
|
|
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |
![]()
|
كتابات أخرى |
|
راسلوني |
|
1 حكاية مع الماغوط
قبيل انعطاف الألفية، وبينما كانت طائرات الناتو(تنشر الديمقراطية) في بلاد الصرب، التقيته في مدينة (ليالي الأنس)... الماغوط بلحمه وشحمه وعينيه الخضراوتين، وصوته الأجش، ووشم الغزال(البدائي) على يده، ومحفظته الجلدية التي تأبطها كتلميذ... ومثل باقي النكرات في هذا العالم، عرفته بنفسي، فلمحت في وجهه انزعاجا وتململا.. مما اضطرني إلى تقديم شهادة خلوّ من الأمراض السارية (الإخوان) وكذلك براءة من إفك (جماعات حقوق الإنسان المشاغبة) كي أهدئ من روعه !! لا أنكر أنها طريق وعرة، تلك التي بدأت.. فما هكذا يكون رثاء الشعراء؟ لكن ما العمل إذا مملوكا بإرادة الفوضى واللاأدرية... وقول كل مالا تحمد عقباه.. ما العمل إذا كانت الذكرى قد حفرت في مخيّلتي، كالحروف المسمارية.... هذه هي الحقيقة العارية التي رأيت .... فالشاعر بدا لي مسكونا بالريبة والتوجس.. لكنه كأي شاميّ حاذق (لايرمي كل الجمرات بل يحتفظ بإحداها بين ملابسه، أملا في صفقة ما مع إبليس) وكانت الصفقة، وأصبحت ضمن ثلة ضيقة أحاطت به، ورافقته كعكازه الذي يتكأ عليه.. خلال تلك الأيام المعدودات، كنت أذهب يوميا لاصطحابه هنا وهناك.. قال لي: لا أحب الطبيعة والغابات ولا الجبال، لأنها غبية بكماء.. أفضّل الأرصفة المكتظة بالناس... وقال أمام الجمهور: أدونيس... هو عديلي على مضض.. لكنه أضاف (فيما بعد) أحب فيه روحه الكريمة وثابتة ومتحولة (لكنه مدعوم من الفاتيكان!!) في إحدى الأماسي ، لبى دعوة أقامها على شرفه بعض السفراء العرب، بحضور الكاتب المنفي ناصر حامد أبو زيد، ويبدو أن السهرة لم ترق له.. فعاد إلى عش (الصعاليك) حيث أكمل السهرة بالتندر على أحد السفراء (كان للصدفة شاعرا لوذعيا، دوّخه بما فاضت قريحته من قصائد عصماء).... وكما أسلفت، كان الماغوط متوترا مرتابا ومتوجسا من هذا المحيط الغريب.. وما أثار دهشتي نفوره من المعارضة... لماذا لا تعودوا إلى الوطن؟ يهمس أحيانا: هل هؤلاء من الإخوان؟ في الحقيقة لم أكن أتخيّل أن شاعرا بقامته، يخشى عاقبة الأمور، ويخشى احمرار عيون الدولة وغضبها.. كان يعرف أن بلادنا المحكومة بطارئ القوانين قد لا ترحم شيخوخته !!! وقد حزّ في قلبي عندما قرأت نصه، الذي ذكر رحلته إلى فيينا، وكيف أن المظاهرة الوحيدة التي شارك فيها (سهوا)، ورقص، ولوّح بعصاه، كانت مؤيّدة لأمريكا، مما اضطره أن يغادر في اليوم التالي ؟؟؟؟ في هذا النص تحوّل الماغوط إلى ( أبو سيّاف الزهور)... لأن المظاهرة التي شاركته فيها (مع صديق كردي) حدثت بالفعل أمام الهوفبورغ (المقر الإمبراطوري السابق لعائلة الهابسبورغ الشهيرة) وبالفعل لوّح الماغوط بعصاه، وسط حشد من الصرب.. الذين رفعوا أعلام بلادهم، احتجاجا على قصف الناتو... بعد هذا الرثاء (المفعم بقلة الوفاء والحياء) أعود لألملم الموضوع!! فالماغوط ليس بحاجة لشهادتي، فهو كقمم الجبال التي لا يمكن أن تحجبها أصابعي.. .يكفيه أنه روّض النثر العربي وحوّله شعرا.. يكفيه أنه الإنسان الذي حوّل الحياة المنقوعة بالحزن والجوع إلى صور مدهشة.. والذي سالت لغته كصمغ الأشجار الاستوائية... الشاعر الذي خان وطنه (في مجموعته سأخون وطني) فقلده الناس أرفع الأوسمة.. إنه تلك الروح المشاكسة، التي تبحث في ركام البؤس والهزيمة، عن صدمة شعرية فذة... وترسم على الورق دخان البيوت، وأرصفة الشوارع، والسعال والبصاق، كوطن هائم يتسع للخبز والكرامة والحرية.... وفي أتعس نوباته الشعرية، تراه يقود جموع البؤساء في عالمنا، ويضع قدمه على قبر بلفور، شاكيا من المحرقة العربية، ومطالبا بوطن قومي (وإن كان على مزبلة).... هذا هو الماغوط كما في حياته وأدبه، رجل يكره المنطق والجدل، وتجهم الفكر.. فتراه يغرف صوره وأحلامه من هارفرد (الرصيف) وسوربون ( السجن )، هناك صقل موهبته في إبداع الصورة (التي كانت دوما سر أصالته).... هو الذي وصف العجز بخنفساء مقلوبة على ظهرها.. وشبه الهزيمة بجيش يجلس القرفصاء... هو من طالب الغيوم بالرحيل، لأن أرصفتنا ليست جديرة (حتى بالوحل)........... كان يرتدي البيجاما، ويدور في تلك الشقة الصغيرة.. على الطاولة وضع صحنا، فيه بعض قطع الطماطم، وفي يده كأس مترعة دائما وأبدا، وبين أصابعه سيكارة تكاد لا تنطفئ.. وقبيل الخروج، تعّود أن يقف أمام المرآة، وينظر مليا في هيأته، ويوازن قبعته... قال له مضيفه: هذه جاكيت (قدمت له هدية) من الحرير الخالص. .أجابه: أنا أفضّل الجنفيص الخالص.. صديقي التونسي لم يفهم ماقصده، فتطوعت مترجما (الجنفيص، من خيوط القنب، تصنع منه الأكياس)........ ومما لا ينسى أبدا، علاقته الغريبة برجال الدين، فهو لا يخفي مقته للحكم الديني (مع العسكر يمكنك أن تشرب كأس وتتفاهم، مع رجال الدين لا كأس ولا تفاهم) وأضاف: في إحدى المرات، دعيت لحضور مهرجان انتخابي (حضره لفيف من الوجهاء) وكان من سوء طالعي أن أجلس بجانب مفتي الجمهورية، الذي لم يخف تبرمه وتأففه.. .باغتني بعد برهة قائلا: سمعت أن شاعرنا أصبح يثقل في الشراب... أجبته: أجل ... حتى استطيع انتخاب هذه الوجوه المقيتة... ولن أنسى القصة التي ذكرها أكثر من مرة، ومفادها أن إحدى المحطات (لا أدري إذاعية أم تلفزية) اتصلت به مهنأة إياه بحلول شهر رمضان.... وعندما سألته المذيعة، عما يفعله الشاعر الكبير في هذه الشهر الفضيل.. أجابها: (عم بسكر) أي أشرب الخمرة، مما سبب قطع المقابلة... أضاف: قطعوا الخط ، ولم يعتذروا... عمى بقلبهم... هل يريدوا أن أكذب عليهم؟؟ ولا أدري إن كنت قد كذبت عليكم؟؟؟
2 الديمقراطية
