
|
|
![]()
|
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 |
![]()
|
كتابات أخرى |
|
راسلوني |
|
9 على هامش الحرب اللبنانية
قديما كنت أمقت أثرياء العرب، ربما لدوافع مكبوتة كالحسد أو الرهبة، الآن صرت أشفق عليهم، خصوصا عندما ألقاهم في مطارات أوروبا يجرون مضاربهم وحريمهم وخادماتهم أو عندما أرى أولادهم يتدعبلون بين الحقائب لفرط سمنتهم.. أجل أشعر بالحزن لأنهم كالأيتام على مأدبة اللئام... مساكين لا حول لهم ولا دول تحميهم ولا علم يظللهم، ولا عالم يحنو عليهم... كل ما بذروه تتلقفه الطير، وكل ما حصدوه تبعثره الريح (مع علمي أنهم لا بذروا ولا حصدوا)، فهم لا يملكون (ما يملكون) جوامعهم وصوامعهم وكنائسهم... وبيوتهم وقصور أمرائهم تلتفت إلى السماء مذعورة، لأنها تعيش تحت رحمة الطائرات الإسرأمركية... حتى برج العرب في دبي، المنتصب فوق الخليج (بفعل فياغرا البترودولار) قد يذوي ويضجع.. كل شيء ينتظر دوره ليصبح طللا، وعصفا مأكولا وأثرا بعد عين... كل الأموال والكنوز سترحل في يوم ما إلى جيوب غيرهم، كما حصل مع مئات المليارات الخليجية، في سوق المال الوهمي!! مساكين... اختاروا الصمت (كخيار استراتيجي) ولاذوا بالمكر والتذلل، متناسين أن إسرائيل لن تغمض عيونها ولن تنام، قبل أن تعيدهم لرعي الإبل وتعيد القمل ليرعى في رؤوسهم... هذا ما كان يعصف به ذهني، وأنا أرتقي تلة الحمراء بغرناطة (من جهة حيّ البيازين)، حينها تناهى إلى مسمعي خبر وقف إطلاق النار في لبنان.. لا أنكر أني تنفست الصعداء، فهذه الحرب سببت لي تمزقا، كاد يفتت آدميتي، ويهشم ما تبقى فيها من أواني المعرفة والعقلانية. فالقضية لم تتوقف عند القصف الإسرائيلي المفرط في الوحشية ولا عند القصف الفضائي براجمات الأخبار والصور... بل تعدته بعيدا لنرى الوجه القبيح للنظام الدولي ولنرى صورة العجز في قوى الضمير، وانهيار قواعد الأنسنة (كاتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين) أو كما لخصّها الجنرال عون: باحتضار الحضارة.. فحروب ما بعد مانهاتن هي جرائم ترويعية وكأن الحرب أصبحت هدفا لذاته، بعد أن كانت في الماضي ذراعا للسياسة أو خطابا بالمدافع ساعة تتعطل لغة الكلام.. الحرب للحرب تشبه إلى حد بعيد نظرية الفن للفن.. فما الذي جنته مثلا إدارة بوش من تدمير بيوت الطين الأفغانية البائسة، بصورايخ باهظة التكاليف؟ ماذا ربحت من حربها على الإرهاب عندما خنقت مع حلفائها مئات الطالبان، عقب استسلامهم في مدينة قندوز عام 2001، وذلك بنقلهم في حاويات مغلقة؟ كيف لي أن أفهم مجزرة مخيّم جنين (إثر مصرع بضعة جنود إسرائيليين) أو تدمير مدينة الفلوجة (في أعقاب محاولة اغتيال الجنرال جون أبي زيد).... إن حروب ما بعد مانهاتن، هي تنفيس عن غرائز الانتقام ليس إلا.. حروب تنهل مبادئ القصاص من سفر يوشع التوراتي، الذي يأمر بإبادة العدو، وإطفاء كل نفس تشتعل بالحياة... حروب استباقية على طريقة هيرودوس، الذي أمر بقتل جميع المواليد الذكور، بعد سماعه عن نبوءة ولادة المسيح كما تذكر الرواية الإنجيلية... لهذا كان لبنان على موعد مع القنابل، فكل شجرة وبيت وطريق تحوّل إلى هدف ظنّي محتمل لأنه قد يخفي نصر الله ومقاتليه، وكل سيارة ودابة قد تنقل العتاد لهم... أية شرعية تلك التي تبيح لهؤلاء القادمين من أصقاع الدنيا كي يرسلوا دباباتهم إلى القرى والمدن والمخيمات، ويضعوا حرابهم على رقاب الناس، ويغلقوا الموانئ ويقلبوا زوارق الصيد؟ ويسجنوا ويقتلوا؟؟ إنهم دولة من السائحين الذين أطالوا إقامتهم بيننا؟؟ لماذا لا يرحلوا عنا ويتركونا، فلدينا من المشاكل ما تنوء له الجبال.. لما لا يتركوننا نحيا كما نريد، نحب ونكره كما نشتهي؟ نحن نعشق الديكتاتوريات، ونمجد التخلف.. ونحب نصر الله والجنرال عون وشافيز وفيروز وسارتر وجومسكي وعوض الدوخي.. لماذا يدخلون لغتهم المكسرة في حياتنا (خماس) (خزب الله) اتركونا يا أخي، أتركوا حاءنا لنا وخذوا خاءكم وارحلوا.. نحن قرود وأولاد كلب ما شأنكم بنا، فهذه الأرض أرضنا، نحيا عليها منذ عصور النياندرتال.... اتركونا نحن لا نحب الدمار ولا إعادة الإعمار (شخصيا عشت في حوران مع جدي وأبي في دار من العصر الروماني المتأخر).... كنت هائما على وجهي لحظة توقفت الحرب.... أنظر في خمائل جنة العريف، وأسمع عزف النافورات الأندلسية، وخرير جداول الماء القادمة من جبال سيرانيفادا.... كنت أحدق في المطرزات الجدارية الرائعة في بهو السباع وصالة البركة وقمارش وانظر إلى الزوّار الذين حبسوا أنفاسهم أمام روعة المكان وسحره.... تذكرت أن العرب (المساكين) هم من أبدع هذه التحفة الخالدة.... يا إلهي أي عشق جنوني ترك هؤلاء !!! هل كان لهم أن يبدعوا هذا الجمال لولا عشقهم للحياة ؟؟ سؤال عابر أتركه للعابرين بين السطور، الذين لم يقدّموا للعالمين إلا الأسطورة والدمار.
