عودة إلى جسور

1  2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

   1 

 

قناة الجعيرة

 

تسمّرت في مقعدي، وحبست أنفاسي... فقد وقعت الواقعة، واقتربت الساعة... والويل لنا مما زرعت أيدينا.... انتقلت الكاميرا إلى غرفة الأخبار، التي تصدرها مذيعان، كانا بذروة التجهم والعبوس... والخبر العاجل،  أضاءت حروفه أسفل الشاشة بالأحمر: انفجار يهزّ منتجعا سياحيا... يا لطيف ألطف بعبادك المصطافين... على يسار الشاشة، خرج للعيان مربع صغير ..عليه جمهرة من الناس في حال من الهرج والمرج وسيارات إسعاف ومطافئ.. وعسكر مدججة بالسلاح... حبست أنفاسي ثانية.. بعد تأكيد المراسل (نقلا عن مصادر موثوقة) أن الضحايا في ازدياد مستمر، وأن مستشفى خرم الشيخ يستعد لمزيد من الضحايا.. وهكذا بدأت تكر مسبحة الشريط الإخباري: الرئيس يلغي مواعيده المهمة ويدخل غرفة قيادة العمليات لإجراء جراحة تجميل، وترميم لموميائه)... آدم إيرلي يؤكد بعربية (مكسرة وحاسمة) عزم أمريكا على مواصلتها الحرب على الإرهاب.. عائل الأردن، يشير إلى علاقة (البدو) بالهلال الشيعي (وتأكيدات تاريخية وأركيولوجية عن صلة البدو بالتقويم القمري).. اسرائيل تغلق الممر الدولي في طوبة على طوبة، وتعزز من تأهبها الأمني... ومصدر مسئول  يؤكد عدم وجود ضحايا إسرائيليين... أما المذيعة فكانت تبارز زميلها في انفعاله.. تسأل سائحة من كوريا الجنوبية: سيدة كيم... هل لك أن تصفي لنا... وأين كنت... وكم... وإن كان.... نعتذر لكم مشاهدينا... ونقدر هول الصدمة وما تعرضت له السيدة كيم... معنا مباشرة الدكتور رشوان الخبير بشؤون الإرهاب.... نعتذر دكتور عل المقاطعة.. وننتقل إلى معهد الدراسات الإستراتيجية الملكية..... سيادة اللواء جحاشنة.. (خبير في شؤون الهزائم العسكرية،  وقاد شخصيا  معركة تسليم القدس عام 1967، ولا تزال نظريته في الانسحاب العشوائي تدرس في..)؟؟ نعتذر سيادة اللواء  على هذه المقاطعة.... معنا الآن فضيلة الشيخ الشقلباوي... أنتم الآن في دائرة الاتهام، سيما وأن الأصابع تتجه إليكم... يجيب فضيلته.. أولا نحن ندين هذه العملية، لأن التفجير حدث عن بعد بأجهزة لاسلكية كافرة.. ونعتبره باطلا شرعا... نعتذر فضيلة الشيخ.... ونعود  أعزاءنا إلى مراسلنا حسين  الفقير.... حسين هل تسمعني... هنالك خبر من الوكالات يؤكد أن الانفجار كان ناجما عن فرقعة لإطار إحدى السيارات.. نعم نعم... أسمعك....صحيح  صحيح.. فقد أكد مصدر أمني أن أحد الإرهابيين قد وضع مسمارا تحت عجلة سيارة متوقفة.... شكرا حسين وحمدا لله على سلامتك .. ننتقل إلى نيويورك... السيد كوفي عنان، يقف متجهما أمام الصحفيين: أظن أن مجلس الأمن سيصدر قرارا فوريا وفق المادة السابعة.. يمنع بموجبه  تصدير تكنولوجيا  صناعة المسامير.

 

   2 

 

 الأسطول الأمريكي

 

قبالة اسبانيا !!

 

محادثة لاسلكية جرت بين الأسبان والأمريكيين،  سجلتها القناة 106 لاتصالات الطوارئ الإسبانية، من ساحل غاليثيا في فينيستيرا، يوم 16 أكتوبر 1997  (وإليكم الترجمة الحرفية):

اسباني : (تشويش يرافق الصوت) هنا يتكلم معكم آ 853 نرجوكم أن تنحرفوا 15 درجة جنوبا، كي تتجنبوا الاصطدام، إنكم تبحرون مباشرة نحونا.. المسافة 25 عقدة.

أمريكي: (تشويش يرافق الصوت) ننصحكم أن تنعطفوا 15 درجة شمالا، كي تتجنبوا الاصطدام.

اسباني: جواب سلبي... نكرر، حوّلوا مساركم 15 درجة جنوبا لتجنب الاصطدام.

أمريكي: (بصوت آمر) هنا كابتن إحدى سفن الولايات المتحدة الأمريكية، نحن نصرّ بأن عليكم تحويل مساركم فورا 15 درجة شمالا تجنبا للاصطدام.

اسباني: نرى أن ذلك غير ممكن، وليس ملزما، نأمركم بأن تنعطفوا 15 درجة جنوبا، لتتجنبوا الاصطدام.

امريكي:( غاضب، وبلهجة آمرة)هنا يتكلم الكابتن ريتشارد جيمس هاورد، قائد حاملة الطائرات يو إس إس لينكولن، من بحرية الولايات المتحدة الأمريكية، وثاني أكبر سفينة للأسطول الأمريكي، نحن برفقة فرقاطتين، وست مدمرات، وخمس سفن حربية وأربع غواصات.. وسفن أخرى جاهزة للمساندة في أية لحظة، نحن متجهون إلى الخليج الفارسي للقيام بمناورات حربية في إطار الاستعداد للهجوم على العراق. إني لا أنصحكم بل أمركم بتغيير اتجاهكم 15 درجة شمالا، وفي حال عدم التزامكم، سنكون مضطرين لاتخاذ خطوات، نراها ضرورية لتأمين سلامة حاملة الطائرات وضمان الأمن لقوتنا الحربية. فأنتم أحد الحلفاء وعضو في الناتو، لذا نرجو الامتثال للأوامر، وبدون تأخير والابتعاد عن طريقنا.

اسباني: هنا يتكلم مانويل سالس الكانتارا. نحن شخصان برفقة كلب، ولدينا طعام وزجاجتا بيرا، ورجل أصله من الكاناري، نام لتوه، نحن نعمل في قناة الاتصال (كادينا ديال فون كورونا) 106 لاتصالات الطوارئ.. نحن لا نبحر بأي اتجاه، لأننا على اليابسة، في برج مراقبة آ 853 في فينيستسرا، شاطئ غاليثيا. ولا نعلم تسلسل هذا البرج بين أبراج المراقبة الأسبانية.. نستطيع أن نقوم بالخطوات التي ترونها ضرورية، لضمان سلامة حاملة طائراتكم (الضاربة) كي لا تتحطم على صخور شاطئ غاليثيا، لذا ومن حيث المبدأ، فإننا نصرّ ونرغب مرة أخرى وبحرارة قلبية، أن تفعلوا الأفضل والصحي والعقلاني من أجل سلامتكم، وأن تنعطفوا 15 درجة جنوبا كي تتجنبوا الإصطدام. إنتهى..

