عودة إلى جسور

 

 

mohamed-bassam.kabbani@gmx.net   راسلونا

 

 

   1  

هل يجيد الجميع

تغيير قواعد اللعب ؟

من منا لم يقف - و لو لمرة على الأقل - واجما أمام أحد برامج الحاسوب التطبيقية الجديدة أو نسخة ويندوز الأخيرة أو أمام آخر تحديث إحدى الألعاب الالكترونية؟ كلنا على ما أظن مر بهذه التجربة التي تعتبر فرصة و تحديا في نفس الوقت، لست هنا بصدد تناول هذه التجارب والتعرض لإيجابياتها أو لسلبياتها ولطرق كل منا في الاستفادة من هذه الفرص والاستجابة لهذه التحديات، إنما أود التعرض لفرص ولتحديات من نوع جديد تتعرض له مجتمعاتنا العربية سياسيا و اجتماعيا.

الفرص الذهبية والتحديات الكبيرة اليوم هي انتقال مجتمعاتنا إلى مرحلة التعدد السياسي واستجابة كل منا كأفراد ومجموعات وأحزاب وأنظمة حكم وأخيرا كدول أجنبية على علاقة بدولنا.

الأفراد: ربما يكون من المنطقي لأفراد لم يتربوا على عدم التعاطي بشؤون السياسة وحسب وإنما على الترغيب بالبعد عن الاهتمام بالشأن العام وعلى غض البصر عن مجريات الحياة العامة وعلى اعتبارها شأنا يعني "الآخرين" وحسب، ربما يكون الوجوم هو رد الفعل الطبيعي - وربما الكثير من الارتباك - في المرحلة الانتقالية عندما يجد هؤلاء أنفسهم وبدون مقدمات تذكر في معترك الشأن العام وفي خضم التعاطي السياسي، فالانتقال الفجائي من السلبية التامة واللامبالاة المتعمدة واليأس المطبق من فائدة العمل العام وممارسة العمل السياسي في مجتمعات سلطوية تم توزيع السلطات فيها منذ أمد بعيد بشكل هرمي - أبوي بالمعنى الواسع للكلمة في أغلب الأحيان - ليصبح السكون من أهم مميزات المجتمع ولتغدو الطاعة من أهم القيم في عرف المجتمعات وليشكل السؤال جرأة غير مرغوب بها وليسود بعد كل أولائكم مفهوم مفاده أن الاعتراض من قلة الأدب - و في أحسن الأحوال مما لا يليق -، في ظل هذه الأجواء بات إلقاء أي حجر في مياه المجتمع الراكدة قريبا من المستحيل وهو وإن حدث فسيربك بدون أدنى شك من يجد نفسه بدون مرحلة انتقالية في موضع المسؤولية واتخاذ القرار، قد يتبلور هذا الارتباك في بعض مظاهره عندما يقف أحدهم في موضع الاختيار بين المبدأ والمصلحة، أو في موضع تلاقي مصالح من يمثلهم مع مصالح فريق مخالف، أو ما شابه ذلكم من الأمور التي تشي بالوقوف على حدود الدخول في موازنات من أي نوع كان.

المجموعات: في مجتمعات قريبة من القبلية - على الرغم من أنها تسكن المدن منذ مدة طويلة - لم تتعلم ولم تتقبل غالبية المجتمع فكرة الدولة ولم تستطع من تغليب ولائها للسلطة المركزية للدولة على ولاءاتها ـ العشائرية أو العرقية أو الدينية أو الطائفية - لانتماءاتها القديمة وبقيت تقدم ولاءاتها التقليدية على الولاء للدولة كلما وجب عليها الاختيار بين واحد منهما، في مثل هذه الظروف الانتقالية يغلب على التشكيلات المجتمعية التقوقع حول القديم واللجوء إلى المجرَّب الذي أثبت "جودته" على مر العصور، فابتداءً من الخوف على الهوية والشخصية الجماعية وحرصا على العلاقات الداخلية وفق هرميتها المعروفة ومرورا بالتوجس من الجديد وما قد يحمله من مخاطر ومجهول تجد هذه المجموعات في الانتماءات والتشكيلات المجتمعية الراهنة الملاذ الآمن الذي سيستمر في الحفاظ على الأمور كما هي، ربما يمكن إرجاع عدم ثقة هذه التشكيلات المجتمعية بمنظومة الدولة إلى حداثة هذه المؤسسة من جهة - التي تعود في غالبيتها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال - و إلى تقصير الدولة الحديثة بحق الريف وعدم وضعه ضمن أولوياتها التنموية الأمر الذي قد يفسر من جانبه ظاهرة الهجرة من الريف ومن البداوة إلى المدن في أغلب مجتمعاتنا العربية، الأمر الثاني قد يكمن في أن أنظمة الحكم في الدول العربية الحديثة أبقت على هذه الانتماءات والولاءات واستخدمتها - طبعا بسوء نوايا - في معاركها للاستمرار في البقاء وفي اللعب على توازنات القوى المجتمعية ضد بعضها البعض.