أصبحت الديمقراطية على كل لسان، حتى سمعت أحد المتسولين، ينادي بأعلى صوته: من مال الله يا ديمقراطيين. وسمعتها من سيدة مكتنزة كانت تلعن أزمة المرور، والحر وانعدام الديمقراطية. ناهيك عن المحلحلين السياسيين، الذين تمنوا لو خرجوا من الشاشة وانهالوا على المشاهد المغفل (من أمثالي) ركلا ولكما، رغم أني تعلمت الكثير (كدمقرطة، لبرلة، والكرة في ملعب الآخر)، وحيث أن الديمقراطية أصبحت جواز مرور الحضارة، من لا يفقهها ضاع في بحر الظلمات، وعلى الدنيا السلام، حاولت أن أفتش عنها في دفاتر الطفولة، فلم أجدها... ولا داعي للغرابة، لأني تربيت في كنف أسرة تقليدية للأب فيها الصوت الأعلى وللأم اليد العليا، أي أن القوامة للوالدة، في حين أن الوالد، اكتفى بالخلق القويم، ونفض محفظته آخر الشهر. في المدرسة، عندما علمت الدولة الرشيدة بأني أصبحت راشدا، قال المعلم: الديمقراطية مؤلفة من مقطعين ديمو وكرات وتعني حكم الشعب. وعندما سأل عن الكلمة التي تدل على الشعب، أصر على أنها كرات، في الحقيقة لم يجرؤ أحد على جداله، خشية التمتع ببعض ديمقراطيته التي تتراوح بين شد الأذن حتى احمرارها، أو الضرب بالعصا حتى انكسارها... فمدارسنا آنذاك، كانت كساحات الوغى (تجيز الطعن بالقنا).. ناهيك عن وصية الأهل للمعلم، بأن له اللحم، ولهم العظم.... وبعد مدة تذكرنا الموضوع عرضا فقال زميل لي: هل تعلمون أن ديمو تعني شعب، وأن أستاذنا هو حمار لابس بنطلون...... زميلي هذا، رغم فطنته تهاوى على أعتاب البكالوريا، وحطت به الأيام في شوارع دمشق قاطع طريق (شرطي مرور)، يجمع القرش الأسود لليوم الأبيض. وهكذا غطست الديمقراطية في بحر النسيان، ولم أعد أسمع بها. في المدونات القديمة لم أعثر عليها أبدا، علما أن دار الحكمة ببغداد قد استعارت كلمات يونانية كثيرة (جغرافيا، موسيقى، فيزيقا، فلسفة، إسطرلاب، وحتى كلمات مثل ريطوريقا) أما الديمقراطية فلا... لعلها خشيت سياط الجلادين على بوابات بغداد، وارتضت أن تموت خارج الأسوار. فهل أمكنها حقا أن تعيش، وأموال الممالك، تنثر على الشعراء والندماء والجواري، وعلى المدعوين ليلة زفاف المأمون على رباب؟ هل كان ممكنا أن يتلفظ بها أحد، أيام الغزوات والخوازيق، وأيام السلطان سليم، (الذي قتل والده وإخوته وذريتهم، كي ينفرد بالسلطة)، أو في زمن الفتاوى (أحدها شيعية عام 1924 م تحرم الكهرباء، بذريعة أن الكابل مصنوع من جلد الخنزير)، (والأخرى سنية صدرت عام 1978م تحرم القول بكروية الأرض، وتحل دم من يقول بها). الديمقراطية إذن حديثة العهد، تسللت هي الأخرى إلى قاموسنا مع كلمات ( تراجيديا، كوميديا، بوليس... راديو،) وما إن تدجنت في الأسماع، حتى اخشوشنت وفقدت أنوثتها، خصوصا عندما اقترنت بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، واليمن الديمقراطي، وعندما دخلت سلسلة الأسماء الحسنى، لدولة العقيد، ناهيك عن السودان الذي تورط بها، إلى أن اختنقت بتراب الترابي، والأنكى من ذلك أنها لبست سروالا، وتسلقت جبال كردستان، لتحارب مع الملا مصطفى البرزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني).. والأغرب من هذا وذاك، أن الديمقراطية، أصبحت تنقل بالأساطيل والطائرات، ليوزعها المارينز على المارة كهدايا عيد الميلاد. وكي أوفر على القارئ كثيرا من اللغط، وكثيرا من المقالات الهستيرية، التي تنهمر على الورق، أرجو أن يسمح لي بالعودة إلى اللغة الصارمة، كي أرفع اللثام عن هذا الشبح اللغوي: لاشك أن الديمقراطية هي آلية لحكم الاجتماع الإنساني، وأنها صيرورة تاريخية، وثمرة لانتصار الحداثة، التي كانت أوروبا مسرحا لها. وما الحداثة بجوهرها العميق، إلا انتزاع لدفة القيادة من العقل الدوغمائي (الكنيسة) وإنهاء وصاية المقدس على التاريخ، ليصبح الإنسان مصدر المرجعيات وغايتها. وقد حدث ذلك عبر مخاض دام تطاول مع القرون، ولم يكن نزهة تأملية، وأمنيات شعرية.... ولعل طرد الإله من التاريخ (في فلسفة نيتشة) كانت الذروة التدشينية، لإنتصار العلمانية (بمعنى الانتماء للعالم المشرعة نوافذه على العقل النقدي، بعكس العالم القديم الذي يحنطه العقل الديني، وتأسره النظرة القسرية للإنسان والكون، العالم الذي يحتكر الحقيقة بمفرده، ويجندها خادما لمآربه السيا سلطوية)... العلمانية هي الإيذان ببزوغ شمس الإنسان، حيث لا يكفر، أو يلعن، أو يحرق أحد بسبب آرائه وعقائده أو لونه ولغته... العلمانية هي نظام للقيم والمفاهيم التي تحتضن جوهر الانتماء الحر للعالم، بعيدا عن إرادات القوة التي ترهب الناس منذ ولادتهم، عبر حجب أو توزيع المنح السماوية. وبعيدا عن الإستطراد التاريخي، أستطيع الزعم أن النظام الديمقراطي: هو ثمرة العلمنة (عصر التنوير) وتراكم رأس المال، (الذي راكمته الثورة الصناعية وظاهرة الاستعمار)، وثمرة للمصالحة التاريخية بين رأس المال وقوة العمل... وتوطيد أركان العقد الاجتماعي، عبر نظام فصل السلطات (التنفيذية، القضائية، التشريعية)، وسلطة الصحافة كرقيب أخلاقي، يعكس مصالح شركاء العقد الاجتماعي. إن مراجعة بسيطة لهذا الحدث التاريخي، تكشف بجلاء: أن انتشار الأفكار العلمانية (أن يصبح الإنسان مركز المرجعيات وغايتها)، وازدهار الملكية (التي تقوم بأعباء العدالة الإجتماعية) وتحول المجتمع من كونه عصبا دموية وقبلية إلى ذوات مدركة، ودخول المرأة شريكا في صياغة العقد الاجتماعي.... هي المقدمات التي لا مفر لدخول الحداثة العقلية... وإذا تمعنا في النقاط أعلاه، نكتشف مدى الاستخفاف والاستحمار الذي تمارسه القوى التي تسعى إلى فبركة ديمقراطية، بإخراجها من تحت قبعة الساحر الأمريكي. ديمقراطية حاجتنا إليها، لا تزيد عن حاجة راعي الإبل للسيمفونية التاسعة لبيتهوفن... إن ما نريده ثورة على الاستبداد، ثورة حقيقية تطيح بالبني الفكرية العقيمة، التي صنعت هرم ذلك الاستبداد (بما يعنيه من إصلاح ديني وأخلاقي وتربوي، وتغيير في نظام رؤيتنا للعالم)....... وأهم شيء إحياء الجذر الأصيل للفعل (ح ك م) ليس بمعنى حكم حكومة، بل حكم حكمة. في كتاب صدر مؤخرا، بعنوان (ألف حرب وحرب) للكاتب الألماني الذائع الصيت أولريش لادورنر، والذي جاء ثمرة رحلاته للعراق وإيران (أثناء الحرب الأخيرة وبعدها). شرح فيه آلية اشتغال العقل الجمعي وسيطرة الأبوية على أنماط الفكر، وكيف تسحق الذات والفردانية في بلادنا، لتتحول الديمقراطية التي تعني أساسا: (فرد، صوت) إلى شيئ كاريكاتوري، مضحك.. و تصبح الإنتخابات أشبه بإحصاء سكاني للطوائف والقبائل.. لقد سخر من فكرة الرئيس بوش بإعتبار الديمقراطية مسحوقا يذاب في كأس، تشربه الأمم لتنهض في الصباح أكثر بشاشة وديمقراطية... ورسم في نهاية كتابه مستقبلا غامضا، وكئيبا للعراق... فالإناء ينضح بما فيه، وتفكك العراق إلى دويلات يحكمها إكليروس شيعي هنا، وطالبان هناك، أو مافيات أو إمارات طوائف أصبح أمرا محتملا.. عندها ستستمر رحلة الألف حرب وحرب، وما على أهل الأصابع البنفسجية إلا أن يضعوها على الزناد (أو في أماكن أخرى).
3
اللغة بين الجد واللغو
تنبه المستعرب الألماني شتاينباخ الى الجذر الثلاثي العربي "حكم" وبيّن أن ايتمولوجيا هذا الفعل (اشتقاقه)، يصلنا بمعاني القضاء والعدل والقسط ومنه تحدرت "حكمه" و"حكيم"، أما حكم بمعنى استأثر بالسلطة، أو تجبر، ومنه "حكومة"، فهو تحوّل من المعنى الى ظلاله، ومن الجوهر الى تخومه. أعترف أن هذه الالتفاتة النبيهة، قد أثارتني بعض الشيء، رغم أني لست فقيها لغوّيا، ولست بصدد كتابة رسالة، تهيم غراما باللغة العربية، وتكشف جوانبها العبقرية، فلاشك أنها لغة فذة وأهم ما أثارني فيها، قدرتها الهائلة على الاختصار، عبر استخدامها لتقنية الضمائر المنفصلة، والمتصلة، والغائبة.... فلا توجد لغة على البسيطة (حسب علمي) تستطيع أن تكثف جملة كاملة، بأحرف قليلة، كضربته، التي تجمع الفعل والفاعل والمفعول....... وكي لا يعتب علي البعض، لاستخدامي فعل ضرب الذي يحرض على القسوة، والعنف والإرهاب!!! أقول "سامحوني" فهي جملة كاملة تضمّ أيضا الفعل والفاعل والمفعول!! وبعيدا عن الإطراء وتملق اللغة، وعودة الى مقولة شتاينباخ الآنفة الذكر، فالحقيقة أن اللغة العربية، لم تكن لغة المقدس وحسب، وكل كلمة فيها تصل إلى الله (كما يقول جاك بيرك)، الأهم أنها الفن الوحيد تقريبا الذي أتقنه العرب (سيما وأنهم قد ازدروا كل الفنون الأخرى كالنحت، والرسم، والموسيقى والمسرح)، فمع ازدهار الدولة العباسية، ازدهرت صناعة اللغة (البيان، والبلاغة، والعروض والشعر والخطابة والمقامات....) وأصبحت بالتالي، لغة الثقافة الكتابية والدواوين، وموطن الوعي والهوية والوجدان لكن الأمر البالغ الخطورة، الذي أغفله فقهاء اللغة، هو أن الفصحى كلغة راقية احتجبت دائما في أطر كتابة سلطانية وفقهية ضيقة، في حين اقتصر الناس على تداول اللهجات التي لا تزال محكية حتى يومنا هذا، وإذا أخذنا بالحسبان، أن اللغة وعاء للفكر، وآلية يستحيل التفكير بدونها، نعرف أن الانتقال من العامية إلى الفصحى هو انتقال ماهوي، في نمطية التفكير، وتنازل عن العفوية والتلقائية، والأحاسيس الحية لصالح لغة راقية قادرة على مكيّجة الواقع أو طمسه وحجبه.. فمن الأمور الشاقة مثلا إلقاء نكتة بالفصحى، لقد أصاب الألماني غونتر لولينغ، عندما اكتشف فقر تراثنا بالآداب الشعبية (باستثناء ألف ليلة وليلة، وهي من التراث الهندي الفارسي) إن التحاء لغتنا الفصحى، وارتدائها للعمامة قد احدث تحوّلا بنيويا في وظيفتها، من آلية للفكر والمعرفة، إلى آلية للتمويه والفذلكة والفهلوة، من خلال استخدامها تقنيات التورية، والمجاز، والمحسنات اللفظية.. لقد أصبحت مباني الكلام، تنوب المباني الحقيقية لحركة التاريخ والمجتمعات أو تكاد تلغيها، مما سبب لنا ما أريد أن أسميه "غيبوبة تاريخية"؟ فكلمة: وامعتصماه مثلا ألغت الشروط التاريخية لمعركة المعتصم، وأصبح مجرد السؤال عن القائد البيزنطي الذي هزم في تلك المعركة أمرا تافها لا قيمة له. وكذلك فإن جملا من شاكلة: خلعت صاحبي، أو قميصا ألبسنيه وغيرها من النصوص التقديسية... أصبحت تحول دون المعرفة التاريخية، عبر حشر الواقع المادي في فضاء لغوي وشعري ضبابي (تقنيات التبرير والطمس).. إن المستعرب المذكور أراد أن يذكرنا بأن "الحكم" فقد جوهره العدلي، القضائي ليصبح تعبيرا عن الاستئثار بالسلطة، والملك العضود، والأمر لم يتوقف عند ذلك بل تجاوزه إلى كافة أقانيم الحياة، فالعقيدة الدينية مثلا: تحولت تاريخيا من كونها تساؤلات وجودية، وعلاقة قدسية ذاتية مع اللامتناهي إلى طقوس لغوية، وتمويه للسلطة، المتنعمة بالطيبات، حتى غدا الدين وثيقة تعيين وظيفي لطبقة "الإكليروس" التي تأكل خبزها (خمس أجدادها) بعرق غيرها. وبعيدا عن العموميات (والتعمية)، لابد من الإعتراف أن موروثنا قد خلع على اللغة رداءا من القدسية، وأتخمها بالكثير من المدوّنات الإجترارية، الفارغة... فاذا استثنينا عبقرية الجاحظ وأبي حيّان وبصيرة المعري وروح المتنبي الخالدة وعقل الرازي وابن رشد وابن طفيل وابن خلدون، أقول اذا استثنيا أمثال هذه العقول الحادة، نكون أمام تاريخ مصاب بتخمة لغوية، فماذا يمكننا أن نقول عن "تاريخ دمشق" الذي دوّنه ابن عساكر في 84 مجلد (لا أدري ان كان قد دوّن، اسم كل نملة دمشقية، واسم عشيرتها!!) ان هذه التخمة اللغوية، كانت وسيلة للحظوة والسلطة، وهي التي دفعت ما يسمى بالعلماء، أن يدوّنوا تحت مصابيح، دون أن يتساءلوا قط لماذا تنطفئ، إذا حبس الهواء عنها (حتى اكتشف لافوازييه الأوكسجين).. ومع أننا نعيش في عصور جديدة، إلا أننا ما نزال نستخدم نفس تقنيات التورية والتمويه والمراوغة، والقفز من المعنى، الى شتات المعنى.... فالإشتراكية والعدالة والدستور والجمهورية والحرية هي ألفاظ تجميلية لواقع مغاير تماما.. الجمهورية والجماهيرية والملكية والإمارة والسلطنة لا تحمل إلا مضمون احتكار السلطة والثروة من قبل بعض الأسر أو القبائل، وتوريثها الى أن يرث الله الأرض وما عليها. والإشتراكية، كلمة تنوب عن الفساد والرشوة، ونهب قوت الناس، حتى أصبحت دولنا أشبه بمغارات لصوص، يلتهم فيها الأفاقون والحوّاسون، غنائم الوطن وخيراته، وكذلك الأمر مع مفردة الأمن (عام، مركزي، دولة) التي ابتعدت عن الأمن والأمان لتصبح أداة لترويع الناس،.... أما الحرية، فهي كلمة تقبع خلف قضبان السجون، وتدميها هراوات الشرطة... وكذلك الحال مع الأمر بالمعروف (المتعارف عليه) والذي أصبح رديف التمسك بجاهلية القرون، ومن المضحك المبكي أن تصبح الديمقراطية آخر الضحايا اللغوية، فحيث أنها آلية لحكم الشعب، وصورة لعقد اجتماعي علماني، استطاع أن يطرد المقدس من التاريخ، وأن ينزل المرجعيات من السماء الى صناديق الإقتراع، ليحتكم الناس، بارادتهم الحرة، وبما أنها نظام فصل السلطات، والحريات الفردية وحرية الإعتقاد... إلا أنها سرعان ما تحولت عندنا الى مسوح للطائفية، واحصاء سكاني للملل والنحل، وصكوك غفران توزعها مرجعيات قروسطية... إن الواقع الراهن يدعونا لضبط ألفاظنا وتعريف المصطلحات التي نتداولها، فنظام الحكم في بلادنا ليس نظاما وليس حكما، والسياسة ليست أكثر من ممارسة لغرائز غير مؤنسنة... وأتذكر بالمناسبة عندما احتفل الأتراك بإعلان الدستور عام 1908، بعيد عزل السلطان عبدالحميد، حينها تعجب أحد الأوروبيين من هذا الكرنفال ومن الذين هتفوا للدستور!! فهو يعلم أن الدستور أكثر من نصوص يكتبها (الأصح يترجمها) بعض القانونيين الدارسين في الغرب لإنه المبادئ العامة للعقد الإجتماعي، والقواعد التي يجب أن يخطها الجمهور بأظافره وعرقه ودموعه، ويخضبها بدمائه. والسؤال الحاسم، هل كنا في يوم من الأيام جمهورا أو جماهيرا؟ أم أننا ما نزال رعية، ترعى في حقول السلطان؟
4
محاكمة الليبراليين العرب
جلّ ما أقرأ يبعث على الكآبة ، ويرسم شياطين مفزعة، ويتنبأ بالويل والثبور، مع أن الحياة مليئة بالطرافة والشهوة وما يضحك(ربات الحجال البواكيا) هاكم مثلا.. الليبرالية العربية (ابنة عم الديمقراطية) دخلت هي الأخرى فضاءنا اللغوي والثقافي دون ترجمة لفظية أو دلالية، ناهيك عن أن ترجمتها في واقعنا إلى فعل ووعي سياإجتماعي، هو ضرب من الخيال العلمي... أليس ذلك مدعاة للسخرية؟ مع رواج الإنترنت، وتحوّل المرء إلى عنكبوت على الشبكة، ومع فرقعة الفضائيات والمباريات الكلامية الساخنة، اكتسبت الليبرالية أهميتها، وأصبحت لأمثالي من المولعين بالعلمنة والهرطقة والبطالة خبزا يوميا... هكذا ببساطة ما إن أفرك عيوني وأفتح (فرن الأخبار) حتى تخرج فطائر المقالات، وصواني التحليلات.... وإليكم هذه الباقة من الأمثلة: أحد كبار الدعاة الليبراليين، يسطر مقالة كاملة، يحمّل فيها أبو مصعب الزرقاوي (بمفرده) كارثة العراق، وعدم إعادة إعماره، وسعيّه لإقامة إمارة إسلامية في غربه.... أحد الدهاقنة يعتبر الاحتلال بدعة حسنة ويفتي بتقليدها... آخر كتب يوم 6 مايو 2006، مقالة بعنوان:حوار مع القراء، يقول حرفيا (.. إذ لا أشاركك الرأي بأن وجود قوات التحالف بقيادة أمريكا هو احتلال، بل هو تحرير، لأنه حصل بناءً على قانون أصدرته الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس بيل كلنتون)!!! داعية آخر، يشتم الشيعة، ويذم إيران، ويسمي الصدر بالطفل المعجزة... ليبرالي جديد يشتم العرب والكرد وكل الأمم المجاورة، ولا يمانع بإبادة هذه المنطقة (ورفع بنيان الديمقراطية المرصوص، ولو على خرائب!!)... أكثرهم طرافة، ذلك المتيّم بالتقاليد البرلمانية البريطانية، والذي أمتعني وذكرني بأبي حيّان التوحيدي، الذي قال في ذخائره: إن من يتباهى بفضائل غيره، كخصيّ يتباهى بطول أير مولاه... وإذا عدنا للجد وقطبنا حاجيبنا، سنجد أن فهم الليبرالية الطازجة أمر ليس يسيرا.. وقد يحتاج فهمه وتفكيكه إلى لحظات عبقرية (ما أزال أنتظرها عبثا)... فالليبراليون ليسوا ثلة من مثقفي المارينز أو قارعي الطبول، وليسوا ظاهرة صوتية، كما يحلو للبعض ... هم خليط من الرؤى والآراء والأفكار العديدة بعدد أصحابها... هم تيار من الغاضبين الساخطين، وكثير من الماركسيين الذين فروا بجلودهم إبان غرق السفينة السوفيتية، إنهم مثقفون رسخوا يوما في علم المادية التاريخية، وشعراء أنشدوا بخشوع قصائد مايكوفسكي ونيرودا، وبعضهم يمثل الأقليات المنبوذة، التي ضاع صوتها وسط أوركسترا الهرج والمرج.. أو من الذين حطت رحالهم في أرجاء المعمورة.. فالتقى إحباطهم (الثوري والجنسي والمادي) مع إحباط عالمنا العربي، الذي يعاني هو الآخر من العجز الحضاري، وانسداد الشرايين، ودخول أنظمته سن اليأس..... إلى هنا سارت الأمور على ما يرام، لولا غزوة مانهاتن، التي كانت هّزتها لا تقل ضراوة عن سقوط الإتحاد السوفيتي، هزة استطاعت أن تخلخل بنيان البترودولار العربي، وترغمه على إلقاء بعضا من حمولته الوهابية الثقيلة، ويستبدلها بما خفّ وزنه وغلا ثمنه (استثمارات في الأسهم، والميديا الجديدة، وسوق الفيدوكليب والجواري والحسان). إن هذا التحوّل البنيوي العميق هو الذي فرض نفسه وطالب بخلع الدعاة الملتحين والسلفيين القروسطين، واستبدالهم بحليقين من فئة المتقاعدين الثوريين (بما يرضي الله وآل البيت الأبيض والفوضى الخلاّقة).... في هذا الإطار يمكننا أن نأخذ بنظرية المؤامرة، ونوجه أصابع الإتهام، إلى بعض الليبراليين العرب الجدد من مرتكبي الجرائم الفكرية، ونطالب بمحاكمتهم على ما اقترفت أقلامهم، أسوة بالكتاب الذين حوكموا بتهمة عداء السامية... أما الآخرون (وهم كثر) من الذين جرفهم التيار (عن حسن نية) فهم أشبه بمبشري الكنيسة، الذين تدفقوا إلى أدغال أفريقيا واعظين بملكوت السماوات، ومطالبين تلك الشعوب البائسة أن تغسل نفسها من أدران الخطيئة، وتسمو فوق حطام الدنيا الفانية (لا أدري أيّ حطام ملك هؤلاء العراة) لتظفر بنعمة الخلاص المسيحي.... في نفس الوقت الذي كان فيه الجنود البلجيك يقطعون آذان السكان الأصليين ويجدعون أنوفهم، ليثبتوا لآمريهم أن رصاص بنادقهم لم يذهب في اللهو وصيد الغزلان!!! وفي عين المكان والزمان كان الرأسمال الأوروبي الفتي آنذاك ينهب مناجم الذهب والنحاس والألماس في سباق محموم، ويقتل الآلاف في حقول المطاط والعبودية....... ما أشبه اليوم بالبارحة.. فالمبشرون الليبراليون يتسابقون اليوم في أدغال الإنترنت، واعظين إيانا بملكوت أمريكا باعتبارها طريق الخلاص والأبدية والبحبوحة والرفاه والبنين.. كل ذلك يحصل، وطيارو الحلفاء ينشرون الديمقراطية (بضغط الأزرار) وقوات المارينز توزع رصاص (عقوق الإنسان)على كل من يرفع يده، ليحك رأسه.... فتفوح رائحة الجثث المعصوبة، والرؤوس المثقوبة بمثاقب التهيّج الطائفي... تاركة وراءها آلاف اليتامى والثكالى.. وبينما تسير النعوش ملفوفة بالخرق والدماء، يتبادل مدراء الشركات الكبرى العقود والصفقات والتواقيع والابتسامات، ويرفعون كؤوسهم.... في صحة الليبرالية الجديدة
5
العرب لم ينجزوا مشروعا حديثا للدولة ولا تصّورا حديثا للدين: فصل اللادين عن اللادولة!