ترجمة: نادر قريط

 

   3 

 

اجتناب الخمر!!

 

تراثنا والحوار

 

رغم أن الخمرة في التراث العربي والإسلامي، رجس وإثم، إلا أن اجتنابها ظلّ عصيا على الكثير. وظلّ مادة للحوار والاجتهاد والتأول ، ورغم تأكيد البعض على أن معاقرتها، هي إحدى الكبائر وأن اجتنابها أشد من التحريم، لكن السمّار والندامى ، والشعراء والمغنين استمروا يرددون مع صباح فخري (هات كاس الراح واسقيني الأقداح) ، ولم تمنعهم كل التحريمات والتهديدات والويل والثبور والجلد ونار جهنم، لابل أن بعضهم زاد قائلا :

شارب الخمر يصحو بعد سكرته

وطالب الدين طول العمر سكرانا

والمعروف أن التراث العربي بعمومه نظر إلى معاقرة الخمرة، وكأنها (هفوة جنتلمان) وليست جنحة وجريمة ومروق عن الدين وهذا ما تأكده القصة المعروفة، مع البطل الصنديد أبي محجن الثقفي عندما أمر الخليفة عمر بسجنه، بسبب سكره وترنحه أثناء الصلاة، ثم العفو عنه وإطلاق سراحه عندما أراد الاستعانة في إحدى المعارك  بسيفه الثقيف، وبينما كانت الهزيمة قاب قوسين أو أدنى، استطاع أبو محجن (أن يقلب موازين القوى لصالح الخليفة عمر وجيشه)ثم مات أبو محجن ولسان حاله يقول: إذا متّ فادفنّي بجنب كرمة (هكذا فهم الإجتناب!!)... وتعبر هذه القصة (على رمزيّتها) أن الخلفاء تعاملوا مع القضية، بأريحية تامة وليس بعصابية كما في أيامنا... ونقل الموروث أن بعضهم كالوليد بن يزيد كان يؤم المصلين وهو سكران، ولن ننسى المرحلة العباسية والجواري والندماء وبرك الخمر وما أنشد فيها الشعراء والمغنون من قصائد سميّت بالخمريات  أهمها تلك التي نسبت إلى أبي نوّاس:

دع المساجد للنساك تسكنها

واجلس على دكة الخمار واسقينا

إذن قضية الخمر التي دوّخت الناس (ليس بسبب تأثيرها على الجملة العصبية)، بل بسبب ما تركته من جدل ومماحكة، استمرت مع القرون، ومن يقرأ الأغاني لأبي فرج سيعرف أن التشدد والتشنج المعاصر في بعض الدول الإسلامية، هو مجرد هراء، فلو كان نهر دجلة أيام أبي نؤاس من الخمرة لتوقف جريانه وجفت شرايينه في أطراف بغداد؟ حتى أن الفقهاء كأبي حنيفة أسقطوا عقوبة الجلد عمن يتلذذ بالنبيذ (دون فقدان الوعي) ولا يفوتنا أن الأدب الأندلسي عبق أيضا برائحة الخمريات وسال شعرا رقراقا، حتى سميّت إحدى بوابات قصر الحمراء (بباب النبيذ )وكأن لسان حالهم يقول: المحرمات نعرفها ( نكاح المحرمات، والميتة، والدم، ولحم الخنزير)أما الإجتناب فهو دليل لنا كي نبقي الخمرة بجانبنا ما حيينا (قيلت للتندر من خلال التلاعب اللغوي)..

في النهاية نود التنويه إلى كتاب الشاعر اليمني علي المقري، والجدل الذي أثاره آملين أن تتسع الجسور لكل الآراء والسجالات، عبر مساهمة القراء، آخذين على عاتقنا، نشر كل ما يستحق النشر .

 

   4 

إذا جاء نصر الله

و.....؟

 

إذا جاء نصر الله و.....؟

 كتبت (أنا العبد الفقير) في الرابع من هذا الشهر مقالة (نشرتها إيلاف مشكورة) اسمحوا لي أن أقطف منها حرفيا ما يلي:

"ولا أستغرب أن تمارس إسرائيل قريبا حقها في القرصنة الدولية واستباحة المدن العربية (البعيدة) وقصفها، حتى وإن كان السبب، مقالة صحفية، أو حادث اصطدام مرور عادي بين دراجتين، أو تعرض سائح إسرائيلي لإهانة أو نشل لمحفظته!! ولا أستبعد أن تفرض إسرائيل على دول النفط العربية جزية يتم ضخها عن يد وهم صاغرون!!، وأن تطالب بحصة من ريع الحج، بسبب حصتها التاريخية في إبراهيم (الذي رفع قواعد البيت المكّي)، ولا أستغرب أن تطالب قريبا بتعويضات مالية لضحايا بني النضير وخيبر وقينقاع".. (انتهى)

كل هذا الكلام (الكاركاتوري) كتبته قبل أسر الجنديين الإسرائيليين، ولم أندم عليه، لأنه لم يكن رجما بالغيب، أو قراءة بالفنجان، بقدر ما عّبر عن قناعة ورؤية، ملخصها أن إسرائيل كيان آبارتهايد مركب، قام بموجب صكوك عقارية إلهية أسطورية، وتأسس على أكذوبة الشعب المختار، التي تتنافى مع قيم الأنسنة والحداثة. لذا فإن محاولة العيش في جوارها بسلام وطمأنينة، تظل عبثية، وضرب من الحماقة، لأنها كتعايش الذئب والحمل في زريبة واحدة، وأشبه بحياة (أنغولا وموزنبيق في جوار دولة جنوب أفريقيا العنصرية).  ببساطة شديدة إن إسرائيل (وجوديا) لا تستطيع أن تكون إلاّ قاطرة للعدوان والخراب وبناء الجدران!! فمنذ مؤتمر مدريد، وأوسلو 1993.. ورغم اعتراف (الختيار الفلسطيني) بهذه الدولة، وإقلاعه عن (فكرة الثورة المسلحة) وقدرته الفذة ودهائه السياسي، وإشباعه قادتها تقبيلا وعناقا، (ناهيك عن دموع التماسيح التي ذرفها على قبر رابين)، رغم كل ذلك فإنه لم ينج من بطشها وحصارها وغدرها؟ ورغم تشبث العرب وتبنيهم لنظرية الأرض مقابل السلام (التي أصبحت فيما بعد: النفط مقابل الغذاء، والآن: الصمت مقابل الحذاء) ورغم تدويخنا بمعزوفة السلام كخيار استراتيجي وحيد، إلا أن إسرائيل حوّلت (هذا الخيار) إلى خيار ( قثاء)، وضعته في قفا العرب، وكي لا أتهم بالمزايدة والقومجية والثورجية أود تذكير (من فقد ذاكرته) بالاستطلاع الأوروبي الشهير لسبر الآراء (قبل أربع سنوات) والذي صنّف إسرائيل بأنها الأكثر تهديدا للسلم والأمن الدوليين!!

