عودة إلى جسور

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

كتابات أخرى

 

kraitt@jusur.net   راسلوني

  16

وداعا صدام!!

 


اغفر لهم يا أبت، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون...
هذه من العبارات الأخيرة، التي قالها يشوع وهو على الصليب.. كما تذكر الرواية الإنجيلية، لتنتهي بعدها قصة طريق الآلام ومسيرة الجلجلة.. ويصلب يشوع في يوم الفصح اليهودي، إذاك اقتضت التقاليد أن يطلق سراح أحد المتهمين تكريما للفصح، وهذا ما حدا بالحاكم الروماني بيلاطس، أن يخاطب الغوغاء والفريسيين ممن تجمع عند دار الولاية، خاطبهم ليذكرّهم بتقاليدهم التي تأمر بالعفو... لكنهم لم يسمعوا بل صاحوا: اصلبه... اصلبه.. وبما أن هذه الرواية ترعرعت كما هو معروف في ظل ثقافة هيلينية، فمن المؤكد أنها أرادت أن تعفي بيلاطس من دم المسيح، وتصّوره كمن لا حول له ولا قوة، أمام جمهور يهوديّ متعصب متغطرس، اضطره إلى الإذعان وغسل يديه من دم هذا الصديق!! ما أثارني في القصة ودلالاتها، تلك التقاليد القديمة التي تعظّم المناسبات والأعياد، وتعتبرها فرصة للعفو والصفح والتسامح وكل ما في القاموس من عبارات الرحمة... فإذا كانت الشعوب في تلك العصور الحالكة والبربرية، تقيم وزنا لتلك المشاعر... فما بالنا نحن في هذه الأيام؟ في الحقيقة لم أرد عقد مقارنات سمجة وسطحية، فأنا أعرف أن الكثير من الدماء سالت في عهد صدام حسين، وأن آلاف الأرواح البريئة قد أزهقت في إيران والعراق وغيرها، إبان حكمه الممتلئ بالحروب (وليس بالروح القدس).. لكنيّ أمام حدث تاريخي مشحون بالرمزية، والدلالة.. وأمام واقعة تكاد تتفجر ميثولوجية وأسطرة.. فصدام هو نفس، وكل نفس ذائقة الموت (حسب التعبير قرآني) أو على آلة حدباء محمول.. وهو شخص أعدم مرارا: يوم سقطت عاصمته، ويوم قتل أولاده، وتشرد ذووه، ويوم قبض عليه بمهانة.. فالحديث عن عدالة ومحاكمة نزيهة بسبب قضية الدجيل، هي الدجل بعينه، أقول هذا ليس تقليلا من قيمة الضحايا، بل بسبب عذر أقبح من ذنب، فمثل قضية الدجيل ترتكب يوميا، في طول العراق وعرضه، دون أن ترمش لها عين، ولم ننس بعد، يوم قصف كلينتون العراق بمئات الصواريخ، إثر محاولة اغتيال بوش الأب في الكويت، فما بالك برجل عنيف كصدام تعرض في الدجيل لمحاولة اغتيال؟
إذن ماهي الدلالات العميقة وراء إعدام صدام؟؟
لاشك أن رد الأمر على الحكومة العراقية فيه نوع من التبسيط والخرافة.. فالكل يعلم أن المحكمة قد فصّلت على مقاس الحذاء البرتقالي للحاكم المدني بريمر (وقصة هذا الحذاء مدوّنة في مذكرات: عام قضيته في العراق، حيث تباهى باستخدامه مرارا في لبط مؤخرات الساسة العراقيين الجدد على حد تعبيره).. إذن فالكلام عن عدالة ونزاهة في ظل حكومة دميّة، لا تفك رجل دجاجة!! مسألة تضحك (حتى ربات الحجال البواكيا) فما بالك بالتاريخ الذي سيقهقه ملء شدقيه.. ليس لأن صدام فوق الإعدام، فهو يستحقه، حتى بالأعراف العسكرية الفجّة، لأنه لم يدافع عن عاصمته كما يليق بالرجال الرجال، ولم يمتلك شهامة يوسف العظمة (وزير دفاع سوري) الذي أصرّ في موقعة ميسلون على مواجهة الجنرال الفرنسي غورو وأرتال دروعه، بصدره العاري، كي لا يسحقه عار التاريخ!! لذا أعتقد أن شنق صدام كسارق خيول (من أفلام كابوي)، وبأيدي عراقية، ويوم عيد الأضحى.. يخبأ جملة من المعاني.. أهمها ما تشحنه هذه الصورة من أثار رمزية في الذاكرة الجمعية (باعتبار التاريخ البشري في صيرورته العميقة تراكم لرساميل رمزية ومادية).. ما الذي منع أن يحاكم صدام كميلوشوفيتش في لاهاي، خصوصا أنه خاض حروبا إقليمية لم يرتكبها الزعيم الصربي، وهذا يبيح محاكمة دولية بامتياز!! وأن يتاح للإنسانية وقوى الضمير الإطلاع على (ما خفيّ وهو أعظم)!! هل لأن ميلوشوفيتش كان زعيما أبيضا لا تجوز إهانة قدسية عرقه (بالمفهوم التاريخي للإهانة)؟؟ ألم يخفي الحلفاء بعد محاكمة نوريبنرغ، صور إعدام القادة النازيين، حرصا على عدم خدش الوعيّ الأوروبي وتمزيق ضميره؟؟ لماذا أصر بيلاطوس الأمريكي على غسل يديه والبراءة من دمه؟؟ أليس في ثنايا الفعل.. محاولة لاختزال صدام بأنه مجرد شخصية سنيّة، تشنق في جمهورية شيعستان الثأرية البربرية؟؟ أسئلة وأسئلة... كم من الأنفس البريئة ستموت في فورات ودورات وثورات العنف والثأر؟ من سيمنع تشكيل كتائب جديدة (للشهيد صدام)؟ والسؤال الغريب: لماذا يقتل الرجل في يوم احتفالي يقدسه الموروث؟؟ ألم يكن ممكنا تأجيل الحكم؟؟ أسئلة قد تلخص الآلية اللاإنسانية التي تحوّل الأمم إلى مختبرات فئران، وميدان سايكولوجي للاحتقار والإذلال والترويض في سرك الأمركة!!
كلمة أخيرة:
وداعا أيها البطل الرعديد.. هل تتذكرني يوم التقت عيناي بعينيك عند الجسر المعلق، حينها ارتجفت ساقي كقصبة، أما أنت فقد ابتسمت بشكل غامض لم أفهمه تماما!! أعذرني إذا قلت لك إنك رعديد، فقد كان عليك أن تموت واقفا على بوابات بغداد.. كما تموت الأشجار!!.. لكنك آثرت الحياة وهربت واختبأت في حفرة؟؟ لن يناسها التاريخ.. كثيرون سيفرحون اليوم، وآلاف البيوت في إيران والعراق ستنثر الحلوى وهذا حقها وهذا يومها، فقادسيتك الحمقاء تركت في كل بيت (أنة وعويل)... الكثير من العرب سيذرفون الدمع أيضا... ليس لأنهم رأوا فيك البطولة المعتقة، كنبيذ الجرار وحسب.. بل لأنهم جرحوا في فؤادهم وكبريائهم القومي!! ربما رأى بعضهم، منظر حبل الإعدام، وعقدته الدراميّة، وبوسعهم أن يتخيّلوا أرجلك في الهواء، وقد غدت فردتا حذائك أعلى من هامات مشاهدي حفلة الموت. لكن قلة قليلة ستعرف أنك آخر فرسان القرون الوسطى العربية، الذين أدمنوا المبارزة في وقت لا سيوف به.

 

  17

إعدام صدام مصيدة

(رسالة إلى حسن نصر الله)

 

السيد المرابط حسن نصر الله

تحية وبعد:

في البداية ألفت نظركم، بأني صعلوك يساري فوضوي (رهن متاعه في سبيل القضايا الخاسرة)، وأحد المهرطقين الكارهين لديباجات الدين وثنائياته القاتلة، لكني أكنّ لكم، ولمدرسة محرومي جبل العامل كل المحبة والتقدير، ومشاعر الأخوة النبيلة، لما تمثلوه من قيّمة إنسانية نضالية، تقف أمام قوى الطغيان والاستكبار والجبروت (عذرا لاستخدامي قاموس كلماتكم، التي أتفق مع مضمونها ليس أكثر).

أود أن أحيطكم علما، بأن إعدام الرئيس العراقي صدام حسين قد أثارني، لما تحمله الصورة من دلالات رمزية وميثولوجية ساحقة.. فكما تعلمون، فإن التاريخ في جوهره العميق ليس أكثر من قاطرة لرأسمال رمزي ومادي، وقوة  غير منظورة لتحريك الوعي الجمعي.. ولأنكم معنيّون بما حدث، رأيت من واجبي أن أدبج لكم هذه الرسالة.

الأخ المرابط حسن نصر الله:

شاهدتم ولا شك صورة الإعدام، والتي بدت كما لو أن مجموعة من الغوغاء تقود قديسا في ساحات روما القديمة، أو مسيحا يصلب في يوم الفصح اليهودي، أو حلاّجا كان يتوضأ بالعشق، فقطعت أطرافه على ضفاف دجلة؟.. للصورة أيها المرابط (شعرية أم رمزية) قوة تدخرّ المعنى وتأبده في الذاكرة.. أذكركم بصورة تشي غيفارا وهو مسجى في تلك القرية البوليفية البائسة.. والتي تطابقت بمحض الصدفة، مع صورة ابن الناصرة المصلوب، مما سبب طيرانها السحريّ في أرجاء المعمورة ولتصبح لعنة أبدية على قاتليه!!