ثمة مقولة تنصح كل من يتعرض للأديان الحيّة، أن يمتلك جلدا سميكا، ومن يؤثر السلامة (والوقوف علي الرابية) فتنصحه أن يكتفي بديانات البابليين أو المصريين القدماء وأن يغوص فيها ما شاء ...ومن لا يصدق فليذهب إلي العراق، وليقف في إحدي ساحات الديمقراطية (دام ظلها) ويهمس بفصل الدين عن الدولة !! وإبعاد الفقيه الديني عن التشريع والقانون، وإنهاء وصاية (القوي التراثية) علي الحياة .... النتيجة باعتقادي أن يفصل رأسه عن جسده ويرسل جلده للدبّاغ (وإن كان سميكا)، وما ينطبق علي العراق يمكن تعميمه علي مناطق ودول كثيرة، فالحقيقة ان أطروحة فصل الدين عن الدولة، هي من أكثر الإشكاليات إثارة ومخادعة وأشبه بعلكة يمضغها كل من يريد حل مشاكل العالم (دون حل خيط حذائه) فالقضية ليست فصلا بين خصمين أو ملاكمين، أو فرزا لأراض متنازع عليها، بل واحدة من أخطر المركبات وأكثرها تعقيدا. ومن يتصفح قواميس الحداثة الأوروبية، سيكتشف للوهلة الأولي أننا ضحية لعبث المصطلح، وتزييفه ومسخه، فتلك القواميس تتحدث (حرفيا) عن فصل الدولة عن الكنيسة، (علي الأقل بالألمانية والفرنسية والإنكليزية) وبهذه الدلالة، فإن المصطلح يعكس حقيقة تاريخية، ملخصها، إنتزاع عصا القيادة من يد الكنيسة وتسلمها من قوي الحداثة البرجوازية في القرن (18/ 19) ويلخص فصلا لسلطات الدولة عن سلطة الإكليروس (الذي نصّب نفسه وصيا علي الإنسان والتاريخ). فلو أردنا استنساخ نفس الدلالة في واقعنا العربي لوجب علينا أن نقول بفصل الدولة عن المسجد وليس عن الدين ورب قائل يقول: ما الفرق طالما أن الطلاق قد حدث فعلا منذ أصبح الإسلام المبكر ملكا، أي.. منذ أن توارثه بنو أمية (وعضّوا عليه بالنواجذ) لكن هذه المقولة تظل فجة، ومتهافتة، لأن الدين (ظل مصدرا للسيادة والمشروعية العليا) واختلط دائما مع الدولة (السلطة) وتماهي معها، وتبادل معها الأدوار والمنافع، في عملية أرجحة واحتواء مزدوج. الدين في جوهره العميق، تصوّرات، أو مسرح لتساؤلات وجودية، تلعب فيه الميتافيزيقيا دور البطولة، لكن هذه التصوّرات تظل (عديمة الجدوي) بدون دراما دينية قصصية، تعيش وتقتات وتلهب المخيال الجمعي (كعقيدة الصلب المسيحية، أو السيرة النبوية، أو ملحمة كربلاء)... وهذه الأخري تظل بدون أهمية إن لم تنخرط في منظومات وأنساق طقوسية، تسكبها أجيال التقديس في وعائها الكبير، الذي يسميه محمد أركون (التراث الكلي)، وهو في حقيقته (أقصد التراث)، عبارة عن قدر يطبخ فيه (التاريخ والميتا تاريخ) وينضج وفق شروط تتحكم بها أطر المعرفة، وأدوات الإنتاج واللغة: الشعر، والحكم، والبلاغة، لنحصي النتيجة علي حساء نسميه بالهوية التاريخية وقاعدة للضمير وأصل للقاعدة القانونية (أم القوانين والتشريعات والأعراف) وبكلمات أبسط فإن الدين (كينبوع للميتافيزيقية النقية) يتحوّل إلي وعاء تاريخي، يحتوي علي كمية قليلة من (الدين)، وكثير من (التراث)، لهذا فإننا أمام تراثات متغيّرة في إحداثيات (الزمكان) تتشابه وتتمايز عن بعضها بما امتصته من تقاليد وقيم ولغات ومعارف سابقة ولاحقة.. ومن يريد إمتحان هذه المقولة، ما عليه إلا أن ينظر إلي المسيحيين العرب، ليكتشف انهم ليسوا (سويديين ولا فرنسيين) بل عرب عاشوا ويعيشون التراث المحيط بهم بكل ما فيه وما عليه (ومارسوا أحيانا طقوس الُثأر البدوية، وجرائم الشرف وغسل العار، ولم يكونوا معنيين كثيرا بالخد الأيسر ولا بالخد الأيمن) كذلك هو حال المسلم الهندي الذي يعكس في ذاته ثقافة الهند وتراثها ولا تهمه مضارب حاتم الطائي ولا بطولات عنترة. وعودة إلي صدد الموضوع، فإن الفصل بين سلطات الدولة الحداثية والكنيسة، أمر تاريخي ومنجز أوروبي لا غبار عليه، جاء في سياق انتصار الحداثة علي خصومها (ملوك وإقطاع ونبلاء وملاك الأراضي وسلطة الكهنوت الموالية لهم) ولم يأت وفق تأملات فكرية أو عاصفة شعرية. لكنه لا يعني البتة، فصلا بين الدولة والدين، فكلنا يتذكر اللحظة التاريخية، يوم استأذنت الشيوعية بالإنصراف، كيف قرعت أجراس الكنائس في روسيا، (بعد سبعين سنة من الصمت)، وكيف أرخي يلتسين أذنيه أمام بطريرك الكنيسة الروسية، طالبا بركته، وعلي منوّله غزل السيد بوتين وهافل وليش فاليسا... وبرلوسكوني وأرستقراطية أوروبا (المالية والثقافية)، الذين اصطفوا كالتلامذة علي البساط الأحمر في الفاتيكان لنيل البركة والحظوة وتقبيل يد البابا بنيديكت، مهنئين ارتقاءه عرش بطرس الرسول، وكلنا سمع عن أحلام توني بلير، وزيارة القديسين له( في منامات سياسية متحررة من المكبوت الفرويدي)، لكن الحقيقة التي لا مراء فيها، أننا أمام أنساق معرفية وتاريخية متباينة، من السذاجة أن نخلط حابلها بنابلها، فالكنيسة القروسطية، ورغم هيمنتها علي أوروبا (باعتبارها أكبر إقطاعية آنذاك) إلا أن سطوتها علي المناحي الفكرية، والتراث الكتابي، تآكلت وظلت محدودة، بسبب تقوقع الإكليروس داخل لغة وطقوس لاتينية (يجهلها الشعب) وبسبب تمركز الكنيسة حول إدارة وتوزيع القربان المقدس أو حجبه، في حين كانت التخوم البعيدة تتململ وتتمرد، عبر حركات الإصلاح الديني (اللوثرية مثلا) وازدهار الثقافة الكتابية (مطبعة غوتنبرغ) والنهضة الفلسفية والعلمية والنقدية ..أما العالم الإسلامي، فقد لجأ قادته المبكرون إلي تجنب الصدام التاريخي، خصوصا (مع الكنيسة الإمبراطورية المقدسة) ومع خصوم مدججين بتراث كتابي، وفلسفة رواقية مزدهرة مكتفيا بضرب عزلة فكرية حول داره، وجدار تعتيمي، من خلال تطوير علوم كلام (ذات طابع تبريري)، وشروحات لاهوتية إجترارية ومدرسانية، عززها وأبّدها إنتهاء العصر التنويري للقرن الرابع الهجري، ونهاية المعتزلة، وتوقف حركة الترجمة، ورجم الفلسفة، وهزيمة السلالة البويهية السامانية المثقفة بانتصار جحافل البداوة السلجوقية (التي قدمت من سهوب آسيا واعتنقت الإسلام حوالي 1030م وتسننت علي عجل) ليدخل المشرق الإسلامي، سباتا تاريخيا، لم يستيقظ منه إلا علي صوت حوافر خيول نابليون في باحة الأزهر عام 1799م!! ما أردت قوله: ان (التراث الإسلامي) فقد المبادرة التاريخية، منذ زمن طويل (رغم فترة الإنتعاش والتمدد العسكري العثماني)، لأنه استأنس في سكونيته، وتلذذ في مص عظام مدوناته ومقاماته ويقينياته، والتسلي بخيلائه وقصص جواريه وغنائمــــه وإغلاق نوافذ عقله النقدي، تاركا الساحة، مستباحة من لدن إكليروس وظيفته الأولي تقوم علي تعميم أميّة شمولية، بتعليم إجتراري عقـــــيم، في فضاء لغوي، يختزن الكثير من المخاتلة والتورية والنفاق والبلاغة... من هذه الزاوية يبدو لي أننا نعيش في ذمة (الله) لأننا لم ننجز بعد مشروعا حديثا للدولة ولا تصّورا حديثا للدين. فماذا نحن فاعلون؟