في غمرة احتفالات لبنان بخروج يهودا باراك من جنوبه عام 2000 وقف السيد نصر الله (مزهوا بالنصر وملفوفا بأعلام حزب الله) وقال: إن هذا العدو الصهيوني أوهن من بيت عنكبوت؟؟ كلمة طواها الزمن!! فالرياح العاتية التي ضربت الشرق الأوسط مذ ذاك، ألقت تلك المقولة في ذمة البلاغة، والطرب اللغوي، فلو تتبعنا خيوط الأحداث لوجدنا أن بيت العنكبوت هذا، استطاع بعد 11 سبتمبر، أن يصطاد النظام العالمي برمته، (تحت شعار الحرب على الإرهاب) ويفترسه ! فالانتفاضة الفلسطينية، مابرح يجرفها البلدوزر الإسرائيلي!! ويقتل قادتها (أبوعلي مصطفى، ياسين، الرنتيسي، عرفات)، والعراق جرفه الاحتلال، وحوّله من دولة حديدية بلا دستور إلى  دستورية ورقية بلا دولة، ومن وطن متعدد الأعراق إلى وطن متعدد المليشيات، وفضاء من الغبار والكابوي والإرهاب والبداوة، ولا يخفى على عاقل أن إسرائيل كانت ضالعة فيما جرى، وكأن تلك الحرب الاحتلالية أشعلت لسواد عيونها كي تنزل لعناتها التاريخية (على بابل) عقابا على أحلام صدام وتهديداته بإعادة سبيها (بيو كيمياويا) وكذلك الأمر، لم تستثن العاتيات سوريا، إذ جعلت من دم الحريري، (قميص عثمان) وذريعة لقضم الهلال الشيعي (الذي ثبتت رؤيته الشرعية بواسطة عبد الله الثاني)!! قضمه ابتداءً من لبنان هذا المكان الفريد (الغريب العجيب) الذي استرد عافيته كمركز جذب اقتصادي وثقافي وحضاري، والذي شكل غصة دائمة لإسرائيل، عبّر عنها رئيس الأركان الإسرائيلي قبل أيام عندما قال: (سنعيد لبنان 20 سنة إلى الوراء) فالجميع يدرك أن قوة لبنان الرئيسية تكمن في (ضعفه) وفي توازن (الرعب) الطائفي، الذي مازال يلجم الدولة ويمنعها من التغوّل، ولن أجازف إذا قلت أن اللبنانية (ذات المرجعية العربية) تكاد تطبع كل اللبنانيين وكل الطوائف بهوية ثقافية وحضارية مدنية  متماسكة، حتى وإن تعددت المرجعيات، وبرغم مرارة حروب الآخرين على أرضه، أو صور الفقيه الخامنئي!! لا بل أستطيع الزعم بأن  الثورة الإسلامية الإيرانية ذاتها (في بعدها الثوري) ما هي إلا تلميذة نجيبة لمدرسة جبل العامل (وحركة المحرومين التي أسسها موسى الصدر)! من هنا كان دور حزب الله في هذه المعادلات، مقلقا لإسرائيل، وكابوسا حقيقيا،(وعقدة المنشار) لأنه استطاع أن يخوض بين   1988و2000 حربا (نظيفة) وذكية، منحته مصداقية واحترام العدو قبل الصديق!!  

عندما رأيت رئيس العالم جورج بوش في مؤتمر بطرسبورغ، يجلس على عرش الثمانية، بصورة خرقاء (كثير من البلاهة وقليل من التهذيب) ويمضغ طعامه بشكل مقزز ومقرف ويلتفت إلى توني بلير ويتحدث عن حزب الله بكلمات سوقية نابية (يتعفف عنها السوّقة والعيّارون) وعندما رأيت أولمرت بعد ساعات، يضع قبعة صغيرة سوداء (داخل الكنيست) ليتلو على الهواء (نشيد الإنشاد)، ويذرف الدموع على أسيريه، وعندما رأيت مشاهد الدمار والدماء والآلام وعيون الأطفال، والأمهات ومساحة الرعب التي تفرشها آلة الموت الإسرائيلية، وعندما رأيت هذا النظام الدولي المتهافت، الذي يسحق قوى الضمير بعجرفة... عندها أحسست (أنا العبد الصعلوك اليساري العلماني) بقوة الصدق والحق وأدركت أن نصر الله.. لا ينطق عن هوى.

 

  5 

حوار أديان أم شخير نيام

 