أعلمكم أيها المرابط، بأن صورة صدام، مقادا من  جلادين مقنعين، يضعون أنشوطة  الإعدام في رقبته، وما صاحبها من هتافات.. مقتدى.. مقتدى... اللهم صلي على محمد وآل محمد (بلكنة معروفة) وكأنها تأخذ بثارات (سقيفة بني ساعدة) في برهة زمنية ظهر فيها صدام رابطا  جأشه كقديس.. أقول هذه الصورة سحقتني، وأجبرتني على البكاء!! وأرغمتني على التعاطف معه، وعلى مقت ضحاياه ولعن تلك القصة السقيمة منذ فتنة عثمان إلى اليوم!! ليس لأني من عشاق نظام صدام، فأنا أعرف أن حكمه كان تراجيدية مليئة بالأنات والغصات، وأعرف أن آلاف العائلات في إيران والعراق كانت تنتظر ما يشفي غليلها (الغريزي) منه !!

الأخ أبو هادي

أريد أن أرسم المشهد ثانية... وحسبي أن تفهمني دون الخوض في ملابسات احتلال العراق، والذي أثمر عن كثير من الويلات والخراب ومنها تلك  المحكمة المهزلة.. لأسير حرب في  دولة محتلة.. لأن عكس هذا الكلام يعتبر إشكالية قانونية وأخلاقية، لا أنتظره من شخص عزيز بمقامك، وقائد يقيم للتاريخ وزنا.. فالمشهد فبرك بعناية فائقة، وبإشراف علماء ودهاة استطاعوا ببراعة أسطورية أن يصلوا إلى أهدافهم، التي ترمي إلى احتقار الأمم وتحويل المشهد إلى مجرد إعدام شخص (سنيّ) في جمهورية شيعية ثأرية متوحشة ؟؟ صدقني إن الحكومة الحالية لا تستطيع فكّ رجل دجاجة، ومالكها (المالكي)  شخص مملوك.. لذا كنت أتمنى لو تساءلتم من أين للجزيرة بهذا الفيلم (الرديء) ومن كان وراء تسريبه؟

أعلمك وبكل مرارة أن هنالك من أوقع الجميع في المصيدة، مستخدما بعض المشبعين غباءًً (في مذهب التشيّع).. لقد تمت مسرحة المشاهد، بعبقرية فذة كي تمهد بالنتيجة لحلف سنيّ عربي متأجج ومحتقن بعواطف الثأر والكراهية المقيتة (وكأن عثمان بحاجة لقمصان جديدة).. أعتقد يا أبا هادي، أن إعدام صدام هو الطلقة الأولى في حرب تدمير إيران وتدمير كل ما بنيتموه من إرث وطني وأخلاقي في لبنان، لهذا كله أرجو أن تدينوا ماجرى (حتى وإن خالفتم رأي المرجعيات التي تأسركم بتقليدها).. كتبت هذا لعلمي أنكم من القلائل الذين أتشرف بالكتابة إليهم.

وأخيرا أرجوكم ملاحظة مايلي:

تم تسليم الزعيم الصربي ميلوشوفيتش لمحكمة لاهاي يوم 28. 06. 2001 لما يمثله هذا اليوم من رمزية في الذاكرة الوطنية الصربية.. ففي نفس اليوم من عام 1389م، ذكرى موقعة أمزلفيلد بين السلطان مراد العثماني والقيصر الصربي لازار، وقد قتل في تلك الموقعة كلاهما.. لكن الذاكرة الصربية اعتبرت ذلك اليوم من مقدساتها الوطنية، وفي نفس اليوم من عام 1914م قتل صربيان مدججان بالعزة القومية وريث العرش النمساوي فرنديناد!!!!! لهذا اقتضى التنويه مع التقدير والإحترام

 

 18

(أمة اقرأ) عليها السلام

 

"العقيدة قوة محركة للتاريخ، خصوصا إذا كانت خاطئة"

ويل ديورانت (المجلد الرابع)

 

بينما كانت ماكينة الحفر، تصمّ أذنيّ بضجيجها، التفت الحاج وقال: أنظر كيف تعمل هذه الآلة الرائعة!! إن هؤلاء الأوروبيين أولاد أبالسة؟

اكتفيت كالعادة بهزّ رأسي... قال بعد أن هدأ الضجيج: سمعت  أن علومهم استنبطت من القرآن الكريم؟؟ ربما قرأ في ملامحي  بعض إمارات التعجب.. فمن الحماقة أن أجادل رب عمل أعرابي، باركته السماء بنعمتي الجهل والمال.. استرسل: صدّق أو لا تصدّق... سمعت أن لديهم غرفة سرية ذات أقفال عديدة، لا يؤذن إلا للعلماء والقساوسة بدخولها، ففيها قرآن نسخت آياته بماء الذهب، ومنه يخرجون اكتشافاتهم واختراعاتهم!!! في الحقيقة لم أخذ كلامه على محمل الجد.. لأني شخص لوثته المدرسة بالأفانين والحيّل وأنواع الفساد..... فقد تعلمت على سبيل الترهات: أن النهضة العلمية قامت على مبادئ نيوتن للحركة، وقوانين لافوازييه، وجدول ماندلييف الذري... ونسبية آينشتاين ونظريات الكموم... أما أن تكون النهضة العلمية الأوروبية، قد أنجزت في تلك الغرفة السريّة.. فهذا لعمري قاصمة الظهر !!

وهكذا مرت السنون، ولم أعثر على تلك الغرفة السريّة  (ولم أصبح مثل هاورد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ آمون) فكل ما في الغرب، لا يشير إلى طقوس سحرية غامضة. المكتبات مفتوحة لمن أراد إليها سبيلا، وكلها تشهد للقرن 19، الذي كان بحق قرن الإبداعات العلمية الكبرى، وازدهار الفلسفات الوضعية... وعلوم مقارنة الأديان، ففي نفس القرن اكتشفت اللغة المصرية القديمة وحلت طلاسم اللغة المسمارية، وكان هذا الحدث، ثورة معرفية، هزت قلاع اللاهوت الديني، بما فتحت من آفاق جديدة أمام دراسات الميثولوجيا، رغم ذلك، استمر البعض يدافعون عن كلمة الله الأزلية؟؟  ففي منتصف ذلك القرن اخترق عالم الوثائق القديمة قسطنطين تيشندورف، أسوار دير كاترين في سيناء.. ليعود بمخطوط (الكتاب المقدس) السينائي، ويثبت للعالم المادي المشكك أن كلمة الله ما تزال محفوظة عبر القرون (حرفا حرفا)، وليقدم هذا المخطوط  هديّة للقيصر الروسي، بمناسبة ارتقائه العرش (باعه البلاشفة، بعد الثورة للمتحف البريطاني بمبلغ 2 مليون باون!! وهنالك من يجزم بأن المخطوط ليس أكثر من تزوير فبركته أنامل تيشندورف نفسه؟؟؟).

قصة الحاج الآنفة الذكر ليست عبثا فرديا، فقد سمعت الرواية من أشخاص كثر، والأنكى أن بعضهم، من خريجي الجامعات، ودارسي الطب والفيزياء!! وقد تعمقت تلك الرواية وترسخت، بفعل كتابات الإعجاز القرآني، التي بدأت مع الباقلاني وانتهت بمصطفى محمود، وزغلول النجار، وزغاليل آخرين.. وهي تعكس صورة واقعية عن مجتمعاتنا المنوّمة بسحر المقدس. لكن ومعرفة مني  بدور الدين في صياغة الهوية والوجدان الجمعي، وتقديرا لنفوذه السلطوي على الوعي، وما يحدثه من راحة وقيلولة للمؤمن، أجد أن الإسراف الكلامي في هذا الموضوع، والوقاحة في طرحه، قد يجرح مشاعر البعض (على المستوى الإنساني).. لذا فإن اللجوء إلى دراسة علوم المقارنة بين الأديان، واركيولوجيا اللغات القديمة، تساعد في ردم الهوة بين الأديان، فكلما ازداد الإنسان تعصبا لدينه، ازداد جهلا به؟ فكثير من البحوث والمقالات التي تتناول الإسلام، لا تقوم بعملها لوجه الله، أو بدوافع معرفية نزيهة.. فجلّها يقوم على تصفية حسابات أيديولوجية، وثأر تاريخي.. لكن من العقم أيضا أن يترك الزغاليل يسرحون ويمرحون، بترهاتهم.. فلا علاقة للفاكس والكاميرا بآيات القرآن، ولا علاقة للفائف التوراة والإنجيل، بهذا الملف الرقمي، الذي سأرسله إلى آخر العالم بضغطة زر.. الكتب المقدسة جميعها، هي ذاكرة للشعوب القديمة، فمن يبحث عن تفسير أو إعجاز، فما عليه إلا أن يذهب إلى خرائب سومر ولكش وبابل ووادي الملوك.. هناك سيعرف منشأ قصة الطوفان، وهناك سيكتشف قصة موسى، والولادة الإعجازية من عذراء، وفكرة الخلود والبعث.. وكل القصص الديني.