الأحزاب: في ظل دولة الاستقلال وما تبعها من سيطرة أنظمة حكم ذات مرجعية عسكرية لم تسمح - وفي بعض الأحيان قضت على ما كان سائدا من حراك سياسي و تعدد حزبي - بأي حراك سياسي خارج نطاق الحزب أوالمرجعية الواحدة المتبناة من قبل النخبة الحاكمة لم تستطع المجتمعات إنشاء أحزاب ذات رؤى تختلف كثيرا عن رؤية النظام الحاكم، وإن حصل وتمكنت من ذلك فإنها غالبا ما كانت تخضع لأنظمة الحكم وتدور في فلكها كي تحصل على بعض الفتات وتحافظ على الحد الأدنى من رمق الحياة، من جهة أخرى استخدمت أنظمة الحكم هذه الأحزاب للتدليل على تعدد الأحزاب والبرهنة على أنها تسمح للرأي الآخر بالوجود وبالتعبير عن نفسه وإضفاء صفة الديمقراطية على نفسها، يمكن الإشارة هنا إلى أن غالبية الأحزاب "المعارضة" لا تتمتع بمصداقية كبيرة في الشارع العربي لأنها رضيت - ربما لأنه لم يكن لديها سقف للحركة أعلى مما سمحت به أنظمة الحكم - بتمثيل دور معارضة صورية أشبه بالاستنساخ، مخاطر ومظاهر ارتباك أحزاب المعارضة اليوم تبرز في أنها تجد نفسها وبدون مقدمات بين ثورة شعبية لا ترضى بأقل من إسقاط أنظمة الحكم وبين أنظمة حكم غير مستعدة لتقديم أي تنازلات بما يتعلق باحتكار السلطة وبين موقفها الذي يحاول أن يوفق بين الموقعين معتمدا على أن العمل السياسي يرتكز على التوازنات وصناعة الممكن.

أنظمة الحكم: من المعروف أن أيا من أنظمة الحكم في العالم العربي لم يصل إلى السلطة بطريقة شرعية، وأنها في غالبيتها لم تعتد على الاستماع إلى شيء من "المعارضة"، وأنها ذات نظرة شمولية، وقد اعتادت لعقود طويلة على التفرد بالسلطة بغض النظر عن الإيديولوجية السياسية أو الاقتصادية - بل وربما غيرت إيديولوجيتها بمرور الزمن وبسبب طول مكثها في السلطة وبقيت تحكم -  التي اتبعتها لتسيير الأمور، أظن أنه سيكون من الصعب على هذه الأنظمة التصرف دون ارتباك ودون ارتكاب الكثير من الأخطاء في هذه المرحلة الانتقالية التي تتطلب تغييرا شبه كامل لكل قواعد اللعبة، فليس من السهل الآن التسليم بأنها ليست الوحيدة على الساحة، وأن وجهة نظرها قد تكون مخطئة، وأن رأي "الآخر" قد يكون هو الصحيح، وأنه عليها الاستماع إلى الآخرين - الذين لم يكونوا إلى وقت قريب موجودين في حساباتها -  و أخذ آرائهم بعين الاعتبار، من جهة أخرى لم تلعب المعارضة في المراحل السابقة دورا يمكن أخذه بالحسبان لعوامل مختلفة أهمها عدم ترك أنظمة الحكم المجال لها للقيام بهذا الدور، كل ما سبق سيجعل المرحلة القادمة الحافلة بالتغيرات من دون أدنى شك حافلة أيضا بالأخطاء وبالارتباك المتكرر حتى يستطيع الجميع تعلم قواعد التعامل الجديد وليصبح في مرحلة لاحقة متقنا لها.

الدول أجنبية: لقد اعتادت الدول الغربية ذات الماضي الاستعماري في تعاملاتها مع الدول العربية أن تبني علاقاتها مع الأنظمة الحاكمة مع علمها - بل كانت هي من يمدها بمقومات الاستمرار عند تعرضها لأي تهديد - بأنها أنظمة ديكتاتورية ولا تحترم حقوق الإنسان وتمعن بنهب ثروات شعوبها وتعتمد على الفساد في إدارة أمور الحكم، أظن أنه من نافلة القول أن ديمقراطية الحكم أو حرية الشعوب أو عدالة التوزيع في بلداننا لم تكن في يوم من الأيام من أولويات العلاقات بين هذه الدول و الدول العربية، وأنه بالطبع لم يتغير هذا الأمر وربما لن يتغير في المستقبل المنظور، من هذا المنطلق ربما سنلحظ في القابل من الأيام والشهور ارتباكات متباينة في سياسات الدول الغربية اتجاه بلداننا، حيث ربما عليها ولأول مرة في تاريخ علاقاتها مع بلداننا أخذ قوة الشعوب (ليس مصلحتها) وتأثيرها على القرار بالحسبان، وأنه عليها من الآن فصاعدا أن تعلم على الأقل أن الشعوب بدأت تشارك في اتخاذ القرار أو على الأقل مراقبة ما تتخذه حكوماتها من قرارات وقد تعترض على بعضها إذا ما ارتأت أنها ليست في صالحها (مثال ذلك رفض شباب الثورة في مصر الاقتراض من البنك الدولي)، من دون أدنى شك سيشكل هذا الأمر عنوانا من عناوين السياسة الدولية التي قد تضع حدا لتوصيف وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق هنري كيسنجر لسياسات بلده مع حكامنا بالبازار و الخيمة.

أقل ما يمكن تشبيه هذه المرحلة به هو عملية انتقالنا في مرحلة الطفولة من الحبو إلى الوقوف ومن ثم المشي على ساقين، فليس منا من لم يسقط ويقع أرضا وربما أصيب بكدمات وجروح حتى غدت عملية المشي تلقائية لا تحتاج منا أي تفكير، فلتكن بناءا على ذلك دعوة مفتوحة للجميع للتعلم.