عندما تقترن كلمة حوار مع الأديان، يصبح المرء أمام ظاهرة صوتية، تماما كالحفيف والصهيل والنقيق.. ومرد ذلك يعود إلى الدوغما الدينية نفسها التي تعني امتلاك للحقيقة واحتكار طريق الخلاص .المؤمن لا يكون مؤمنا، إلا إذا نزّه معتقده (وحطّ من عقائد غيره) المسيحي هو مسيحي لأنه (ولأسباب أخرى) لا يؤمن بالوحيّ القرآني أو رسالة النبيّ محمد...المسلم هو مسلم لأنه (ولأسباب أخرى) لا يؤمن بألوهية المسيح، أو عقيدة الخلاص على الصليب!!هذه بديهيات، لكن المسلّمة التي تفترض أن الديانات (التوحيدية على الأقل) تملك مساحة للتلاقي( كأزلية الله، ووحدانيته، الملائكة، الخلق ، عقيدة العقاب والثواب، الأب الإبراهيمي المشترك...) هي مسلّمة خادعة؟؟ فالدين ليس فقط ينبوع (الميتافيزقيا) الذي ترتوي منه الجماعة، وتطفئ ظمأها( الوجودي)، إنه نهر للتاريخ واللغة والموروث والطقوس وأنماط العمران...هو رأسمال رمزي رامته أجيال التقديس، وسكبته في فضاء لغوي شعري يلهب الخيال (قصة الصلب المسيحي، السيرة النبوية، ملحمة كربلاء...) أي أن الإنتماء لدين ما، لا علاقة له بالأسئلة الوجودية!! إنه انتماء إلى ((رموز)) تشحن وجدان الجماعة (أنبياء، صحابة ، رسل، قديسين، جغرافية مقدسة...) من هذه الزاوية أفهم الصراع الديني أو المذهبي بأنه حرب بين ((رموز)) ورساميل تحاول الإستثمار على أرض الأخر (بواسطة التبشير) وهنا أخص المسيحية والإسلام بإعتبارهما،الديانتان الوحيدتان اللتان حملتا مشروعا كونيا (إمبرياليا) للإيمان. بعكس اليهودية مثلا التي بدأت وانتهت كنادي لمنتسبي (القبائل اليهودية المتخيّلة) وأرض محرمة على الغوييم (الأغيار). ولتوضيح حرب الرموز في السياقين المسيحي الإسلامي، أرجو أن يتسع صدر القارئ الكريم لبعض الشطحات، آملا أن لا يأخذ الأمور بحرفيتها وتعسفها، بل أن يترك لعقله وقلبه إمكانية الخيال وتمثل الآخر، والولوج في منظوره ورؤيته ونسيجه التاريخي والحضاري (هذه هي المقدمة الحقيقة للحوار الإنساني) أقول كانت المسيحية ولا تزال تضمر، كراهية للإسلام وتعتبره هرطقة خرجت من شبه جزيرة العرب عام 637 م وخطفت أهم مراكزها الروحية (بيت المقدس، ثم القسطنطينية عام 1453م) وهذه الكراهية لا تعبر عن نفسها في جدل لاهوتي كلامي، بقدر ما تتمحور في الهجوم عل الرمز الإسلامي الأكبر (النبي محمد)، وعادة ما تستمد مادتها الهجومية اللاذعة من الموروث الإسلامي نفسه ،الذي أطنب في ذكر حياة النبي وغزواته وزيجاته وتعاليمه وشرح رسالته،  ويتمظهر ذلك بوضوح في سجالات القرون الوسطى وفي الأعمال الأدبية المبكرة  كأغنية رولاند الألمانية ثم في الكوميديا الإلهية لدانتي (التي حكمت على النبي وأتباعه بعذاب النار).. ولعل الأمر الأكثر جدية، يكمن في طبيعة التراث اليهومسيحي الذي لا ينزه الأنبياء عموما ولا يعصمهم ولا يرفعهم عن مصاف البشر، فأنبياء ( العهد القديم ) كانوا بالآلاف يتحاربون فيما بينهم أحيانا، وينضوون تحت آلهة البعليم الوثنية أحيانا أو يموتون بسبب غضب إلهي عليهم كما حدث مع موسى وهارون بعد حادثة الماء المريبة ومخالفتهم للأوامر الإلهية(هكذا تخبرنا التوراة).. لقد كانت العادة أن ينصّب الملك، بعد مسحه بالزيت ثم يقع الاختيار على أحدهم ليصبح نبيا للمملكة ( القبيلة )، وعادة ما تكون منزلة هذا النبي متواضعة إذا ما قورنت بالملك صاحب الجلالة.ويبدو ذلك جليا في الوعي المسيحي وفي تصوّراته عن نبوءات العهد القديم (أشعيا ، أرميا) التي بشرت بمسيح مخلص على صورة (ملك أورشليم) وليس على صورة نبيّ!!لكن  يبدو أن هذا اللفظ (نبي) قد أخذ بعدا دلاليا جديدا مع بداية الإسلام ..ما أريد قوله أن الوعي الديني المسيحي لاينظر بإيجابية دائمة إلى لفظ ((نبي)) فما بالك إذا كان النبي منافسا خطيرا؟؟ هذه النقطة الإشكالية الغامضة، تبدو غائبة في الوعي الإسلامي تماما..فا لمسيحي لا يسره أن يسمع لفظ النبي عيسى، الذي يتضمن إهانة رمزية لجوهر المسيحية، والتي تصوره باعتباره جزءا من الذات الإلهية (عقيدة التجسد) ولا يسّره سماع (شبه لهم) وانكار الصلب المسيحي (أحد الرموز الأهم في عقيدة الخلاص المسيحي)!! لكنه لا يريد أيضا أن يسلّم بمنزلة محمد  كأحد الرموز الكبرى في التاريخ البشري؟؟ ناهيك عن كونه (بالنسبة لأتباعه) أعظم الخلق وأشرف الناس، وأطهر بني البشر، وصاحب المكان المحمود، الأقرب إلى العرش الإلهي..  قد يبدو هذا الأمر مفهوما، لكنه سبب يضاف إلى إشكالية الحوار... المشكلة تتعقد كلما خضع المؤمن لمنظومة طقوس صارمة، تحدد أمامه آفاق الرؤية وتفرض عليه أحكاما مسبقة.. فمجرد تصوّر حوار بين مسلم وهندوسي، سيدفع المسلم  للابتسام بنرجسية والقول: أولئك الذين يعبدون التماثيل، ويقدسون الأبقار.. ويدفع الآخر للقول: أولئك الذين يتدافعون حول مكعب من الحجارة السوداء؟ (لاحظ في الحالتين قذف للرموز وجهل مطلق بالآخر) قبل مدة شاهدت أحد الأئمة الكبار يطل على الملايين من أحدى الشاشات المرموقة ويخبرنا بأن الحجر سينطق يوما ويقول: يا عبد الله، إن ورائي يهوديا فتعال واقتله!!! لا أنكر أني انزعجت  من هذه الصورة العنيفة (وهذا  الهولوكست الإلهي) رغم أني فرحت وطربت لهزيمة لواء غولاني وحريق دبابات الميركافا في لبنان، إن مثل هذه الإقتباسات لاتقل بشاعة عن دعوة بعض الحاخامات بإبادة العرب، ولعلها تكون سببا إضافيا لتبرير محاضرة السيد (رايتسينجر) عن العنف والدين... في النهاية لابد للإنسان أن يعترف أن  حوار الأديان ليس أكثر من شخير نيام أرهقهم التاريخ، ولم توقظهم الحداثة ..

