخي هؤلاء الفرنسيون عندهم سوريالية عجيبة غريبة.. ونحنا العرب ما بنفهمها.. تصور حصل شي ما فهمته، خلال المشهد، ظهر شخص في الركن المعتم الآخر من المسرح وقام بقضاء حاجته، ولم أتمكن من فهم علاقة هذا الشخص بمشهد الأوبرا الرومانسي.
|
|
kiriaky@jusur.net راسلوني |
![]()
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |

