عودة إلى جسور

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

كتابات أخرى

 

kraitt@jusur.net   راسلوني

  25

 

لغز الإسلام المبكر؟؟

ناقل الكفر ليس بكافر

لا أريد بهذه المقولة الدفاعية تبرير الهجوم على المقدس، إنما الإشارة إلى حالة التمويه والمداهنة، التي تكرهنا عليها اللغة أحيانا. فالإيمان والكفر، مقولات قديمة فقدت حضورها في عصر الحداثة العقلية، التي استطاعت نزع سحرية المقدس، والحد من هيمنة  (الإله ونوّابه)، لصالح (الإنسان) بإعتباره أداة التاريخ، وغايته، ومركز الثقل فيما نسميه الدراسات الإنسانية... لذا فلن أنتظر من باحث ومؤرخ معاصر يعيش، في كولونيا أو امستردام أن يؤمن بمطلقات قديمة، ولا أن يدوخ بقصة يوسف التوراتية، ولا بقميصيه التاريخيين (الأول لوث بالدماء، لتبرير قصة الذئب الذي التهمه، والثاني  مزّق من دبر بفعل شبقية زوجة فوطيفار مصر، التي حاولت الاعتداء عليه جنسيا) فالباحث في عصرنا، يفهم القصة  بضوء علم النفس، وكظاهرة عادية (يعاني منها حاليا مشاهير النجوم، مع أن قمصانهم من ماركات غالية ) أجل. إن عالم الإنسانيات المعاصر لم يعد يعنيه الدين، إلا كظاهرة تاريخية، تخضع للدراسة والتعقل، رغم اهتمامه بأسئلة الوجود (الميتافيزيقية) والبحث عن طرق الخلاص والشفاء، لكنه بنفس الوقت، بات يدرك الكيفية التي تحرك بها الإنسان في العصور القديمة، لرسم فضائه الأسطوري، وتلوين متخيّله، من هذه الزاوية، أرجو أن يفهم كلامي في السياق الإسلامي، بأنه يشمل أيضا منظومة الإبراهيميات، التي بدأت تترنح، في أعقاب كشف اللغة المسمارية، في بلاد النهرين، وما صاحبها من ثورة حقيقية في  دراسات الميثولوجيا..

بعد هذه التوطئة، أدخل في عين العاصفة، التي نوّهت عنها سابقا، لاستعرض أهم الآراء المعاصرة، وكيف تبدو صورة الإسلام المبكر، بمنظور بعض الدراسات المهمة، آملا أن تتسع مقالتي لأهم أفكارهم. فالمؤشرات التي قدمها المستشرق الإسباني آسين بلاثيوس، حول نشوء الإسلام، تدعو للإصغاء، برغم أن هذا القس، اختار لغة حذرة، كي لا تناله لعنة الكنيسة، فقد سمّى ثلاثة منابع أساسية، أدت إلى التشكل الفكري للإسلام (بين فارس ومصر) أولها الأفلاطونية الجديدة في الإسكندرية، والتي لم تؤثر كفلسفة وحسب، إنما كحكمة لاهوتية، خصوصا في صيغها المتأخرة عبر بروكولوس وجانبيخوس.. تلك الصيغ التي لم تؤسس لجماعة دينية، بقدر ما أثّرت وأثرت الأفكار الغنوصية في العالم القديم.

ثانيا: التنسك (الزهد) المسيحي، والذي لم يكن بدوره دينا، إنما صيغة حياتية عاشها الرهبان الأوائل، أما في الحواف البعيدة، فقد تمكنت البوذية من ترك آثارها وبصماتها. تلك هي العناصر الرئيسية (حكمة لاهوتية، غنوصية، دروشة) التي أثّرت في الإسلام المبكر، أما اليهودية والمسيحية البيزنطية، فكانتا جماعات دينية منافسة، ولم يكن تأثيرها، إلا في عملية إخصاب وتحجيم متبادل، حيث أن الديانات الثلاث مجتمعة، كانت لا تزال آنذاك  في مرحلة التشكّل والتأسيس العقائدي (مثال على ذلك تأثير الإسلام الأندلسي فيما بعد، على دلالة الحائرين  لابن ميمون، وهو أحد أهم الأدبيات اللاهوتية والفلسفية اليهودية، وكذلك تأثير الغزالي على توما الإكويني. لكن باحثا آخرا مثل غونتر لولينغ، له رأي آخر، إذ يعتقد أن صيرورة الإسلام، وتشكله لزمها حوالي 150 سنة، مع اعتقاده بأنه خرج من عباءة مسيحية آريانية، إذ لا يمكن تصوره بدونها، وهنا يفجر هذا الكاتب قنبلة من عيار ثقيل، هزّت المسلمات في الأوساط الأكاديمية (كتابه: اكتشاف النبي محمد ثانية 1978) حين اعتبر الكعبة المكيّة،  كنيسة مريمية صغيرة!! وقد بنى تحليله على ما ورد في الموروث الإسلامي (خصوصا تاريخ مكة لابن الأزرقي، والإشارة إلى صور مريم والمسيح داخل الكعبة) ثم من خلال  تتبعه لمراحل البناء المختلفة (مرحلة إعادة البناء في عصر الزبير، ثم عبد الملك بن مروان، .... وأخيرا في العصر العثماني) وأهم ما أثار شكوكه في البناء، وجود الحُجر (حيّز أمام الركن الشامي للكعبة، وهو عبارة عن نصف قوس بارتفاع متر ونصف، حيث قبر إسماعيل وأمه هاجر) فقد تصّور الكاتب أن الحُجر كان مرتفعا بمستوى البناء، ليقوم بوظيفة المذبح في الكنيسة؟ ولا شك أن المدوّنات العربية،  قد ساعدته في بناء تصوراته، لاسيما تلك التي ذكرت الأعمدة الستة (داخل الكعبة) والمصفوفة بطريقة تتيح للمصلي أن يتجه للقدس (أو الحُجر أو المذبح المفترض)!! والتي استبدلت فيما بعد بثلاثة أعمدة، أضف إلى إشارته عن اللات والعزة ومناة، باعتبارهن مريمات عربيات، وكذلك هبل (أو هابيل شقيق قابيل)، إله الرعي، الذي قدسته القبائل العربية، وبهذا خلص إلى أن قريش، كانت قبيلة أقرب إلى مسيحية بيزنطية من الوثنية؟ أما كتابه الآخر (إعادة بناء النص القرآني) فقد لاحظ لولينغ في بعض السور القصيرة، المقفاة والموزونة شعريا، أثرا لتراتيل سورية وأثيوبية أنشدها المسيحيون القدماء؟ وكذلك الأمر فقد عكس النص القرآني، ونفيه لفكرة الموت على الصليب، وكذلك تجاهله للأقانيم الثلاثة، معرفته بمسيحية مبكرة، مختلفة عن التي نعرفها في أيامنا.. لكن من المنصف القول أن لولينغ قد حمل بشدة على الكنيسة الرومانية المقدسة وطقوسها السحرية، وأكد بأن محمد مثّل ثورة تجديد وعودة إلى الجذر الإبراهيمي النقي، لكن الكاتب عاد وألقى باللائمة على خلفائه،  الذين ضربوا حول أنفسهم أسوار العزلة، من خلال تمسكهم بمكاسب حربية، ثم تطويرهم لعلوم كلام تبريرية (ربما تجنبا للجدل والصدام مع فلسفة رواقية مسيحية، وتراث كتابي متفوّق) وبذلك أساءوا إلى مقاصد النبي (الإبراهيمية).. وبهذا الصدد فإن العين البصيرة، تلاحظ  الآن، الفرق النوعي بين الخطاب القرآني الشعري الرفيع المستوى، وبين ما أنتجه الموروث الإسلامي فيما بعد، من خطاب وضيع، وروايات بائسة وسير، اقتحمت حياة محمد وأطنبت في ذكر، علاقاته الحميمية، وفراشه، وقصص صقيعة عن التبرك ببصاقه وماء وضوئه ثم بتابعيه مهما دنى شأنهم.. إلخ من أمور رقيعة لا تحصى، جعلت الإسلام يبدو في نظر الحداثة، دينا طقوسيا استفزازيا. وعليه فإن لولينغ يسجل ملاحظة  فريدة، حين يجد أن التراث المسيحي الروماني، حافظ على (إبراهيم) من خلال محافظته على وثيقة العهد القديم، بينما ضاع قصد محمد هباء،  فإبراهيم الإسلام تحوّل إلى مقولة هوائية، منزوعة من قيمتها (التاريخية والجغرافية).

أما (اولاك) تلميذ فيلسوف التاريخ شبنغلر، فقد درس الوجود العربي في الأندلس، وتتمثل رؤيته، في كون الاحتلال العربي للأندلس عام 711 م احتلالا مزعوما (فيلم هندي) أخرجه في البداية، مؤرخون مسيحيون، بعد أن بنوا على أساطير عربية ضبابية، ثم صُوّرت على أنها حقيقة، وبهذا مهدوا الأرضية، لفكرة إعادة احتلال الأندلس (ريكونكويستا)، ويقول: لقد اخترعت قصص مشينة من الخيانة والانتقام والمكائد لتكون السبب، الذي كلّف نزع التاج عن رذريق (رودريك) آخر الملوك القوطيين، وكذلك كان حال المؤرخين العرب، الذين استندوا في حديثهم عن فتح الأندلس، على أساطير صرفة وأقاويل، تشبه ألف ليلة وليلة، فالخلفاء يعرضون من خلال أسمائهم وسنوات حكمهم (دائما سنوات كاملة 25 أو 40 أو 50 سنة) وعند ذكر التفاصيل، فلا يسمع المرء إلا قصصا تقشعر لها الأبدان. ثم يقول: إننا نعرف بعض المسيحيين الذين أنجزوا نصوصا عربية مزوّرة، مثل خيمينيز رادا 1180 م، فكل مصادر وتواريخ الاحتلال العربي غير موجودة، ماعدا الأقاويل والقصص القروسطية، وكذلك هو شأن الوثائق المسيحية، فجميعها تعود إلى ايزيدور، وقد ثبت أن أعماله جميعا منحولة ومختلقة، كما هي أعمال سان إيلفونسو التي كتبت بعد وفاته بثلاثة قرون؟؟.. التزوير والأخبار اللامعقولة هي سمة تلك الكتابات، فتخيلوا مثلا الأخبار عن مقتل 124000 مسلم  في معركة بواتييه (بلاط الشهداء)؟؟ وعن ستين ألف فرّوا عبر الجبال. ويحضرني أيضا أن أشير إلى أفكار انطونيو غالا، وهو أحد أدباء أسبانيا الكبار، فقد رسم صورة أدبية قيّمة في مخطوطه القرمزي، إذ ينكر تماما (أسطورة) الاحتلال العربي للأندلس، ويعتقد جازما، أن شبه الجزيرة الإيبرية أبدعت ثقافتها الأندلسية الرائعة، عندما تبنت  ثقافة وفد بها مسلمون يحملون خلاصة إبداع الشرق القديم (من الهند حتى مصر) والظريف أن غالا، تركنا نفكر مليا بطارق بن زياد، عندما نفى أن يكون بربريا أو عربيا، سيما وأن اسمه ليس ضمن قائمة الأسماء العربية، لذا يظن أنه أمير قوطي اسمه تاريك  (مثل  رودريك)، استنجد بالعرب، لحسم خلاف، كان قد استفحل داخل الإسرة القوطية الحاكمة؟

والآن أعود إلى اوفه تووبر، الذي يعتقد أن بداية الإسلام تقع في ضبابية كاملة، فهو ينكر أيضا الفتوحات السريعة والتمدد العسكري الخاطف، ويذكر أن أوروبا لم تسمع بالإسلام، قبل نهاية القرن التاسع، حينها فقط بدأ اللاهوتيون يذكرونه في نصوصهم، وخير شاهد على ذلك أغنية رونالد التي ألفها الشاعر تورولد، إبان الدعوة للحروب الصليبية 1096 م، والتي تقدم لنا إسلاماَ غير الذي نعرفه اليوم، فالأغنية تشير إلى ثلاثة آلهة للإسلام (محمد، آبولين، ترفاجنت) آبولين نعرفه كرمز لآلهة شيطانية، وردت في رؤيا يوحنا. وحتى لو أن الشاعر أراد نعت الإسلام بالوثنية، فهل كان بمستطاعه استخدام أسماء مجهولة، وغير مألوفة على سامعيه؟؟..

أما أسلمة إيران فقد أصبحت نافذة بجدارة عام 1003 م، وهو العام الذي نودي بمحمود الغزنوي، سلطانا على المؤمنين، فحتى ذلك الحين كان السلطان يحتضن الشاعر الوثني الفيروزي في قصره، الذي عرف بالشاهنامة (كتاب الملوك)، وهي أغنية البطولة العظيمة للوثنية الإيرانية. وجدير بالذكر أن أقدم أثر كتابي عربي في إيران، بالخط الكوفي، يرجع إلى عام 955 م، وقد انتصب بجانب كتابة وثنية فارسية بالحروف الوسطى الساسانية، وكذلك الأمر فإن أولى وأقدم الشواهد الأركيولوجية والمخطوطات المقنعة، في الأندلس تؤشر عصر عبد الرحمن الثالث الذي اعتلى عرش الخلافة القرطبية عام 911 م، أما في مركز السيادة العربية، فهنالك دلائل غزيرة على نشوء متأخر للإسلام، وبهذا المقام نذكر القصور الأموية المبنية على طراز الأنتيكا المتأخرة، مع تزيينات ساسانية تقليدية، ولوحات لا يمكن أن توصم بالإسلامية.. فكل من يزور تلك القصور الأموية في الأردن والعراق والبقايا العملاقة لقصر الماشطا، سيرى نقوشا  لنساء عاريات ومصارعين، وآلهة أسطورية وخلفاء يطوق رؤوسهم، ضوء الإله أهورا أمازدا، وفي قصور سامراء توجد حتى صلبان وأغصان كرمة ورموز مسيحية... الخلاصة: حتى عام 930 م لم يُعثر بعد على أثر يؤكد وجود منظومة إسلامية  دوغمائية، كالتي تصفها لنا كتب التاريخ ومدوّناته.

بعد هذه الباقة من الآراء المعاصرة، أرجو أن لا أسأل عن رأيي!! فحسبي في هذا ماذهب إليه الطبيب والفيلسوف العربي أبو بكر الرازي، فمن السذاجة أن نتصور هذه الذات الكليّة (الله) منشغلة على الدوام  بإثني عشر سبطا بدويا (مُقمِلا) وتائها في البرية. ومن العبث أن تترك هذه الذات المطلقة (الله) عرشها في الأبدية، وتسلم نفسها للمخابرات (في سوريا القديمة) لتُسمّر على الصليب، من أجل إثم جدنا، الذي أغوته زوجته (بعضّة تفاحة)، ومن البلاهة أن تضيّع وقتها بحفر اسم السيد أبي لهب، وقرينته السيدة حمالة الحطب، في اللوح المحفوظ، حفظكم الله من كل مكروه.

         

  26

 

التقويم الميلادي مرة ثانية

بعد أن نشرت مقالة عن التقويم الميلادي وصلتني بعض الرسائل، طالبتني ببعض التوضيحات والتفسيرات أو ذكر  المراجع المعتمدة (الحمد لله لم تنهمر عليّ الرسائل بالمئات وتغرق إيميلي!!) لذا ارتأيت أن أصيغ هذه السطور بما يفي، لرفع اللثام عن بعض الإشكاليات العالقة.

بداية أذكّر بأني تناولت نظرية الباحث الألماني هربرت إليغ H. Illig  التي طرحها في كتابه الذائع الصيت (القرون الوسطى المبتدعة) Das erfundene Mittelalter ، والذي صدر عام 1998  وأحدث دويّا، هزّ  قيلولة الأوساط الأكاديمية، وللتذكير، فقد طرحت نظريته على عجالة وأشرت إلى أن الكاتب استطاع بجهد علمي رصين أن يعثر على ثغرة زمنية في جدار التقويم الميلادي، تمتد من سنة 614 م حتى911 م وحسب رأيه يمكن اعتبار هذه الفترة، زمنا شبحيا خاليا من التاريخ، ويمكن شطبها وإزالتها من التقويم الميلادي بدون رحمة، رغم أنها تربو على 297 سنة، فكل ما تحتويه من سلاسل ملوك وبابوات وحروب، وأحداث، هي فراغ تاريخي، وبهذا يصبح شارلمان (768 م،814 م) مؤسس المسيحية الأوروبية، حسب هذه الدراسة، أحد أهم الضحايا، إذ يمكننا اعتباره أيضا شخصية أسطورية، فبركتها الأجيال المتأخرة!! وقد اعتمد الكاتب  على  دراسات مقارنة لمجمل الأحداث والآثار المنسوبة لتلك الفترة (كرونولوجيا، مسكوكات، عمارة كنائس، تقارير فلكية، بروتوكولات، أدب، شعر....) واستطاع أن يطمئننا ويقول لنا: ضعوا أرجلكم بماء باردة، فنحن ما نزال نعيش.. بحدود عام 1710 ميلادي!! ما قدمته للتو هو خلاصة لعمل بحثي مسهب ومعقد، تتشابك تفصيلاته، ولتوضيح الصورة (أرجو أن لا زيدها إبهاما وغموضا)، أجد من المناسب القول أن الكاتب تناول فترة شارلمان تحت مجهره، حيث درس مايسمى بالحوليّات الملكية، التي ذكرت عصره ومآثره كمؤسس لأوروبا المسيحية (أو بلاد الفرنجة) ثم تناول بشكل تفصيلي عمارة الكنائس وتطور بناء القبب.. ومنها خلص إلى البرهان على فرضيته المذكورة، لكني سأكتفي بجزء فلكي تفصيلي، شكّل للكاتب مفتاحا أساسيا لفتح بوابة هذا البحث الفريد:

أول من التفت إلى ضرورة إصلاح التقويم (الكالندر) كان يوليوس قيصر (44 ق.م)، آنذاك كان الرومان يعتمدون مزيجا من التقويم القمري ونظام السنة المالية (Fiskal)، وكانت الخطوة الأولى بالعودة، إلى النموذج المصري (الشمسي) المعروف منذ 238 ق.م بتشريع كانابوس، وهو يعادل دورة الأرض حول الشمس، في 365 يوم مع إضافة يوم كل أربع سنوات (كبيسة)، لكن وقبل التعرض إلى إصلاح البابا غريغور الثامن، التي حدث عام 1582م أرجو أن نتوقف عند هذا الجدول : 

كمية الانحراف الفلكي

طول السنة

نوع التقويم

0

+ 26     ثانية

+ 674   ثانية

365  يوم 5 ساعات 48 دقيقة 46 ثانية

365  يوم 5 ساعات 49 دقيقة 12 ثانية 

356  يوم 6 ساعات  

الفلكي (بواسطة الأجهزة الحديثة)

الغريغورياني (البابا غريغور)  

اليولياني ( يوليوس قيصر)

 من الجدول أعلاه، يمكننا ملاحظة الخلل وكمية الإنحراف في التقويم اليولياني، فسنته، تزيد عن السنة الفلكية بمايعادل 11دقيقة، هذا يعني أن الإنقلاب الربيعي (في 21 آذار) وتساوي الليل والنهار، سيختل مع مرور الزمن. وعليه يمكننا حساب الخلل الحادث، من يوليوس قيصر (44ق.م) حتى البابا غريغور (1582م) والذي يبلغ 12.2 يوم ، لهذا السبب ولكي تعاد تركيبة السماء فوق روما (هكذا  في اللغة القديمة) قرر البابا غريغور إصلاح التقويم، وقد أنجزه بتمزيق عشر أوراق من أيام الروزنامة مرة واحدة، والقفز من 4 أوكتوبر إلى 15 أوكتوبر!!! السؤال يكمن هنا؟؟  كيف استطاع البابا من خلال حذف عشرة أيام، إعادة النظام الفلكي فوق روما (وقد عاد فعلا)؟ ماذا عن 2.2 يوم المتبقية من الخلل اليولياني المتراكم، والتي تعني بلغة السنين ما يعادل 297 سنة!! (أرجو القيام ببعض الحسابات البسيطة للتأكد).