واستطرادا، يمكنني الزعم بأن المشهد الثقافي العربي لا يزال مسرحا للإدعاء وعرض العضلات والوصولية والانتهازية، فقد بحّ صوت المفكر الجزائري محمد أركون، وهو ينادي  بضرورة ترجمة المجلدات الثمانية  لجوزيف فان إس (حول القرون الهجرية الأولى) دون جدوى، ولا تزال أمهات الكتب  بعيدة عن قارئها العربي (وأنا منهم) فمازلنا نسمع عن دراسة إبراهام غايغر: ماذا أخذ محمد من اليهودية 1833م، وتيودور نولدكه عام 1856 وكتابه الذائع الصيت:  قصة القرآن ، ثم بارث بكتابه نقد وتأويل القرآن، وغولدتسيهر: إتجاهات التفسير القرآني أو كتاب شتراوس (قصة المسيح).... ومئات الدراسات الأخرى... وصولا لدراسة لكسنبورغ (القراءة الآرامية للقرآن، عن دار شيلر برلين 2000)..... في الحقيقة حيّرني صمت العالم العربي وتجاهله لهذه الدراسات المعرفية، واكتفاءه بذمّها، وغرقه في جدل سفسطائي، استفزازي لا معنى له. فالذين يتشدقون بعالمية الإسلام، تجدهم ينكفئون أمام حوار الحداثة والعصر، ليثبتوا أن الإسلام دين فصّل على مقاس العرب والباكستانيين والأفغان؟؟ ألم يتساءلوا كيف يفكر الفرنسي الذي يقرأ ترجمة بلاشير للقرآن أو الإنكليزي الذي يقرأ ترجمة بل، وما دخله بأبي لهب، أو بزيد ووطره، وما علاقته بقصة تلك القبيلة الإسرائيلية البدوية الهائمة في سيناء؟ وماذا تعني الأنهار والأفياء والظلال لنرويجي  يتوق للشمس والشواطئ الدافئة؟؟ ألم يحن الوقت لتقديم قراءات عصرية، تتناسب مع الإدعاء بعالمية الإسلام؟

إشكالية اقرأ ؟؟؟

استوقفت سورة العلق معظم الباحثين، وهيجت أقلامهم، ربما لأن السورة كانت فاتحة النص القرآني (ومعظم الناس تكتفي بمطالعة بدايات الكتب، ثم يضيق خلقها!!).. وربما بسبب الغموض الذي اكتنفها... ففعل (قرأ) اصطدم بقناعات الكثيرين كنولدكه وهارتفيغ وهيرشفلد، لأن القراءة ترتبط إلى حد بعيد بوجود ثقافة كتابية (وهذا ما تنقضه الحقائق التاريخية.. راجع جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام).. ففعل القراءة يفترض أن الوحي يحمل مكتوبا  ويفترض عدم علمه بأميّة الرسول (وهذا استخفاف بقدرة الوحي)؟؟ لقد التفت هؤلاء إلى تفسير أبي عبيدة الخارجي (معلم لأبن هشام ، تم الطعن به بسبب خارجيته) الذي أكد أن فعل (قرأ) تعني(ذكر) وبالتالي فإن الآية (اقرأ باسم ربك) تعني أذكر الله، أما  لوكسنبورغ، في كتابه القراءة الآرامية، فإنه يعثر على مفتاح لغوي آرامي مفيد، (قرا  بشم ماريا) وتعني هذه الجملة (أقم صلاة الرب) أو أدع باسم الرب.. هذا  نموذج من آلاف أخرى ما زالت تنتظر (أمة اقرأ) التي آن لها أن تتعلم القراءة.

 

 19

ظاهرة اللسان الداشر

 

نقل عن جحا قوله: عن أبي عن جدي عن كتب الحكمة عن أخبار الأولين سمعت: أن الواقف ليس كالجالس، والصاحي ليس كالنائم، والجائع ليس كالشبعان، واللابس ليس كالعريان...

بهذه المقدمة (الفلسفية العتيدة) أؤكد عظمة الموروث الذي أخبرنا أيضا أن الكلام (ببلاش) وأن كثيرا مما تصوغه الأقلام، لا يزيد دلالة وعمقا، عما ذكره جحا (رضي الله عنه).. وإمعانا مني في البلاهة، أحيطكم علما (خصوصا لمن يجهل لهجات أهل الشام) بأن لفظ الداشر (في العنوان)، يعني السائب أو الفالت، والولد الداشر يعني بلهجة أهل مصر: الواد الصايع، والبنت الداشرة، هي الماشية على حل شعرها.. وقبل أن أدخل الموضوع أستميحكم عذرا فيما لو تدشرت قليلا، أو انزلقت في فلتان لساني... فالقضية برمتها قد تخرج عن حدود المنطق والمألوف!!

لا أخفي بأني مواظب على قراءة  مسلسل (ظاهرة اللسان الداشر) للدكتورة وفاء سلطان، وانتظر بلهفة مقالاتها، لأشبع جوعي ونهمي للمعرفة، ولا أخفي أن الحلقة السادسة والسابعة قد شدّتني أكثر من غيرها، وجعلتني أتيقن أن القضية دخلت عالم الطرافة والدعابة، وبوسعي من الآن وصاعدا، أن أشتري كيسا من البوب كورن (الذرة) أثناء القراءة، وأحذو حذو الأمريكيين في صالات السينما!! فالقضية لا تتعدى كونها تسلية بتسلية.

تقول الحلقة السادسة (حرفيا): الواقع الذي يعيشه أي إنسان هو نتاج حتمي لسلوكه وتصرفاته، وهذه نتاج حتمي لبنات أفكاره، فلكي تغير الواقع عليك أن تسعى لتصحيح السلوك البشري المسئول عن هذا الواقع وتحفر عميقا في البنية الفكرية للإنسان.... تغيير الواقع المخزي الذي يعيشه العالم الإسلامي يمر بتغيير سلوك الفرد المسئول عن خزيّ الواقع.. الغزو ليس طريقا صحيحا للكسب، والغنائم ليست وسيلة مشروعة للعيش (انتهى).. وملخص القول: على الرجل المسلم أن يكف عن النهب والسرقات والرشوة والطمع. ويقتدي بالحضارة الغربية التي تقدس العمل المثمر، الذي تمثلته من تعاليم الكتاب المقدس!! ومقولته: بعرق جبينك تأكل خبزك؟؟ عظيم... إنه لعمري درس أمريكي بليغ، وضربة قاضية تكاد تجندل كل العلوم وتطرحها أرضا.. لكن قبل ذلك اسمحوا لي أن أتمهل قليلا أمام عبارة تستحق سيجارة وفنجان قهوة (أنقل حرفيا) الأزمة في العالم الإسلامي أزمة أخلاق والأمة برمتها تعيش حالة من الانهيار الأخلاقي (انتهى) ألا تذكّر هذه الجملة بالخطاب الإخواني من حسن البنا إلى حسن الترابي وما بينهما من أخلاق القرية للسادات؟؟ ما هذا الحب العذري بين من يشكو أزمة الأخلاق ويقول: الإسلام هو الحل وبين أخر يبكي على الأخلاق ويقول: الإسلام هو المشكلة.. المصيبة أن الأخوان قد نسوا (أزمة الأخلاق) وبدأوا يتحدثون بمكر عن أزمة الديكتاتورية، والاحتلال وأزمة المواصلات والسكن وكفاية، في حين توقظ المصطلحات الميتة من قبورها.. فأية لغة عربية فضفاضة، تلك التي ترتدي الشيء ونقيضه!! بعد الرشفة الأخيرة أخذت أتساءل عما  سنفعله بهيغل أو بصاحب رأس المال أو بكاتب أصل العائلة والملكية والدولة، ماذا نفعل بماكس فيبر وابن خلدون وغيرهم .. فكل ما تعلمناه من هؤلاء (الحمقى) ليس أكثر من مضيعة للوقت!! فملخص القضية بناءا على طريقة استدلال (التيك آوي) الأمريكية الجديدة: أفكار تؤدي إلى سلوك ثم إلى واقع!! فإذا راود بنات أفكارك شيطان المال وأغراهن، وفكرّت أن تصبح مليونيرا، فما عليك إلا أن تتمثل سلوك الوليد ابن طلال، فواقعك سيتغير لا محالة، وسوف ترقص من حولك الدنيا  والحسان (وربك الوهاب)!!

أتذكر أني كتبت يوما شيئا مشابها لهذه الفكرة، حينها كنت يافعا ومفتونا بنبيّ جبران ونزعته الصوفية.. وعندما جاء دوري وقرأت، أوقفني المدرّس بخشونة وقال لي: يكفي شعرا وإنشاء وفذلكة؟؟ الواقع هو صيرورة تاريخية.. بعد ذلك بأعوام عديدة فهمت أيضا أن الوعي (الفردي والجمعي) وأنماط السلوك.. هي نتاج للأطر الاجتماعية للمعرفة، وأنساقها، ولو قدر لآنشتاين أن يولد في دمشق (القرن19)، لما عرفنا نظريته النسبية.. وربما رأيناه كبائع متجول ينادي (ريّانة يا بندورة وأسود يابيتنجان) ولو قدر لمئات الجراحين والعلماء أن يلتقوا في الربع الخالي، لعجزوا حتى عن حلق ذقونهم.. فالحداثة والنهضة هي تراكم معرفي ومادي، ومنظور ورؤية كونية، تخلقها الحاجة والضرورة والمسارات  القسرية للتاريخ.. لذا فإن مقولة: الحفر في بنيتهم العقلية وتغيير سلوكهم.. هو عبث يشبه محاولة إقناع راعي الإبل بأهمية موسيقى باخ؟ لكني طربت، أيما طرب، وتمايلت كأحد عشاق أم كلثوم، الذين تأخذهم النشوة، وضربت كفا بكف وقلت (عظمة على عظمة يا ست) فمشكلة الرجل المسلم، هي عقلية الغزو والنهب!!! والسبب أنه فطم منذ طفولته (قبل 14 قرن) على فكرة الغزو!! وهكذا استطيع أن أتخيّل القاهرة والرباط ودمشق وبغداد وطهران وتونس وكل هذه المدن المليونية.. وهي تتمدد على فراش وثير وأرائك حريرية، وتنظر باحتقار إلى عبيد الأمم المغلوبة الذين ينقلون لها الغنائم المنهوبة والسبايا؟؟ لا بل أن مخيّلتي دفعتني إلى ما يشبه أحلام اليقظة، فتخيّلت أهل الأنبار وهم يحاصرون سان فرانسيسكو ويفرضون عليها الجزية ويأمرونها بخراج الأرض! وتخيّلت طائرات تكريت وهي تشن الغارات على مدينة  ديترويت، وجماعة الصدر وهم يضعون الحجاب على رأس تمثال الحرية.. هكذا كان عليّ أن أفكر بالمقلوب لأفهم الدلالة العبقرية والمغزى العميق لما قرأت..