 

  6 

الاحتقان

أخذت على عاتقي تخفيف جرعة السموم اليومية، التي أدمنت عليها، كالأخبار والتلفزة والمقالات.. فكل ما يدور حولنا يبعث على البؤس، والخواء الإنساني، واللا أدرية.. العولمة تحولّت إلى طوفان لغرق الحضارات أو مدخلا للخروج من بوابة الإنسان.. إلى المجهول؟ حيث يفقد  الإنسان شرطه الوجودي كحيوان تاريخي، وصيرورة واعية في أنساق معرفية... ليصبح كيانا متوترا مترقبا منفعلا نهما مستهلكا، تحكمه اللحظة الآنية، والتوق إلى مزيد من الانفعال والترقب..  اللغة ذاتها  بدأت تغادر حميميتها ودفئها الإنساني، الشعر يلفظ أنفاسه.. الأدب والمسرح يذويان كأوراق الخريف... إننا نعيش العولمة المتوحشة والفوضى الخلاّقة... في العراق يفترس مردوخ إله (الموت والبترول) الأمل وأزهار الحياة، وتجحظ العيون بمرأى الجثث.. وبينما يتطاير اللحم الآدمي، يوزع الساسة الابتسامات الصفراوية أمام الكاميرات، ويكيدون المكائد، ويتسابقون على فرش الموائد للمحتل (كما يذكر بريمر في مذكراته)... مسكين يا عراق!! من لم يمت هذه الليلة، سيقضي غده في دفن الآخرين... في فلسطين غبار وحصار ومعابر ودماء، وأرض يقضمها سوّاح يهود طاب لهم البقاء على رقاب الناس... في سوريا احتقان... فلا الآمال تحققت، ولا أحوال المعيشة تيّسرت، ولا الموؤدة وئدت، ولا ورقة اليانصيب ربحت ولا ورقة التوت سقطت... سوريا تعلمت منذ أقدم العصور، أن تعيش على الطوى  شبه جائعة، فهي جمهورية مؤدبة، تسمع الكلام، وتحب السترة.. في لبنان حضور وغياب لكل شيء.. الدولة، سوريا، إسرائيل، إيران، السعودية، فرنسا، أمريكا... كلها حاضرة وغائبة بآن معا، حتى اللبناني (فثلاثة أرباع اللبنانيين يعيشون في المهجر)، وكذلك نصر حزب الله، فهو حاضر غائب......... مقاهي مصر محتقنة بدخان النرجيلات والعاطلين، وشوارعها بعوادم السيارات والأمن المركزي... تراثها الليبرالي ضاع وراء حجاب النسوة، وبين أحذية المصلّين... تراثها الناصري تبدد على رمال سيناء.. في السودان احتقان عرقي، في الجزائر قبائلي.. في الجزيرة احتقان وهابي... اليمن السعيد وحده  يرفل بأثواب السعادة، فرئيسه أصبح أول ملك منتخب في التاريخ، ولا عجب في ذلك فالحكمة كانت وستظل يمانية!

 

  7 

إعدام صدام .. إعدام للحقيقة

 

عندما أتذكر الجسر المعلق في بغداد، تقفز إلى مخيّلتي بوابة القصر الجمهوري، وأشجار النخيل الباسقة، وقوّات الحرس المدججة، وأتذكر  سيارتي المهلهلة، التي لا يعجبها التأتأة والفأفأة إلا هناك.. في أحد أيام  الثمانينات (سامحوني على هذه الدقة الزمنية) ارتجفت ساقي، وأنا أضغط على المكابح، وبالكاد وقفت أمام الإشارة الضوئية الحمراء.. فالخطأ في ذلك المكان لا يغتفر، وقد يسبب لعلعة الرصاص، وتحّول المرء إلى غربال.. إذاك أحسست برغبة للالتفات إلى السيارة الواقفة على شمالي.. يا للهول.. صدام حسين!! كان يجلس بمفرده خلف مقود سيارة بيضاء (طراز مرسيدس 190)، ويرتدي ملابسه الحربية، ولفاف العنق المختفي داخل سترته الزيتونية... رفعت يدي محييا.. فرشقني بابتسامة مشفقة، تشبه تلك التي تغدق بها الأم على رضيعها (أثناء تبديل حفاظته).. هذه الحادثة قد لا تعني شيئا؟ لكنها انطبعت في ذاكرتي، وهي تختلف عن تلك التي رواها أحد حراسه الشخصيين (الجبوري)، الذي قال ما مفاده: في إحدى المرات، كنا منفرديّن، فراودتني فكرة اغتياله، ولم تمض ثوان، حتى التفت إليّ، وحدقني بنظرة مفزعة، دفعتني للهروب من العراق؟؟ على عكس  الجبوري، فقد قضيت أعواما إضافية في العراق، أشبعت بها فضولي في مرأى القائد، باعتباره نجم التلفزيون الوحيد، ومشاهدة جيوش الإعلاميين والشعراء والمطربين، والتعرف على العبقرية الشيعية في إلقاء (الهوسات) وهي نوع من الأهازيج الشعبية، التي تبدأ بوضع اليد على (الرأس) ثم تلاوة المقدمة المعروفة (ها إخوتي ها) ثم رفس الأرض والقفز على إيقاع ميلوديا هلهولة (زغرودة) للبعث الصامد أو: صدام اسمك هزّ أمريكا... بصريح العبارة، كان الرئيس صدام، مهوى أفئدة الكثيرين، وكان الحاكم بأمره، وقد لخص ذلك نشيد وطني  مطلعه: إذا قال صدام قال العراق.. ورغم ذلك حافظت على مقتي لصورة الطاغية فيه. وتعززت الكراهية بسبب فتحه لبوابة القادسية اللعينة، ثم تعمقت إثر معانقته للمك الأردني الراحل، وإطلاقهما قذيفة مدفع على إيران، في جو من الحميمية والقهقهة... كراهية ومقت وضغينة وبغضاء.. كلمات لاتصف الحقيقة، لأني كنت أدفن إعجابي به، وبنظرته الحادة الشرسة، وموهبته الفذة في توظيف ملامحه وإيماءاته الجسدية، وخصوصا حركات أصابعه (الأكثر بلاغة من كلامه).. وقد تأطرت تلك الصورة الهيولية من خلال الروايات (المؤسطرة) التي سمعتها عنه. آنذاك ربطتني علاقة باطنية ببعض الناقمين على حكمه (بما تسمح به قواعد التقيّة) كانوا أفرادا من النخبة الشيو ـ شيعية، وهي مزيج من بكائيات كربلائية وتراجيديا التراث الشيوعي العراقي  وبطولات الأهوار وشرب العرق وقصائد مظفر النواب (الريل وحمد).. منهم عرفت أنه قد بدأ عام 1968 بقيادة ميليشيا (فدا) لحزب البعث، التي اتهمت بفظاعات، كإلقاء المعارضين في نهر دجلة، أو بحوادث الدهس (التي تقيّد ضد مجهول) وصولا إلى إشاعة أجواء الرعب من خلال وكلاء دمويين كأبي طبر (أبو ساطور حسب لغة أهل الشام).