طبعاَ هنالك من شعر بالخطأ، لهذا داخ الحسّابون، حتى عثروا على أسطورة تنقذهم من ورطتهم، فقد ادعوا أن إصلاحا آخرا كان قد حدث أثناء المؤتمر الكنسي الأول، الذي سمحوا له أن ينعقد في نيقيا عام 325م (وهذه قصة تضحك ربات الحجال البواكيا) فتشريعات وقرارات هذا المؤتمر، لم تتحدث  مطلقا عن إصلاح للتقويم؟ لأنها ببساطة انشغلت بقضايا الهراطقة واليهود والجنس. لابل يعتقد البعض أن مؤتمر نيقيا لم يُعقد إلا في أذهان اكليروس عصر النهضة، وهنا أجد الطريق إلى الباحث توبر (Topper) صاحب: التزوير في التاريخ الأوروبي  Die Fälschung der       europäischen Geschichte  الذي اقتبست منه في المقالة الماضية:  قررت الكنيسة بشكل نهائي، استخدام التقويم الميلادي عام 1443م، وحتى ذلك التاريخ كانت تستخدم تقويم  IRA  أو السنة الإسبانية المشابه للتقويم اليولياني (44 ق.م) رغم أن  أولى التوصيات بضرورة إعتماد السنة المسيحية، بدأت مع المؤتمر الكنسي، في تراغونا ( كاتالونيا) عام 1180م ، لكن تطبيق تلك التوصيات استغرق أجيالا (بدأ تنفيذها فعليا في كاتالونيا وأرغون بحدود عام 1350م ثم فالانسيا، وفي كاستيليا بحدود عام 1382م أثناء حكم خوان الأول، أما في البرتغال فقد بدا التقويم الميلادي في زمن الملك خويو (عام 1422م) أما الأمر المهم الذي فضحه الكاتب، فهو طلب كونزانوس (اعتلى العرش البابوي لاحقا) في مؤتمر بازل 1332م طلبه من البابا، إحداث حساب زمني (كالندر) جديد، وقد علل الأمر، بأن الكنيسة أصبحت محط سخرية الأوثان (يقصد المسلمين) الذين كانوا أكثر تفوقا في هذا المجال!! وهنا يكشف النقاب عن أن مؤتمر نيقيا المزعوم عقد عام 666 يولياني (622م) ردا على ظهور الإسلام، وتأسيسا للكنيسة كسلطة عالمية، ثم تم ترحيل هذا المؤتمر لاحقا إلى 325م وبهذا فإن الفرق بين 622 و325 يعطي نفس الرقم 297 سنة؟؟ وهي نفس المدة الشبحية التي تحدث عنها إليغ، وإن إختلف الباحثان في تحديدها على المسطرة الزمنية.

ما أريده من وراء ذلك الوصول إلى نتيجة مفادها: إن تاريخ أية دوغما دينية ارتبط دائما، بفضاء الحكاية والأسطورة، والتشافه (اصطلاح اقترحه: للنقل الشفهي) ووراء ذلك اختفت دائما هراوة السلطة والمصلحة وإرادة القوة المهيّمنة. فما ندرسه في كتب التاريخ ليس حقيقة (بل فتات لحقيقة غائبة)، الأكثر من ذلك أن حاضرنا المعاصر يختفي أيضا وراء أكاذيب غوبلزية مخزية؟؟ فكل من قرأ عن حضارة الأنكا والأزتك في أمريكا الوسطى، لابد سمع عن القرابين البشرية التي قدمها الهنود الحمر للآلهة، والتي تمت بصورة همجية مرعبة (كشق صدر الضحية بخنجر، وانتزاع قلبه وهو حيّ) هذه الصورة الدموية للهنود، رسمها أولا برنال كاستيو أحد الفاتحين الإسبان عام 1555م، وأكدها قائد آخر، في رسالة للملك الإسباني كارل الرابع، أثناء تدمير الإسبان وإبادتهم لحضارة الأزتك.. وهكذا استمرت هذه الأسطورة المرعبة عن الهنود، تحكم كتب التاريخ حتى عام 1982م، حيث توصل عالم الإثنيات بيتر هاسلر، من إثبات العكس. فقد تبيّن أن تقرير الإسباني كاستيو هو تلفيق وافتراء، لتبرير جريمة الإسبان بحق السكان الأصليين.. خمسمائة عام كنا نعيش فيها على كذبة مدججة بالنحوت والصور المزيّفة. أخيراَ هاكم هذه الحادثة فقد تلخص الكثير.

في كتاب : موسوعة  التزوير لفيرنر فولد (Werner Fuld) يقرأ المرء عن قصة حيوان مثير وغريب، له جسم تمساح وسبعة رؤوس تشبه أفاعي شرسة في حالة الهجوم، هذا الحيوان كان قد حُنط ووضع في كنيسة في براغ لعشرات السنين، وأثناء الإجتياح السويدي (إبان حرب الثلاثين سنة) للمدينة، وقع هذا الحيوان، غنيمة حربية ذهبت للقائد السويدي، ثم باعه أحد ورثته عام 1720م بمبلغ عشرة آلاف من الفضة إلى تاجر ألماني، ليصبح من مقتنيات مجموعة التاريخ الطبيعي في هامبورغ. عام  1735 طلبت حكومة مدينة هامبورغ، من عالم الطبيعيات كارل فون دينيه إضافة هذا الحيوان إلى موسوعته العلمية اللاتينية Systema Naturae، لكن  العالم اكتشف المخادعة بسهولة: لقد كان هذا الحيوان الخرافي نسيجا من سبع أفاعي، فتحت بطونها في الوسط، ثم خُيّطت مجتمعة بمهارة فائقة، بعد أن حُشيّت بالتبن، لتبدو كجذع تمساح، تتقدمه سبعة رؤوس لأفاعي مرعبة؟؟ القصة لم تنتهي هنا، فقد توجب على هذا العالم مغادرة هامبورغ في نفس الليلة، كي ينجو بجلده!! بعد أن فضح أكذوبة، تقتات عليها السلطة. وما تاريخ الدوغما الدينية، في خلاصته العميقة إلا مخادعة أنجزت بمهارة وحيلة، وأحيانا بغباء وغطرسة، ولهذا كلام آخر.

 

  27

الخديعة

(نشأة المسيحية)

 

 

الأبطال هم حقيقة تاريخية، ليس لأنهم كانوا (أبطالا)، بل لأنهم أصبحوا كذلك.

F.Gundolf

(كاتب ألماني)

 (1)

عندما بدأت الكتابة، في هذا الموضوع، سمعت خبر اكتشاف قبر هيرودس (37 ق.م، 4 م) قرب مدينة  القدس، على يد باحثين من الجامعة العبرية، ومن المعروف أن هيرودوس كان ملك اليهودية، التي تمتعت بحكم ذاتي روماني، ويسجل عهده (الميمون) ولادة المسيح، أما الضجة التي أثيرت حول هذا الكشف، فإنما  تدل على مساحة الفضاء الذي يحتله الموتى في حياتنا، فوجود هكذا قبر، دليل آخر على وجود يهودي عتيد في فلسطين، وتأكيد غير مباشر للقصة المسيحية. وبرغم إحتجاج بعض الآثاريين، على ما قامت به الجامعة العبرية، وتنقيبها في أراض المنطقة (ج) التابعة لدولة لفلسطين الموّعودة، فهناك ما يؤكد قطعيا أن هذا القبر (والتابوت المحطم) لا يحتوي على أية كتابات أو نقوش أو تواريخ تؤكد هوية ساكنه، أو الزمن الذي قبض عليه فيه عزرائيل!! وبهذا نكون قد دخلنا مجددا في أسطورة جديدة، تشبه اللُعبة الخشبية الروسية (ميتروشكا) المكونة من قطع تدخل ببعضها  البعض (إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ).

منذ أعوام كنت منهمكا بقراءة بعض الكتابات النقدية للتاريخ. وقد اغتنمت الفرصة مؤخرا وكتبت بعض من تلك الآراء المتناثرة (حول التقويم الميلادي، والإسلام المبكر) ومن الطبيعي أن يشكل تاريخ المسيحية،  محور اهتمام تلك الكتابات، لما تشغله الكنيسة من مساحة في الذاكرة والوعي الأوروبي. وبمحض الصدفة توقفت عند محاضرة ألقاها Uwe Topperعام 2000م، باعتباره أبرز ممثلي التيار النقدي (وليس الصدري)، ولقد اعتمدت الإقتباس من محاضرته تلك وترجمة ما يتيسّر منها، تجنبا للخوض في كتبه، التي لا يسعها هذا البحث المتواضع، لكني بنفس الوقت، آليت أن لا أكون ماكينة ترجمة، لإحساس عميق بأن نقل الأفكار إلى فضاء لغوي آخر، أشبه بكدح معرفي وحرث في تربة جديدة، لذا فليعذرني القارئ (المختص) إذا تحايلت قليلا أو كثيرا، فجلّ ما أصبو إليه، تقديم مساهمة، أحسّها كقارئ عادي، ويحسّها غيري من عباد الله القارئين.

بداية أعترف بأن النظريات المعرفية، المزلزلة، والصادمة، هي تلك التي تغيّر زاوية الرؤية، أمام ناظرنا، والتي تقلب صورة العالم والكون في وعينا، وقد تبدو لأول وهلة غريبة، منفرة، تقف ضد ما عرفه الناس في مألوفهم، لكن لو تذكرنا غاليلو غاليليه، سنعرف أن  ما ألفناه، ليس بالضرورة حقيقة أبدية؟ لنتخيّل أنفسنا من معاصريه، فهل يمكننا ببساطة أن نسلم بأن الأرض كرة تدور حول نفسها؟ أحد بطاركة القرون الوسطى احتج عليه بقسوة، فقد تخيّل أن دوران الأرض، سيجعل أرجلنا للأعلى ورؤوسنا للأسفل، وهذا كان شأن الأنبياء أيضا أوالناطقين الرسميين باسم السماء، فقد تركوا لنا أحاديث، تقول بأن الشمس تخرج من المشرق، ثم تسقط في مغارب الأرض، لتسجد عند العرش؟؟ مما حدا بعبد العزيز بن الباز،  إصدار فتواه الشهيرة عام 1978م والتي قضت، بتحريم القول بكروية الأرض، وهدر دم كلّ من يروّج لها. واعتباره مرتدا،  أنكر معلوما من الدين!! ماعلينا. فسواء سجدت الشمس تحت العرش، أو تمددت ونامت تحت العريشة، فهذه أغنية أخرى؟؟

يسمي المؤرخون عام 451م، نهاية لعصر الأنتيكا، وبداية للقرون الوسطى المظلمة، وقد ارتبط ذلك العام بهزيمة الهون فوق الأراضي الكاتالانية، ويسمّون اختراع المطبعة عام 1450م نهاية لتلك القرون الوسطى، وبداية عصر النهضة الأوروبية. إنها إذاً، قرابة ألف سنة، جرت أحداثها وسنوها، مدعمة بالوثائق والمدوّنات التاريخية. والويل ثم الويل لمن يشكك بها، فقد تُسحب الأرض من تحت أقدامه، لأنها ألف سنة راسخة كالصخور والرواسي. لكن باحثين من أمثال: الفرنسي هاردوين Hardouin أو السويسري بالداوف Baldauf أو الألماني كاممايرKammeier  لديهم أقوال أخرى، إنهم  ينظرون إلى تلك القرون الوسطى، باعتبارها اختلاق وبدعة، فكل الوثائق التاريخية المتعلقة بها، هي فبركة لعصور متأخرة، وكل مالدينا ليس أكثر من نسخ (ومنحولات)،  إذ إننا لانملك وثائق أصلية قبل القرن 12، أما ما بين أيدينا من وثائق للقرن 12 إلى 14 (القرون الوسطى العليا)، فقليل منها يتمتع بالمصداقية. أما ما يمكن أن نثق به، فيقتصر على وثائق ما بعد اختراع المطبعة عام 1450م، وينطبق هذا على الحقبة الشارلمانية بعد عام  769م، فلا نملك حولها أيّة وثيقة حقيقية، وكذلك هو حال اللقى الآركيولوجية المنسوبة إليها.

فتاريخ أوروبا منذ انتهاء الأنتيكا وحتى القرن 12  أشبه بقصة (جميلة أو قبيحة) ومسرحية للأساطير المقدسة وقضية اعتقاد ليس أكثر؟ لذا فإن كامماير (توفي في خمسينيات القرن العشرين) أطلق اصطلاح: الحملة الكبرى Die große Aktion، ليصف العمليات التي رافقت قرون التزوير تلك. وقد سبقه مطلع القرن 19 اللاهوتي اليسوعي الفرنسي هاردوين، الذي اعتبر أن معظم المدوّنات التاريخية لعصر الأنتيكا وعصر آباء الكنيسة الأوائل* إختلاق وفبركة، وقد تمتع هذا العالم الفذ بدراية ومعرفة واسعة بالمسكوكات والنقوش وما بقي من نصوص أصلية (كنص فرغيل Vergil). ولأن أحدا من علماء عصره، لم يجرؤ على مواجهة هذا العالم العبقري، فقد اكتفوا بانتظار وفاته، لتعود حليمة إلى عادتها القديمة. ولنعود إلى نفس التابلوهات (الجداول) الزمنية لتاريخ الحقب والسلالات والأمم، التي وضعها لنا كبار مؤرخي القرن 16 و17

من أمثال الألماني سكاليغرScaliger  والفرنسي Bettau وكذلك العالم الشهير نيوتن، لتصبح هذه التواريخ  قدرا محتوما يتحكم بأذهاننا ووعينا (دهشت شخصيا بعد معرفتي أن الألماني سكاليغر من القرن 16، وهو المؤسس الحقيقي لكتب التاريخ الحالية، كان يتقن العربية وقد ترك مخطوطا عربيا: اسمه كتاب الأمثال!!!!) وبعد هاردوين بقرن استطاع عالم الفيلولوجيا السويسري بالداوف، من رفع القناع  عن معظم الأعمال الكلاسيكية، ويكتشف أنها من أعمال الرهبان. وأخيرا استطاع كامماير أن يلقي الضوء على نشوء المسيحية، فكتبه العبقرية، لا تزال تمثل (تابو) حتى في الأوساط الأكاديمية، لأن الأمانة وعشق الحقيقة ليسا فيصلا في إثبات صحة نظرية ما!! بل  العلاقات والنفوذ والقوّة، هي التي تفرض شروطها.

وباقتضاب شديد، ولو جمعنا أعمال هؤلاء، وبحوثهم لاستنتجنا ما يلي:

1/ إن مخطوطات الأناجيل هي نسخ متأخرة عن أصل واحد عمره حوالي ألف سنة وكأقصى حد 1100 سنة، (ربما يكون الإنجيل الهارموني لتاتيان السوري)  وكذلك الأمر فإن كتابات آباء الكنيسة (كالأيسوبي Euseb) وغيره ليست أكثر قدما، وهذا ينساق أيضا على ألواح قمران (التي تتشابه مع الكتابات الغنوصية في نجا حمادي، وتعكس نفس روح العصر الذي نشأت به)، والتوراة المازورية!!

2/ كل الموّروث الكتابي لعصر الأنتيكا (الأعمال الكلاسيكية) بُدأ بصياغتها في القرن الحادي عشر، وقد أنتج الجزء اليوناني منها في دواوين قياصرة القسنطنطينية وفي آبولين والتوسكانا، أما الموّروث الكتابي اللاتيني فقد أنجز عمله في شمال فرنسا وفي هيسن في ألمانيا وفي الدير الإيطالي المعروف مونت كازينو.

3/ حتى في عصر النهضة، فقد تم اختلاق عدد من الكرونولوجيا (مدوّنات تاريخية) وتم إلصاقها بذكاء، في كتب التاريخ، حيث أن إزالتها الآن تؤدي إلى انهيار الصورة التاريخية برمتها. ومثال على ذلك الجرمانيا لتاسيتوس Germania، فقد أنجزها كوزانوس عام 1420م لحساب Doggio Bracciolini  وكذلك الأمر مع الكتابات المنسوبة لآباء الكنيسة كنصوص الأيسوبي وبيروسيس فهي من اختلاق القرن الثاني عشر.

4/ وبالتدريج ومع تكدس الموّروث الكتابي لعصر الأنتيكا والمسيحية المبكرة، تم حساب الأزمنة وجدولتها، لتتسع فضاءات زمنية كبيرة، وأصبحت القرون كحبال مطاطية، فاكتسبت المسيحية التي لايزيد عمرها على ألف سنة؟؟، ألف سنة إضافية، وحظي موسى بزمن إضافي.. وكذلك الحال مع الجد الإفتراضي ابراهيم، فقد حاز هو الآخر على ألف سنة، ليبتعد عنا حوالي 4000 سنة، علما أن اللاهوتيين أنفسهم، يقرّون أن هذا الإبراهيم هو من إبداع جيل السبيّ البابلي (من خلال تتبعي للسياق الاسلامي، أرى أن البناء السيمانتي للنص القرآني، يتفق مع هذه النقطة بصورة مدهشة، حيث يبدو جليا أن ابراهيم وموسى وعيسى و و، هم أشبه بعشيرة ميتاتاريخية عاشت في أزمنة قريبة من محمد!) وقد لعب تزمين هذا الجد الإفتراضي دورا مهما في تحديد الإطار الزمني العام للحضارات الرافدية والمصرية وبالتالي حضارات الهند والمينوا الصينية.

والآن لو أصغينا إلى فريدريك غوندولف (1880،1992) الذي يقول:  من يتقصى أثر الأنتيكا تاريخيا لابد يكتشف أنها تكونت تدريجيا من خيوط سائبة، وعقد لنصوص شفهية. لذا فإن هذا الباحث، لايعتبر تاريخ ألمانيا، تاريخا لأحداث ووقائع، إنما مواصفات عامة لتاريخ أدبي، وبهذا فإن الرجل يدخل عميقا في بذرة تشكل الوعي التاريخي للألمان. وباختصار يقول: التاريخ ليس وثيقة كتابية لأحداث حصلت، إنما صدى انطباعات لأحداث حصلت؟؟ عليه فإن كتابات هذا الرجل كانت نقدا قويا لما خلفته قرون التدوين التاريخي، التي دعته لإستخدام عبارة: ظلامية عصر التنوير؟؟ فالتاريخ برأيه لم يكن بحثاً وتنقيباً وحفظاً، إنما انتخاباً وخلقاً جديدا. وأخيرا يعتبر غوندولف الخطابة (وروح الفخر والمجد) هي المفتاح الإصطلاحي لكتابة التاريخ، وهذا يذكرنا ببكائيات موتى الجيروسك، التي كانت بمثابة صرخة الخلاص من روما. وهكذا يلخص أفكاره: أعرف أن شيئا واحدا يظل خالدا أبد الدهر: إنه أمجاد الموتى.      ً   

(2)

صورة العشاء الأخير، نعرفها جميعا. في طفولتي لم أكن أعلم أن هذه اللوحة من أعمال ليوناردو دافنتشي، ولم أتصوّر أنها قد تسبب إزعاجا للمؤمنين، كما حدث مع شيفرة دان براون. كنت أستغرب كيف يجلس المسيح وتلامذته (السوريين) على طاولة وكراسي، بينما ما نزال في سوريا، بعد ألفي عام، نجلس القرفصاء، حول أطباق الطعام؟؟ أدركت فيما بعد أن ذلك المشهد، يعكس صورة أوروبية محضة، وبيئة امتلكت الغابات والخشب  التي تفرض على الناس استخدام الكراسي والطاولات، لرفع مؤخراتهم عن الأرض المتجمدة، بعكس الشرق القديم الذي تعود على المفارش والأرائك أو التحاف الأرض الدافئة (والغناء ياليل ياعين). إن صورة دافنتشي تلك، بما فيها من ملابس ووجوه وإيماءات، تحكي قصة أوروبا قبيل عصر النهضة، فالمسيح وتلامذته كانوا أشبه بفرسان اجتمعوا في إحدى حانات فلورنس أو جنوه القديمة؟ لكن السؤال الأقل براءة: هل يمكن أن تكون المسيحية، صورة دافنتشية رسمتها ريشة أوروبا أثناء القرون الوسطى المتأخرة، وبداية عصر النهضة؟ إذاً لنعد إلى صاحبنا السيد Topper  علّه يساعدنا في فهم ما عجز التاريخ عنه.

يقول توبر: إن التاريخ الذي نملكه، ليس إلا حطاما، وكلما يشتد النقدُ قوة ومضاءً، يزداد عجز التاريخ عن شرح نفسه. لقد ثابر اللاهوتيون في تفكيك كتابات العهد الجديد، لدرجة أننا وصلنا إلى خلاصة، تؤكد أن المسيح ما كان بإمكانه أن يُوجد. وهكذا يتشبث المؤمنون بتصوّراتهم التاريخية، من أجل الحفاظ على النظام، ومن أجل تماسك لحمة الجماعة البشرية. وقد ساعدهم في ذلك، جيل من مؤرخيّ ما قبل الحرب العالمية الأولى، الذين انغمسوا في الفانتازيا لأسباب وطنية بحتة، فقد كان همهم البحث عن رموز لإلهاب مشاعر الناس، فالتاريخ حسب بروكهارت، تكتبه مشاعر الكرامة وليس الرأي الخالص، عليه فإن القضية، لا يمكن حلّها ببعض التعديلات والرتوش. كل شيء كُتب بمزاج شخصي، وبأخطاء، وتشويه أيديولوجي. المشكلة ليست في إزالة القشرة الذهبية عن إطار الأيقونات، إنما التعرف على كل فانتازيا في المشهد التاريخي، الذي ساهم في خلق وعي جمعي، تضخم تدريجيا ليصبح وعيا كونيا، لذا فإننا بحاجة إلى حملة كبرى كالتي تحدث عنها كامماير، حملة مقابلة لتلك التي دفعت الكنيسة إلى تشويه المشهد التاريخي. هنا يقف الكاتب أمام عصر شهداء المسيحية، ليخبرنا أن الكنيسة قد فبركته من ألفه إلى يائه ، خصوصا الأسطورة التي تحدثت عن موت أحد عشر ألفاً من عذراوات كولونيا حرقاً، على يد عبدة الأوثان، والتي خُلّدت في علم كولونيا الحالي، بإحدى عشر شعلة. لقد اكتشفت الكنيسة أن تعميد العقيدة بالدم يجعلها أكثر نبلا وقيمة، وبواسطة الشهداء وأصوات عذابهم، وصراخهم الذي يصل السماء، يمكن تحميل ذنوبهم على الأعداء،  وإيجاد ذريعة للانتقام (حرق الساحرات، قتل جيردانو برونو)، إضافة إلى أن البقايا المقدسة للشهداء، ستتحوّل إلى أضرحة وأماكن للتضرع والتبرك، والدعاء، وهي عملية اقتصادية مجزية.