أما مقولة التوراة: (بعرق جبينك تأكل خبزك)، واعتبارها أساسا لحضارة الغرب، وقيم العمل المثمر.. فهي صفعة لكل علماء الاجتماع! تثبت بالبيّنة مدى حماقتهم، وغيّهم وجهلهم!! ألم يلاحظوا عظمة هذه الفكرة (المحركة للسلوك ثم للواقع)!! أم أننا نستطيع أيضا أن نلتمس لهم العذر، فالمساكين تعلموا التاريخ بغثه وسمينه.. هم عرفوا (لفرط جهلهم)، بأن هذه المقولة،  وردت في سفر التكوين، في نسق قصصي أسطوري، كان يتحدث عن طرد آدم من الجنة، بسبب عصيانه الأوامر الإلهية، وليكون العمل درسا أبديا في الشقاء، وفي نفس السياق تلقت ماما حواء جزاء فعلتها النكراء؛ إذ قال لها الرب: بالآلام تحبلين وبالأوجاع تلدين، أما الحيّة ( وهي ثالثة الأثافي في المؤامرة) فقد أمرها أن تلدغ نسل آدم، الذين بدورهم سوف يسحقون رأسها.. لكن السؤال الأهم: أية قيمة فعلية لهذه (الحتوتة) التي خصّت قبائل إسرائيلية تائهة في البرية؟ قبائل قامت أساسا على فكرة غزو كنعان، ونهب أرضهم، التي تسيل لبنا وعسلا؟ وما علاقة الإنجيل بكل ذلك، خصوصا إذا عرفنا أن دعوة الخلاص المسيحي تقوم على نكران الدنيا وانتظار ملكوت السماوات، إذا يقول الإنجيل: انظروا طيور السماء، إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء، فأبوكم في السماوات هو الذي يرزقها (بالمناسبة هذه دعوة جيّدة لي ولكل عشاق الكسل والتثاؤب!!)

من صراع الحضارات إلى صراع التواليتات:

في الحلقة السابعة من ظاهرة اللسان الداشر، تمحورت القضية حول ظاهرة الطهارة والنجاسة، ونرجسية المسلمين واحتكارهم لفكرة النظافة البدنية، ونظرتهم الاستعلائية التي تستبطن نجاسة الآخرين.. أولا، لابد من الاعتراف أن هذا الطرح يحمل مشروعية ما، ولا يمكن استنكاره بالمطلق، وتأكيدا لذلك فإني أتذكر بدويا كان يعتزّ ببداوته!! وأتذكر أنه تنجس وكاد يتقيأ من أكل المعكرونة (الديدان حسب رأيه) رغم علمي اليقين بأنه اغتسل مرتين  في حياته، وفي المرة الثالثة والأخيرة غسله الآخرون دون علمه، وهذا يعادل نسبيا عدد المرات التي استحم بها الملك الإسباني فيليب صاحب أسطول الأورمادا الشهير (في القرن 16).. ولأهمية القضية، وبناءا على النظرية الأمريكية القائلة: أرني تواليتك أقول لك من أنت.... ولأني استفززت شخصيا (باعتباري حوراني) عاش كافة  المراحل الإنتربولوجية للتقذر... ابتداءً من التبعر في الهواء الطلق مرورا بمراحيض دمشق القديمة (عبارة عن حفرة عميقة، تتلصص في قعرها الجرذان) ثم مراحيض دور الطلبة في بغداد (وهي تحتاج إلى كمامات وجزم مطاطية، كالتي يرتديها رجال المطافئ) وصولا إلى دورات المياه الأوروبية ذات مقاعد الجلوس الصدفية  الرخامية.. وزيادة في التبحر فقد اطلعت على فقه الاستنجاء الإسلامي وروايات الحجر القالع الطاهر النظيف، ومررت على الظاهرة التقذرية (عند فرويد) وملاحظاته للأطفال الذين يستأنسون ويعبثون (بمنتجاتهم الوطنية)، وكذلك ملاحظة الحيوانات، التي تشمّ الروث بتلذذ، ثم ترفع رأسها في الهواء (شاكرة على النعم).. ورغم كل هذا (القرف) الذي ذكرته، أقرّ وأعترف بأن الحلقة السابعة لظاهرة اللسان الداشر، كانت أشد قرفا، وإثارة للاشمئزاز. فمن البديهي أن أمريكا قد طوّرت وسائل التعقيم والنظافة ومبيدات البكتريا (والبشر) ومن البديهي أن شوارع لاس فيغاس أنظف من ذقن (ملا عمر) وأن الطفل الأمريكي لا يغطي وجهه الذباب كالطفل الأفغاني، لكن من العبث أن يصبح التواليت الأمريكي بروتستانتيا، والمرحاض الأفغاني إسلاميا، ومن العبث أن يقال أن محمدين يتوضأ بمسح رقبته ثم يبول في النيل ويمشي؟ وأن جرجس لا يفعل الشيء عينه؟ وكل هذا الكلام سفسطة عقيمة!!.. فهل يختلف التواليت النيجيري في الأجزاء المسيحية البروتستانتية عن نظيره النيجيري في المناطق المسلمة، وما هي امتيازات التواليت الماروني الكاثوليكي عن الآخر الدرزي أو المسلم؟؟ وماذا فعلت الثقافة المسيحية العريقة لأثيوبيا؟ هل ساعدتها في إطلاق مكوك فضائي؟ ألا يمارس مسيحيو الشام والعراق جرائم الشرف وغسل العار كمحيطهم الإسلامي تماما ؟؟ وهل وهل؟؟

ملاحظة: تذكرت فيصل القاسم وأنا أكتب (وهل وهل)، ففقدت شهية الكتابة.

 

 20

 ياصابرين... للصبر حدود

 

قرأت في القدس العربي، أن مائة شاب تقدموا لخطبة صابرين!! وتناهى إلى سمعي، أن أمير المؤمنين (المهاجر) طلب من مبايعيه أن ينتقموا لشرف هذه المرأة، وأن يريقوا دم العدو أنهارا....... لاشك أننا أمام قضية مصيرية، ومنعطف تاريخي والدليل، أن اسم صابرين أصبح أكثر شيوعا من اسم باولو كويلو، (الذي يتوجب عليّ حين ذكره، القول إنه كاتب برازيلي، حاز على نوبل للآداب، وكتب رواية الكيميائي).. ولجدية الأمر، سألزم نفسي ببعض التجهم المأتمي، فالقصة تختزن على ما يبدو شحنة ميثولوجية، مثقلة بالرمزية والعاطفة والغموض السحري المقدس!! لكن اسمحوا لي أن أتناولها، بطريقتي.. فأنا أكتب (لوجه الله) ولنفسي، في محاولة لتحرير عقلي والحؤول دون اغتصابه أو مفاخذته....

في البداية، أود أن أحيي هؤلاء الشباب المائة الذين، تقدموا لخطبتها، خصوصا بعد أن ذكّرتني ابنتي، بما كتبه فرانس فانون في (معذبو الأرض)، عن أهل الجزائر، الذين  تسابقوا وتفاخروا ونالوا شرف الاقتران بفتيات جزائريات، اغتصبهن جنود الاحتلال الفرنسي... ولا أخفي بأن صابرين قد سحرت الجميع بعيونها الرائعة، مما دعا أحد أصدقائي أن يقول: لولا ضيق اليد وذات الحال، لانضممت إلى طابور الخاطبين، ولزرعت حيّ العامل تحت أقدامها، وردا وياسمينا وقدّاحا، ولا أدري إن كان صديقي، سيزرع (أمورا أخرى) على جوانب الطرق؟؟ عذرا مرة ثانية لهذا الكلام... فالأمر ليس انتقاصا من آلام الناس ومكابدتهم، فالقضية برمتها قد غادرت خصوصية البيوت وحميميتها، وأصبحت شأنا عاما تتلاقفه الألسن، وتتداوله الميديا.. وبالمناسبة لابد من شكر دور الأزياء الوهابية، التي سمحت لنا برؤية هذا النذر اليسير من الصورة، التي زادت من سحرية المشهد وغموضه، ويسّر للماكينة الإعلامية تحويله إلى جريمة لا تغتفر، في وقت ظلّ اغتصاب العراق مسألة فيها نظر!! نعم أجد صعوبة في الحديث عن اغتصاب امرأة، في بلد تقطع فيه الجثث وتثقب فيه الرؤوس وتلقى على المزابل!! في بلد أصبح حق الحياة فيه ترفا وأمنية، وفي بلد استبيحت مدنه ومتاحفه وثرواته، وسحقت شوراعه وكرامة أهليه بسلاسل الدبابات، وفي بلد تكالبت عليه شريعة الغاب الكولونيالية، وشريعة التصحر الديني.. إن القضية تدخلني في حالة من العبثية والسوريالية، فأي جدوى يجلبها الحديث عن انتهاك العرض، عندما تنتهك الطائرات خطوط الطول والعرض، وتلقي قنابلها على المدن الآمنة.... كيف يمكنني أن أتحدث عن اغتصاب، وأنا أشاهد حالات الزواج القسري في بلادنا، أو صفقات المصاهرة القهرية، أو زواج (طويل العمر 90 سنة، من فتاة بعمر الرياحين) كيف أتحدث عن اغتصاب، ومازالت بعض العقول القروسطية تعرّف الزواج بأنه عقد وطء، ينتفع فيه الذكر بفرج أنثى، مقابل أن تنتفع بأجر معلوم (مهر... الخ)!!! لكن ما علينا!! دعونا نسأل عن هذه القصة؟ وعما جرى؟ أليس الاغتصاب جريمة شنيعة تحدث في السلم كما في الحرب، وتحدث في سويسرا كما في الصومال؟؟؟