وهكذا مضت السنون، التي عصفت بالعراق، ودخلنا في فصول مأساته الحالية، وما حل بأهله الطيبين من ويلات، جراء الاحتلال  وفرق الموت والتناحر المذهبي المقيت، مضت السنون، لأرى الرجل الذي مقتّه (بإعجاب)، يحاكم أمام محكمة شكلها بريمر حسب قياس حذائه البرتقالي، محكمة مصابة بالهزال الشرعي والقانوني، وبداء الكلب السياسي... فالحكم على صدام بالشنق (لشخصه) وكأنه سارق خيول (في أفلام الكاوبوي) ليس مشكلة لذاتها، فكثير من الدول قد تحكم بالإعدام على زوجة تآمرت مع عشيقها على قتل زوجها.. المشكلة أن الذي يعدم هو صدام (الرمز وليس الشخص) وفي ذلك إعدام للعراق وسحقه إلى الأبد في دوامة الانتقام والانتقام المضاد؟؟ فكم من الأرواح البريئة التي ستهرق مستقبلا؟؟ وكم من القنابل التي ستفجرها كتائب الشهيد صدام، وأية قيمة في قتل رجل، قتل عدة مرات (يوم سقوط عاصمته، ومصرع أبنائه، وأسره).. والسؤال الأهم: من سينتقم لضحايا الأمس واليوم والغد؟ فالعدالة باعتبارها قيمة وجوهر إنساني لا يمكن تجزئتها وبيعها على طريقة تجار (الشنطة). إذا صدقنا أن صدام ارتكب جرائم ضد الإنسانية (في الدجيل) فمن سيجرؤ، على محاكمة شارون، وبيرتس وحالوتس على جرائمهم التي تمتد من دير ياسين حتى بيت حانون، وصبرا وقانا.. من سيحاكم جنرالات الحروب في الجزائر وفيتنام والعراق وفرق الموت وقادة العراق الحاليين على جرائم، دماؤها لم تجف، وعلى مقابر جماعية لم تكتشف بعد (والأسماء أكثر من أن تحصى).. عندما انهزم نابليون في واترلو، نفيّ الرجل (الذي أغرق أوروبا بالدماء)، إلى جزيرة نائية!! صدام حسين لا يقل عنه، فهو أكثر شهرة من نبوخذ نصر في زمانه.. من حق الإنسانية وأصحاب الضمير أن يمنعوا هذه المهزلة، ويحموا حياته (كما تحفظ اليونسكو الإرث الإنساني) شريطة أن يكتب مذكراته.. فمن حق البشرية أيضا أن تتعرف على الخبايا والأسرار، وما دفن في مغارات لصوص السياسة.. إن إعدامه إعدام للحقيقة. 

 

  8 

كلام فارغ

 

أخبرني الزميل محمد، أن القراء ضاقوا ذرعا بإعدام صدام وإعدام الحقيقة، ولا مانع لديهم إذا ما تم إعدامي أيضا، فالعمود الخاص بي  شاخ وتآكل اسمنته وبالت عليه الكلاب، ولا بد من تغييره. في الحقيقة أخذت أحك رأسي تبرما، فلكثرة الأحداث لا أعرف ماذا أكتب.. عن لبنان فالشيخ نصر الله يناديني، والجنرال يستصرخني... لجنة بيكر (الخباز) تطالبني بموقف صريح، اسماعيل هنية الذي خطب الجمعة في طهران، يأمرني أن أرفع قبضتي في الهواء وأصيح (خودا أكبر خميني رهبر).. فرق الموت لسماحة الإمام وحجة الإسلام (أبو درع) تريد مني عمودا، أشرح فيه طريقة عمل المثاقب الكهربائية.... الأحداث كثيرة ومتسارعة، حتى الوزير فاروق حسني، أمرني أن أنسى قضية الحجاب (لأنها تؤثر سلبيا على صناعة النسيج)، ونصحني أن أكتب شيئا عن صبغ الشعر، فذلك  قد يبعث السرور في قلب الرئيس المصاب بكآبة الشيخوخة.... وهكذا أخذت أفكر وأفكر ثم أفكر (قلما أفعل ذلك) لكن محاولتي  باءت  بالفشل... تذكرت قصة روّيتها للزميل الدكتور جمال، ملخصها أن صحيفة الشرق الأوسط، طلبت من الأديب والشاعر محي الدين اللاذقاني (حينها كان مسؤول الصفحة الثقافية) طلبت منه أن يعدّ دراسة عن مجلدات محمد عابد الجابري (نقد العقل العربي).. وبعد أن داخ الدكتور اللاذقاني (السبع دوخات) كتب عنوانا عريضا... دراسة في نقد العقل العربي للجابري... ثم ترك الصفحة فارغة، وكتب في أسفلها ما يلي: لقد ضيّع الجابري عمره في نقد شيء غير موجود!!!!! اللاذقاني فقد وظيفته فيما بعد، لآن البترودولار،  لم يكن قادرا على ترويضه.... هذه الحالة لا تنطبق عليّ، صحيح أني أخشى على مستقبلي الصحفي والمهني، وآخذ تهديدات رئيس التحرير محمل الجد... لكني لا أخفيكم سرا، فقد حزمت أمري، وتوكلت على الله، للعمل في نشرة الزميل الصحفي أيمن وهدان، أو الزميل  رمضان  لكن بشرط وحيد، هو أن يكلفوني شخصيا بتغطية، انجازات زعماء الجالية العربية والإسلامية وأهمها المقبرة الإسلامية.. هناك سأجري مقابلات مع الموتى وأسألهم عن رأيهم بأحوال العالم العربي، وإن كانوا راضين ومرتاحين في قبورهم الشرعية.    

 

  9 

 

 الصورة

وإعدام الكلمات

عذرا لأبي تمام وسيفه الذي كان أصدق أنباء من الكتب!! فالمسكين لم يعش ليرى الكاميرا والتلفزيون والموبايل، وما تحدثه الصورة من وهم يكاد ينتصر على الحقيقة نفسها!!   