10 لا تسرع يا بابا نحن بانتظارك
باعتباري أحد المنتمين (بيولوجيا) للثقافة العربية، وأحد المكرهين على تعلم لغة (غوتة) أجد من الواجب حضور جنازة (كلمة البابا) رغم ما تفرضه من تجهم وجدية وارتداء بذلة وربطة ونظارة سوداء، أو امتلاك طاقة (نووية) للمجاملة والتوّرية، فكلمة البابا تستحق أكثر مما تتصوّرون.. لذا وقبل الانزلاق إلى مالا تحمد عقباه.. أسجل احترامي لكافة الأديان (المنقولة وغير المنقولة)، التي أستطيع تشبيهها ببنوك متخيّلة، تدّخر فيها الجماعات الإنسانية، رأسمالها الرمزي، وتودع فيها سندات ملكية (الحقيقة) ومنظومة القيّم، وأسهم اللغة والتراث... بنوك تقرض زبائنها، إحساسا بالوجود الجمعي والتاريخي، يعبر عنه سرعة اضطراب الجماعة وغضبها وتلاحمها، ساعة المحنة، رغم أن أفرادها في العادة، يمارسون فيما بينهم، علاقات السلطة والقوة والاستئثار وحتى الطغيان... بكلمات أخرى .. إن أي سجال ديني ومذهبي لا يمكن اعتباره نقاشا ميتافيزيقيا فلسفيا، حول الحقيقة بقدر كونه تهديدا لوجود الآخر، وسطوا مسلحا على بنكه. وإذا عدت إلى محاضرة البابا في جامعة ريغينبورغ، في 12 من سبتمبر بعنوان (الدين والعنف) والتي حوّلها جو الشرق الأوسط القائظ من لسعة نحل، إلى لدغة عقرب شديد السميّة.. أقول لو عدت إليها، واستقرأت ردود الفعل الأوروبية، سأجد أن كلمته لم تجد صدى طيبا ولا استحسانا، فاللاهوتي السويسري الذائع الصيت هانز كونغ (صاحب المؤلفات الغزيرة في علم الأديان، وأحد الوجوه العالمية البارزة في حوار الأديان والحضارات وصف الكلمة بأنها تفتقد إلى المهارة واللياقة!! أما البروفسور عادل تيودور خوري، مؤلف الكتاب الذي اقتبس منه البابا حوارية الإمبراطور البيزنطي (إيمانويل الثاني) والعلامة الفارسي، فقد برر له اقتباسه، الذي لا يعبر بالضرورة عن رأيه، وإن كان يتمنى لو أن الحبر الأعظم أضاف بعض الكلمات لمنع الالتباس!! لاهوتي آخر قال: إن تضارب العقل والإيمان ليس امتيازا إسلاميا بل يشمل المسيحية أيضا!! لكن الرأي السائد أن البابا نسيّ وهو في قاعة المحاضرة، أنه بنديكت السادس عشر (رأس الكنيسة، ورئيس دولة الفاتيكان) واستطيب دوره القديم باعتباره رايتسنجر، أستاذ اللاهوت!! لكن ومهما قيل، فان كلمته حول علاقة (العقل والأيمان) تمثل صدمة لعصر الحداثة الذي أقفل منذ قرون هذه السجالات القروسطية العقيمة، فالإيمان والاعتقاد لا يمكن قياسهما بأدوات الإدراك العقلي، لأنهما مناط تجربة روحية محضة... فكما أن التجسد الإلهي في المسيح، عصيّ على العقل، كذلك هو حال التجسد الإلهي في النص القرآني.. لكننا قد نخطئ أيما خطيئة، إذا اعتقدنا أن البابا هو نفسه أوربان الثاني الذي أمر بالحروب الصليبية عام 1096م، وأنه بخطبته هذه يستعد لارتداء درعه وخوذته، وتجييش جيوشه، فالكنيسة قد تعرضت مذاك لعاصفة الحداثة، فأصبحت كسيحة ومقعدة ومعتكفة خلف أسوار الأديرة (رغم حضورها المعنوي والبروتوكولي)، وهذا ما عبر عنه الجدل في الدستور الأوروبي، الذي استبعد من نصوصه اعتبار المسيحية ملهما للتراث والحضارة الأوروبية!! المشكلة تبدو لي في النهج الإسلامي المتشنج، الذي وجب عليه (لسوء حظه) أن يكون محاميا عن آخر الديانات التي استمدت شرعيتها من الجذر الإبراهيمي، والتي اعترفت بالآخرين دون أن تحظى بالاعتراف المقنع!!.. فلاوعي المسيحية لا يزال يختزن تراث صراع طويل ومرير، ولا يزال ينظر إلى الإسلام باعتباره هرطقة لا توصل إلى طريق الخلاص الأبدي (ناهيك عن الفتوحات التي سلبت المسيحية بيت المقدس، مهوى أفئدة المسيحيين). أما الردود العربية والإسلامية، فهي نسخ مكررة لحالات التأوه والتألم الموسمية (منذ رواية سلمان رشدي)، وجوه غاضبة يتطاير من عيونها الشرر.. مناسبة تنتعش فيها أسهم الخطباء وحراس المقدس الذين يتلقفون الحدث وكأنه هبة سماوية.. فمن يعترض يحكم عليه بسماع الشريط من أوله (فكر، عقل، لبّ، بصر، نظر، رشد ... وابن رشد) أو أن يسمع خطابا جهادويا بائساً من قبيل: وأضاف البيان "سنكسر الصليب ونريق الخمر ونضع الجزية فلا يقبل حينها إلا الإسلام أو السيف.. وإن الله سيفتح على المسلمين روما.. اللهم مكنا من رقابهم واجعلهم وأموالهم وذراريهم غنيمة للمجاهدين (انتهى الاقتباس) إنه السؤال الذي يعتصر القلوب..؟؟ لماذا كان العالم البوذي بمنتهى الهدوء ساعة تدمير كعبته (تمثال بوذا في ياميان الأفغانية عام 1999) بعكس العالم الإسلامي الذي يندلع لهيبه، كلما عطس عاطس؟؟ سؤال مركب لا يمكن الإجابة عليه قبل أن يقبل عالمنا مبدأ التداول السلمي على ((الكلمة))... أخيرا أميل شخصيا إلى أن كلمة البابا ما هي إلا سقطة سياسية وإن تسترت بعباءة اللاهوت.. كلمة تعكس نقصا فادحا في الدهاء السياسي.. هي في الجوهر جزء من الخطاب الألماني البافاري (بافاريا معقل الأحزاب الديمقراطية المسيحية) خطاب يتذلل أمام اليهود طالبا ورقة حسن سلوك تعفيه من إرثه النازي.. من رأى منكم المستشارة ميركل (أثناء حرب لبنان)، التي كادت تجهش بالبكاء من قسوة هؤلاء العرب وفظاظتهم وتهديدهم لإسرائيل وجوديا (بالكاتيوشا) والتي صرحت أن اليونيفيل الألماني لن يوجه سلاحه إلى إسرائيل مهما كانت الظروف!! من يقرأ ذلك بعناية سيفهم أن محاضرة البابا ليست أكثر من دردشة بافارية في أعياد أكتوبر. ملاحظة: تشتهر بافاريا بأعياد أكتوبر، حيث تنصب المخيمات الكبيرة للاحتفال بموسم شرب البيرة.