 

   2  

هل من حسد في ثالثة؟

وأنا أتابع الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة باهتمام كبير ابتداءً من مرحلة حملات الدعاية الجماهيرية الرائعة ومرورا بيوم الاقتراع السلمي والهادئ وانتهاءً بساعة إعلان النتائج المرقوبة بكل المعاني، كان الأمر من البداية وحتى النهاية ظاهرة مثيرة للإعجاب وتستحق المدح والتقدير، ليس لأنها جاءت بنتائج طيبة للسيد رجب طيب أردوغان ولحزبه وحسب وإنما لما تمثله هذه الانتخابات من إحراج لجميع (مع القليل من الاستثناءات) أنظمة الحكم في العالمين العربي والإسلامي (وربما لكل المستبدين في العالم) التي تجد نفسها في وضع محرج للغاية تحت ضغط شعوبها التي قررت أخيرا أن تأخذ أقدارها بأيديها وأن لا تسلمها لمن يلعب بها ويسرق مقدراتها ويغتال حقوقها ويلتف على حاضرها و يرهن مستقبلها.

خطر ببالي خلال هذه الأحداث سؤال قد يدخل في باب أحلام اليقظة (التي ينصح بها علماء النفس لصحتها)، سألت نفسي أكثر من مرة عما إذا كان أحد من زعماء الدول العربية التي تتعرض عروشها (العروش عادة للملوك فقط) أو غيرهم من الحكام المستبدين يتابع مثل هذا الحدث بنفس العين التي حاولت متابعته بها. وإن حصل وفعلها أحد من هؤلاء الحكام ولو خلسة فإن مثل هذا الأمر المتسلل إليه قد يدفعه في بعض اللحظات إلى تساؤلاتٍ مثل التي سأتابع طرحها في النقاط التالية:

ما الذي يدفع رئيس الوزراء التركي (طبعا المقصود هنا تركيا كونها دولة إسلامية تشترك بلداننا معها في الكثير من القيم والتاريخ ولكن التساؤلات تنطبق على جميع النظم الديمقراطية أو التي في طريقها لذلك) الذي يملك بيده زمام السلطة لقطع البلاد من أقصاها إلى أقصاها ويجهد نفسه في عرض برنامجه الانتخابي ويسعى لربح عقول وأفئدة الناخبين؟ ما الذي يرغمه على خوض معركة انتخابية حقيقية مع الأحزاب السياسية الأخرى وهو غير موقن بما ستحمله صناديق الاقتراع من نتائج (كما هي الحال في جميع دول الاستبداد في العالم)؟ ما الذي جعله لا يركن إلى إنجازات حزبه في الفترة السابقة أو إلى نتائج مسبقة تجعل من عملية الاقتراع والتصويت مسرحية تثير الغضب والألم على الرغم من هزليتها؟

ما الذي دفع عشرات آلاف ومئات آلاف الأتراك (وربما الملايين في بعض الحالات) للتجمع في مختلف الميادين التي جرت فيها الحملات الانتخابية للاستماع إلى الوعود الانتخابية لممثلي الأحزاب التي تسابقت على إقناع هذه الجموع ببرامجها وبجدارتها بثقة الناخب التركي؟ ما الذي جعل هذه الجموع الغفيرة تقتنع بهذه العملية من البداية وحتى النهاية؟ ما هي العوامل التي جعلت هذه الملايين (وصل عدد المسجلين أكثر من خمسين مليون ناخب) مقتنعة بأن لصوتها قيمة وبأن اختيارها لن يزور وبأنه عليها في النهاية القبول بما ستحمله هذه الصناديق من نتائج؟

الخلاصة التي أخذتها لنفسي من هذا الحدث الجلل (و هو جلل بكل ما تحمله الكلمة من معنى لكل المنطقة العربية والإسلامية التي كتب عليها الاستبداد وأن تقتنع شعوبها بأن طبيعتها الفكرية - والبنيوية ربما - لا تسمح لها إلا أن تحكم بهذه الطريقة) هو أن العمل والإنجازات التي قدمها أي حزب من الأحزاب المشاركة في الحياة السياسية أو العمل والإنجازات التي تعد هذه الأحزاب بتحقيقها هي من وطد هذه العلاقة المبنية على الثقة المتبادلة بين المرشحين والمنتخبين، ثقة تجعل الناخبين يقدمون بكل حزم على التصويت يعرفون بناءً عليها أن أصواتهم لن تضيع هباءً، كما تعرف أنها تستطيع أن تطيح بهؤلاء المرشحين إن هم ربحوا هذه المرة ولم ينجزوا وعودهم خلال الفترة النيابية القادمة، فهم على موعد مع صناديق الانتخابات بعد أربع سنوات تشكل موعد المحاسبة الشعبية للأحزاب ولإنجازاتها، أما الثقة من جهة المرشحين فإنهم أيضا يعرفون بناءً عليها أنهم مسؤولون أمام ناخبيهم وأمام الدستور الذي عليهم احترامه، فهم يعرفون أن عملية الاقتراع نظيفة وأن الرقابة عليها شديدة من جميع أطراف العملية الانتخابية وأن ما ستأتي به الصناديق ما هو إلا نتيجة لعملهم في الفترة الانتخابية السابقة لا أكثر ولا أقل، كما أنهم على وعي تام بأن الناخب يراقب عملهم عن كثب ويرى التزامهم بالوعود الانتخابية ويرى مدى الإنجاز ثم يقدر لهم إن أحسنوا ويسحب منهم ثقته إن هم أساؤوا، وهكذا تستمر العملية الديمقراطية.

في غمار كل هذا خطرت على بالي تساؤلات أخرى وهي: هل شعر أحد من هؤلاء الزعماء بالحسد (مع علمي بحديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في أنه لا حسد إلا في اثنتين ...) يأكل قلبه من الداخل بعد إعلان نتائج الانتخابات التي فاز بها حزب العدالة والتنمية بنتائج فاقت أفضل التوقعات بعدة نقاط؟ هل قال أحدهم لنفسه ما الذي يمنعني من أن أكون مكان رجب طيب أردوغان؟ ما الذي يحول بيني وبين شعبي أن يعطيني ثقته (من كل شخصين واحد) ولكن بدون وعود انتخابية كاذبة وبدون تزوير في الصناديق وبدون تشبث أرعن بكرسي الحكم على الرغم من الفشل الدائم والمتواصل في تقديم أي شيء نافع للشعب؟ ما الذي يحول بيني وبين أن أحظى بثقة وبمحبة بني أمتي؟ وقبل كل تلكم الأسئلة يبقى السؤال الأهم وهو: ما الذي قدمته كحاكم لأمتي التي منحتني (ولو في أغلب الأحيان مرغمة) قيادتها لكي أقارن نفسي بمثل هذه القامات العظيمة؟ ألن تكون حسرة هؤلاء الحكام أمر منها اليوم غدا عندما يقومون بين يدي رب العالمين ويسألون عما تسببوا به من آلام ومحن للمساكين والفقراء (الرعاع وفق مصطلح المستبدين) خاصة إذا ما استدعوا في خاطرهم حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به. رواه مسلم وغيره .

سؤالي الأخير هو: هل سنعي كشعوب (أظنني قد فعلناها منذ أمد بعيد) وهل سيعي الحكام المستبدون أن مراحل الفوز بالانتخابات بالأرقام الفلكية من فئة 100% أو 99,99% وربما 92% وغيرها قد ولت إلى الأبد، فبما أن الكثير من فقهائنا أنكروا وجود الإجماع كمصدر للتشريع ينبغي علينا جميعا إنكار وجود الإجماع في عالم السياسة والاجتماع.

 

   3  

لماذا نخاف من

الديمقراطية؟

أظن أن أول ما يخطر ببالي في محاولة الإجابة على هذا التساؤل الكبير هو أن الإنسان عدو ما يجهل - و لا أريد الدخول هنا بجدالات عقيمة عن أن الديمقراطية من الغرب و نحن لدينا الشورى وما يصلح للغرب لا يصلح لنا فقد كُتبت عن هذا الموضوع مئات المقالات والكتب وعقدت ربما عشرات الندوات - لأن الكثيرين منا لا يعرفون ما المقصود بالديمقراطية ويخلطون بين الديمقراطية كمنطلق (مرجعية) وبينها كوسيلة، ولأن الأغلبية منا لم يسعدها القدر للأسف بمعايشة تجربة ديمقراطية صحية ليرى غنى وجودة هذا الجو الذي يستطيع فيه كل فرد التعبير عن نفسه ورؤية الآخر المختلف بجانبه وهو يعبر أيضا عن نفسه دون أية غضاضة أو انتقاص.

ربما نخاف من الديمقراطية لأننا نتبنى فكرا عنصريا، لأن من أهم متضمنات الديمقراطية أن البشر متساوون ويتمتعون بنفس الحقوق وتجب عليهم بالمقابل نفس الواجبات، وعندما يخاف أحدنا من هذه المبادئ الإنسانية العامة والمشتركة التي تقول لنا أنْ لا أحدَ أفضل من أحد، فلا يمكن أن يعني ذلك مع محاولة تحسين الظن إلا أننا ننطوي على شعور بالاستعلاء نحو الآخر مع ملاحظة أن الآخر في هذه الحالة هو الشريك في الإنسانية أو في الأمة أو في الوطن أو في المدينة أو في الحي أو في المؤسسة أو في النادي أو في أية خلية مجتمعية مهما صغرت.

ربما نخاف من الديمقراطية لأننا نكره التنوع الذي هو سنة الله في الخلق أو لأننا نكره الاختلاف الذي هو إرادته في التاريخ أو لأننا نكره الاعتراض الذي يجسد تعبيرا عن حرية الإنسان في الاختيار التي من أجلها خلق الله الإنسان، برفضنا الديمقراطية نقرر الاستغناء عن التنوع في الطبيعة الذي يغني حياتنا ويبهج نفوسنا والقضاء عليه في عالم الاجتماع والسياسة لأننا نظن أنه سيضعفنا، وربما نحن نكره التنوع لأننا نخلط بينه وبين الشذوذ، كما أننا نكره الاختلاف لأننا نخلط بينه وبين التخالف، كما أننا نكره المعارضة لأننا نخلط بينها وبين الهدم.