في سبتمبر 2000 كان محمد جمال الدرة خارجا مع أبيه في شارع صلاح الدين بين نتساريم وغزة.. وفي مشهد حيّ نقلته وكالة الأنباء الفرنسية التقطت الكاميرا بمحض الصدفة مشهد إعدام هذا الطفل الفلسطيني،على يد جنود إسرائيليين.. إذاك كانت الفضائيات العربية ما تزال طفلا يحبو، فأخذت تعيد تلك الصورة بعبثية وانفعال، مما أحدث دويا هائلا هزّ قبور الموتى... بعد أقل من عام وقف العالم مذهولا ليرى انهيار برجيّ التجارة في منهاتن.. وفي لغط الأحداث وبلبلتها نسيّ الجميع صورة الدرة، مع أنها كانت مفتاحا لكل الأبواب السريّة!! أقول ذلك ليس تبسيطا أو استخفافا بلعبة الأمم بل لقناعة وافرة.. فالصورة كانت ذات قوة بلاغية أسطورية، لخصت وحشية الرصاص الذي مزّق الطفولة.. صورة الأب الذي أسند ظهره لمكعب إسمنتي، والذي رفع يده طالبا نجدة القدر.. لكن الرصاص هوى فانتفض جسد الصغير وترنح في حضن والده الذي هزّ رأسه بإيماءات تشبه الهذيان والجنون.. إنها صورة تكاد تسحق الضمير وتمزقه لكونها تحولت من مأساة  فردية إلى قدر وهستيريا جماعية وبركان للثأر والانتقام، حينها قال كلينتون: أحسست وكأني أعرف والد الصبيّ.. لحظات خارقة أصبحنا فيها الأم والأب والأخ،  نقتات من الصورة بمخيلتنا لتستقر في ذواتنا وهما جمعيا ورغبة عارمة بالقصاص.. في ذلك الوقت تمنيّت لو أحصى أحد علماء السوسيولوجيا، عدد الألوف في العالم العربي، التي كانت مستعدة لثورة العدم والانتقام... في تلك اللحظة أيضا تخيّلت  بن لادن ورهطه من الانتحاريين الدينيين وهم يبكون الدرة في قندهار، آملين أن يذيقوا أمريكا راعية أوسلو والمباركة جرائم إسرائيل، من نفس الكأس.. في تلك اللحظة من 30 سبتمبر 2000 م سقطت أبراج نيويورك بقوة المخيّلة، كما سقطت أسوار أريحا بأبواق كهنة يوشع!!

ما أردت قوله أن للصورة قوة، تأبد الحدث في الذاكرة وتؤسطره بآن معا.. فمئات الأطفال قتلوا قبل وبعد الدرة، لكنهم لم يملكوا نفس الحظ أو تلك اللحظة القدرية المعبرة، فاستحقوا أن يغيبوا عن المشهد دون أن نعرف أسماءهم.. لكن الصورة تملك أيضا القدرة على تحفيز المخيّلة وإخصابها بعدد لا حصر له من الصور.. خذوا مثلا صورة صدام حسين الذي اقتيد من ملثمين بدا وكأنهم من فرق الموت والمثاقب، التي تديرها أيدي خفية في حكومة الميلشيات الطائفية.. هذه الصورة وما رافقها من أصوات ذكرتنا أننا لا نعيش في دولة حداثية تستعد لحكم القانون والشرعية، والعض على الجراح، ونسيان الماضي، بل في مغارة مليئة بالعظام وجماجم الموتى، وشهوة القتل، مغارة تحكمها وجوه صفراء تقتات على تاريخ الثأر من سقيفة بني ساعدة إلى يومنا الحالي.. لكن المشهد ما كان ليكون مؤثرا بهذه الدرجة، لولا صدام نفسه الذي استطاع بما وهبته الطبيعة من ملامح شخصية وكاراكتر وأعصاب فولاذية ومعطف ولحية بيضاء أثقلت المشهد بالرمزية، وساعدته على تجاوز تلك اللحظات ليبدو قديسا مسيحيا يقاد في ساحات روما طعاما للأسود الجائعة.. لا بل أن زخم اللحظة أنسى العرب أنهم أمام صدام الذي رضع الحليب من فوهة مسدس، ليشاهدوا إسرائيل التي تقوم بإعدام السيدة فيروز بسبب أغنية زهرة المدائن!! إنها لحظة نادرة استجمع فيها الرجل كل طاقته وخبرته الطويلة أمام الكاميرا والحياة، ليحوّل المشهد إلى لعنة على شانقيه وإلى موت يحسده عليه الكثيرين، ويغفر له ذل الحفرة الوضيعة واللحيّة الشعثة، ويبرئه من الفظائع التي سجلها حكمه الدامي.. إنه ببساطة رجل موهوب أستطاع أن يربح ورقة (لوتو) الموت ليخلد طويلا في الذاكرة.. ربحها بسبب الغباء التاريخي للآخرين، الذين يجهلون لعبة الحياة بسبب إدمانهم على لعبة اللطم التاريخية!! التي عبر عنها الربيعي، عندما برر الرقص حول جثة القتيل، باعتباره جزءا من التراث العراقي.. ألم يذكرنا المشهد بوحشية تيمورلنكية تعودت حمل رؤوس القتلى على أسنّة الرماح، والرقص حولهم في فرح همجي وهستيري؟ أجل.. لقد انتصر صدام على موته، لأن المخرج القابع الكواليس ساعده في ذلك!! لقد أراد لنا هذه الصورة دون غيرها، على أمل أن يزداد الحريق الطائفي سعيرا، وأن  يمضي مسلسل التنظيف والتهجير،  ليصبح تقسيم العراق ضرورة لا مفر منها... إنها ببساطة صورة إعدام عبقرية.. لكن السؤال الجوهري: هل نجح المخرج في عرضه أم أساء التقدير؟.. سؤال ستجيب عنه قادمات الأيام.

 

  10 

الديمقراطية والجلّة

وجمهورية حوران

 

من الأمور الشاقة أن نكتب حتى بلسان عربي غير مبين!! فالكتابة عموما أشد قسوة، من نحت أحجار الغرانيت. أقول هذا تعقيبا على ما أقرأ بين الحين والآخر.. لكن الكتابة عما يدور من نقاشات وحورات وجدل وسجال شفهي فهو من اختصاص الأدب، وأهل الفراسة وعلماء النفس والشعراء، فالنقاش بالعربية هو أشبه برحلة تيه يحسدك عليها موسى وهارون وماركوبولو.. فالآراء لا قرارة لها ولا نهاية لبدايتها.. إنها دورة هائلة لشطحات كونية تخلط السياسة بالاقتصاد بتاريخ الأديان، بالإحصاء بفقاعات الماء بالأمنيات بالبارانويا.. أتذكر أني أخذت بالأمس على حين غرة وحضرت حفلة عيد ميلادي، وكم تفاجأت، فالأيام عندي كالمتشابهات، وبالكاد أستطيع التمييّز بين الفصول الأربعة، فما بالك بالأيام المملة التي تشبه قرع الطبول في السودان.. لكن الذي أفرحني هو تجمع الأصدقاء الصائمين مثلي عن الكلام (الجذر اللغوي لفعل صام: يعني الامتناع عن الكلام) وسبب هذا الصيام، هو توقف معظم الناس قسريا عن الكلام بسبب ولعهم وإدمانهم على الفضائيات العربية، واكتفائهم بتقطيب حواجبهم أو النفخ وإطلاق الزفرات وأحيانا الابتسام أو رسم علامات الخيبة والاستفهام..  فعصر الفضائيات  الذي ينبح أناء الليل وأطراف النهار، سبب للجميع ضمور عضلات الفكين، وتقطع الحبال الصوتية، وفقدان تدريجي لملكة الكلام، وعدم القدرة على التجميع (بالمفهوم المصري)، وهي عوارض تنشأ بسبب الارتباك الإيقاعي بين آلة الكلام ومحتوى الذاكرة.. وفي هذه الحالة تتراجع اللغة وتفقد دورها كسلطة (حسب فوكو) لتصبح مسرحا للامعقول والهذيان والسوريالية.. ولكي أقتصد في هذياني وأخفف عنكم وطأة هذا الحديث الممل، أدخل في الموضوع (برجلي اليمين)

قال صديق: إن معظم المقالات التي يقرأها فاقدة للبصيرة والإستراتيجية.. ولا ترسم أفقا للقارئ.