ذكرت في المطلع عن رمزية الأحداث، وقدرتها على شحن بطارية المخيّال الجمعي (بوامعتصماه) إنها محاولة لاستفزاز الوعي الجمعي (السنّي) من خلال إظهار صورة رمزية للمهانة (التي سببها الشيعة الروافض)؟؟؟.. إن من يتتبع قضية احتلال العراق لابد يلاحظ بالعين المجردة، دور الجرّافة الإعلامية، التي تكاد تسحق وجودنا التاريخي، لتحوله إلى كينونة ممسوخة  ومحكومة بالتوتر واستهلاك اللحظة.. فالمسلسل بدأ مع من أسلحة (السخام) الشامل، والعلاقة الشبحية بين محمد عطا مع السفارة العراقية في براغ، ثم انتقل إلى نشر الديمقراطية، ووضع الأصابع البنفسجية في الأنوف، إلى الزرقاوي، الذي انطفأ نجمه وانتهى دوره، مع تدمير مراقد سامراء (انتهاء شيطنة الإسلام السنيّ) وبداية (شيطنة الإسلام الشيعي) من خلال فرق الموت بوزارة صولاغ، وصولا إلى الذروة الدرامية، بإعدام صدام حسين، في مشهد عبقري بدا فيه الرئيس السابق، كما لو كان قديسا مسيحيا تقوده غوغاء (مقتدى مقتدى) في ساحات روما!!! كل ذلك جرى، في إطار محاولة لبناء جدار من الكراهية بين الشيعة والسنّة.. وفي محاولة لتمزيق النسيج الاجتماعي والنفسي، ثم في محاولة أخيرة لسحل إيران في أزقة الشرق الأوسط الجديد... لذا فإن قصة صابرين لا تخرج عن هذا السياق، وقد لخصها أحد الظرفاء على الشكل التالي:

أمر المستشار الأمريكي في  وزارة الداخلية، مجموعة من الضباط باغتصاب صبية حسناء.

أمر مستشار آخر، لشؤون الوقف السنّي، بتصوير الصبية المغتصبة  وإرسال الصور للجزيرة.

أمر مستشار ثالث، رئيس الوزراء (المملوكي)، بتكريم الضباط المتهمين.

ورحم الله والديكم!!

أخيرا، يحضرني بهذا المقام، ما كتبه المبدع أمين معلوف، عن فترة وهن  الخلافة العباسية، وخضوعها المذلّ لهيبة السلطان السلجوقي الأعظم.. إذاك أمر السلطان الأعظم، الخليفة العباسي أن ينكحه ابنته اليافعة.. لكن الخليفة اعتذر وتذرع ورفض.. ومع إصرار السلطان ازداد  توسّل الخليفة وبكاؤه، حتى أنه  تنازل عن بساتينه ودساكره حول بغداد مقابل أن يتنازل السلطان عن فكرته النكاحية... وعندما أزفت ساعة الحقيقة، دخل السلطان قصر الخليفة، على صهوة جواده محفوفا بفرسان السلاجقة وسيوفهم اللامعة، ثم ترجّل وولج  مضجع الأميرة الصغيرة وضاجعها عنّوة... ويسجّل معلوف أن السلطان قال (ما معناه): ويحكم أيها العرب؟؟ أتتخلّون عن الملك والأرض، من أجل فخذي امرأة.. وبهذا يمهر التاريخ شهادة ناصعة للعرب، رغم أنف السلطان.  

 

 21

من قتل رفيق الحريري؟

سخرت من نفسي، وأنا أحتال على هذا النص (بالشطب وإعادة الصياغة) وتساءلت عن جدوى الكتابة في قضية لا ناقة لي فيها ولا بعير؟ وضحكت وأنا أحاول تفكيك خيوط هذا العالم المتشابكة، فيما أعجز فعليا عن فك سيور حذائي.. ثم تساءلت عن جدوى الكتابة عن الحريري وأمثاله ممن شبعوا مجدا وسؤددا، في وقت لم أشبع فيه خبزا وبصلا؟ أسئلة مريرة تواردت على خاطري، مع علمي أني أكتب شائيا أو أبيا، فالمشكلة هي الكتابة نفسها، وهي كما وصفها دريدا: عالم يكاد ينأى بنفسه عن اللغة الصوتية، ليخلق عوالمه لذاته.. أي أن النصوص الكتابية هي إعادة لرسم واقع افتراضي ما، وفي لغتنا العربية الكلاسيكية (ذات البناء الميتافيزيقي) تصبح الكتابة منهجا لخطاب يضجّ بالتمويه والطمس ومكيجة الواقع، باستخدام تقنيات التورية والبلاغة.. أما في أحسن تجلياتها الشعرية فإنها تظل بحثا عن المعنى في ركام من اللامعنى....                                      

وهكذا وبعد أن أفسدت عليكم متعة القراءة (بهذه السفسطة)، أدخل في صدد الموضوع، فاغتيال السيد الحريري شكّل لي في البداية صدمة،  تحوّلت تدريجيا إلى استفزاز معرفي!! أقول هذا.. مع إدانتي لأية جريمة يقترفها بنو البشر، سواء كان ضحيتها رفيق الحريري أو أبو عدس أو أي  حمّال في سوق الشورجة البغدادي.. ورغم أننا جميعا (على آلة حدباء محمول) إلا أن التاريخ لا يقيم وزنا إلاّ لصانعيه، والسيد الحريري هو أحدهم، فالرجل ترك رأسمالا رمزيا وماديا كبيرا، وخلّف رحيله زلزالاً سياسياً حقيقياً..

وقبل الذهاب بعيدا لابد من القول أن سؤال الحقيقة، (من يقف وراء الاغتيال؟) سيظل، رغم أهميته القصوى، متروكا لبرنامج (من يربح المليون) وللأجهزة المخابراتية ولإرادات القوة، التي يبدو أنها (راغبة وغير راغبة) في كشف الحقيقة، لكونها لا تزال متأثرة بأغنية فيروز: تعا ولا تجي.. والبرهان على ذلك نجده في محاولات أسطرة القضية، وإدخالها مساحة من التأويل والتقويل وربطها بأحاديث العنعنة، التي قد تضطر العلاّمة المجتهد (برامرتس) إلى نهج ما ذهب إليه الفقهاء في المشاكل العويصة والقول: والله أعلم!! لكننا لو استذكرنا الحدث بسرعة، ووقفنا عند بعض مفاصله، سنجد أننا نعود الهوينى إلى المربع الأول: ففي 14 شباط 2005، قتل رئيس الوزراء اللبناني، بتفجير هائل، فاشرأبت الأعناق نحو دمشق، متهمة إياها بالضلوع في الجريمة (وهو اتهام مركب يرمي إلى طرد القوات السورية من لبنان، ولصق العملية بالنظام الأمني السوري اللبناني، وبحزب الله من خلال الإشارة إلى تفخيخ السيارة في المنطقة الجنوبية من بيروت) أي أن الاتهام موجه إلى ما يسمى بالهلال الشيعي وأدواته؟؟ وبالتالي تحميله وزر دم عثمان جديد؟؟ باعتبار الضحية  شخصية سنيّة مرموقة عربيا وعالميا (بالإضافة إلى كونه شخصية نافذة وقريبة من البيت السعودي). بعد قرابة عامين تكررت العملية في إعدام الرئيس العراقي صدام حسين، على الهواء مباشرة وبواسطة حبل (الهلال الشيعي) وموسيقى أوبرا (مقتدى.. مقتدى).. صحيح أن الزعيمين السنييّن قتلا في سياق مختلف، وصحيح أنهما لم يكونا سنييّن (بالمفهوم الطائفي للكلمة) لكن الكيمياء الداخلية، والملاط المعنوي (السيمانتي) للغة المتوارية، يشير إلى تماهي ما بين الحدثين؟؟ أي أننا أمام مقتل عثمان آخر وآخر،  بنفس الأيدي المتهمة (تاريخيا) بالهرطقة ؟