ربما نخاف من الديمقراطية لأننا استكماليون ونتبنى عقيدة "إما كل شيء أو لا شيء"، فالديمقراطية كأسلوب في الحياة تقول لنا أننا مازلنا على طريق التكامل - ولربما لن نبلغ النهاية المثلى بما أن الأمر مؤسس على التطور والتغيير - و لم نبلغ النهاية بعد بينما يرى الاستكماليون أن كل شيء ناجز وعلى خير مايرام وما من ضرورة لأي حراك اجتماعي أو سياسي.

ربما نخاف من الديمقراطية لأننا دوقماطيقيون ننطلق من الاعتقاد الجازم واليقين المطلق بأحقية مواقفنا دون الاستناد إلى براهين يقينية، وبإنكار الآخر وبرفضه باعتباره على باطل مطلق والذي يعني أنه لا مكان عندنا في ألوان الطيف إلا للأبيض والأسود، ولا مكان في مجال الأفكار إلا للصواب والخطأ، ولا مكان في الولاءات إلا لمع أو ضد "عقيدة بوش"، ولكن ألا يعني هذا أننا لا نترك أي فرصة لادعاءاتنا اليقينية هذه أن تتفاعل وتتطور وتثبت أحقيتها وجدارتها على أرض الواقع لأننا نقف موقف الرافض من التلاقح الفكري.

ربما نخاف من الديمقراطية لأننا نحب القيام بدور الوصي على الآخر "القاصر" لأننا نعرف ما هو جيد بحقه وما هو سيء، ونعرف صالحه ومصالحه أكثر منه، أي أن الآخر لم يبلغ الرشد ويحتاج لمن يقوم مقام الوصي على مقدراته حتى يحين الوقت الذي يصبح فيه مؤهلا للقيام بأمره، ولكننا نعمل خلال هذه الفترة على تأخير هذا الحين وربما الاجتهاد على ألا يحين أصلا استبقاءً للأمور على حالها بين رشيد "دائما" وقاصر دائما"، ولا ننسى أن الآخر قد يكون في بعض الأحيان هو مجموع الأمة، أظن أنه لا يمكن وصف مثل هذه الدعوى بأقل من السُّبة لمجموع الأمة التي ستضيع إذا تُرِك لها تقرير أمرها.

ربما نخاف من الديمقراطية لأننا نظن بأننا "الأصلح" من غيرنا للقيام بأمر ما بينما لا يتمتع غيرنا باللياقات اللازمة لذلك، أي أننا ننطلق من حيث ندري أو لا ندري من فكر إقصائي يجعلنا نخاف كثيرا من الفكرة عندما نحاول ولو لوهلة قصيرة أن نضع أنفسنا محل الآخر الذي أقصيناه فيجتاحنا الخوف من أن تنقلنا الظروف والأقدار إلى الطرف الآخر من المعادلة، ولأننا ننسى أننا لو كنا نعمل وفق المبادئ الديمقراطية فإنه لن يكون ثمة مجال للإقصاء وإنما المشاركة هي عماد الأمر، مرة بالإمساك بالمسؤولية من جهة التنفيذ ومرة أخرى بصفة الرقيب و المحاسب.

أخيرا ربما نخاف من الديمقراطية لأننا نخاف من الآخر أن يقصينا كما أقصيناه، وهذا الخوف مبني أساسا على كل ما سبق ذكره، فهو مبني مثلا على تاريخنا الطويل بالتعامل السيئ مع الآخر وإقصائه والوصاية عليه وإجباره على تبني أفكارنا على الرغم منه وإعطاؤه شعورا دائما بالدونية والتبعية وعدم الأهلية، ولكن أليس تغيير هذا عن قناعة تامة منا هو الأفضل من أن يتم تغييره بالقوة مما سيغير الأدوار ويبقينا في هذه الدوامة إلى أن يفعلها أحدهم وهو لا ينظر نظرة وقتية وحسب بل يغادر موضع قدميه ببصيرة تنفذ إلى المستقبل الذي نتمنى أن يكون مشرقا بإذن الله و بفعل الشعوب.

ألا يعني كل ما سبق أننا ننطلق من مفهوم خاطئ من البداية حتى النهاية وعلى طول الخط لمفهوم المسؤولية، حيث يرى كل من يخاف من الديمقراطية لأي سبب مما استطعت ذكره أعلاه ولأي سبب آخر ضاق المجال عن ذكره أو لم يخطر لي على بال أن المسؤولية تشريف لا تكليف وأن على المرء حمد ربه أن كفاه هذا الأمر بغيره؟

 

   4  

وما الذي سيتحسن

بعد الثورات ؟

في كثير من النقاشات مع الذين يعارضون موجة الثورات العربية التي تعصف بالمنطقة العربية أو الذين يقفون منها موقف المتفرج المحتار تبرز أسئلة وتساؤلات كثيرة تبدو في وهلتها الأولى مستعصية على الإجابة وتكاد تحوِّل المؤيدين للثورات بل وحتى المشاركين فيها عن آرائهم وتعيدهم ليركنوا إلى الرغبة في استمرار الأوضاع على حالها ميلا إلى الهدوء والدعة و "الاستقرار" الذي طبع العقود السابقة، من جملة هذه الأسئلة مثلا: "ما الذي سيتغير إلى الأفضل بعد تغيير النظام الحالي؟"، "ألا ترى الفوضى و عدم الاستقرار الذي يسود في الدول التي أزاحت حكامها، فهل تريد أن يحل ذلك ببلدك؟"، "من هو البديل عن الرئيس الفلاني أو الحاكم العلاني، فنحن لا نعرف البديل؟"، "المعارضة في البلد الفلاني أو العلاني ليست موحدة وليست متفقة، فهي بذلك لا يمكن أن تكون البديل المناسب"، "إذا ذهب الحاكم فإن الفوضى وعدم الاستقرار سيكون البديل".