لهذا اقترنت كتابة التاريخ (بمثل عليا)، وكانت إبداعا لعقول ذكية، ذات بصيرة. بالمقابل فإن العقيدة الرسمية خُلقت في الأديرة القروسطية، ابتداءً من أعمال القديس أوغسطين (المفترض أنه عاش في القرن الخامس م) وصولا إلى الأعمال الشعرية لدانتي (القرن الخامس عشر م) وكما يؤكد كامماير، فإن كتابات عصر الأنتيكا هي الأخرى عمل إبداعي من إنتاج الرهبان، وهي بزخمها وتأثيرها عمل إبداعي لا مثيل له في التاريخ البشري، ومع كل الإعجاب بهذا الإنجاز، إلا أن الثغرات الكرونولوجية لم تكن تتوارى أمام عين النقد، فالمسافة الزمنية بين الأنتيكا والكتابة، أي بين أوغسطين ودانتي (بين القرن الخامس والقرن الخامس عشر) أقصر بكثير مما نظن، وإلا فإن هذا الزمن (ألف سنة) سيصبح شبحا لا تفسير له؟ فما نراه في كاتدرائية سيراكوس، أو في موزاييك باليرمو ورافينا، يوضح بجلاء أن المسافة الزمنية بين المسيحية والأنتيكا هي انتقال طبيعي حصل بين القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر.  وهذا يمكن إثباته أيضا في كنائس اسبانيا (في دراسة منفصلة عن الكنائس الأقدم في منطقة استوريا شمال اسبانيا، يثبت الكاتب أنها بُنيت بعد بداية الحقبة العربية!! وهذا الكلام يحمل في طيّاته بعدا خطيرا) أما  المثال الأوضح على ترحيل الأحداث والكرونولوجيا، وتغييرها على الشعاع الزمني، سأكتفي بهذا المثال الصارخ:

مثال ديونيسيوس Dionysius

يمكن مقارنة كتابات الذائع الصيت ديونيسيوس، بكتابات أرسطو، والقديس أوغسطين، فهي بدون شك من أهم ثلاث كتابات عرفتها المسيحية الأوروبية، ومن الشيّق ذكره، ورود اسم ديونيسيوس في الإنجيل (أعمال الرسل 17,34) باعتباره من معاصري المسيح وتلامذته، حيث اعتنق المسيحية في أثينا على يد بولس الرسول، الذي كرّسه مطرانا على أثينا، وكالعادة آنذاك فقد توجب على ديونيسيوس أن يسقط  شهيدا في سبيل الكنيسة الفتية. الآن يُقر اللاهوتيون بأن الكتابات التي ألصقتها به الكنيسة، نشأت في فلسطين حوالي عام 500م، وهي من إنتاج بلوتين وبروكولوس، بكلمات أخرى هي خلطة من كتابات أفلاطونية جديدة، وعقائد مسيحية، أعطت بالنهاية شوربة غنوصية!! اقتنصها إيريوغينا Eriugenaوترجمها للاتينية، وبحسب التاريخ الكاثوليكي، فإن هذا المهرطق عاش عام 877م، وهنا تكون الكنيسة قد قفزت بديونسيوس حوالي 800 سنة، ومن جهة ثانية، يدعي الأب هيلدون 833م أنه أنتج النسخ اللاتينية لديونيسيوس في دير سانت دينيس (باريس اليوم)، ولقد سببت القضية إزعاجا للكنيسة، فقد وضعته أول الأمر في القرن الأول، ثم رمته إلى الخامس ثم التاسع، لهذا علق Lorenso de Valla عام 1457م قائلا: لا أحد يمكنه معرفة  من يكون هذا الديونيسيوس؟ (لورنسو دي فالا، هو مكتشف أكبر عملية احتيال في تاريخ الكنيسة، والمسماة: هبة قسطنطين، وهي منحة افتراضية قدمها الإمبراطور المسيحي الأول، لإنشاء الفاتيكان كدويلة مستقلة) والآن دعونا نسمع توبر الذي، يزعم أن ديونيسيوس هو كاتب من القرن 13، فكتاباته الصوفية تعكس عالما آخراً، بعيدا كل البعد عن عصر المسيح، وهنا يستشهد باللاهوتي والمستشرق الإسباني الكبير آسين بالاثيوAsin Palacio  الذي عرف أن أعمال ديونيسيوس مأخوذة من أعمال الصوفي المايسترو محي الدين ابن عربي!! إلى درجة أنه لم يكتف بنقل أفكار عوالمه الصوفية، بل أحاسيسه العامة، واصطلاحاته. بل إنهما يصفان (وهذا من الندرة)  وصال المرأة،  كتجربة إيروتيكية إلهية. عليه فإن كتابات ديونسيوس تعكس روح العصر، حيث قبب الكنائس القوطية المتعالية في السماء، والاقتراب والتحاك مع العالم العربي، ونشوء الكنيسة القومية الفرنسية ، وعندما تحاك الأمور هكذا فإن أي قديس آخر يمكن حشوه اعتباطيا، على هذا المنوال.

وعودة مرة ثانية إلى التابلوهات الزمنية أو جداول تاريخ الأمم والسلالات والحقب، التي صممها لنا سكاليغر ونيوتن وبيتو، في القرنين 16 و17م، والتي بُنيت، حسب زعمهم على براهين علمية دامغة، لكن الحقيقة غير ذلك. آنذاك نشب صراع بين جدولي سكاليغر ونيوتن (جدول نيوتن كان أقصر بحوالي خمسمائة سنة من الآخر، وهو نسبيا أقرب للموضوعية) لكن جدول سكاليغر، الذي اعتمد قوائم تاريخ الأولومبيا اليونانية أساسا لحساباته، فاز بالسباق وطرح جدول نيوتن أرضا، وقد اعتمد سكاليغر على الفرنسي بيتو، الذي كلّف صديقه الباريسي كازوبونوسCasaubonus   باختلاق ألواح قوائم الأولومبيا !!!

ويظل السؤال هائما!! ما الذي دفع الكنيسة إلى كل هذا الاختلاق؟؟ لابد أن كارثة غير مسبوقة قد حلت، وأطفأت تراث المعرفة في أوروبا، ودفعت الكنيسة لهذا الخلق الجديد، ربما تكون الإجابة، بتدمير المعارف من خلال محاكمات الهراطقة، وحرق الكتب، ومحاكم التفتيش، إجابة مطاطية؟ صحيح أن الطاعون الذي ضرب أوروبا عام 1348م قد حول المدن إلى خرائب خالية من السكان، ورمى بالحياة المعرفية قرونا للخلف.. لكن لابد أن تكون الكارثة أكبر بكثير؟ لماذا أمر البابا مارتين الخامس عام 1417م، برفع الركام عن مباني الأنتيكا في روما، كي تظهر للعيان بعد أن دفنتها الأتربة، لماذا كانت مباني الأنتيكا تحت الركام؟؟ البابا بيوس الثاني كتب عام 1432م عن روما التي تعرضت قبل قرون (حددها بشكل عشوائي عام 800م)، لهزات أرضية عنيفة ومتتابعة، دمرتها بالكامل؟  ويظل السؤال معلقا!! هل تكون الكوارث هي السبب كي تخترع الكنيسة تاريخا من العدم؟ الإجابة نعم (هكذا يقول توبر)، إنها تكمن في اختراع الإله المسيحي العطوف مكان الإله القدري، الإله العادل بدل الإله العشوائي، لقد كانت أوروبا بحاجة إلى إله مصالحة ووئام، لأنه الضمان، من جنون الفرسان ، الذين كانوا يبحلقون في السماء فزعاً ويخشوّن أن تسقط على رؤوسهم، فعالم ترهبه النيازك المدمرة، والطاعون والجراد، وتقطيع أوصال القارات، كان بحاجة لإله محبة وطيبة، لكن ذلك تطلب أيضا، مسح تلك الكارثة الرهيبة من وعي الناس وذاكرتهم، للتغلب على الماضي وآلامه المبرحة؟

أخيرا وبعد هذا العرض المقتضب لأفكار توبر، يجدر الإشارة إلى أن اسم المسيحية في اللغات الشرقية، هو لفظ  آرامي معروف (من مشيحا، أو المسح بالزيت) لكنه ليس كذلك باللغات الأوروبية؟ فمن أين جاء لفظ  كريست Christentum  أوChristianity   المجهول؟؟ الباحث الفيلولوجي البروفسور المصري كرم خلّة (له مؤلفات عديدة باللغة الألمانية) يطرح في كتابه (يسوع، وأصل المسيحية)، فرضية مفادها أن لفظ  كريست، هو تحريف لنطق اسم حورس الصغير (ابن إيزيس وأوزيريس في الميثولوجيا المصرية التثليثية المعروفة)، وقد نقله اليونان بلغتهم القديمة؟ قد يتفق المرء أو لا يتفق مع هذه الفرضية، لكني أؤكد  للأستاذ العزيز كرم خلّة أن الاسم ليس مشكلة بذاته، المهم أن لا تكون المسيحية مجهولة المنشأ.

ملاحظة: سأتوقف عند هذا الحد، آملاً في معالجة الآثار الناجمة لهذه الدراسة، على مركب الثقافة العربية الإسلامية، مع علمي المسبق، بأن الإسلام كان أقل دهاءً من المسيحية.

 

  28

غزة وشجرة البلوط 

من يراقب أحداث غزّة وما يجري على تلك الأميال المربعة القليلة لابد يصبح معتوهاً ومهلّوسا!! وادخاراً لبعض العقل اسمحوا لي أن أعود قليلا إلى بداية عصور الهذيان والهلوسة، آخذاً بعين الاعتبار المثل البدوي القائل: إذا جنّ ربعك (قومك) فعقلك لن يفيدك! وأول ما يسترعي الانتباه في تلك العصور، تلك المقابلة الحميمية بين يهوى وإبرام:

بعد ذلك تراءى الرب لأبرام وقال له: "لا تخف يا إبرام. أنا ترسَ لك وأجرك عندي عظيم جداًً" فقال أبرام: "يا سيّدي الرب ما نفع ما تعطيني وأنا سأموت عقيماً ووارث بيتي هو أليعازر الدّمشقي " تكوين 15:1). فما كان من الرب إلا أن طمأنه ووعده بنسل كثير وقال له: "لنسلِك أهِبُ هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات" (تكوين 15:18).