بعيّد الانفجار، الذي أودى بحياة الحريري، خرج للعلن شريط منسوب لجماعة جهادية سنية (جند الشام)، اعتبره المحللون، تمويها ساذجا، ضلعت الأجهزة الأمنية في فبركته. وبعدها جاء تقرير الألماني ميلتس الأول، ليوزع التهم على أحزاب وقوى سياسية عديدة (بدت كما لو أنها حضرت مهرجانا في فندق الشام تحت شعار: قتل الحريري ضرورة تاريخية) ولاشك فإن وقوع ميلتس في كمائن ساذجة (قضية هسام هسام)، قد حوّله بسرعة إلى همار همار، فاقتضى  تسريحه، واستبداله بالسيد برامرتس، لكن الملفت أن تقارير الأخير، بدأت تأخذ فرضية الانتحاري محمل الجد.. لا بل أن الآراء لم تكتف بوجود هذا الانتحاري، بل منحته أوصافا محددة ، تشير إلى سمات وراثية وأمراض باثولوجية تدلل على جذوره الغير لبنانية (والغير شامية، إذ استبعد أن تكون حدود سايكس بيكو، قد أحدثت تحوّلا جينيا في المنطقة). وتجدر الإشارة إلى أن التحاليل الطبية المخبرية (أو المخابراتية) تشير إلى بيئة هذا الإنتحاري (الافتراضي) ونشأته في مدينة ملوثة بأكاسيد الرصاص (وهو تلوث تسببه عوادم السيارات)، لهذا قامت لجنة التحقيق الدولية (حسبما قرأت في الصحف) بأخذ عينات من هواء المدن والمناطق (المتهمة)، والمريبة (لا أدري إن شملت الفحوصات مدينة طهران؟؟) ويجب أن لا ننسى تحليل اللجنة السابقة لملايين المكالمات التلفونية؟؟ وهذا يعني إدخال القضية في متاهة هائلة، لأن أية مكالمة، ولو كانت بين عاشقين تبادلا لوعة الحب والغرام، يمكن تأويلها واعتبارها ضلوعا مباشرا في الجريمة (إذ يمكن اعتبار كلمة الحب في العربية، أحد ظلال الفعل الآرامي: حب، أحبين، ويعني ألهب أوقد!!) والسؤال الآن هل استفدتم شيئا من مقالتي؟ بالطبع لا، فهي  كما يقول المثل العراقي ماتزال: ثرد (الخبز) بجانب الماعون (الصحن ).. لكن الأرجح أن أتّهم من البعض بممالأة النظام في سوريا ومداهنته؟؟ وهذا جائز!! لكني حقا لا أفعل ذلك، بنيّة مبيّتة.. بعد اغتيال السيد الحريري بأيام قليلة، شاهدت السيد أنيس النقاش في حوار متلفز على الجزيرة (أو قناة لهلوبة الفضائية كما يسميها سامي بحيري) أنيس النقاش لمن لا يعرفه، هو مدير شبكة أمان للدراسات، وهو مناضل ثوري سابق، وأحد فقهاء العمليات السريّة (اشترك مع كارلوس في عملية خطف وزراء الأوبك في فيينا مطلع السبعينييات) وأحد المقربين حاليا من الثورة الإيرانية، يقول ما مضمونه أن العملية يمكن تسجيلها على حساب إحدى فصائل المقاومة العراقية (فهي قادرة تقنيا على تفجير انتحاري بهذا الترويع) ثم ذكر أن السيد علاوي (رئيس وزراء سابق في محمية الخضراء) كان قد التقى السيد الحريري، قبل مصرعه بأيام، وهناك ما يشير إلى أن الحريري قد حزم أمره ووضع بيضه في سلة (الشرق الأوسط الجديد ).. بعد فترة طويلة من التردد البراغماتي. في الحقيقة قد يثق المرء بالحس البوليسي للنقاش وحدسه المرهف، خصوصا بعدما  تناسلت التقارير الصحفية  قصة  أموال عراقية أودعها النظام العراقي السابق (عديّ) في مصارف لبنانية، كانت على صلة بأجهزة أمنية، وقريبة من نشاط شركات المرحوم الحريري، وبعضها متهم كواجهة لإدارة عمليات غسل أموال كبرى وعمولات مريبة.... فإذا كان الأمر كذلك وصدقت قراءة النقاش.. لماذا يصر السيد برامرتس، في تقريره الأخير، بأن قرار مجلس الأمن 1559 هو السبب وراء حادثة الاغتيال، لماذا استبعد احتمال دوافع اقتصادية مافيوزية للجريمة؟؟ وماهو تفسيره لمصرع السيدين تويني، والجميّل في لحظات إقرار مشروع المحكمة الدولية في مجلس الأمن؟؟ إن قراءة مابين السطور، تظهر أن إلقاء العملية على كاهل مفجّر انتحاري يخبئ الرغبة في دفن القضية.. فالعمليات في بغداد مثلا  تنسب مباشرة وقبل وصول سيارات الإسعاف إلى انتحاري (حتى ولو كان الانفجار ناجما عن قذيفة أو أسطوانة غاز)، لأن الأجهزة الخفية، تريد أن ترمي التهمة على أكتاف مجهول، ينتسب إلى منظمة وهمية ذات بيانات إنترنت مخادعة تساهم في تكريس ذلك الوهم... وبما أن الإرهاب مجهول وشبحي، وعابر للزمان والمكان، فلا بد أن تكون الحرب ضده شبحية وعابرة للجغرافيا واستباقية؟ لهذا أعتقد أن الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة الحريري، ستظل لغزا وطلسما، مادامت الحرب على (الإرهاب) مستمرة..

ملاحظة: أعتذر ممن التبس عليهم هذا النص، فقد التبس عليّ أيضا!!

 

 22

كلمة نادر قريط..

في مؤتمر حقوق الأغلبيات في الشرق الأوسط !!

 

أنوّه بأن هذه الكلمة، ألقيت في مؤتمر (افتراضي)، عقد في الثلاثين من شباط (فبراير) المنصرم، أمام وفود تمثل البائسين، والنائمين (أبد الدهر بين الحفر) وتحت خط الفقر، والقانعين بمقولة: أعطنا خبزنا كفاف يومنا.. ويسّر ولا تعسر.. وأمام وفود مخيّمات القهر والدياسبورا الفلسطينية، وساكني خيم الديمقراطية العراقية، وبحضور فعاليات مقاهي البطالة والذباب، وممثلي جيش الأميين العرب (قرابة 70مليون) الذين أفسدتهم مباهج الحياة، وشغلتهم عن تعلم حروف الهجاء.. ولا بد من ذكر الحضور المتميّز لرابطة (كيدهن عظيم)، وممثلة الناشزات، (أو اللواتي يخشى نشوزهن).. ومدمني المخدرات (وأفيون الشعوب) والسجناء والموقوفين (على ذمة من ليس لديه ذمة) إضافة إلى وفد يمثل ملايين المصابين بأمراض الكبد والطحال الناجم عن  تلوث مياه الشرب وانهيار نظام الصرف الصحيّ، وأصحاب تشوّهات اليورانيوم المنضّب.... بكل راحة ضمير أطمئنكم أن هؤلاء هم الأغلبية الصامتة المقهورة، التي لا تنتمي إلى طائفة أو دين بعينه، ولا تكترث لحتمية تاريخ كارل ماركس، أو نهاية تاريخ فوكوياما، أو تاريخ الجبرتي... وهاكم نص الكلمة حرفيا، كما نقلها مذيع إشارات الصمّ والبكم!!:

أيها الإخوة والأخوات:

لا أدري بأية لغة أحدثكم!! فمنذ رحل نزار قباني، رحل ربيع اللغة، وذبلت زنابق الحقل، وحلت رائحة الأحذية العفنة محل عبق الياسمين... ومنذ أضجع الماغوط في قبره، أضجعت اللغة العربية وأصبحت عاجزة (كخنفساء مقلوبة على ظهرها)... ومنذ أغمض سعدالله ونّوس عيونه، أغمضت اللغة عن اغتصابكم وعن منمناتكم التاريخية... ومنذ ذهب إميل حبيبي، كسر إزميل اللغة، ولم يبق إلاّ نصبه (المتشائل).... فتشاءلوا بالخير تجدوه!!

ماذا أقول لكم، وأنا لا أملك سوى هذه اللغة القرعاء، وهذه الصوّر المقفرة، التي تفزع الطيور في أعشاشها... انظروا إليّ، وأنا أتعثر بين أحجار اللغة ومعانيها، ولا أجد ما أقوله.... كلمات كريهة، نتجشؤها بوجوه بعضنا، وكأننا مراحيض متعانقة... لا تصدقوني، إن قلت لكم، أرفعوا قبضتكم أمام نخّاسيكم، وحكامكم.. أو ارفعوا إصبعكم الوسطى بوجه مؤتمر باريس أو منتدى دافوس.. لا تفعلوا ذلك... ولا تصدقوا الإشاعات عن كوارث الحرب الديمقراطية!! عليكم أن تصدقوا القائد الأمريكي أثناء معركة الفلوجة (عام 2004) عندما منع فريقا تلفزيونيا إيطاليا، من دخول المدينة، بحجة: ظروف إعادة الإعمار؟؟... لا تصدّقوا المغرضين وإعلاميي الكوبونات، الذين يحرضون على الكراهية والضغينة.. فالعراق، منذ سقط برج بابل هو طوائف متناحرة، وقبائل تعيش على الغزو والنهب!!.. علينا القبول أننا طائفيون وقتلة أخساء، وأولاد كلب، نعض اليد التي تمتد إلينا؟؟ كفانا أوهام، وافتراءات واجترار للأحقاد... علينا نسيان السفن التي ساقت ملايين العبيد إلى أمريكا، وملايين الأجساد العارية التي قطفت الموز والكاكاو، ثم ارتجفت وماتت تحت وطأة الحمى والجوع والعطش، علينا نسيان صبرا وشاتيلا، وعين البقر، وقانا... وتدمير 20 ألف بيت شيعي لبناني، في حرب يوليو 2006.. علينا أيها الإخوة أن نتذكر فقط إبادة محمد لبني قريضة وطرده لبني قينقاع وبني النضير (قبل 14 قرن) وعلينا أن نتذكر موت السيّدة أم قرفة، التي أمر نبيّ الإسلام بربط رجليها بجملين، فجعل من أم قرفة، أم قرفتين.. هذا هو لبّ الموضوع!!.. كفانا اجترار الأحاديث عن الجنود البلجيك والفرنسيين، ومعاركهم لنشر (رصاص) مبادئ الثورة الفرنسية في أدغال أفريقيا!! كفانا البكاء على أكثر من مليون جزائري، أو مليون عراقي طحنتهم حرب نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان!! فهذه أشياء بسيطة وأضرار ثانوية لا قيمة لها، لا بل هي ترهات، وتهيؤات، وأضغاث أحلام.. مشكلتنا الرئيسية، تكمن في بنود صلح الحديبية، وفي مقتل الحسين، وفي وجود ضريح العسكريين (رضي الله عنهم)، بين النواصب (لعنهم الله).. مشكلتنا الأهم هي خديعة الخليفة أبو بكر طوال القرون، فقد استطاع مركز العراق الحديث للدراسات، أن يثبت، عدم وجوده في الغار أثناء هرب محمد من مكة!!! هذه هي الأمور المهمة، التي تحول بيننا وبين المدنية؟؟ من هنا أجد أيها الإخوة والأخوات أن المستقبل الوردي بانتظاركم، عليكم أن تعقدوا مؤتمرا للتنديد بجريمة إبادة بني قريضة!! وأن تطالبوا أنفسكم بدفع كفارة عن آثامكم التاريخية.. وأن تصفقوا لمردخاي نيسان الذي يطالب بترحيل الفلسطينيين عن أرض إسرائيل التاريخية، وعليكم أن تصبّوا جام غضبكم على عمر بن العاص (وعورته التي قبحت وجه التاريخ).. ثم عليكم بالإنترنت، فبالإنترنت وحده يحيا الإنسان!!.. (والبال توك كمان)، خصوصا وأن الإخوة الليبراليين وراء البحار، يبذلون الغالي والنفيس من أجل تثقيفكم وتعليمكم، وإنقاذ عقولكم.. عندها فقط تستطيعون، أيها الإخوة  أن تنفذوا أقطار السماوات والأرض، ولن تنفذوا إلا بسلطان؟؟

ملاحظة : اختلف المجتهدون في تفسير كلمة سلطان، فمنهم من اعتبرها قوة الأزل، ومنهم من ربطها برائد الفضاء السعودي سلطان بن مساعد، أما كاتب السطور فله رأي مختلف. 