ربما بل وبكل تأكيد يحتاج الأمر إلى محاضرات عديدة ومؤتمرات للإجابة عن مثل هذه التساؤلات الضخمة، ولكن محاولتي المتواضعة هنا في وضع اليد على الخلفية الذهنية والعقلية التي تنطلق منها هذه التساؤلات وتظهرها على أنها مستعصية على الإجابة، فأول ما يخطر بالبال هو أن هذه الأسئلة تنطلق من نفسية المواطن الذي ينتظر ما سيحدث كمتفرج و يقبل - كما هي الحال حتى الآن – ما الذي سيقدَّم إليه وهو لا يرى في نفسه فاعلا في الأحداث وإنما صدى لها ومتأثرا، وهذا يعني أن الذي يطرح هذه التساؤلات يعتمد منطقا سلبيا غير فاعل ولا مؤثر في الأحداث، أي أنه لا ينطلق من مفهوم واجب المشاركة والمسؤولية ومن ثم المحاسبة، وإنما من مفهوم الاتكالية والتلقي والانفعال، فالعمل السياسي في رأي من ينطلق من هذه الرؤية ولو في أدنى مظاهره هو من شأن الآخرين ولا ينبغي له إقحام نفسه فيما لا يعنيه.

الذي يطرح مثل هذه التساؤلات ينطلق من طريقة غير واقعية في التعامل مع الأمور ورغبة سحرية في حلها، فهو يريد من الحركات الثورية أن تنجز مهام التغيير والإصلاح لما عملت عليه أنظمة الحكم الحالية على مدى عقود طويلة من إفساد - بل وإلغاء - للحياة السياسية والواقع الاقتصادي والاجتماعي بضربة واحدة وبلمح البصر، بينما تمتع هذا المواطن طيلة هذه الفترة بالواقعية وأظهر مختلف أنواع "الصبر والتحمل" والسكوت عن كل ما حملته فترة التخريب والفساد من سلبيات وكبت للحريات، وهو يضيق صدره اليوم عن تحمل مرحلة التغيير والمخاض التي تعتبر من أصعب وأخطر المراحل في كثير من شؤون الحياة ولا يملك من سعة الصدر لتجاوز بعض هفوات "المعارضات" كونها تخوض في الغالب تجربة جديدة لم تعهدها من قبل ولم يكن بإمكانها القيام بها في وضح النهار في ظل القمع السياسي الذي ساد الفترات الماضية.

الذي يتحدث عن معارضة واحدة وليس عن "معارضات" ينطلق أيضا من نفس سمات المرحلة السابقة التي كان فيها الحزب الواحد والقائد الفذ يقودان العمل السياسي والحراك الاجتماعي ويحددان وجهة الأمور في الدولة والمجتمع، وهو يطمح بذلك إلى البديل الذي ينبغي أن يتمثل في حزب معارض وحيد ومن المفضل أن يكون له قائد فذ يُتِم المسيرة لتسير الجماهير وراءه متبعة خطواته الحكيمة، هذا الانطباع يعني أننا لم نفهم طبيعة المرحلة القادمة ولا أبجديات الديمقراطية ولا مفهوم التعددية، أي أننا بطرحنا مثل هذه التساؤلات نعبر عن أننا ما زلنا نعيش بمفاهيم الماضي عن العمل السياسي وسنعمل من حيث لا ندري على تكرار نفس التجارب المريرة ودفع أثمانها الباهظة.

ربما ينبغي علينا في هذه المرحلة أيضا تحديد المفهوم الصحيح للاستقرار ولفت النظر إلى أن الاستقرار الذي يقوم على أسس صحيحة لا يمت إلى ذلك الذي يتمسك به الكثيرون ممن يخافون على ضياعه ويعتبرونه من أغلى ما حققته الأنظمة الاستبدادية الحاكمة وبالتالي وصفه على أنه مما لا ينبغي التفريط به بأي شكل من الأشكال، فالاستقرار بهذا المفهوم لا يعني سوى الموات وانعدام الفاعلية والتخلي عن المسؤولية وترك البلاد نهبة للنظام الحاكم وكذلك ترك مقادير البلاد لعبة في أيديهم يوجهونها كيفما شاءوا، كما ينبغي بكل إلحاح الإبداء والإعادة في أمر هام للغاية وهو أن من يهدد بالفوضى و يتسبب بها هو النظام الحاكم نفسه مع أعوانه إضافة إلى المستفيدين منه في محاولة فاشلة للبرهنة على أن زوال هذا النظام أو ذاك سيكون نذيرا بحلول الفوضى و سواد عدم الاستقرار وضياع الأمان.

 

 

   5  

الثورات.. يصنعها الشجعان..

يخذلها الجبناء.. ويقطف ثمارها

 الإنتهازيون !