بعد هذا المقطع مباشرة تبوح الأسطورة التوراتية بقصة مبيّتة ومبرمجة، تشبه فيروسات الإنترنت التي تخرّب البرامج والملفات. إذ يطلعنا المدوّن التوّراتي على نزاع بين سارة وهاجر، ويتركنا نسمع الملاك يقول للأخيرة: "أنت حبلى وستلدين، إبنا فتسميه إسماعيل.. ويكون رجلا كحمار الوحش، يده مرفوعة على كلّ إنسان، ويد كلّ إنسان مرفوعة عليه"( تكوين 16:12) (هذه نبوءة يمكن أن نفسر بها أحوال العرب وكيف أصبحوا ملطشة لمن هب ودب). وفي زحمة النسيج الأسطوري، ينقلنا المدوّن إلى صورة أخرى، تترجل من صهوة الأسطورة، وتكشف عن لثامها وترينا وجهها الحقيقي، في تلك الومضة ينسى المدوّن قصة نهر مصر والنهر العظيم، ويتواضع قليلاََ!! فيتراءى بطريركنا إبراهيم وهو متكئ على عصاه، ومظللَ عينيه بيده الأخرى، ناظراً أرضه الموعودة، التي حددها له يهوى ولنسله (أرض تقف على تخومها شجرة بلوط وتحدّها بعض الحقول والكروم والهضاب!!) وقد سبب عدم استخدام إبراهيم آنذاك ، لنظام (Gbs) للأقمار الصناعية، مشكلة كبيرة في تحديد تلك الأرض، لهذا نجد إسرائيل اليوم متخبطة ولا تعرف حدودها، (هل تصل النهرين، أم تكتفي بما حول البلوطة، أم تذهب إلى جبال عسير؟؟) واستمر الهذيان التاريخي، إلى القرن الثامن ميلادي، واستمرت الأسطورة تعيش في أذهان جاليات الدياسبورا اليهودية المنتشرة بين غاليسيا الأوكرانية، وغاليسيا الإسبانية! واستمرت حمى البحث عن أرض ميعاد، وموطن ليهوى، لنصل إلى نهاية القرن التاسع عش، ونكحل عيوننا برؤية، وفود طلائع السوّاح اليهود، الذين أطالوا سياحتهم بيننا(مع الأسف). مذاك أصبح للأسطورة طعم جديد. فالقادمون الجدد بدءوا بإقتحام الأسوار المملوكية والعثمانية باتجاه القدس، وبدءوا يهزّون خصرهم عند جدار قديم أسموه حائط المبكى، بينما يسميه العرب حائط البراق، (وهو منسوب إلى دابة إلهية، جسدت نصراً إسماعيلياً، كسر احتكار الفرع الإسحاقي لله والتاريخ !!))

بعد هذه الجردة، لا بد أن أسجل إعتذاري لأهل السياسة والأدب والتاريخ، على هذا الهذيان ، فما أراه اليوم من أحداث سوريالية، تدفع العاقل إلى شدّ شعره، ولطم خدوده، فهل فقد العالم رشده!!!

إذا استدركت قليلا، وعبرت فوق الحروب الصليبية القديمة والقرابين البشرية، التي نحرت على مذبح بيت المقدس.. فكيف لي أن أفهم ما يجري في المشرق العربي هذه الأيام؟ لماذا يتذابح العالم على أرض حدودها شجرة بلوط، أو بضعة أميال، ولماذا يجتمع مجلس الأمن، ويستنفر الإتحاد الأوروبي، ويسافر أولمرت إلى ولد بوش، وعلام تتحرك جيوش إلياس (المرّ) وتخوض معركة (ستلينغراد) النهر البارد أمام (بولشفيك) أبي هريرة؟ وماذا عن تحركات أمير شرق الأردن عبدالله، ومحاولات عقد مؤتمر رباعي في شرم الشيخ، مع عباس وأولمرت ومبارك (قيل لي لاحقاً أن إمارة شرق الأردن أصبحت مملكة! حدث ذلك أثناء غيبوبتي التاريخية! لذا اقتضى التنويه!!) لكن قبل الاستفاضة دعونا نتوقف عند مفصل هلوسي آخر لشرح أهمية هذه المنطقة (أقصد المحيطة بشجرة البلوط).

عندما أعلنت بريطانيا عام 1940 الحرب على ألمانيا، دخلت إمارة شرق الأردن الحرب تلقائياً بصفتها حليفة بريطانيا وربيبتها. آنذاك سرّب أحد العارفين ببواطن الأمور، عن إضطراب الفوهرر الألماني ونرفزته، ودعوته المفاجئة لأركان قيادة الحرب النازية لحضور إجتماع مصيري. ونزولا على إلحاح الفوهرر أخذ الماريشال هملر يبحلق في الخرائط بعصبية باحثاً عن إمارة شرق الأردن. وما أن وجدها حتى احمر وجه الفوهرر، فأخذ يتمعن بتلك البقعة، ويفكر بما ستجلبه من مشكلة استراتيجية كبيرة، قد تكلف ألمانيا كثيراً. هواجس الفوهرر قامت على فرضية تقول: ماذا لو حركت إمارة شرق الأردن أسطولها الحربي في البحر الميّت (كان أسطولا ميثولوجيا مدرعاً بوعد الإنكليزي بلفور)؟؟ لكن الفوهرر سرعان ما نسيّ هذه القضية الحاسمة، وأجل البت بها، وفضّل أن يذهب وينتحر في وحول ووثلوج روسيا، ليصبح البحر الميّت سبب موته!! وسبباً غير مباشر لتأسيس كومونة غزّة الإسلامية فيما بعد (لاحظوا كم كان التاريخ ابن كلب وعضوض).

وبما أني لا أستطيع إعادة التاريخ للوراء، فلا بد أن أقف أمام الحاضر كمحكوم عُصبت عيناه، وينتظر دويّ الرصاص على صدغه!! فقضية ما جرى وسيجري في غزة، يرتبط دون شك بقصة البلوطة التي نسيّها الجميع، ولمزيد من الإستبلاه، أسوق عليكم ما حدث:

برأيي أن مشكلة اليوم وإستفحالها، لاتنفصم عما آلت إليه الأمور،أعقاب عقد إتفاقية أوسلو. أنذاك بدأ مشروع الدحرجة للأسفل (روك آند رول) بحضور كلينتون، وبهزّ ياسر عرفات يد غريمه بيريز (الذي تردد في مصافحته) وما أن هزّ يده، حتى أصبحت القضية الفلسطينية في خبر كان. أجل قضية إرتبطت منذ بداية الكفاح المسلح عام 1965م (لسوء حظها) بيد رجل، إمتلك كثير من الكاريزما والوطنية، وأكثربكثير من الميكافيلية!! رجل إعتبر فلسطين، ورقة في جيب سترته (ذات الأقلام وما أدراك ما الأقلام) رجل ظل في أعماقه وريثا لتجارة الثورة وأسيرا لعقلية سوق الحميدية ، وبعض الفهلوة العربية التي تقوم على مبدأ (ضرب ضربته). ومع تعقيدات الحال العربي، اضطر الرجل إلى وضع كلّ مقدرات الفلسطينيين ومصيرهم ومليارات المساعدات في جيوبه الأخرى!! ليتمكن من إدارة لعبة أوسلو، التي تحوّلت على الأرض إلى أشبه بمسرح علي بابا.. وفي يوم ما نشأ سوء تفاهم كبير بينه وبين الجنرال دحلان، بسبب تشبث عرفات بالأقصى وببعض كرامته الوطنية؟ فدخل الأخير مصالحاً، وطبع على جبينه قبلة تشبه قبلة إسحق لإبراهيم التي انتزع بها مباركته وميراثه بدل أخيه عيسو!! (يمكن أيضاً تتبع هذه الفرضية بإعتبارها خيطاً جنائياً؟) وبعدها بمدة قليلة استشهد الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وعاد جثمانه من باريس، بعد أن ودعه شيراك، والعالم بمشهد تأبيني تاريخي، يليق به ولا يليق بالصغائر والسفائف، التي أظهرها ورثتة وزوجته، وعباسه وقريعه. فقد طفا على السطح أن لا وريث لجوزيف تيتو غير الإنهيار!! لقد كان قتالا صامتا على ملابسه وسترته ( وهبة قسطنطين)، ليبدأ بعدها المشوار الحقيقي لتفتيت القضية الفلسطينية ورفس ثمارها، بأقدام قادتها، وتحطيم ما أنجزه أبناؤها، وما قدموه من تضحيات عزيزة.. أنئذ كانت حماس تراقب بهدوء وتربص، وتؤدي صلواتها الخمس بإنتظام، وهي ترمق من فوق سجادتها، البساط الأحمر الذي فرش من جديد لعباس. وعندما لاحت الفرصة الذهبية استثمرتها بإجادة وفازت بإنتخابات المجلس التشريعي عام 2006 وحصدت مقاعده، ولسان حالها يقول: (أردتموها ديمقراطية فليكن). وربما كان فوزها أول تفويض شعبي، في تاريخ العرب لمعاقبة الحكام وقص شواربهم، لكنها كانت أيضا اللحظة التي تحوّلت فيها الدحلانية إلى حركة صراعية وجودية ذات منحى شمشوني خطير!! الرواية لم تكتمل فصولها بعد، لكن نذراً في الأفق تخبئ بقية الحكاية:

بعد ذلك تراءى (جورج بوش) لأولمرت وقال له: "لاتخف يا أولمرت. أنا ترسَ لك وأجرك عندي عظيم جداًً". فقال أولمرت: "يا سيّدي جورج ما نفع ما تعطيني وأنا سأموت عقيماً ووارث بيتي هو أليعازر الدّمشقي...

عند ذلك قال بوش مستغرباً: أليعازر الدمشقي!! ألم تحدثني سابقا عن سنحاريب؟؟ (سفر التكويع).

 

  29

ثقافة ثقيف

بين القرضاوي والعفيف

"لا إسم لي. أنا مثلُ نسيم الجبال العليل. لا ملجأ لي. أنا مثلُ المياه المتدفقة. لا كتب مقدسة لي، ولست في البخور المتصاعد من المذابح ولا في أناشيد الطقوس. لست مُحاصرا بالنظريات ولا مُفسَدا بالمعتقدات، ولا موثوقا بسلاسل الأديان، ولست في الأعلى ولست في الأسفل. أنا العاشق إذا عشقت. أنا حر وأغنيتي هي أغنية النهر المتدفق على هواه مناديا المحيطات المفتوحة: أنا الحياة" (كريشنامورتي)..