6 إسرائيل وبغلة التوحيدي
لا أظن أن إسرائيل تستطيع اتهام أبي حيّان التوحيدي بعداء السامية، فهذا المصطلح من بنات أفكار القرن الثامن عشر، وأبو حيّان كان قد شبع موتا، ولا تستطيع وصمه بالأصولية والتطرف، لأنه كان من أكابر ثلاثة ، نعتهم التاريخ الإسلامي بالزندقة، وقبل التعرض لنصّه أود الإشارة إلى أن القضية الفلسطينية، قد دخلت مع أسر الجندي شاليط منعرجا جديدا، يتمثل في الصمت العالمي المخيف، إزاء ما يحدث من حصار وتنكيل بالشعب الفلسطيني، ولا أستغرب أن تمارس إسرائيل قريبا حقها في القرصنة الدولية واستباحة المدن العربية (البعيدة) وقصفها، حتى وإن كان السبب، مقالة صحفية، أو حادث اصطدام مرور عادي بين دراجتين، أو تعرض سائح إسرائيلي لإهانة أو نشل لمحفظته!! ولا أستبعد أن تفرض إسرائيل على دول النفط العربية جزية يتم ضخها عن يد وهم صاغرون!! وأن تطالب بحصة من ريع الحج، بسبب حصتهم التاريخية في إبراهيم (الذي رفع قواعد البيت المكّي) ولا أستغرب أن تطالب قريبا بتعويضات مالية لضحايا بني النضير وخيبر وقينقاع، وإتاوات عينية من الراغبين بالجلوس على كراسي الحكم، وبعكسه يكون الحصار ثم الجزاء المقسوم (اختصار: مقتول مسموم) وكل هذا ليس رجما بالغيب، أو رسما للشيطان على الجدار، بل قراءة موضوعية لصيرورة الأحداث، فاللغة التي استأثرت خلال الخمسين سنة المنصرمة بلغتنا وخيالنا.. والتي حوّلت مدن كاللد والرملة وعسقلان ويافا.. إلى رموز تقتحم قصائدنا دون استئذان، وإلى ذروات أدبية (كالبيّارات،وأشجار التين والزيتون، وقبة الصخرة، وكنيسة المهد، ودماء الشهداء وحنظلة، و زهرة المدائن)هذه اللغة لم يعد بإمكانها رسم فضاء تقديسي لفلسطين، ولم تعد قادرة أيضا على صياغة عقلية جديدة تخضع لمعادلة القوة والضعف، لقد بدأت فلسطين كلوحة وجدانية وتعبيرات صوفية مقدسة، ورأسمال رمزي، تتآكل بفعل الزمن ورطوبته، وبسبب مزاحمتها بصور التلفزة البصرية، وانسحاق اللغة الشعرية، وتراجع المخيّال الجمعي، أمام طغيان حضارة الإثارة الحسّية والاستهلاك.. لكن الحقيقة (التي كادت تغيب عن أذهان الكثيرين)، أن إسرائيل ماتزال نكتة سمجة، وبصقة على جبين الإنسانية، لأنها قامت على صكوك عقارية إلهية (فقانون ملكية أراضي إسرائيل، يحجب حق الملكية عن غير اليهود!! تصوّروا لو أن حق الملكية في فرنسا يقتصر فقط على الكاثوليك؟؟) من هذه النقطة، وجب على الوعي العربي أن يعيد تأسيس مبانيه العقلية، باعتبار إسرائيل كيان ابارتهايد (مركب) يقوم على مزاعم قروسطية بائدة، تتنافى مع قيم الإنسان وعصر الأنسنة، أما الانقياد الأعمى، والسقوط في فخ الجدل الأركيولوجي والدوغمائي والبحث حول المسجد الأقصى، أو كنيسة القيامة (رغم ثقلهما الرمزي)عن أثر لحافر البراق، أو مسمار من صليب الجلجلة، فيدخلنا في مأزق أسطوري، يساعد في هدر دم القضية في اللامعقول والعبث التاريخي، الذي يحاول إثبات حق اليهودي الروسي والأوكراني والبولوني في الوجود، وحق العربي في العدم، إنه نفس المنطق الأسطوري الذي يردده من ينتظر، بوق إسرافيل وحلول آخر الزمان، لينطق الحجر ويقول: يا عبد الله، إن ورائي يهوديا، تعال واقتله!! وقبل عرض نص أبي حيّان، أعترف بأن شعورا من تأنيب الضمير والإثم، قد تملكني، تجاه الكثير من أتباع الدين الموسوي، الذين يشتركون معنا في مساحة الأخوة الإنسانية، ولا يقتسمون مع الصهيونية مساحة الرعب والجريمة، التي تقترفها على أرضنا ..إلى أولئك وكثير ممن أنحني لهم احتراما، أستبطن الاعتذار مقدما (حتى وإن كان النص تاريخيا) آملا أن لا يكسر قلوبهم لفرط قسوته: وحدثني أبو الحسن عليّ بن هارون.. قال: اصطحب رجلان في بعض الطرق مسافرين: مجوسّي من أهل الرّي، والآخر يهوديّ من أهل جيّ، وكان المجوسيّ راكبا بغلة له عليها سفرة من الزاد والنفقة وغير ذلك، وهو يسير مرفها وادعا، واليهودي يمشي بلا زاد ولا نفقة، فبينما هما يتحادثان إذ قال المجوسيّ لليهوديّ: ما مذهبك وعقيدتك يا فلان؟ قال اليهوديّ: أعتقد أن ّفي هذه السماء إلها هو إله بني إسرائيل، وأنا أقّّدسه وأضرع إليه، وأطلب فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر الطويل مع صحة البدن، والسلامة من كل آفة، والنصرة على عدوّي، وأسأله الخيّر لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي، فلا أعبأ بمن يخالفني، بل أعتقد أنّ دمه يحلّ لي، وحرام عليّ نصرته ونصيحته والرحمة به، ثم قال للمجوسيّ: قد أخبرتك بمذهبي وعقيدتي وما اشتمل عليه ضميري، فخبّرني أنت أيضا عن شأنك وعقيدتك وما تدين به ربّك؟ فقال المجوسيّ: أما عقيدتي ورأيي فهو أني أريد خيّرا لنفسي وأبناء جنسي، ولا أريد لأحد من عباد الله سوءا، ولا أتمنى له ضرا، لا لموافقي ولا لمخالفي. فقال اليهوديّ: وإن ظلمك وتعدّى عليك؟ قال: نعم،لأني أعلم أن في هذه السماء إلها خبيرا عالما حكيما لا تخّفى عليه خافية من شيء، وهو يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. فقال اليهوديّ: يا فلان، لست أراك تنصر مذهبك وتحقق رأيك، قال المجوسيّ: كيف ذاك؟ قال: لأني من أبناء جنسك، وبشر مثلك، وتراني أمشي جائعا نصبا مجهودا، وأنت راكب وادع مرفه شبعان. فقال: صدقت، وماذا تبغي؟ قال: أطعمني من زادك، واحملني ساعة، فقد كللت وضعفت. قال: نعم وكرامة. فنزل ومدّ سفرته وأطعمه وأشبعه، ثم أركبه، ومشى ساعة يحدّثه، فلما ملك اليهوديّ البغلة وعلم أن المجوسي قد أعيا حرك البغلة وسبقه، وجعل المجوسيّ يمشي ولا يلحقه، فناداه: يا فلان، قف وانزل، فقد انحسرت وانبهرت فقال اليهودي: ألم أخبرك عن مذهبي وخبرتني عن مذهبك، ونصرته وحققته؟ فأنا أريد أن أحقق مذهبي وأنصر رأيي واعتقادي. وجعل يحرك البغلة والمجوسيّ يقفوه على ظلع وينادي: قف يا هذا واحملني ولا تتركني في هذا الموضع فيأكلني السبع وأموت ضياعا وارحمني كما رحمتك، واليهوديّ لا يلوي على ندائه واستغاثته، حتى غاب عن بصره............. الخ إن هذه الأمثولة تصّور المناخ العقلي والثقافي الذي ساد أيام التوحيدي، (القرن الرابع الهجري)، وتنقل صورة حيّة للسجالات الدينية والأخلاقية آنذاك، وكأنها تقول لنا، أن فلسطين اليوم هي البغلة، التي ملكها الصهيوني، وإستأثر بما عليها من طعام وماء؟ في وقت يصرخ الفلسطيني في هذه البرية (المعولمة) دون مجيب، ويجوع في هذا القفر (العربي والدولي) الموّحش دون مغيث. ختاما أود التذكير بأن للحكاية بقية (في الإمتاع والمؤانسة) ولفلسطين بقية في ضمائرنا وعقولنا.