ربما سيكون محتوى هذه المقالة محزنا لكثيرين ممن إعتادوا التفكير المثالي والأخلاقي، ولمن لا يستطيع النظر إلى الحياة وما فيها خارج منظور قيمي، ولكن على المرء في كثير من الأحيان مجابهة الحقائقِ المُرَّةِ عارية دونما عمليات تجميلية ودون ممارسة المرء - عن قصد وعن غير قصد - مخادعة النفس وتأميلها بالمستحيل، فمنذ مدة تجول في خاطري هذه المقولة المشهورة عن الثورات وعن سيرورتها، كلام أقل ما يقال عنه أنه محزن، ولكن وقائع تاريخية كثيرة تثبت صحة مضمونه، فالتاريخ مليء وطافح بما لا يدع مجالا للشك في كون هذا الأمر قاعدة وإن كان لكل قاعدة شذوذات لا تخرجها عن كونها قاعدة سارية المفعول..

ربما سيكون من المناسب ربط هذا التسلسل بمقولة المفكر الإسلامي العربي الفذ مالك بن نبي عن أن الحضارات عادة ما تمر بثلاث مراحل: مرحلة النشوء القائمة على أساس قيمي وعلى الولاء للمعاني، مرحلة الإستقرار و الركود التي تتخذ من الأشخاص نماذجَ تقتدى وتتمحور حولها، وأخيرا مرحلة الإنحطاط حيث يغدو الولاء للأشياء والغرق في الماديات هو السائد، ويمكن التنويه هنا إلى أنه ليس بالضرورة أن تكون هذه المراحل متتابعة زمنيا وحسب، بل ربما قد تحدث بالتوازي، فقد يصادف المرء في نفس المجتمع أناساً غاية في المثالية والتعلق بالقيم ويرى على التوازي وبالقرب منهم أناسا آخرين غارقين في المادية والتشييئية على الرغم من إنتمائهم إلى نفس الفترة التاريخية وعيشهم في نفس البيئة الإجتماعية والحضارية، وغالبا ما تكون العلاقة بين الطرفين المتعاصرين مطبوعة بالإستغراب والإغتراب بحيث لا يستطيع أحدهما فهم الآخر أو تخيل عالمه لبعد الشقة بينهما و بين تصوراتهما وأهدافهما وأولوياتهما وبالطبع طريقتهما في التعامل مع الواقع.

الثورات يصنعها الشجعان: أولئك خير ما أنجبت البشرية وأشرف مِنَنِ الله على الإنسانية لأنهم بشجاعتهم التي قد يراها البعض تهورا يجسدون التجرد في أرقى صوره والإخلاص في أصدق معانيه لأنهم آمنوا بالقيم العليا التي يرون صلاح المجتمع فيها وتجاوزوا إتباع الأشخاص وتقديسهم وإستغْنَوْا عن عبادة الأشياء بحيث لم تعد تشكل مطمعا أو إغراءا لهم، هذه المقولة يثبتها التاريخ الماضي والوسيط والقريب والواقع المعاش وتشهد لها أحداث الربيع العربي التي تمر بها أمتنا العربية في الوقت الحالي، فأصحاب الصدور العارية والمفتوحة تَكِلُّ كلماتٌ من مثيل "أبطال" أو "شجعان" عن وصف بعض حالهم أو توفيتهم جزءا من أقدارهم، و هم غالبا ما يقعون ضحية العنف السلطوي - بجميع صوره سياسية كانت أم إجتماعية أم ثقافية أم دينية أم إقتصادية - الذي يحاول الإستعصاء على التغيير أو تأخيره في أحسن الأحوال، وهم بوجودهم في الصفوف الأولى وبتصدرهم الحراك الشعبي والعمل الثوري على إختلاف مستوياته إتخذوا قرارهم بالتضحية من أجل مستقبلٍ أفضلَ لبني وطنهم أو عقيدتهم أو عشيرتهم إلى غير ذلك من الإنتماءات، فيكونون بذلك أول الناس عرضةً للإعتقالات وللتعذيب وفي كثير من الأحيان للقتل والتصفيات الجسدية، بالطبع يكمن وراء مثل هذه السلوكيات تجردٌ لا يقوى عليه سوى النَدَرَة ممن قاربت أخلاقياتهم المثالَ ودنا تواضعهم من الذهول عن الأنا ووصل بهم عطاؤهم حدَّ الفداء وبلغ تعاليهم عن المطامع الشخصية حدود نكران الذات، لتنتهي بذلك أدوارهم الثورية قبل ودون أن تكتحل عيونهم بشهود مرحلة التغيير النهائية أو قطف ثمارها، وإذا حصل و كانت الثورات - بعد غلبتها - وفية لهم ولتضحياتهم فقد يُكَرَّمون عن طريق الإعتراف بشجاعاتهم وبتضحياتهم وبتخليد ذكراهم وبتعويض ذويهم ماديا و معنويا.