11
متى ترينا أمريكا عرض أكتافها
من لا يرى أمريكا وهي تترنح يحتاج إلى نظّارة سميكة، ومن يظن أنها ستنقض على إيران كما الصقر على الطريدة، فهو واهم!! الحقيقة أن حفنة من مقاتلي نصر الله، ومن ملثمي محافظة الأنبار، حوّلوا المارد الأمريكي إلى دونكيشوت يثيرالشفقة. هذا ماتبوح به الأيام، لقد تحطم الحلم الامبراطوري، وأصبح مشروع الشرق الأوسط الكبير سجين كابول وأربيل، وما على أمريكا إلا القبول بحظها العاثر، والعودة إلى مابين المحيطين لتعيش ما تبقى لها من خريف عنوستها الإمبراطورية!! فالطمع والجشع وروح الانتقام وضيق الأفق والعنجهية أوقعها في حبال ملقني صناع القرار أو ما يسمى مراكز البحوث، التي يديرها مختصون يعانون من مرض عضال تسميه اللغة الألمانية (غباء الاختصاص) الذي يجعلهم أشبه بنفر من العميان الذين يتفحصون فيلا، فإن لمس أحدهم قدمه ظنه عمودا، وإن لمس ذيله أو خرطومه حسبه شيئا آخرا.. هؤلاء هم من يرى الشجرة ولا يرى الغابة.. خذوا مثلا مروّج نظرية (الفوضى الخلاّقة) فهو أعظمهم (في الغباء) طرا. فأية فوضى خلاقة تلك التي تحّول الأوطان إلى مسلخ (سلخانة) لمواطنيها.. وأية حماقة تلك التي تشطب (دولة علمانية كالعراق) وتقيم على أنقاضه (دويلات جاهلية).. إنه الجهل بعينه، فالعرب عموما ليسوا بحاجة إلى هذه الفوضى، إنهم يعيشونها بجوارحهم، مذ أصبحوا عربا، ومنذ أن خرجوا من شبه جزيرتهم القاحلة وكتبوا لغتهم على بوابات العالم.. إنهم(انتربولوجيا) شعب الفوضى الخلاقة، الذي يبني حمراء غرناطة، ويهدم مثلها إن احتاج أحجارا لطهي طعامه!! من لا يصدق، ليذهب إلى أية مدينة عربية مكتظة، ويرى بأم عينه (الفوضى الخلاّقة) وكيف تنزلق آلاف السيارات بين سيول المشاة وعربات الباعة والدراجات في هارمونية مذهلة!! تستعصي على إدراك ذوي العقل الصارم!! ما أود قوله بعد هذه الكلمات المتقاطعة: أن الكثير (من خبراء الشرق الأوسط والمستعربين والمستشرقين) يجهلون كيمياء هذا الشرق العربي، وتقاليده الغير مكتوبة، ومنظومة التابوات التي التي تنظم إيقاعه وحركته.. هؤلاء يعبدون أصناما معرفية حجرية، نحتوها بأنفسهم، ويركعون أمام صور نمطية رسمتها ذهنية الاستشراق الأورومركزية، فالتبس عليهم الأمر، وتاهوا في تفاصيل الخارطة الجينية للعرب والمسلمين!! كيف لهؤلاء أن يفهموا شابا سورّيا، ذهب إلى العراق (رغم دموع أمه وتوسلاتها ورغم المستقبل الباهر الذي ينتظره كوريث لأسرة مرموقة وموسرة)، ليعيش هناك مقاتلا في الفلوجة (نهاية 2004) وينجو بأعجوبة من تحت ركام أحد بيوتها، ثم يعبر الحدود عائدا إلى وطنه سوريا وهو مضمخ بدمائه، وبعد أن تلتئم جراحه يذهب ثانية إلى العراق ويخبر أمه على الهاتف: أماه إن موعد زفتي (عرسي) بعد ثلاثة أيام لقد قررت الزواج!! قولي لي مبروك!! وبالفعل كان عرسه في معسكر التاجي (قرب بغداد) حيث لم تنثر الحلوى، بل تناثر الدم واللحم الآدمي والحديد... إن وصف هذا الشاب بكلمة (إرهابي) قول ينطوي على كثير من الحماقة والسخف، فكل من عرفه وصفه بالرقة والحب والوادعة والصدق والشهامة! هنا يتهافت الخطاب المعرفي، وتدوسه الأقدام، لأنه لا يفهم كيف يكون الإنسان رقيقا ودودا شهما محبا وإرهابيا منتحرا بآن معا!! مع أنها في الحقيقة، سمات بشرية مترادفة ومتناغمة!! أحد القلائل من المختصين بشؤون العرب، الألماني غونتر لولينغ كان من أوائل الذين لامسوا المشكلة في كتابه (إكتشاف النبي محمد ثانية.عام 1978) وجدير بالذكر أن هذا الكاتب عاش منبوذا منفيا عن معابد (الوثنية) الأكاديمية، بسبب شطحاته وخروجه عن مألوف (الرصانة العلمية) إلا أنه (برأيي المتواضع) يظلّ مفكرا ألمعيا وصاحب لمحات عبقرية!! ولأهمية كتابه المذكور (والمجهول بآن معا) أود أن أقطف باقة من أفكاره (بما تسمح به هذه المقالة): يصف لولينغ الغرب بقطيع (من أفراد مقطوعي الجذور!!) يقودهم مدراء وموظفون ضيقو الأفق. استطاعوا عبر صراع طويل انتزاع عصا القيادة من يد الكنيسة، التي كانت لقرون طويلة (مرجعية أخلاقية وشرعية) ومسئولة عن إدارة (الجسد المسيحي) من خلال توزيع (أو حجب) القربان المقدس، وفرض طاعتها على الرعية مقابل وعدهم بنعيم الحياة الأبدية وملكوت السماء.. وكل ما يفعله مدراء الحداثة في عصرنا هو فرض الطاعة من خلال توزيع (أو حجب) قربان وجسد الطبيعة والثروة والوعد بالرخاء والنعيم والنمو الاقتصادي!! وبنفس المقدار ينظر إلى العرب باعتبارهم قطيع ذاب أفراده في لحمة الولاء القبلي وعلاقات الرحم.. من هذا يخلص إلى أن الذات الفردية العربية لا قيمة لها خارج العصبة الدموية، ومنظومة الولاء، إذ يمكنها أن تفتدي الجماعة وتموت، إذا ما مست كرامتها واستبيحت حياتها، اقتداءً بالفلسطيني يسوع المسيح (أول استشهادي) من أجل رفعة وكرامة الجماعة الإنسانية!! ويختم كتابه وهو يلحّ على العرب ويتوسل إليهم بأن يغربلوا موروثهم الديني ويغسلوا ما علق به من أسطرة وتحريف وطمس لمعالم الإسلام المبكر (يعتبره مكملا للمسيحية المبكرة، التي زوّرتها الكنيسة الرومانية المقدسة)!! على أمل أن يساهموا في إبعاد الغرب عن الطريق المهلكة التي يسير فيها ؟؟ (أرجو أن يؤخذ الرجل على محمل الجد؟؟) وعودة إلى ما كنت بصدده فإن مفاهيم (دولة ونظام حكم ودين وتراث..) هي شبكة معرفية مفاهيمية مركبة وجدلية من العسير أن يبيعها الأمريكيون (على الواقف) وبالمفرق (كتجار الشنطة).. فمشكلة الدولة العربية الحالية؟ غيابها (كما يقول د. برهان غليون) أي أنها غائبة عن منظور الحداثة التي تعتبر الدولة (صيغة قانونية لسيادة وعقد اجتماعي بين أفراد، يعيشون على تراب وطني محدد) الدولة العربية الحالية هي مزيج مشّوه للاستبداد الشرقي وفكرة الأمة (التي لم تفقد مشروعيتها رغم زوال الدولة العثمانية) وحداثة البترودولار المزيّفة... دولة يلتبس فهمها بسبب ذوبان أفرادها في مرجعيات مازالت تسحق فرديتهم وتمنع أناهم من النضوج؟ أما نظام الحكم فلا زال يعبر عن مبدأ الغلبة والعصبية.. هذا ما يوضحه انتفاء الفروق بين الأنظمة السياسية العربية، وسعيها للتوريث ويبرر صمودها أمام أعاصير التغيير، التي ضربت الأنظمة الشمولية (بعد سقوط الاتحاد السوفييتي). لذا فإن صياغة نظام ديمقراطي مؤنسن، عملية تاريخية تفترض شروطا موضوعية كثيرة أولها أن ترينا أمريكا عرض أكتافها!!
12 سأخون وطني كمان وكمان!!