 

  23

 

أنا والحمار والقمة العربية

 

 

كلنا سنموت الملك والحمار وأنا

الملك من الضجر

والحمار من الجوع

وأنا من الحب

(شعر مترجم)

 

أثناء انعقاد القمة العربية الأخيرة، تذكرت هذا الشعر، وتمتمت به، كالعجائز.... كلنا سنموت.... لعلها الحقيقة الوحيدة التي نعرفها، ونغض بصرنا عنها. لكن أن يموت الملك من الضجر، فهذا لا نعرفه ولا ينسجم مع ثقافتنا... لا شك إنها صورة من الرومانسية الأوروبية، وما خلفته حياة الترف والبذخ في المخيّال الشعري، وبنفس المقدار، ما عكسته تقاليد القصور من صرامة وانضباط، آنذاك كان ملوك أوروبا يعيشون في غرف وردهات، تزين جدرانها، لوحات الجحيم الدانتي، وصور القديسين وعيونهم الجاحظة. كل يوم كان على الملك أن يمشي الممرات الطويلة الباردة، ويواجه انحناءات الخدم ونظرتهم المكسورة، وتحيات المستشارين المتزلفة، ووجوه الحراس الخشبية، وقسمات الإكليروس القاسية والمكفهرة، ثم يركع أمام أيقونات، مضاءة بشموع خافتة... في ذلك الجو المحتقن بالرموز المتجهمة، قد يتسرب الضجر إلى الذات الملكية، وقد تقفز من أحد الأبراج وتموت!!

في بلادنا تختلف الصورة، فتاريخ الاستبداد الشرقي منح الملك بحبوحة وأريحية، وأرائك حريرية، وطنافس، وفراشاً وثيرا،وندماء وشعراء، وقيان وغوان، وغلمان، ومحظيين وعلماء وضراطين... في هذا الجو الدافئ والمعتق برائحة ألف ليلة وليلة، وأخبار هارون الرشيد، يمكن للملك أن يبكي ويترك دموعه تنهمر، إذا سمع تلاوة الذكر الحكيم، وبعد أن تجف مآقيه، يستمتع بغلمانيات أبي نؤاس دون حرج، أو يستأنف تفعيل مبادراته، ووطء ما ملكت يمينه وشماله، وعندما يدركه الصباح، تستيقظ السياسة باعتبارها فن المكر والخديعة والدسيسة..

هذه المقدمة قد تزعج البعض، لعموميتها وسذاجتها.. فواقع الحال يختلف كثيرا عما سردت.. لكني في الحقيقة أمام تجربة جديدة، للتعرف على الظاهرة التوليدية في اللغة، وكيف أن النصوص تلد نصوصا، والكتب تلد كتبا، وكيف أن معظمنا لا يملك أفكارا، خارج منظومة الأفكار واللغة التي تأسره.. فالشعر الذي تمنطقت وتزندقت به، لا حقيقة له، لكنه يختزن ويشع بساطة ودهشة قادرة على توليد معاني جديدة، تماما كمزامير داوود أو لغة المقدس، التي استنزفت حبر الأقلام!!

ما أردت قوله لحد الآن، ليس أكثر من عكاز يستند إليه النص كي يبلغ مآربه ويقرر مصيره.. فالحديث عن القمة العربية، يبدو لي مختزلاً دون سبر المعاني المحيطة بهذه القمة.. والتي تطفو على سطح مركبات شديدة التعقيد.. سببها ليس الوضع الدولي المتأزم وقضايا الاحتلال، أو الخصام على كلمة أشباه الرجال، وليس بسبب (قاف علي عبد الله صالح)، إنما عموم الحالة التاريخية العربية، التي تتجلى في احتقار الانضباط والدقة والمسؤولية، وتفضل الفوضى والأريحية والعشوائية.. فإذا أردتم أن تمتحنوا مثالي الأول، فما عليكم إلا أن تعقدوا مقارنة، بين تقاليد الفاتيكان (القروسطية) في تنصيب البابا (مثلا)، وما يصاحبها من بروتوكول ونظام فائق الدقة ومظاهر حسيّة وجمالية وأبهة إمبراطورية (ديكور، أثاث، معمار، موسيقى، ملابس...) وبين تقاليد حوزة النجف المتواضعة، أو دار الإفتاء السعودية، أو تقاليد وطقوس خيمة الأخ العقيد... والتي لا تختلف كثيرا عن اجتماع عرب شمّر في مضافة الشيخ الياور. ومنعا للالتباس، أود التمييز بين سلطة الفاتيكان (نبلاء، إقطاع) ومرجعيته الإلهية، وبين الحداثة باعتبارها انتصار للعقل ولمركزية الإنسان في الكون. لكن هذه الحداثة لم تولد من العدم، بل قامت على بنى عميقة، أسسها عصر النهضة ودافنتشي وأنجلو، وغاليلو... وخلقتها منظومة قيمية للعمل والإنتاج الإقطاعي.. وبرغم انتزاع عصا القيادة من الكنيسة، وتحوّل معظم الرهبان إلى (شرطة مرور).. إلا أن منظومة العمل ورثت نفس تقاليد الانضباط والصرامة، والتي استمرت عبر ظاهرة الاستعمار وتراكم رأس المال الصناعي والتجاري.. أما في الشرق، فقد استمر اقتصاد الكفاف، واستمرت الصناعات الثقيلة جدا (مثل صناعة غزل البنات وحياكة الصوف بالسنارة) والتجارة التي تقوم على مبدأ (يا رزاق يا كريم)، والغزو أحيانا، واستمرت شحة مصادر الطبيعة (المياه)، حتى ظهور البترول، وازدهار الاقتصاد الريعي.. أي أن الشرق العربي استمر في أريحيته، وبحبوبته، ينتظر غيث السماء، ويتكل على الله الذي يرزق بدون حساب، ثم على الغزوات والأنفال البترولية... وبهذا حافظ على عشوائيته وعدم انضباطه، وعدم قدرته على صياغة عقد اجتماعي، يليق بالعصر الذي نعيشه ..

بعد كل ما قلت، يصبح الكلام عن مؤتمر قمة الرياض (بالقرب من الدرعية موطن آل سعود، وآل عبد الوهاب) كلاما لا معنى له، فتفعيل المبادرة العربية التي أكل الدهر عليها، يذكّرني بالتاجر المفلس، الذي يبحث في دفاتره القديمة، عما يسد رمقه... أجمل ما في المؤتمر تأكيده على تمسك العرب بخيار السلام، كخيار استراتيجي ووحيد؟؟ لذا أتمنى من مزارعي البيوت البلاستيكية، إنتاج المزيد من الخيار، كي نتمسك به؟؟ فكلنا سنموت... الملك وأنا والحمار..... الملك من الخيار وأنا من الحب والحمار من الضحك.

قصة قصيرة:

عندما اجتاح ابن سعود المدينة المنوّرة (في عشرينيات القرن الماضي) دخلت كتائب الدرعية الوهابية قصرا عثمانيا مهجورا، ودارت في أرجائه معركة حامية الوطيس، تبيّن أن سببها وجود كثير من المرايا داخل القصر (قصة حقيقية).

 

  24

 

أكذوبة التقويم الميلادي !!

 

أثار المؤرخ الألماني هربرت إليغ في كتابه (القرون الوسطى المبتدعة)، الذي صدر عام 1998 دهشة وفضول الأوساط الأكاديمية والعلمية، وهزّ يقينياتها ومسلماتها،  فالكتاب استطاع بجهد علمي رصين أن يعثر على ثغرة زمنية في جدار التقويم الميلادي، بين 614 م و911 م. وحسب رأيه يمكن اعتبار هذه الفترة، زمنا شبحياً خاليا من التاريخ، يمكن شطبها وإزالتها من التقويم الميلادي بدون رحمة، برغم أنها تربو على 297 سنة، إنها بما فيها من سلاسل ملوك وبابوات وحروب، وأحداث، فراغ تاريخي، والمدهش أن شارلمان (مؤسس المسيحية الأوروبية مطلع القرن التاسع) حسب هذه الدراسة، هو أهم ضحاياها، إذ يمكننا اعتباره أيضاً شخصية أسطورية فبركتها الأجيال المتأخرة!! وقد اعتمد الكاتب  على  دراسات مقارنة لمجمل الأحداث والآثار المنسوبة لتلك الفترة (كرونولوجيا، مسكوكات، عمارة كنائس، تقارير فلكية، بروتوكولات، أدب، شعر....) واستطاع أن يطمئننا ويقول لنا: ضعوا أرجلكم بماء باردة، فنحن ما نزال نعيش.. بحدود عام 1710 ميلادي!!! وبهذا قلب الكاتب الطاولة على رؤوس المؤرخين، مما سبب حوَلاً في عيونهم الأكاديمية، والأهم (لي شخصياَ) أنه فتح شهيتي لمزيد من الاستزادة والبحث والتنقيب، حيث قادتني قدماي إلى تيار المؤرخين الألمان الجدد، وكم كانت المفاجأة والدهشة والصدمة، عندما علمت أن الفاتيكان، لم يأمر باعتماد التقويم الميلادي رسمياً، إلا بعد المؤتمر  الكنسي المسكوني في بازل عام 1432 م!!!