المقطع أعلاه وجدته في ثنايا رواية "الآخرون"[1]، للكاتب التونسي حسونة المصباحي، وأهمية هذه الرواية، لا تقف عند هذا الشعر المتألق المعبّر، بل في توثيقها لمرحلة انهيار الأفكار والأيديولوجيات، مطلع التسعينات. لقد استطاع المصباحي نقل عوالمه الداخلية المتسكعة، بين بدوي قيرواني، يُطربه مزمار القبيلة (القومية) العربية، وشعارات اليسار الماركسي، وذاكرة السجن وصور جورج حبش وليلى خالد، وبين مثقف لا منتمي مسكون بالمنفى. وما تبقى من آلام الخبز الحافي.

الآخرون، شخصيات حقيقية التقطها الكاتب من رصيف عمره، وانتقاها ببراعة تصويرية جميلة، وأهم أبطالها ذلك العراقيّ الآشوري الذي يقدمه باسمه الحقيقي: [شموئيل ابن غورجية الخادمة وابن كيكا الفران الأصم الأبكم] (أديب معروف)، وشخصيات أخرى كالأستاذ، ورنا وخالد وما يعنيني في هذا المقال شخصية العفيف الأخضر. وقبل أن أبحر معه، أشير إلى أن خللا فنيا طارئا قد حال دون تناوله كما ينبغي، بسبب اختيار مجلة السياسة الخارجية  Forgin Policy للقرضاوي، وعمرو خالد، ضمن قائمة أهم مائة مثقف عالمي[2]، وهذا أمر يثير الريبة حقا، وربما يعبر عن حماقة ارتكبتها المجلة، (وجهل إستشراقي متقصد) غرضه الاستهزاء بالعالم العربي ومثقفيه، أو خطأ كالذي يحدث عند دمغ (ذبح حلال) على معلبات المربى والأجبان، فالقرضاوي وعمرو خالد هما داعيتان إسلاميّان يمتايزان جزئيا، فالأول فقيه كبير وعالم بشؤون الدين [ولمن لم يسمع بكلمة دين أقول: إنه مجموعة أوامر ونواهي، أرسلتها السماء بواسطة أشخاص منتجبين ورسل، لتكريس إرادتها وفرض طاعتها وحض الناس على شكرها (ليل نهار)، ويتكفل وكلاؤها الأرضيين بمطاردة الناس في حياتهم وغرف نومهم، والتسلل إلى أحلامهم، ومواكبة خطواتهم إلى أن يحين موعد تسليمهم إلى الثعبان الأقرع، الذي يروي لهم ما تبقى من الحكاية]. أما عمر خالد فهو وكيل لتسويق المنتجات الدينية، بعد تغليفها بورق من السمعـبصريات الحديثة، وهو لا يختلف كثيرا عن قراء عاشوراء الموهوبين، الذين يتفننون في سرد قصة كربلاء، بطريقة تهيّج الجمهور وتدفعه إلى البكاء واللطم وتقطيع ملابسه.. وفي كل الحالات لا أجد علاقة بين الداعيتين وبين الثقافة. إلا إذا اعتمدنا التعريف العربي لهذه الكلمة واشتقاقها من ثقف وصقل، وثقف السيف جعله ثقيفا قاطعا (كي يفي بأغراض الذبح الحلال) وهنا يصدق تأويل مجلة الفورين بوليسي، فلسان القرضاوي (ماشاء الله) ثقيف في نحوه وصقيل في جره ونصبه، وكذلك الحال فإن تنغيمات وصوتيات الداعية عمرو خالد قادرة على ترقيص الإيمان، في قلوب سامعيه. وصحصحة المتثائبين منهم.

أما الثقافة بمعنى Culture (مشتقة من عزق الأرض وتمهيدها للزراعة) فهي تمثل كل إضافة بشرية للطبيعة البكر الصماء، ومجازا تعني كل إبداعات الإنسان من فنون وفكر وعمران، وبهذا القياس يصبح اختيار عمرو خالد، والقرضاوي وتتويجهما على عرش (مستر) الثقافة، ضربة موجعة لكل حملة الأقلام وحتى حملة الأكياس (ودعوة مفتوجة لأدونيس ودرويش، وأركون، وهاشم صالح والعفيف الأخضر وجعيط وجلال العظم وعشرات المبدعين والمفكرين كي يمتلكوا شجاعة سقراط ويتجرعوا الكأس قبل أن يتم اختيار شعبان عبد الرحيم في السنة القادمة) لكن الجريدة التي اختارت كبار رجال الفكر والاقتصاد والإبداع من أمثال نعوم جومسكي وهنتنغتون وفوكوياما، قدمت للعرب بعض  العزاء عندما اختارت ألمانيا بابا الفاتيكان محمود السادس عشر (محمود: ترجمة اللفظ اللاتيني بنديكت، وهو نفسه الفيلسوف اللاهوتي السابق رايتسنغر)، وغطت على زلتها بإضافة فيلسوفها الشهير هابرماس. بينما اختارت إسرائيل دنيال بارنباوم. قائد الاوركسترا، وناقد سياسة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكذلك أستاذ الأدب أموس أوز عضو حركة [السلام الآن]. ودانيال كاهنمان. الحائز على جائزة نوبل في العلوم.

وبعكس كل التأويلات أجد اختيار  (القرضاوي، عمرو خالد) تعبيرا حقيقيا عن حالة الثقافة العربية، فكلّ المفكرين والمبدعين العرب سوية، أقل شهرة من نانسي عجرم، أو عمرو خالد ولا يطبعون من كتبهم  أكثر من ألف نسخة (يوزعون نصفها على أصدقائهم) فيما يظل 300 مليون عربي (ناقصا ألف)متعلقين بأستار التلفزيون، طالبين النجاة من شرور القراءة والكتب الهدّامة! لهذا لم يُخفِ المناضل اليساري ريجيس دوبريه  إعجابه بالإسرائيلي، الذي يقرأ تسعة كتب في العام مقابل كتاب واحد للأردني؟ ففي العرض القيّم لكتابه الجديد "كانديد في الأرض المقدسة" الذي قدمه هاشم صالح [3] يتساءل دوبريه بسخرية: ولكن ما حاجة العرب أو المسلمين إلى الكتب إذا كانوا يمتلكون الكتاب الأعظم؟ لماذا يطالعون ويعذبون أنفسهم وهم يمتلكون الحقيقة المطلقة بين دفتي كتاب واحد(إنتهى). ولو سمح لي دوبريه لوضحت له بعض ما خفيّ عنه، فالكتاب الأعظم (حسب وصفه) لم يمنع المسلمين في العصور الوسيطة من نهضة كتابية وترجمة الفلسفة والطب والجغرافيا اليونانية ونقل متونها للعربية.. لكن جوهر المشكلة التيولوجية بدأ مع الكلمة الأولى في القرآن (إقرأ) هناك بدأت أشكلة النص وطلسمته (حسب رأيي) فوضوح (إقرأ) لم يمنع من إختلاق أميّة محمد، ووصمه بجهل القراءة، لتبرير ألوهية النص، مع أن لفظ أميّ أتى من أمم كما يُفهم من سياق النص. وهذا التقاطع في التفسير حدث لاختلاط التصوّر اليهودي، وتسلُم موسى ألواحا مكتوبة للوصايا، تستوجب القراءة (بالمعنى الحسي)، مع تصور مسيحي يقوم على الوحي بواسطة ملائكة (جبريل أو  الروح القدس)، لذا فإن انجيل البشيتا الأرامي يكرر جملة (قرا بشم مريا) وهي مساوية ل (إقرأ بإسم ربك) وتعني: أذكر إسم الرب، أو أقم صلاة الرب. ولا تعني القراءة أصلا؟ من هنا فإن الكلمة الأولى في النص القرآني، خضعت لتلاعب المفسر والمؤرخ الدوغمائي وأصبحت فاتحة للاحتيال على النص برمته، وساهم الترتيب اللازمني للسور في إلغاء تاريخيته، وبالتالي الحاجة الدائمة لجيوش من المفسّرين، واللغويين.

لقد كانت للعرب (حضارة سمعية فقط) ويدلُّ على ذلك ندرة النقوش العربية الماقبل إسلامية، وإقتصرت الثقافة الكتابية إبان حقب التدوين على الدواوين السلطانية والأميرية، وطبقة رجال الدين ، بينما كان عموم الناس يجهلون الأبجدية، لذا لم يحتاج العرب لاختراع مطبعة غوتنبرغ. لأنهم ليسوا أمة قراءة بل أمة ذكر ورواية وسماع، وشعر وفي عصرنا الحالي استولى التلفزيون على كرسي الحكواتي القديم، واستطاع بمؤثراته البصرية أن يُحدث تشويشا على فانتازيا السمع ليخلق بذلك ثقافة سمعـبصرية تساعد على تهميش دور المخيّلة وملكة التفكير الحر، التي تحركها وتغذيها تقاليد القراءة.  