(مهداة إلى الصديق الكاتب التونسي حسونة المصباحي)
ما أصعب الكتابة.. إنها طرق على أبواب المعنى، بقبضة الكلمات.. محاولة لهز قضبان الذات السجينة بين جدران اللغة.. هراء؟؟ لست بحاجة لهذه الفذلكات، فالكتابة عن القاهرة ليست معجزة أجترحها.. بوسعي أن أفتح أية موسوعة وأقتبس ما أشاء، عن هذه المدينة، التي كانت فسطاطا (معسكرا) لإبل العرب، وأصبحت فسطاطا لسيارات الأجرة والأمن المركزي.. بإمكاني أن ألقي نظرة سياحية على مباني (وسط القاهرة وأتخيّل الزمن الليبرالي والباشوات والطرابيش، وكل ما تلاشى وراء النقاب والحجاب، أو تشقق كأحذية المصلين البالية. أستطيع أن أتذكر عبد الوهاب، والنيل والأضواء، والمسحة الأرستقراطية لقاهرة الأربعينيات، وأنسى ضجيج السيارات، والباعة، وزعيق كاسيتات الدعاة، والعوادم الخانقة.. تذكرت.. ياللصدفة!! لقد زرت القاهرة في نفس الفترة الشبحية، التي مرت على أوروبا عام 1582.. آنذاك توقف التاريخ فجأة!! نام الناس ليلة 4 أوكتوبر (تقويم يولياني) واستيقظوا صبيحة 15 أوكتوبر.. كل ما حصل أثناء نومهم، أن البابا غريغور الثامن، قام بنزع عشر أوراق من الروزنامة دفعة واحدة (فيما سميّ بالإصلاح الغريغورياني للتقويم) يا لغرابة الصدف!! قلت في نفسي، ربما يكون السفر هو هروب في الزمن الشبحي من لامعنى إلى آخر... لا.. لا.. القاهرة مدينة تأسر الحواس؟؟ كذب وهراء!!.. أقول ذلك لأني كنت مدججا باليورو، الذي أطلقه كالصقر ليفترس الجنيه المرتعش.. أجل كنت هناك لأروي زهرة النرجس العطشى، التي كادت تموت في الغربة الباردة... لا لن أكتب شيئا!! فالقاهرة، هي القاهرة.. أم الدنيا، خالة الدنيا، ضرتها ليس مهما، سأكتب عن شيء آخر ألم بي وهز كياني: ميدان طلعت حرب، أشبه بروما فكل الطرق تؤدي إليه.. هناك كنت أتسمر قليلا أمام مكتبتي مدبولي والشروق، ثم أبدأ رحلتي التي تحط أحيانا بالقرب من الحسين.. أما طريق العودة إلى الفندق، فيلزمه حاسة الاهتداء عند الطيور، ولكوني فقدتها منذ ملايين السنين.. كنت مضطرا لتكرار نفس الجملة بدون كلل: شارع محمد فريد لو سمحت؟ شارع محمد فريد من فضلك.. أحيانا يصبح هذا السؤال مقدمة للدخول في مقدمة ابن خلدون، والإبحار في التاريخ والاجتماع البشري.. فالفضول على ما يبدو مهنة الناس جميعا (وليس مهنتي وحدي).. أما الحادثة الجلل التي أرويها، فقد بدأت فصولها في منطقة العتبة. (وما أدراك ما العتبة) مكان يحتشد فيه خلق كثير، وآلاف من العربات والأكشاك والباعة.. قبيل الإفطار ترتفع عصبية الناس وعجلتهم وضيق نفسهم، واستطيع القول (وأنا بكامل قواي العقلية) بأن الكثافة البشرية في العتبة تساوي كثافة الحجيج عند رمي الجمرات.. هناك وسط ذلك الحشد الجماهيري، داهمتني حاجة ملحة لمرافق صحية (بالعربي: تواليت) ثمرة أينعت وحان قطافها، بعد يوم من التسكع، والتسلل إلى بعض المقاهي (المفتوحة أثناء رمضان على خجل)، وبتعدد زيارات التدخين تعددت كؤوس الشاي التي تجرعت.. أصبت باحتقان رهيب.. في ريفنا الشامي نسمي العملية (تطيير الماء) والدلالة جاءت على مايبدو من عادة التبول على الهواء مباشرة، في براري الله الواسعة.. وتسمى بالفصحى (الاستنجاء) وقد تركت لنا المدوّنات العربية شروطا مهمة للاستنجاء (خصوصا التغوّط) حيث ألح البعض على ضرورة استخدام حجر (طاهر، أملس، قالع) واستمر هذا التقليد إلى أن أجاز المذهب الحنفي استخدام الماء في التنظيف (لذا أطلق العرب على صنبور الماء اسم الحنفية).. وعودة إلى المصيبة التي كنت فيها، فالسؤال وسط تلك الجموع عن تواليت كان يبعث على الابتسام والشفقة بآن معا.. بعض المحال المفتوحة وأصحاب المطاعم الصغيرة، المنهمكة في إعداد وجبة للصائمين، أشاروا إلى محطة بنزين قريبة، سلمت أمري ومشيت لكن مقاومتي بدأت تتهاوى.. فكرت لحظة.. أأفعلها على نفسي ثم أبكي كطفل فقد أمه في الزحام؟؟ وصلت.. يا إلهي ماذا أفعل.. فمحطة البنزين الموعودة، لا تحوي مكانا لهذا الترف الإمبراطوري.. أشرت إلى سيارة تاكسي... وتمنيت لو أنه يطير فوق السيارات، كي أصل الفندق وأدخل بيت الراحة على راحتي... غير ممكن... فالازدحام شديد ومرور سيارة من ثقب الإبرة أهون من مرورها في الشارع.. قفزت من التاكسي بعد أن فقدت الأمل.. في تلك اللحظة المصيرية من تاريخي، وبينما كنت كالمتشبث بغصن كاد ينكسر، لمحت علامة لمحطة المترو! هرولت مسرعا، وهبطت الأدراج، وسألت شرطيا (يرتدي ثياب بيضاء كالملائكة).. أجاب هنالك تواليت مخصص للموظفين، يقع في الممرات التي يسلكها المسافرون إلى الجيزة.. إنما توجب عليّ شراء تذكرة للمترو، كي يتسنى لي فتح البوابة الآلية (التي تشبه العتلة)... قفزت باتجاه شباك التذاكر.. لكن سوء حظي، وقف لي بالمرصاد (كالعادة).. جموع غفيرة سبقتني إلى الشباك وأخذت تتدافع بالمناكب.. قلت: لا حل ولا عزاء... أتوكل على الله وأبول على نفسي.. لا.. لا.. عيب (تذكرت للحال أغنية أشد بها أزري تقول: صح يا رجال أيوا صح.. حنا للضيف والسيف والخيل والويل) عدت إلى شرطي آخر، ابتسم لي برقة، رجوته أن يفتح البوابة، باستخدام سلطته وحنكته وإنسانيته، وبعض جنيهاتي... أخيرا اجتزت المنعطف التاريخي قبل أن يتبلل سروالي.... (هل صدّقتم أنه لم يتبلل؟)
13 حروب الإنترنت
على صفحات البترودولار الجديد، وفي سوق لا يفرق كثيرا بين الليبرالية والفجل، وجدت مزبلة كبيرة للأفكار، مزبلة تصيح عليها ديوك ما يسمى الليبرالية العربية وبعض أيتام اليسار. أعترف أني استثمرت هذه النافذة وتلذذت أحيانا في تعذيب بعضهم، بتعليقات لاذعة، لا تخلو أحيانا من السوقية والفظاظة.. مختبئا وراء أقنعة من الأسماء المستعارة.. وكي لا أطيل أدخل معكم في بعض الردود التي دبجتها تعليقا على بعض الكتاب مع شديد الاعتذار لمن أسأت: كتب خالص جلبي مقالا يشكو فيه مضايقة الوهابية للمرأة في دولة آل سعود. (جلبي هو طبيب إخوانجي سوري): لا أدري ماذا أقول يا دكتور، فأنت طبيب جراح ، ومتخرج من ألمانيا، وعشت ردحا من عمرك في كندا... ماذا تفعل بين هؤلاء الأصوليين، وسط هذه القمامة الإخلاقية؟ يؤسفني أن اسمع منك أن المرحومة زوجتك (المثقفة) كانت ترتدي نقابا قسريا؟؟ (رحم الله) الجاهلية عندما كانت هند تقود الجيوش وتحضر مجالس الرجال، وتجادل النبي حتى أنها نعتته مرة بقطع الأرحام. هزلت يا دكتور.. أنصحك بأخذ بناتك الخمسة والرحيل وألف لعنة على المال والدراهم. في مقالة للشاعر الفلسطيني باسم التبريص، هاجم فيها المعارضة اللبنانية: ما كان على كاتبنا المثقف باسم أن يزج نفسه في عش الدبابير، وأن يكون ناطق رسمي باسم ميليشيات الحرب الطائفية وباروناتها (جعجع، جنبلاط) وأن يكون أداة لإقامة جمهورية (الضريح) لآل الحريري.... إن المراقب الحر يعرف أن الجنرال هو ضمير لبنان وضمانة لمستقبل وحدته الوطنية وخلاصه من أشكال الوصاية.. أرجو منك أن تكون أكثر نزاهة فيما تكتب. كتب عبد الخالق حسين تقريرا يصف رحلته إلى فيينا بدعوة من سفارة البارزاني : بمداد من ذهب ستسجل مدينة ليالي الأنس هذه الندوة التاريخية العظيمة التي أحياها نخبة من المفكرين العظام (جدا)، والشعراء الرواد الذين بذلوا الغالي والنفيس، وتحدوا الأخطار المحدقة ليقولوا قولة ثائر في وجه سلطان جائر(تصوّروا)، لا شك أن المشروع الديمقراطي الذي استأثر بفكر الدكتور يستحق المجازفة وركوب الأهوال، أما إعدام صدام فهو ضرورة تاريخية وميتاتاريخية قد تفوق بأهميتها الحرب الأهلية وتقسيم العراق!! بوركت أقلامكم النيّرة التي تضيئ أزقة الحرية والمجد والخلود لا أدري لمن. كتب أحد المعوقين فكريا مقالة يلح فيها على إعدام صدام (لأهميته فقد نسيت اسمه): في وقت يتم فيه إعدام العراق، وفي وقت ترتكب على أرضه أبشع الفظاعات التيمورلنكية، حيث تطبخ رؤوس الشباب في القدور وترسل إلى ذويها كهدايا باسم الميلشيات، تصبح محاكمة صدام ضرب من العبث، والسوريالية، كنت أتنمى أن يحكم على صدام بأكثر من الإعدام، لسبب بسيط، وهو هروبه من معركة الدفاع عن بغداد (كما تفعل كل جيوش العالم خصوصا أنه القائد العام للجيش) لكني أجد أن ترك الرجل يكتب مذكراته مقدمة لمحاكمة كل قوى الظلام والعهر السياسي والمجرمين العتاة وقادة الصهيونية الذين يفتخر الكاتب بانتمائه لدولتهم العنصرية المريضة. رد على خالد منتصر الذي انتصر للوزير في حربه ضد الحجاب: معك حق.!! لكني وصلت أخيرا إلى نتائج مقلقة وبدأت أتساءل: لماذا يتعب الكتاب أنفسهم، ويلحون على قضية التطور والحضارة؟ فللجهل فضائل أيضا!! هل تريد أن نصبح مثل سويسرا ونسبق اليابان؟ لماذا كل هذا العناء.. إذا أصبح كل الناس دكاترة وعلماء فمن سيكنس الشوارع، ويخبز الخبز، ألسنا بحاجة للمساكين والمتسولين والعبيد ليستقيم إيماننا؟ ألسنا بحاجة لإطعام المسكين وعتق الرقاب. وافرض أننا عبدنا الطرقات والأرصفة فأين ستتمرغ الحمير؟.. دعنا يا أخي جهلة، فالجهل نعمة!! حتى الكوليرا والطاعون هي نعم قد تريحنا من المآسي ومن الجزيرة والحرة وتخلصنا من الإطلالة السمجة لصاحب المستقلة ومذيعيه وضيوف برامجه المكفهرين أمثال محمود الدغيم؟؟ افرض أننا تعلمنا وأصبحنا نفكر (فرض المحال ليس بمحال) فعلى من ستضحك الأمم؟؟ هل نخالف شاعرنا العظيم(المتنبي) من أجل سواد عيون الحضارة.. هل تريدون أن نضحي بلغتنا الجميلة وبالشعر والقصائد ونهجر الدواوين والموالد وشرب القهوة المرة ومتعة الاتكاء على الأرائك والكسل والتثاؤب، من أجل الحداثة والصحة والتعليم، وحرية المرأة وحرية الرأي والصحافة.. أخيرا يسقط الوزير ويحيا الحجاب. ردود متنوعة على مقالات النابلسي: يقول الكاتب (حرفيا): بأن سوريا وإيران هما وراء أكثر من نصف مليون ضحية عراقية؟ يبدو لي أن الكاتب لم يفقد رصانته العلمية والأدبية... إنما فقد ضميره أيضا، وعندما تفقد الكتابة ضميرها تصبح قباحة، وفعل معطل لقيّم الجمال؟؟ آسف للكاتب ولن أعلق عليه بعد اليوم. .......... آسف لتأخري في الرد على شيخ الليبرالية الدكتور النابلسي دام ظله.. ما أثار انتباهي هذه المرة القصة الطريفة عن حمائم وصقور الليبرالية العربية، التي تذكرني بنقاش القروسطيين الدينيين عن جنس الملائكة (ذكر أم أنثى)، فيا دكتور: عن أية ليبرالية تتكلم في مجتمعات معظمها يؤمن بالأسطورة، ومرجعيتها لا تزال القبيلة ومنظومة القربى الدموية؟ لكن هذا لا يهمك على ما يبدو لأنك مقتنع بأن الليبرالية هي الوقوف مع أولمرت والأحمق بوش.. هذه تسمى أي شيئ لكنها ليست ليبرالية.. وعودة إلى الحمائم والصقور فاني اقترح لفظ الفئران (مع الإعتذار) (وأرجو أن تكون ذكيا وتتذكر أسطورة الفئران التي أسقطت سد مأرب) مع تحياتي القلبية. ....... بما أن الحديث عن العدالة، فلا بد أن أشيد بمقالتي النابلسي حول الحجاب، وأقر بأنهما نحتتا بإزميل فنان.. وهذا قد يخفف من سطوة كلماتي ، التي طالما رشقته بها... أما بشأن هذه المقالة، فأنا أوافقه بشأن الكثير من الطغاة والقتلة، ولو أنا شويناهم جميعا، لشبع الناس كبابا وكفته.. وأوافقه أيضا بأن صدام قد أعدم يوم سقوط بغداد.. يومها أعدم العراق أيضا بحبال وسكاكين المعتوهين الطائفيين والشوفينيين الذين مزقوا العراق شر ممزق، أعدم العراق بحراب المحتل وشركات القرصنة الدولية.. فإذا كنا نتحدث عن العدالة باعتبارها جوهر، وإذا صدقنا وسلمنا بأن صدام ارتكب جرائم ضد الإنسانية.. فمن سيحاكم شارون وبيريتس وحالوتس (على مذابح صبرا وشاتيلا مثلا)، وسيحاكم جنرالات فرنسا الذين أبادوا ملايين الأفارقة والجزائريين، ومن سيحاكم نيغروبونتي (سفاح أمريكا اللاتينية).... ومن ومن.. إن العدالة جوهر إنساني لا يمكن تجزئته وبيعه بالمفرق على طريقتك البهلوانية.. مع بالغ التقدير. رد على الشاعر باسم التبريص: أخي باسم: مساهمة مني في إثراء هذا الحوار، وعطفا على كلام الأخ خوليو.. أجد أن عملية السلام (أوسلو قد ماتت، لذا يتوجب على الشعب الفلسطيني حل السلطة ومؤسساتها، وتسريح القطط السمان بإحسان (أو وأدهم) وإعلان عصيان مدني شامل، يضمن إعادة المسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي.. وحبذا إعلان حكومة منفى تضم شخصيات عالمية مرموقة (فنانون،كتاب، سياسيون..) فقد نختصر طريق الآلام، ونساعد على تقصير عمر دولة الآبارتهايد، لتحقيق مشروع الدولة الواحدة التي تقوم على مبادئ العدل. رد على مقالة البحيري حول الحجاب والأمن القومي: هذه إحدى مقالات السهل الممتنع المعبرة، لكن مسألة الحجاب تحتاج إلى بحث الحجب العقلية التي أنتجته؟ ودراسة مرحلة العقم والانسداد الحضاري الذي نعيشه.. يبدو لي من زيارتي للمحروسة، أن السلطة المصرية والإخوان يتسابقان في إرضاء المجتمع وخطب وده، جوهر القضية أن أي مجتمع يطوّر منظومة داخلية للردع والقمع والنفاق الاجتماعي، وينتج قيما خاصة للجمال؟ لقد لاحظت مثلا زيادة كبيرة في الكدمات الزرقاء على جبين الرجال (زبيبة الصلاة) وتساءلت لماذا لم أرها على جبين النساء (هل هن أقل صلاة وإيمان؟) الحقيقة أننا أمام مرحلة أينعت فيها الهزيمة... وما الحجاب إلا بعض قطافها. رد على عبد الخالق حسين، الطبيب العراقي الذي يداوي الناس وهو عليل: مع أني أتفق مع الكاتب في أن مجتمعنا منتج للاستبداد، وان الثقافة البدوية هي (كوندوم) ضد الحداثة؟ لكن الكاتب سرعان ما يقع في المحظور، وفخ الديماغوجية المألوفة في ثقافتنا وسوف أعطي مثال القضية الفلسطينية الذي تناوله بشيء من الإسهاب: يقول الكاتب: عام 1937 رفض العرب إعطاء ربع فلسطين لليهود... السؤال العقلي؟ كيف للعرب أن يرفضوا إذا كانوا حينها تحت الوصاية والاحتلال الأجنبي وكيف يعطون ما يملكون لمن لا يستحق؟ يقول أيضا: ورفضوا 1948 التقسيم!! على من تعود واو الجماعة (على العرب طبعا) لكن الحقيقة أن مصر والأردن والعراق هي التي عقدت الصفقات باسم الفلسطينيين (وهي دول محورية آنذاك) ومحكومة من ملكيات صديقة للغرب (ولم تكن منتخبة من الجموع البدوية الغوغائية التي يشتمها الكاتب؟؟؟) أما اقتراح بورقيبة عام 1964 بقبول دولة فلسطينية فهو أيضا سراب لغوي خادع، فلماذا تسمح الصهيونية بدولة فلسطينية لا تقبل بها الآن؟ هل كانت خائفة من (بيضة) المرحوم بورقيبة؟؟ استغرب أن يكون جمال عبد الناصر نتاج للبداوة (التي لا تعرفها مصر تاريخيا).... فرحمة بنا أيها الكاتب. رد على كمال غابريال في نقده للكنيسة القبطية: أهنأ الكاتب على هذا النص المتوازن، الذي يضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات والتمذهب والتعصب.. والتمسك بقيم المواطنة.. وأتمنى أن يتاح للجميع (مسلمين ومسيحيين) حق ممارسة العقيدة بحرية تامة أو تغييرها (لمن شاء) شخصيا أؤيد إحياء الديانات القديمة وطقوسها، وتعليم مضامين الميثولوجية المصرية القديمة، فكل الأديان متشابهة ويمكن تحملها (ولو على مضض).
14 أسئلة في لوح بابلي؟
كلما أقرأ (حوارية السيد والعبد) أحس بغبطة، قلما أشعر بها.. فهذا النص البابلي القديم، (برأيي المتواضع) واحد من درر الأدب الإنساني، وكم حسدت كاتبه المجهول وتمنيت في قرارة نفسي، لو أستطيع أن أكتب مثيلا له.. وتتجسد عبقرية هذا النص في تشكيكه بأصول ومرتكزات خيارنا الأخلاقي وقدرته الفذة على منح السلوك الإنساني قيمته النسبية؟ وإليكم بعضا من ترجمته: • أيها الخادم، اصغ إليّ. .. نعم سيدي نعم. • سأمارس أعمالا غير مستقيمة. .. افعل ذلك، افعل. فإنك إذا لم تأت أعمالاً غير مستقيمة، من أين لك بلباسك، ومن يقدم ما يملأ معدتك. • كلا أيها الخادم. لن أمارس أعمالا غير مستقيمة. .. لا تمارس عملا غير مستقيم، سيدي، لا تفعل ذلك، من يفعل ذلك إما أن يقتل أو يسلخ جلده وإما أن تقلع عيناه أو يرمى في السجن. • أيها الخادم، اصغ إلي. .. نعم سيدي نعم. • سأمارس الجنس مع امرأة. .. افعل لك سيدي، مارس الجنس مع امرأة. فإن مضاجعة النساء تنسي الرجل همومه ومتاعبه. • كلا أيها الخادم، لن أمارس الجنس مع امرأة. .. لا تفعل ذلك يا سيدي. فالمرأة شركّ، وحفرة، وخندق إنها خنجر حاد يحز رقبة الرجل. • أيها الخادم سأقرض الناس مالا. .. أقرض الناس مالا سيدي، اقرض مالك. إن من يقدم قرضا يحافظ على محصوله من الحبوب، ويجني فائدة على ماله • كلا أيها الخادم، لن أقرض الناس مالا. .. لا تقرض مالك سيدي، لا تقرض، فتقديم القرض سهل كممارسة الجنس، ولكن سداده صعب كالحمل والإنجاب. • أيها الخادم سأقوم بعمل صالح يخدم بلادي. .. افعل ذلك سيدي، افعل. لأن من يقدم خدمة لبلاده يجزيه بها الإله مردوخ. • كلا أيها الخادم لن أقوم بعمل صالح يخدم بلادي. .. لا تفعل ذلك أبدا.. اذهب إلى خرائب المدن القديمة، وتمشى بينها. انظر إلى جمجمة الإنسان الوضيع، وجمجمة الإنسان العظيم، هل تستطيع التفريق بينهما؟ هل تستطيع التمييز بين من قدّم خيراً ومن قدم سيئة؟ .................. لابد من الاعتراف أن هذا النص ذريعة لتناول علاقتنا باللغة، خصوصا العربية، التي يبدو أنها أوصدت أبوابها أمام النسبية، تاركة فضاءها الدلالي، مشحونا بالشعر والميثولوجيا، والثنائيات المانوية (خير، شر) (ليل، نهار) (كفر، إيمان) وخاضعا لهيبة المقدس وسلطته المطلقة... فاللغة من الجوهر، مقاربة للعالم الحسي والتجريدي، ووعاء للعقل ونطاق وحيّز له.. أي أن الكلمات ودلالاتها، محاولة إدراكية واعية لتحيين وتشييئ (صورة العالم في ذواتنا) لكن اللغة إذ تتصيّر تاريخيا من طور المأمأة إلى الحضارة فإنها تصبح سلطة وقوة رمزية تستطيع (استطاع: أي استفعل الطاعة في الآخرين)، أيضا أن تتلاعب بالواقع وتسحقه وتطمسه عبر تقنيات البلاغة والشحن النفسي والخطابة والأمثال!! هل يمكننا مثلا إغفال جملة (الله أكبر) ودورها في لحمة الاجتماع الإسلامي، ناهيك عن وظيفتها في الحروب (أو حتى في المسلسلات الدينية أو فيلم الرسالة أو تفسير سقوط الطائرة المصرية) وما تحمله من شحنة رمزية يندر وجودها في اللغات الحداثية، وقد يكون هذا المثال معبرا مهما لتصوير ارتباك خطابنا في العقل الغربي.. وهذا ما يحاول أن يؤكده الفيلسوف المعاصر هابر ماس (فيلسوف لسانيات) في دراسته عن حرب بوش على ما يسمى الإرهاب؟ تكاد اللغة العربية تمرر خطابها بموازاة العقل الغربي دون أن تلامسه والعكس (إنها مشكلة عدم فهم متبادل وعدم مقدرة على الإبلاغ).. وعدم التقاء معرفي ابستمولوجي بين لغتين ومنظومتي إدراك!! عندما سمعت جورج بوش يربط انسحابه من العراق بهواجس جدية وخوف من حدوث 11 سبتمبر جديدة... ضحكت من مقاربته السخيفة، فالرجل يبدو وكأنه مقتنع بحربه على الإرهاب، وما لمسته من خلال متابعتي للميديا الأوروبية يدل على أن الغرب يستوعب خطابه بحدود ما!! لكن السؤال الذي يتجنبه الكثيرون: لماذا تصبح الحرب على الإرهاب، مقدمة لتفتيت بلدان فسيفسائية وتجمعات تاريخية (سوريا التاريخية والعراق) زاخرة بالتنوير والعلمانية والتنوّع؟؟ في حين تترك مفارخ الإرهاب الحقيقي المسؤولة فعلا عن 11 سبتمبر بمنأى من القصاص (هم يعرفون أين هي.. أكثر مني) ألا يكشف هذا زيف الإدعاء وخبثه وسوء نيته!! الأمر يبدو مختلفا عند مفكر آخر من طراز إدوارد سعيد، الذي يقتبس في (الثقافة والإمبريالية) مقولة مؤداها: أن القوى العظيمة لا تملك الأساطيل والجيوش وحسب، إنما اللغة التي تدّقها في فم المقهورين... كثيرا ما تساءلت عن موت الزرقاوي؟؟ (الذي لم أحفل بحياته ولا مماته) هل انتهت مهمته؟ أقصد مهمته اللغوية؟ رغم ما يمتلك اسمه من موسيقية وعذوبة، جعلت الرئيس بوش يردده بتلذذ، وكأنه يلحس حروفه.. سركاوي.. سركاوي.. هل كان موته في وقت تزامن تقريبا مع تفجير مقام سامراء (المسجد الذهبي للإمامين العسكريين) في آذار 2006 محض صدفة!! أليس من العبث أن يفجر السنّة مقاماً عاش بينهم مئات السنين؟؟ هل أن الأمر إيذان بولادة لغوية جديدة وخلق معادلة حسّية (فرق الموت، صولاغ، أبو درع...) لتصبح الحرب الدينية وتقسيم العراق قدرا لا مفر منه؟؟ وحتى لو أجرنا عقولنا، وصدقنا بأن لبنان والعراق، هما كوم من القش الطائفي يمكن إحراقه بعود ثقاب!! فما بال فلسطين الموحدة إثنيا ومذهبيا؟. إننا مع الأسف لا نزال أسري الثنائيات القاتلة، وكما يقول أمير الدراجي: حرية الاختيار بين مثاقب صولاغ أو قبور صدام... فإقناعنا بأن قناصة المارينز، ونهم الشركات وجشعها هي بدائل للمدنية والحداثة الإنسانية، نكتة سمجة لا ترقى إلى ثقافة البابلي. • أيها الخادم، اصغ إلي. .. نعم سيدي، نعم. • ماهو الخير في رأيك إذن. .. أن يدق مني ومنك العنق ونرمى في النهر، فمن يستطيع في هذه الحياة أن يتطاول فيرقى السماء، أو يتسع فيحيط بالعالم.
(الترجمة مقتبسة من كتاب الأسطورة والمعنى لفراس السواح)
15 هرطقات أبو سفيان
لماذا يا أبت لا ترفع يدك السمحاء أمام الشر القادم الجنرالات الآلات الدول الكبرى مسلاّت ملوك العرب الخصيان ..................
أعدت ديوان عبد الوهاب البياتي إلى الرفّ، لأني لم أعد قادرا على تصفحه.. مسكين سينضم هو الآخر إلى حائط الزمن وذكرياته الباهتة!! فلا شيء يستحق القراءة!! العالم العربي أصبح مستعصيا على العقل وأدواته فما بالك على الشعر وهذيانه!!.. كل ما فيه يدور في حلقات هيرمينوطيقية (تأولية) مقفلة.. لكي تقرأ عليك أن تضمر قدرا من الفهم المسبق، ولكي تفهم عليك أن تشق الطريق لقراءة (أبجدية ومعرفية) صحيحة... تماما كما يفعل آثاري يعثر على رقيم مسماري.. لعل المثال الأوضح لهذه الدائرة التأولية المغلقة، ما لجأ إليه العقل الإسلامي في تفسيره للنصوص المقدسة.. ففي لحظة ما يرسلك المفسّر القرآني، إلى ابن منظور، صاحب لسان العرب (القرن 13) وبعد أن تتكبد مشاق الطريق، وتصل بالسلامة، تتفاجئ بأن لسان العرب يشرح نفسه بآيات قرآنية، كنت تبحث عن تفسيرها أصلا؟؟ وبهذا ينطبق عليك المثل الشامي: تيتي تيتي مثل مارحتي جيتي.. هذه الظاهرة كانت من حزمة الأسباب وراء ما أسماه (غونتر لولينغ) الأميّة الخصائصية للإسلام.. فهو يزعم بأن التعليم المدرساني التلقيني (السكولاستيكي) في الثقافة العربية الإسلامية.. هو نشر أميّة عمومية، وتعليم ما هو غير طبيعي باعتباره طبيعي.. ويعزو السبب أيضا إلى علوم الكلام (اللاهوت) التي نحت منحا تبريريا وليس تنويريا، بسبب ثقافة الحصار التي فرضها الإسلام المبكر على نفسه (لطمس معالمه الأولى، ولدرء خطر الفلسفة الرواقية والتراث الكتابي الرومانومسيحي) وهذا يتمايز ويفترق مع مسارات أوروبا الوسيطة وصيرورتها المعرفية، إذ تمحورت الكنيسة آنذاك حول مركزية القربان المسيحي، كضمانة للخلاص ونيل ملكوت السماوات (عبر توزيعه أو حجبه)، وحول رطانة لاتينية لا تفهمها العامة، مما أتاح للعقل الفلسفي (خصوصا في التخوم) حرية الحركة والتمرد والعصيان، الأمر الذي أثمر بعد نضال مرير إلى انتزاع عصا القيادة من يد الإكليروس وانزال المرجعيات (القانونية والأخلاقية) من السماء إلى الأرض، ومن الأديرة إلى صندوق الاقتراع.. بالعربي الفصيح، نحن نتاج ثقافة مازالت تغني في الحمام وتطرب لنفسها. وللتوضيح أكثر: نحن أشبه بنادي بريطاني، أنشأته مجموعة من عشاق إحدى الروايات الخيالية (شارلوك هولمز) وغريب ذلك النادي، أن أعضاءه تقمصوا تلك الشخصيات الوهمية وذابوا فيها ثم تنازعوا وتخاصموا حولها، وتعاركوا بالأيدي والمناكب، ونسوا أن تلك الشخوص محض خيال!!!! لكن المشكلة في هذا النادي تظل بسيطة، فكل ما تخلفه هو بعض الخدوش والكدمات والأثاث المحطم، ريثما تحضر الشرطة، وينقضي الأمر.. في حالتنا تتعقد المشكلة!! ولن يأتي أحد، لأن السلطة والدولة والعامة والخاصة هم أهم مكونات أنديتنا الشارلكهولمزية... وما دام الأمر كذلك فما معنى إثارة مسائل العقل وإشكالياته في مستشفى للمجانين؟ كيف ستبدو موسيقى باخ في مضارب قبيلة شمر، أو أوبرا دون جيوفاني وسط دبكة حورانية صاخبة ومثيرة للغبار؟، هل ينفعك فوكو وأدواته المعرفية، إذا اعترضك نفر من فرق الموت!! وسألك أحدهم عن تاريخ وفاة الإمام التاسع (بالهجري)، أو موعد أربعينية الإمام الحادي عشر؟ ماذا ستفعل لو كان الخطأ يكلفك ثقبا بالرأس!! ماذا تفعل بدريدا وهوسرل والظاهراتية (الفينومولوجيا)، إذا كانت سقيفة بني ساعدة مصدر السلطات!!... رددت ثانية ما علق بذاكرتي من قصيدة البياتي: الجنرالات، الآلات، الدول الكبرى، مسلات ملوك العرب الخصيان.... وتساءلت إن نسيّ الشاعر شيئا، ولماذا سيرفع أبونا يده السمحاء؟
نص جديد: الصدف اللعينة تأخذني إلى حيث لا تشتهي السفن... كنت في القاهرة، إذاك قتلت فنانة تونسية على يد زوجها المليونير، الذي انتحر بعد نحرها... الأمر لم يعنيني البتة، فأنا لا أعرف الأحياء فما بالك بالأموات. ما شغلني وجع أسناني، التي اضطرتني للبحث عن ميكانيكي أسنان... في شارع 23 يوليو، شاهدت الأعمدة العالية لمحكمة أعرفها من الأفلام السخيفة والجملة الأسخف (حكمت المحكمة حضوريا على المتهم....) جلست في صالة الانتظار، واستمعت إلى سكرتيرة الطبيب التي كانت تتحدث بأسف وحزن عن انتحار المليونير، الذي لن يدخل الجنة بسبب انتحاره!! كانت سيدة مرصوصة مثل كيس قمح.. قلت لها: وكيف لك أن تعرفي أنه لن يدخل الجنة، ماذا لو أنه ذاد عن شرفه الرفيع، فحقت عليه الشهادة، وأصبحت الجنة مثواه ونعم المصير!! ارتبكت السيدة قليلا أمام نظريتي الخبيثة.. لكنها سرعان ما غضبت عندما أخبرتها عن مقتي للجنة والحوريات والأنهار وعدم رغبتي بدخولها!! وخشيتي من رؤية زوجتي بصحبة أربعين حوري.. (أعصابي لا تحتمل)!! نظرت إليّ بسخط وازدراء، لمحت قبضتيها القويتين اللتين تحركتا كقبضتي ملاكم، خفت على بقية أسناني... فبحثت عن نعال قريب، وضعته في فمي وسكتّ...