لقد آثرت في هذه المقالة، تقديم الأفكار الرئيسية لمعضلة التواريخ، كما يثيرها كتاب أخر اسمه: التزوير في التاريخ الأوروبي، للألماني تووبر، الصادر عام 2002 م، وكذلك كتابه: قفزة الروزنامة إصدار 2006 م، ويحدوني الأمل مستقبلاً، لإنجاز ترجمة ودراسة وافية بهذا الصدد، رغم ما يشكله الموضوع من صدمة للقلوب المؤمنة المطمئنة، التي تقتات على السكينة والنعم الإلهية؟؟

السؤال: منذ متى عُثر على التقويم، الذي لم يعد يعتمد تاريخ الحكام؟؟ متى توقفت كتابة: في السنة العاشرة من تتويج الكسندر أو دوقليديان أو كما فعل الرومان: في سنة القنصل فلان أو علان؟؟ الكاتب الروماني تيتوس ليفيوس، هو من أطلق العنان لتقويم: يو، سي (تاريخ تأسيس مدينة روما) لكن هذا التقويم لم يجد استعمالاً خارج  نصوص الأدب. بعض اليونانيين لجئوا إلى حساب السنين، اعتباراً من بداية الأولمبيا، لكن المعروف أن الوثائق المتعلقة  بالأولمبيا تتناقض، وتتذبذب، وتبلغ أخطاؤها أحيانا بضعة قرون، أما أقدم المخطوطات، التي حملت تاريخا، على رقعها، فتلك المنسوبة إلى إيزيدور، لكن عمرها لا يتجاوز 900 سنة، وكذلك هو حال التقويم اليهودي والبيزنطي المتشابهين (كلاهما يحسبان من بدء الخليقة، وفق المنظور التوراتي) فهما أيضا حديثا العهد (700 سنة تقريبا)، ناهيك عن أنهما يحتويان على حوالي ألف تقريب زمني لبدايات الحقب المهمة؟؟ بمعنى آخر، إن كل تلك التقاويم لم تعرف استخداما عمليا، وإلا فلابد أن تتفق على بدايات موحدة لتأريخ الممالك والأسر الحاكمة.

أما الحساب بناءً على ولادة المسيح، فيرجعه الأكاديميون المعاصرون، كأبعد حد، إلى ريغينيون بريم، في القرن العاشر، والدراسة بعين متفحصة، تخلص إلى أن استخداما عمليا، للتقويم المسيحي، قد بدأ في القرن 13، ورسميا اعتمدته الكنيسة  منذ عام 1443 م. بشغف يحتفل المرء في أوروبا بالمناسبات المئوية والألفية، فقبل أعوام احتفلت فرنسا بذكرى مرور 900 عام على إعلان الحروب الصليبية، التي دعى إليها البابا أوربان الثاني، في أعقاب المؤتمر الكنسي في كليرمونت عام 1096 م. وعلاوة عليه، فإننا نملك ( صورة حرفية ) لإعلان البابا، نقلها لنا وليم مالمسبري المنسوب إلى عام 1143 م، والظريف أن كلمة البابا أوربان الحرفية، تضمنت أخطاء وإشكاليات تاريخية.. وإليكم ما قاله البابا حرفيا: بعد سوريا وأرمينيا وأسيا الصغرى، يبدو أن المسلمين احتلوا للتو القدس (المفترض أن البابا يلقي كلمته عام 1096 م) وحسب كتب التاريخ المعاصرة فإن المسلمين احتلوا سوريا وبضمنها القدس عام 637 م!!!! ويستمر البابا قائلاً: ومنذ مائتي سنة، سيطروا على إفريقيا، وهي الجزء الثاني من العالم (أيضا أخطأ قداسته بقرنين، فالعرب وصلوا إفريقيا عام  640م) ويستمر: ومنذ ثلاثة قرون، سيطروا على أسبانيا والجزر البيلارية، وهم الآن يتطلعون إلى ما تبقى!!! أرجو أن لا تضحكوا.. إذا تمتع أحد باباوات القرن الحادي عشر، بمعلومات تاريخية وجغرافية سيئة، لكن المثير في هذه المقولة الصوتية، عن مالمسبري، الذي نقل لنا صورتها الحرفية مشكورا، لم يكن بمستطاعه أن يفكر بدقة، حتى لو أنه أراد اختلاق هذا الخطاب، لنصرة الله، وتحقيق مجده، والسؤال: ألم يكن باستطاعته وضع معلومات زمنية دقيقة؟ الجواب هو النفي... لا يستطيع ذلك، فآنذاك لم يملك المرء بعد حسابا زمنيا استمراريا، لقراءة المسافات الزمنية التاريخية.

وعودة إلى السياق، فإن التقويم (الكالندر) الذي استخدمته الكنيسة الكاثوليكية، في أوروبا، لغرض حساب السنوات، حتى عام 1443  م كان تقويم (إي، ر، أ) أو ما يسمى بالسنة الإسبانية (38 ق.م)، وهو حساب توأم للتقويم اليولياني (نسبة إلى يوليوس قيصر 44 ق.م)، ويكاد يختلط معه، ويتلاشى فيه.. لكن أولى التوصيات بضرورة اعتماد السنة المسيحية، بدأت مع المؤتمر الكنسي، في تراغونا (كاتالونيا) عام 1180 م، لكن تطبيق تلك التوصيات استغرق أجيالاً، وبدأ تنفيذها فعليا في كاتالونيا وأرغون بحدود عام 1350 م ثم فالانسيا، وفي كاستيليا بحدود عام 1382 م أثناء حكم خوان الأول، أما في البرتغال فقد بدا التقويم الميلادي في زمن الملك خويو عام 1422 م.

والآن أصل إلى أحد الاكتشافات المهمة التي عثر عليها الباحث تووبر، والتي يمكن اعتبارها مهزلة تاريخية حقيقية، يقول الكاتب حرفيا: لفت نظري أمر مهم عند نيكولاوس كونزانوس، إذ طالب مع زميل له، أثناء المؤتمر الكنسي في بازل عام 1432 م، طلب من البابا، بإحداث حساب زمني (كالندر) جديد، وقد علل الأمر، بأن الكنيسة أصبحت محط سخرية الأوثان (يقصد المسلمين) الذين كانوا أكثر تفوقا. وهكذا بدأت الكنيسة تدريجيا بكتابة التاريخ مجددا، ثم اكتسبت هذه الكتابة، هيئة متينة من خلال الإصلاح الكالندري، الذي قام به البابا غريغور الثامن عام 1582 م.. لكن ماذا كان يعرف كوزانوس وغيره؟ ماهي الأمور المجهولة التي أخفيت عن عصرنا؟ لقد كانوا يعرفون أن حسابا أمينا للسنوات (التقويم) هو بالتحديد الهجري، لأنه موثق بجودة، اعتبارا من 100 هجري، بواسطة المسكوكات (يقصد الأموية)، ومدعم أيضا بالوثائق اعتبارا من 300 هجري.. وهذا يمنحه أسبقية ومصداقية عالية مع حساب السنوات المسيحي، عليه فإن مقربي البابا أمثال كوزانوس (اعتلى الكرسي الرسولي فيما بعد)، أخذوا على عاتقهم اللحاق بالتقدم الإسلامي، في هذا المضمار لا بل تجاوزه... لكن كيف تم ذلك؟؟

تم إنجاز التقويم الميلادي عبر طريقين:

أولاً: تم وضع بداية اعتباطية لكلا الحسابين الميلادي والهجري، والمسماة بداية الحقبة، من خلال استعمال أعداد (أرقام) مشحونة بالرمزية (من المعروف أن للأرقام دلالات ميثولوجية ودينية).

ثانيا: تم حشو القرون الفارغة للحساب المسيحي، بأحداث وهمية، منحت القرون المسيحية المبكرة ثقلا نوعياً، مقابل الإسلام، الذي ليس بإمكانه أن يدلل على تلك القرون المبكرة.

وقد استخدم (العدادون) نقطة البداية، بتسمية المؤتمر الكنسي العالمي الأول، وسمحوا له أن ينعقد في نيقييا، واعتباره بداية الاعتراف الرسمي بالكنيسة كسلطة دولية، وبمساعدة الحسابات القديمة تم تثبيت هذا المؤتمر، كنقطة انطلاق الزمن الهجري، لكونه جاء ردا على تفاقم الخطر الإسلامي.. وقد أعتمد التقويم اليولياني (44 ق.م) في تثبيت تلك البداية الصفرية، واعتبر عام 666 يولياني بداية الزمن الهجري، لما يحمله الرقم 6 من قدرة رموزية، في شيطنة الإسلام (نعته بالشيطانية)... إذاَ.. 666 ناقص 44 يساوي 622 م!!! هذا هو الرقم الذي تعتمده كتبنا المدرسية، لتحديد العام الهجري الأول!!! بعد ذلك المؤتمر بزمن، قامت الكنيسة بتصحيح  وترحيل مؤتمر نيقييا، واقترحت له عام 325 ميلادي!!

لكن طرح الرقم 622 م (عام 1 هجرة) من 325 م ( مؤتمر نيقيا الكنسي الأول) يعطينا 297 سنة... يا للهول إنها نفس الفترة الزمنية الشبحية التي عثر عليها هربرت إليغ (بطرق فلكية).. وبهذا يتطابق تماما مع الباحث تووبر، (رغم اختلافهما في تحديد موقعها على المسطرة الزمنية) لكن الأهم، كان كشف الخداع والدهاء التاريخي الذي مارسته الكنيسة الكاثوليكية، في وقت كان فيه الإسلام غارقاً في بحر لذته وسكونيته القروسطية.

ملاحظة: رفض سيد القمني، في كتابه: شكر بن لادن، ذكر مراجعه، التي اقتبس منها؟ رغبة منه في تدويخ منتقديه (من ذوي اللحى)، وتعجيزهم، وهذه طريقة عربية (همجية) ولذيذة، يحبذها كاتب السطور.

تنويه: في المقالة القادمة سأتناول آراء تيار المؤرخين الجدد، بالإسلام المبكر، وحجم الطمس والغموض التاريخي الذي يحيط به.   

         

 

 

 

عودة إلى المدخل