الثورات يخذلها الجبناء: واقع عاشته وتعيشه الثورات في كل مكان وزمان، هؤلاء يتمتعون بقدر غير نَذْرٍ من العطالة الفكرية والمادية والضمائرية تجعل أي تغيير في أفكارهم أو مواقفهم عملية إن لم تكن مستحيلة فعلى الأقل مستعصية، تُدَعِّم هذه الفئة عطالتها هذه بمقدرة غريبة على إدعاء الحكمة وبالتبصر العميق في أدبار الأمور وهي ترفق ذلك بالتبرير البارد المقيت لتأخرها عن الركب، فبغض النظر عن أسباب خذلان هؤلاء الثوراتِ ستراهم يتذرعون بالحكمة تارة وبالتروي لعدم وضوح الرؤى تارة أخرى، كما سترى منهم من ينتظر ترجيح كفة على أخرى ومنهم من تحملهم حساباتهم الباردة على إتخاذ قراراتهم منذ البداية - عن سبق نية و تفكير و تدبير وتنفيذ وإصرار - بالتروي حتى إلتقاط اللحظة الحاسمة فلا يكون إنتقالهم من معسكرٍ إلى آخرَ نابعا عن رؤى وقناعات وإنما هي الذرائعية الفجة والحسابات النفعية لأجل الإلتحاق بالفريق الرابح في خطة مكشوفة المعالم لركوب الموجة وربما لتسلم منصب معين وبعد ذلك للمَنِّ على الثورة والثوار بأنهم كانوا من مولدي أفكارها ومن حملة شعلتها بل من صانعيها الأبطال ومفجريها الأحرار، والويل كل الويل لمتقدمي الصفوف الأولى من هؤلاء الجبناء إذا ما تم القضاء على ثورتهم لأن أول من سيكيل لهم الإتهامات بالجملة وأقسى من سيبدي الشماتة بهم سيكون هؤلاء الإنخذاليون الذين سيستدعون وسيدَّعون الحكمة بأثر رجعي وسيلقون باللائمة على من أراد لهم الخير والسؤدد ولمجتمعهم الرقي والتقدم، لا يمكن ولا ينبغي وصف هؤلاء بأنهم جبناء وحسب بل بأنهم لؤماء إعتادوا الأكل على كل الموائد وعلى المشي على الجثث وعلى الإستغلال المقيت لما يسمونه "الفرص السانحة" لينقولونا إلى المرحلة الثالثة من المقال وهي المرحلة الثالثة زمنيا في تاريخ الثورات.

الثورات يقطف ثمارها الإنتهازيون: واقع مرير خبرته أغلب الثورات في التاريخ وتجابهه للأسف جميع الثورات العربية اليوم بلا إستثناء، فعندما تنجح تضحيات الأبطال الشجعان في إرساء روح التضحية والصمود وعندما يلتحق بعض ذوي الحسابات الباردة بالركب وتلوح في الأفق تغيرات في موازين القوى تؤدي في النهاية إلى الإطاحة بالنظام القائم - ليس بالضرورة أن يكون الحديث عن نظام سياسي - تبدأ بذلك المرحلة ما بعد الثورية في بناء نظام جديد إِنْ في الأفكار أو في الأديان أو في السياسة أو في الإقتصاد أو في عالم الإجتماع، في هذه اللحظات الزمنية عالية الحساسية يكون الميدان قد خلا من الشجعان إن لم يكن لأنهم ضَحَّوْا بحيواتهم فلربما بسبب إنسحابهم إلى الصفوف الخلفية لأنهم لم يكونوا يريدون من الثورة أكثر من تغييرالأوضاع السائدة والإنقلاب عليها رغبة في مستقبل أفضل، وبتحقق ذلك تكون الثورة من منظورهم قد وصلت غايتها وحققت مبتغاها، هنا يقفز الإنتهازيون ويرون الساحة فارغة تنتظر إنقضاضتهم على الغنيمة ونهش ما يستطعون نهشه بدعوى الحرص على المصلحة العامة، هنا ينطبق قول القائل بأن الثورة تأكل أبناءها مع فارق أو إيضاح غاية في الأهمية وغاية في البساطة ألا وهو أن هؤلاء لم يكونوا في يوم من الأيام أبناءاً شرعيين للثورة بل ملحتقون بالإنتساب الزور إليها لما يحقق لهم مثل هذا الإنتساب من مكاسب شخصية مادية ومعنوية على السواء.

ربما كان سيحبذ البعض لو أُشْفِعَت هذه المقالة بأسماء بعض الأشخاص أو الفئات أو الحركات أو الأحزاب من التاريخ ومن الحاضر وربما بتصنيفها إلى هذه الفئة أو تلك، لكني فضلت أن أكف الذكر عن فعل ذلك لإختلاف الكثيرين في تقدير الأمر وفي تصنيف هذه الفئة أو تلك، فما هو عند هذه الفئة شجاع ثوري قد يصنف عند الفئة الأخرى على أنه جبان متخاذل أو ربما إنتهازي أو بالعكس، لكن الأمور التي أخال أننا سنكون مجمعين على الإتفاق بشأنها من حيث المبدأ هي وجود هذا الفئات وهذا التصنيف وهذا الإختلاف، الأمر الذي لا يجوز لنا أن نكون مختلفين بشأنه هو الدعوة إلى عيون مفتوحة ترقب ما يحدث وإلى فكر نقدي متوثب وبناء يقدر عقول الشعوب ويحترم خياراتها ولا يخون قضاياها في اللحظات التاريخية الحاسمة من أجل أهداف هذه الفئة أو تلك مهما إختلفت الدعاوى أو المبررات، فإذا كان التاريخ لا يرحم فعلى الشعوب أن تتحلى بهذه القسوة وألا ترحم من يستغل قضاياها ويلعب بمصائرها قبل أن تترك هذه المهمة للمؤرخين ولكتب التاريخ لأن الوقت حينئذ سيكون متأخرا في جميع الأحوال.

 

 

 

كتابات أخري

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50