...................
هرطقات أبو سفيان (2)
ويعتري النفس إنكار ومعرفة وكل معنى له نفيّ وإيجاب أبو العلاء المعري
إن دهشتي بهذا البيت المتوقد حكمة، أعادتني ثانية إلى نص (حوارية السيّد والعبد)، وكاتبها البابلي المجهول، الذي استطاع أن يترك بين ركام الكتابة، درة أدبية نفيسة، صقلها بلغة رشيقة متهكمة، لتعبر الأزمنة والقرون، دون أن تفقد بريقها ووهجها... ونسجا على منوال هذا الكاتب المجهول، سمحت لنفسي أن أتخيّل السيد والعبد وقد غادرا (باب إيل) ونفذا حدود الزمن ليعيشا بيننا (على باب الله) ويسخرا من خياراتنا الأخلاقية، وثنائياتنا العقيمة: • أيها الخادم إصغ إليّ ـ نعم سيّدي نعم • أريد أن أخدم وطني ـ افعل ذلك سيّدي، فخدمة الوطن، ترضي الإله، وتزكّي الروح، افعل ذلك، خذ بندقية أم كلثوم، وتوسل بالذاهبين إلى فلسطين كي يأخذوك معهم، ولا تنسى سيّدي أن تمسح البندقية بالزيت المقدّس، قبل أن ينخرها الصدأ، كما ينخر السوس الغلّة • لا أيها الخادم لن أخدم بلادي ـ معك حق سيّدي.. لا تذهب إلى فلسطين، فهؤلاء البلسيون أولاد أبالسة.. يتقاتلون على كل شيء.. إنهم فاشلون يبيعون كما السارق بدراهم قليلة، أو كما باع أجدادهم التلّة المطلة على البحر، للمارق أبيب، اتركهم سيدي.. غدا عندما يطردون اليهود، سيتقاتلون فيما بينهم على خواتم الموتى وساعاتهم.. • أيها الخادم إصغ إليّ ـ نعم سيّدي • أبتاع بمالي أسهما في الجزيرة ـ أفعل ذلك سيّدي، إنك كمن يبتاع منزلا في الجنّة، فالجزيرة صومعة للرهبان والنسّاك، وملاذ لعشاق الحقيقة والحكمة • لا، لن ابتاع أسهما فيها ـ لا تفعل سيدي.. فقد سمعت أنها جزيرة للقراصنة والمجذومين.. ومن يقرض ماله فيها، تسخطه الآلهة وينقرض نسله • أيها الخادم إصغ إليّ.. سأصبح سنيّا ـ حسنا تفعل سيّدي، فلتكن سنيّا، وليكن رمحك مسنونا، فالسنة أهل العقيدة، وبناة الدار.. وهم من عبر الفيافي، وكتب اسمه على بوابات العالم، انظر سيّدي، إلى أجدادهم الغر الميامين، الذين تركوا قرطبة الأندلس درة على تاج العالم الوسيط • لا لن أصبح سنيّا ـ لا تصبح سنيّا سيّدي، فالسنّة ناصبة وعبيد للحاكم المستبد.. إنهم أحفاد السلاجقة والمماليك، ولاعقو صحون السلطان سليم العثماني قاتل أبيه وأخويّه.. اتركهم سيدي، فهم أصحاب فقه الخوازيق والغزوات. • أيها الخادم أصبح شيعيا ـ أجل سيّدي كن شيعيا.. فالشيعة هم أولاد عليّ ومظلوم كربلاء، والأقرب نسبا إلى روح الشريعة.. انصرهم سيّدي، فقد كانوا ضحايا لغزاة التاريخ المتجبرين، انظر حولك، فدماؤهم تصرخ على مدار القرون.. انصرهم ترضى عنك الآلهة وتبارك ثمارك وحقلك • لا أيها الخادم لن أكون شيعيّا ـ كما تريد سيّدي.. فالشيعة أحفاد الأشتر قاتل عثمان وسليلو ابن العلقميّ يهوذا بغداد.. اتركهم سيّدي، إنهم باطنيون بكائيون يتربصون بالملك.. ولا تصدقهم، فلن يملئوا الدنيا عدلا بل قملا • اسمع أيها الخادم سأصبح مسيحيا ـ افعل سيّدي.. فصاحب المسيحية هو الوحيد الذي عصى إله القبائل، وخرج عن ناموسه، ليغدو رمزا للمحبة والسلام.. افعل سيّدي • لا لن أكون مسيحيا ـ لا تفعل سيّدي.. فالمسيحية ظلام كعتمة العصور، والمغارات.. وهستيرية جماعية تنتظر القيامة ونهاية العالم.. اتركهم سيّدي، فصاحبهم يقول: انظروا طيور السماء، إنها لا تحصد ولا تزرع ولا تخزن في الأهراء، فأبوكم الذي في السماوات يرزقها.. هل تصدّق سيّدي!! عندما تنضب أموالك، تصبح شحاذا وتركلك أقدام المارة، أو مدينا تقلع عيونك كي لا ترى دائنك، وإذا أتى الديّان ولم يجد ماله سيدق مسمارا في يدك، أو يبيعك في السوق • أيها الخادم سأصبح يهوديا ـ أحسنت سيّدي.. فاليهودية أم العقائد وسليلة الإله مردوخ.. انصرها سيّدي فاليهود يرثون الأرض والممالك.... كن يهوديا ودعني أجلب لك الماء كي تغسل يديّك وقدميّك وتقدم قربانا للإله، الذي يستطيب رائحة الشواء • لا لن أكون يهوديا أيها الخادم ـ والله إنك حمار يا سيدي، فإن لم تكن كذلك فمن أين لك بلباسك، وكيف ستملأ معدتك
|