7 لماذا يستجير الفلسطينيون بالرمضاء والنار؟
ردا على د. شاكر النابلسي
مقالة د. شاكر النابلسي (لماذا يستجير الفلسطينيون بالعرب والعالم؟) التي نشرها في إيلاف 5 يوليو 2006، أثارت شهوتي لإراقة الحبر، فالكاتب يمتلك خصوبة وعذوبة لغوية جديرة بالاحترام، وقدرة على غزل الموروث الكلامي وحياكته بأناقة ورشاقة.. والغريب أن نفس المقالة انتشرت في هشيم الإنترنت باسم حركي آخر (العرب والفلسطينيون والقبضة الإسرائيلية)، وبعد يومين، وبينما كنت أعصر أفكاري، وأجففها على حبال التأمل، وقع نظري على نص للكاتب أمجد ناصر (فليكف الفلسطينيون عن توريطنا بمشاكلهم 7 يوليو. القدس العربي) تضمن ردا أدبيا رفيعا، وتأففا صريحا من النخبة المتأمركة، التي فقدت (حسب قوله) حسّها الإنساني بعد أن أراقت ماء وجهها الوطني!! ومن المناسب التنويه إلى أن اختياري مقالة النابلسي هذه، لا يعود للصدفة وعبثية اللحظة، أو رغبة في التربص والتصيّد.. بقدر ماهو اعتراف بأهمية المقالة، التي أزعم أنها ذات بساطة فكرية وأسلوبية، وبنفس الوقت ذات مقدرة على الإثارة والإبهار والإدهاش.. فالفلسطينيون (خلاصة قوله)،هم بيت الداء، وسبب النوائب والمصائب، ومن الأجدى أن يتركوا يأكلون الحصرم ويضرسون!!. وجلّ ما أخشاه أن يتهم الفلسطينيون قريبا، بأنهم من وسوس في صدر بلفور، ليقطع وعده المشئوم، وأنهم من استأجر البواخر لجلب اليهود (المساكين) من أرجاء المعمورة،(رغم أنفهم الكبير!!) وقد نفاجأ بأن اتصالات الفلسطينيين (من خلال عبد القادر الحسيني) بالنازية الألمانية، قد ساهمت افتراضيا (في الهولوكوست) وإبادة ملايين الأبرياء، ناهيك عن معرفة القاصي والداني، عن بيعهم أراضيهم، مقابل رنين الباونات الذهبية لروتشيلد (وأحيانا لأجل يهودية لعوب في طرفها حور).... معاذ الله، الكاتب لم يقل ذلك، فقد كان أكثر دهاءً ورصانة، وقد افتتح مقالته كما يلي: العدوان الإسرائيلي وحشي وأثيم، وتدمير الجسور والكهرباء عدوان مشين، واعتقال نوّاب حماس عمل ضد الشرعية الدولية (انتهى)، لكنه سرعان ما طفق يلطّف هذا العدوان الأثيم بقوله: كل هذا الكلام معروف ومرفوض منذ 1948 (انتهى). إذن الكاتب يرى، أن استباحة البلاد والعباد، وإنشاء نظام آبارتهايد وفق صكوك عقارية إلهية أسطورية، وتشريد الملايين، واعتقال عشرات الآلاف وإقامة طريق الموسيقى (أغرب طريق إسفلتية، أنشأها جيش الدفاع بين مستوطنتين في الضفة الغربية، تلبية لرغبة طفل يدرس الموسيقى في المستوطنة الأخرى، ويرفض بنفس الوقت استخدام الطريق المألوفة، التي تمر لسوء حظه بقرية عربية!!)... كلام معروف ومرفوض ليس إلا!!، ألا يشبه ذلك استنكار أحد شيوخ الفضائيات لعمليات ذبح الرهائن الفظيعة وقوله: هذه أشياء مرفوضة!! ألا يشبه القول بأن قصف هيروشيما بالقنبلة النووية (شيء معروف ومرفوض) إن الكاتب يتحدث (عن أمور!!)، بشيء من البرود الإنساني والأخلاقي، وكأنه يروي لنا قصة حصار سنحاريب لبابل أو قصة فشل هانيبعل في اقتحام روما؟؟ لكنه سرعان ما يجد مخرجا براغماتيا، عندما ينبهنا إلى أن إسرائيل ذات قوة شمشونية جبارة، ويد طولي تستطيع كسر عظم العرب (زرافات ووحدانا)، وبهذا فان مقاومتها، عبث وحمق، لأنها مقاومة العين للمخرز!! هكذا تنجلي الأمور، المسألة لا علاقة لها بقواعد الحق والعدل أو الأخلاق الكانتية (كتعبيرات أنسنية)، بقدر ما هي إقرار بحق ممارسة القوة واللذة النتشوية!! في هذه النقطة لا يسعني إلا أن أشكر الدكتور شاكر، على هذه الإضاءة المعرفية، التي تطالبنا بالانحناء لإرادة القوة، أو الاكتفاء بالحوقلة وضرب الأكف.. خصوصا وأننا أمام قدر أحمق الخطى وقوانين طبيعية صماء، وشريعة تضمن بقاء الأقوى.. ولتبرير ذلك، ولتصوير حالنا اليائسة، قفز الكاتب بحركة بهلوانية، محاولا انتزاع المسألة الفلسطينية من سياقها التاريخي، والديمغرافي لتصبح أشبه بقضية جزيرة فوكلاند المنفية في أعماق المحيط، والمثال على ذلك، تركيزه المفرط على أحداث وأشخاص وتداعيات ثانوية (كإنفراد الفلسطينيين بقرارهم، إرهابهم للعرب واغتيال الملك عبد الله، ووصفي التل، وضرب بورقيبة بالبيض، وأوسلو، وعبثية فكرة المقاومة، حماس...) وما إلى ذلك مما يمكن تسميته بالصدق المزيّف (كالحمل الكاذب) أقول ذلك، لأن (الحقائق) التي ساقها الكاتب، كانت منزوعة من سياقها التاريخي والمعرفي.. فالسيد الكاتب يعلم علم اليقين، أن قضية فلسطين، قد سميّت في بدايتها بالمشكلة السورية (في مؤتمر باريس بعيد الحرب العالمية الأولى) وهي لا تزال في جوهرها قضية سورية بامتياز؟ ولعل الدكتور يتذكر جيدا أن حيفا كانت تابعة لولاية بيروت، شأن القدس (المقر الصيفي لجمال باشا السفاح) التي كانت تابعة لولاية دمشق، وأن الكثير من العائلات المقدسية، كانت دمشقية والعكس، وأن فكرة الأمة التي كانت سائدة آنئذ، تختلف جوهريا عن مفهوم الدولة الحديثة (التي لم تجد مشروعيتها لحد الآن!! ) وأن حرب 1948 ما هي إلا صياغة ديمغرافية جديدة (معظم اللاجئين الفلسطينيين مازالوا يعيشون في سوريا الطبيعية: سوريا، لبنان، ويشكلون 60% من سكان شرق الأردن) لهذا لم يكن الفلسطينيون أصحاب قرار وخيار (لغياب فكرة الدولة من حيث الأساس)، والدليل نجده في ضمّ الضفة الغربية بعيد التقسيم1947 وإلحاقها بكيان قيّد الإنشاء (إمارة شرق الأردن التي تم تفصيلها، ترضية للأسرة الهاشمية الحجازية وتقديرا لدورها في القضاء على الخلافة العثمانية)... كل ذلك قد حدث لأنه كان من طبائع الأمور، ولكونه إجراءا عاديا لم يستفز المشاعر الفلسطينية الوطنية!!. لهذا كانت القضية الفلسطينية ومازالت رهينة بقبضة محيطها الإقليمي!! فهل يمكننا أن نتحدث فعلا عن قرار فلسطيني (ولو نظريا)؟؟ هل كان منح منظمة التحرير صفة تمثيل الشعب الفلسطيني، ممكنا لولا الهزيمة النكراء التي أحاقت بالجيوش العربية، وأنظمتها عام 67، والتي اضطرت للقول: اذهبوا وقاتلوا... إنا هنا قاعدون!!، حتى منظمة التحرير الفلسطينية (التي اعترف بها كممثل أوحد للشعب) ألم تكن في حقيقتها غير سوق عكاظ للسياسات العربية؟؟ بما فيها حركة فتح (أوقاف بطريركية المرحوم ياسر عرفات) ألم تكن هي الأخرى (عمارة يعقوبيان) تسكنها كل الأيديولوجيات والتيارات (من الماركسية إلى السلفية)؟ من هنا فان الحصاد المر في أغوار الأردن، وبيروت ثم الرحيل (التراجيدي) إلى تونس عام 1982، ثم الرهان على مقامرة صدام حسين أثناء اجتياحه للكويت عام 1990 وما أعقبها من مؤتمر مدريد، واتفاق أوسلو وغيرها... لم تكن في حقيقتها إلا محاولات لتجنب الغرق (السياسي)، في دوامة إرادات القوة؟ التي ازدادت عنفا، بعد رحيل الإتحاد السوفييتي، لكن مثلك يا دكتور مثل: ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء فكلّ ذي عقل سليم، يعلم أن إسرائيل (لقب يعقوب وتعني حرفيا: صارع الله) هي دولة تستمد ديمومتها من ديمومة الصراع، والأسوار والجدران.. وهي حاملة طائرات (حسب وصف الزعيم النمساوي اليهودي برونو كرايسكي) وربما تكون الدولة الوحيدة على الأرض، التي تمقت السلام كالطاعون، لأنه (الوباء) الحقيقي الذي يهدد كينونتها !! أقولها (كإخوة في اللغة) مع تقديري لك ومعرفتي أن جنابك تنعم بحقوق المواطنة الأمريكية، ومن حقك الدفاع عن المصالح القومية لبلدكم العظيم.
8 شكراً إسرائيل
كما شكر سيد القمني بن لادن، في كتابه المعروف، أود شكر إسرائيل، والإمتنان لها، على أفاعيلها. وقبل أن أذهب بعيدا، أود الإشادة بالدكتورة رايس، التي أصبحت قابلة( مأذونة ) تحاول جاهدة سحب رأس الشرق الأوسط الوليد، من رحم (بنت جبيل) ومن ركام بيوت اللبنانيين..ولايفوتني أن أقدم الشكر لأطفال إسرائيل، فقد وصلت الصواريخ والقذائف المذيّلة بتوقيعهم، وحطت على بيوت الأهلين، وبهذا لايسع أطفالنا (ممن كتبت لهم الحياة)إلا شكرهم، متمنين لهم يوما يخرجون فيه من سجون ( العنصرية والكراهية الصهيونية) ومتمنين لهم مستقبلا زاهرا( وجواز سفر فلسطيني ) وحياة لاتكون أسيرة للكراهية التلموذية !! أما الشكر الحقيقي، فأزفه للنخبة الصهيونية الجديدة، التي برهنت بجدارة على صواب مقولة حسن نصرالله الذي نعتهم بالحماقة، والإسراف في الغباء والرعونة، وأتاحت الفرصة لأحمدي نجاد أن يعدهم بحزم حقائبهم وإنتظار السفن وترك المنطقة إلى الجحيم، وأشكر ثانية هذه النخبة العنصرية التي وحدّت العرب أكثر مما حلم به جمال عبدالناصر!! لابل أنها جمّعت القبائل والشيّع والأديان على كراهيتها، رغم مابينها من دواحس وغوابر، شكرا لإسرائيل، لأنها استطاعت أن تزيل الحواجز النفسية التي خلفتها الحرب الأهلية اللبنانية، ودفعت الماروني والسني والأرمني والدرزي ليشرع أبواب بيته للشيعي الجنوبي ويحتضنه بحب وحنو...شكرا لإسرائيل التي ألقت وتلقي حمم طائراتها على المنظمات الدولية وفرق الإسعاف والصليب الأحمر وقوافل الإغاثة، وتقتل جنود الطوارئ وتفصح علانية عن إحتقارها لمبادئ الضمير العالمي، وتضرب بحذائها حقوق المدنيين، زمن الحرب، وتعلن بالفم الملآن، أنها دولة فوق الشرعية، شكرا لها لأنها بهذه الحالة تكون قد وضعت العرب وقوى التحرر وحركات السلام وقوى الضمير في صف واحد، يتحين الفرصة وينتظر ساتحات الأيام كي ينهش لحمها ويمصّ عظامها، ويلقيها مع تراثها المقيت على مزبلة التاريخ!! وألف شكر لأنها أربكت عملاءها من الطابور الخامس ومن المستكتبين والمستجحشين العرب، وجعلتهم في حيرة من أمرهم، لايعرفون ماذا يكتبون ( صم بكم لايفقهون)..شكرا لإسرائيل وقد أثبتت أن يهوى بدأ بخذلانهم فلم يعد يمشي أمامهم كسحابة ولم يعد يوقف الشمس في كبد السماء لسواد عيونهم ( كي يعبورا النهر ) ولم يعد يسقط لهم أسوار المدن بنفخ أبواق الكهنة!!ولم يعد ينصرهم على غوييم لبنان وفلسطين، لأنه ضاق ذرعا بصلفهم وتجبرهم، شكرا للحمقى الصهاينة لأنهم بأفعالهم يحفرون قبورهم بأيديهم ويقربون آجل دولتهم التي تنبأ جومسكي بنهايتها ( بحدود 2025) ..شكرا لإسرائيل على كل شيئ ..لأنها حتى لو دمرت محطات الإرسال التلفزيوني أو الخليّوي ومحطات الكهرباء، فإنها تسدي خدمة جليلة للناس التي ستعود مضطرة لتسهر وتتسامر تحت ضوء القمر( برومانسية) وتضحك وتحب من أعماقها، وتتجمع في ليالي الشتاء الطويلة حول مواقد النار، لتسمع الحكايا، وتدق اللحمة بالجرن الحجري، وتطحن القهوة بالرحى اليدوية، وتغني المواويل وتنشد القصائد بعيدا عن ضجيج التلفزة والماكينات وزعيق الفضائيات!! ثم تتناسل آواخر الليل بهمة ونشاط لتلد مزيدا من الإرهابين!! الإرهابي نادر قريط.
|