وعودة للعفيف الأخضر فهو بلا شك أحد البصمات المهمة في مرحلة مضطربة للثقافة العربية، تميزت بازدهار ثم اندحار وتهاوي الأيديولوجيات، وفي السيرة الأدبية القصيرة  التي رسمها حسونة المصباحي، نلمح ما يستحق سرده وتقديمه باقتضاب شديد:

في وسط السعينيات، وقع حسونة على نسخة للبيان الشيوعي، كان قد ترجمها العفيف، ولما سأل عنه قيل له أنه جزائري (ربما) ويضيف: إندهشت لوجود مثقف يمتلك مثل هذه اللغة الآسرة في بلد متفرنس حتى النخاع. ثم قرأ له "نصوص حول الدين" فمنحته انطباعا بأن  مترجمها يتمتع بثقافة عالية، وذكاء حاد وتألق فكري نادر الوجود في عالمنا العربي، ومضت الأيام واكتشف أن العفيف تونسي، وأنه كان طالبا لامعا في الجامعة الزيتونية، وقادرا على مجادلة أكثر الشيوخ علما وتبحرا في اللغة والأدب، ثم يشير إلى إصداره مجلة أدبية بنصوص جريئة أغضبت رجال الدين المتزمتين، ويخبرنا بعدها عن مغادرته إلى الجزائر بُعيد استقلالها ثم مغادرته لها بعد (أن ماتت زهرة الثورة تحت الأحذية الثقلية) وهكذا يتيه العفيف في أوروبا بين باريس، براغ، فيينا، برلين إلى أن يقرر ترك القارة العجوز والعودة (إلى الشرق أرض النبوءات والأساطير، عازما على إشعال حرائق الثورة) وينضم إلى فلسطيني أحراش الأردن ثم يودعهم إلى أين؟ (كل العواصم العربية أصبحت قلاعا حصينة في قبضة مستبدين) إلى عدن، حيث تبنى إشتراكية بدون بروليتاريا، هناك يسمع نقاش الرفاق عن الثورة الزراعية، ليقول بعد صمت: (ما لكم متحمسون للثورة الزراعية كما لو أنكم تملكون أراضي أوكرانيا !!) في الصباح حمل حقيبته وسافر إلى بيروت، التي  سحرته في البداية ببحرها وأجوائها الثقافية، حتى استقيظ ذات يوم وشعر بالاختناق وتبدت له بيروت (مدينة بشعة عجوز ملطخة بالمساحيق) وهكذا قفل راجعا إلى باريس، التي كانت تعيش حينها على أفكار ربيع 68 وسارتر وسيمون دي بوفوار وجان جينه وفوكو ومورياك. ويختم المصباحي أقصوصته بجولة قصيرة مع العفيف يقول: تحدثنا فيها عن أوضاع الجزائر سألني:

هل قرأت رواية فارغاس ليوسا ((حرب نهاية العالم))؟؟ ففيها تشابه مع ما يقع في الجزائر، وشخصية "المرشد" الذي استعان باللصوص والمتسولين.. والبغايا، وتمرد على الجمهورية البرازيلية أواخر القرن 19 لا تختلف عن هؤلاء الآثمين الشاحبي الوجوه الذين يذبحون مثقفي الجزائر كما تذبح كباش الأضحى. إقرأ الرواية (إنتهى). في نفس الفترة تقريبا قرأ كاتب السطور ما دوّنته لويزا حنون [3] المناضلة العمالية التروتسكية، المغروسة بثرى الجزائر كشجرة زيتون، والتي امتلكت من الجرأة الأدبية والأخلاقية لتعلن: أن شاحبي الوجوه من الذباحين والقتلة لم يكونوا إسلاميين فقط؟؟ حينها أدركت الفرق بينها وبين مثقف تتساقط أوراقه في خريف أوروبي، مسكون بهواجس الذات وتهويمات الاغتراب والمنفى، التي فضحها حلول لعنة الإنترنت، واستشراء الحروب الدونكيشوتية، فبدأنا نسمع عن تهديدات الإسلاميين للعفيف واتهامه بكتابة المجهول في حياة الرسول، وأصبح عالم الكتابة لا يتحدث عن الثقافة بل عن (الشهيد الحيّ كما تم وصفه) لكن بالعموم  فإننا أمام سيرة متمردة، تنقلت من طالب زيتوني فقير، إلى محرض ماركسي، ومثقف أممي نظّر لثورة ثقافية، ضد (نمر من ورق)، إلى ليبرالي، عاصر تحوّل الإتحاد السوفيتي إلى ورق في أرشيف روسيا؟ إلى حكيم يبعث برسائل فولتيرية إلى بلاط الحكام العرب، وبرغم كل هذه الولادات التموزية المتكررة، كان العفيف  أحد جراحي الكلمة المهرة. لكن مقالاته من قبيل (إزاحة كابوس صدام تستحق حربا) تطرح سؤالا عن المسافة الحقيقية بين الأنسنة والتوحش، فهل يجرؤ مثقف أوروبي (أو حتى إسرائيلي) على طرح هذا الشعار الدموي (وهو يرى المسيرات المليونية المناهضة للحرب على العراق؟) وهل يستحق كابوس صدام قتل أكثر من مليون وتشريد بضعة ملايين وتدمير بلاد ونهبها؟ سؤال برسم الإجابة.  أما أناشيده الأخرى مثل (حكومة كردستان منارة للأقليات) و(نداء إلى الخليجيات: حاكوا الشيخة موزة)! فهي نموذج لخطاب التسوّل الهابط، فعندما يطالب الخليجيات بإنعال وإطعام حفاة  وجياع العرب، والإقتداء بالسيدة القطرية الأولى في دعم برامج تشغيل العاطلين في سوريا وتونس،  يكون العفيف قد أهدر دم آدم سميث كما فعل مع ماركس سابقا، ورضي بقسمته كقرضاوي آخر يعيش في كنف ليبرالية بدوية، تضع البلاد في جيوب الأسر الحاكمة، وتترك العباد تعيش على موائد الرحمن واقتصاد لله يا محسنين، ورب يسر ولا تعسر.

وختاما: هل يحق للمثقف، أن يصرخ مثل كريشنامورتي: أنا الحياة؟ بلا إسم  كنسيم الجبال، بلا ملجأ كالمياه المتدفقة، وبلا كتب مقدسة؟

..................

الهوامش:

1 حسونة المصباحي "الآخرون"  رواية  صدرت 1998 عن تبر الزمان تونس

2 دلال البزري مقال في الحياة

3 جريدة الأوان http://www.alawan.org/?page=articles&op=display_articles&article_id=2164

4 لويزا حنون: الأرهابيون لايسقطون من السماء (صدر بالألمانية والفرنسية)

 

  30

أنا وعصا موسى

قبل أعوام دخلت المتحف المصري العريق. حينها كنت مسحورا بكتاب يحكي قصة الاكتشاف المثير لمقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك على يد الإنكليزي هوارد، ثم موته المفاجئ بسبب ما أذيع وقتها عن لعنة الفراعنة.

في مدخل المتحف اشتريت تذكرة إضافية لدخول صالة المومياءات حيث يُسجّى ملوك مصر القديمة، ولحسن الصدف مُنحّت لقاء ثرثرتي بالعربية سعراً مخفضاً يقلّ بكثير عما يدفعه الزوّار الأجانب، وهذا ما بعث فيّ النشوة ودغدغ الجينات المبرمجة على حب الربح والغزو والصيد.

صالة المومياء بدت لي فقيرة وغير مؤثثة بطرز ملكية فخمة ولائقة، ولا أدري إن كانت الروح  "كي" ستجد أجساد هؤلاء الملوك بسهولة كما تخبرنا عقيدة البعث المصرية، هذا إن سمح لها حراس المتحف بالدخول دون دفع بعض (البقشيش).

الصمت المطبق الذي ساد المكان، كان مهيبا. وكأن هؤلاء الملوك فرضوا على الزوّار احترام جلالتهم وسكينتهم الأبدية. في تلك اللحظات القدسية المفعمة بالرهبة والخشوع أمام حضرة الموت وعظمة التاريخ. وجدت نفسي أمام التابوت الزجاجي الذي توسط الصالة، إنه رمسيس الثاني الملك العظيم الذي انحنت له فرنسا وعزفت لرفاته نشيدها الوطني.

وبينما كنت أسيرا لجلال الموقف، وقف بجانبي شاب تبدو عليه إمارات التديّن والورع. سيما أنه ختم جبهته بزبيبة التقوى وأطلق لحيته وحفّ شاربيه (ربما نكاية بالمتنبي القائل: أغاية.. يا أمة..) وإلى جانبه وقفت امرأة توارت خلف نقاب فاحم. إذذاك دفعني الفضول ورحت أرمقهما خلسة لقراءة إيماءاتهم وهمساتهم، ولم يخب ظني فبعد ثوان معدودات قالت السيدة مستفهمة:

هذا هو الفرعون الذي أغرقه سيدنا موسى في البحر؟

أجابها: هوذا لعنه الله!!

كان عليّ حينها أن أغضب، أو أضحك لكن صوت المرأة المُشبّع بالأنوثة والإثارة سحرني، فاشتعلت النار اضطراما وتوقدت برائحة البارفان النسائي الذي انبعث منها وعبق في المكان، وازداد الطين بلّة عندما لمحت هرمين اقتحما عباءتها بتحد سافر، فأخذني المنظر بعيدا إلى حيث تتلوى الشهوة كأفعى [وبهذا أطمئن الجميع بأن المخيّلة (هي مركز الإيروتيكا)، وقادرة على اقتحام كل الحصون وإشعال فتيل ثورة جنسية].

وبغض النظر عما إذا كان رمسيس هو فرعون سفر الخروج أم لا، فنحن أمام موقف غريب. فهل يُعقل أن يكون المسجى أمامنا قد غرق (وقضمه سمك القرش)، وهل يُعقل أن من أغرقه لا أثر له! كيف يصبح سيدنا "الوهم" أقوى من الحقيقة، والأسطورة أصدق من التاريخ؟ يا إلهي أي عالم أحمق هذا الذي نعيش فيه؟ لكن ما الحقيقة؟ سألت نفسي، أليست تلك التي يصنعها الناس بغض النظر عن ماهيتها!

بعد ساعتين تقريبا غادرت المتحف، اضطرارا بسبب لعنة (فيليب موريس) مشيت ميدان التحرير، باتجاه وسط البلد، وبعد استراحة شاي في أحد المقاهي المضغوطة بدخان النرجيلات، وجدت نفسي في بداية شارع 26 يوليو ثم  أكملت المسيرة حتى بلغت العتبة.. العتبة وما أدراك ما العتبة، هناك تتوحد مصر في أغرب كرنفال فوضى خلاقة عرفتها البشرية [سيول بشرية هائمة، سيارات وعربات وباعة أرصفة (متأهبون دوما للفرار ببضاعتهم وأكياسهم خشية مداهمة الشرطة)، وجوه أرهقها عناء اليوم وكدحه ومرارته، وأدعية وصلوات وأبواق وصراخ وبخور ودوي محلات الكاسيت (ذات الأغاني الهابطة)...

في إحدى الزوايا الميتة رأيت مشردا افترش الأرض بوضع يشبه النوم أو الغيبوبة، ملابسه كانت متخشّبة بلون أوساخ الرصيف، عيونه كانت غائرة وزبد فمه اختلط بالتراب وبقايا طعام قديم يشبه القيء. عابرو السبيل يمرّون قربه لا مبالين متجنبين أن يتعثّروا به أو يدوسوا على سواقي البول التي رسمها حوله. وأمام تلك اللوحة القاتمة الفاقدة لبريق الحياة تملكني إحساس بأن الأسطورة التي أغرقت الفرعون بالبحر، أغرقت هذا الرجل بالبؤس والبول والأمة بالجهل والغيبوبة والزبالة. ويا لها من صدفة عمياء، فلم يمض وقت يُذكر على مرور هذه الصورة الحمقاء، حتى تناهى إلى سمعي صوت أحد مقرئي أشرطة الكاسيت وهو يتلو: فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم.

قلت في نفسي: عظيم!؟

 

 

 

 

عودة إلى المدخل