صديق أخر: فقدان الرؤيا سببه الضباب الكثيف واختلاط مفردات الواقع.. لذا فنحن بحاجة لأدوات المعرفة في التحليل.. ويخلص إلى أن الفلسفة هي فرض عين على القارئ.

صديق ثان: فرض عين!! هي كلمة تراثية علينا بإعدامها.. فواجب المثقف الحداثي أن  يمشي بنعاله ويدوس على كل الموروث!!

وهكذا بدأت المتاهة... جملة واحدة تكفي لفتح أبواب جهنم.. جملة واحدة تخزن شحنة متفجرة تحيل الكلام إلى ركام من الكلمات، وتحيل اللغة إلى جثث متفحمة من الحروف... كلمة إعدام، فتحت ملف إعدام صدام حسين، وقضية العراق (منذ أن سقط الجمل من السقيفة حسب نبيل فيّاض).. كلمة فتحت أبواب الحرب والسلم والاحتلال والغزو والضحايا والديمقراطية ونظام الحكم، وسايكولوجيا المجتمعات.... الحل في الديمقراطية.. ماذا تكون هذه الكلمة السحرية؟؟ هل تعني حكم الشعب نفسه بنفسه أم حكم الشعب بواسطة بريمر والمارينز.. هل الديمقراطية هي حكم القبور والأكفان وكهنة المعابد، وثارات التاريخ.. ماذا تعني هذه الكلمات الجوفاء... ماذا أفعل بربطة عنق (كرافاتا) إذا كنت عاريا، وتاركا عورتي في الهواء الطلق؟.. ما هذا الترف؟؟ هل تنفعني زجاجة عطر وأنا أغطس في مجاري التبوّل والقاذورات؟؟ إننا في أتون حروب أهلية، يستمرئ فيها الجار دم جاره، والأخ دم أخيه... وكي نوقف ذلك علينا بالديمقراطية (ها ها ها)... إننا في عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة (إخاء مساواة عدالة).. ولكي نحققها ونبلغ إربها.. فعلى الجار أن يقتل جاره وعلى الأخ أن يذبح أخاه..على الدول أن تتفتت وعلى الناس أن تنخرط في فرق الموت.. لأن طريق الديمقراطية يتحقق عندما يفنى الجميع، وعندما تضخ آبار البترول بدون عدادات (ها ها ها)، وعندما تتحوّل المتاحف والمكتبات العامة إلى أماكن للتغوط والتبرز والقناصة.. وبما أن العرب هم نتاج لثقافة العنف الإسلامي (الذي قام على الغزو والفتوحات وأية السيف) وبما أن الشركات البروتستانتية لإبادة (الهنود الحمر) تحتاج إلى عدو... فعلينا أن نتقبل حروب الإبادة برحابة صدر، ونتقبل الموت بملء الجفون.. فالديمقراطية والاستبداد والوهابية مفردات أصبحت تعني الفناء، وما علينا إلا الوقوف أمام حبل إعدامنا بشجاعة ونقول: هية هاي المرجلة؟؟ ولنشنف آذاننا بصوت من خلف الكواليس يهتف: مقتدى مقتدى، بريمر بريمر، نيغروبونتي نيغروبونتي، بوش بوش، أولمرت أولمرت...

أيها السادة... لا يسعني في هذه الحالة المأساوية، وفي غمرة هذا النقاش المأساوي.. ولأني فقدت القدرة على (التجميع) إلا أن أعلن أمامكم عن رغبتي بإعلان جمهورية حوران الديمقراطية الشعبية، وتحقيق أهدافها وحلمها التاريخي بقطار يسير على (الجلّة) ولا أنسى أن أخبر السيد شيراك وساركوزي بأن باريس ستصبح مربط لخيولنا.. مقتديا بالأهزوجة الشعبية: ديغول خبّر دولتك... باريز مربط خيلنا.

الجلّة: عبارة عن روث الحيوانات المجفف (يستخدمه الفلاحون كأحد مصادر الطاقة) وهو مفيد أكثر من مقالة كاتب السطور.

                 

 11 

إلى من لا يهمه الأمر

سألني، إن كنت أعرف الكاتب والقانوني العراقي عبد الحسين شعبان.. أضاف: لقد شاهدته في حوار متلفز.. وهو يجهش بالبكاء ودموعه تسيل على وجنتيه، حزنا وألما على العراق.. أخبرته بأني أعرفه من وسائل الإعلام... وتذكرت أني رميت كتابه (القانون العراقي) جانبا ولم أقرأه!! فما قيمة كتب القانون، في زمن تعبث فيه شريعة الغاب الإمبريالي وشريعة التصحر الديني...

الرجل الذي اتصل بي، هو يهودي اشكينازي، من (عشيرة) ليبرمان، توطدت معرفتي به، منذ زمن، وأصبحت من مقلديّ سماحته.. وتجنبا للوقوع في المحظور، وخشية أن ترفق هذه المقالة في إضبارتي، وكي لا أذهب إلى (بيت خالتي) أقسم بأغلظ الأيمان، أن الرجل يساري ماركسي، قضى عمره يقارع الإمبريالية (عندما كانت نمرا من ورق) وبعد أن أصبحت دولة السوفيت ورقا في أرشيف روسيا.. استمر صاحبي في المقارعة والنضال على طريقته، فارتدى اليشماخ الفلسطيني والحذاء (حتى في نومه، ليكون جاهزا لأية مظاهرة أو اعتصام)، وللتأكيد فإنه لم يتوان، حتى عن إحراق دواليب السيارات، والعلم الإسرائيلي والهتاف بحياة عبد الله أوجلان، أو رفع قبضته (كما يفعل مصلو جامعة طهران) والصراخ بموت أمريكا (الشيطان الأكبر).. ولعلي بهذه المقدمة أشفع لنفسي وأطمئن كلّ من في قلبه زيغ، وأتقي نائبات الدهر وغضب الفرع 235 ويوم (لا ينفع مال ولا بنون)!! وأطمئن السيد عمرو موسى، بأني لم أشرخ الأمن القومي العربي.. فكل ما سربته لليهود من أسرار لا يتعدى، ثرثرة بريئة، عن صناعة الفلافل والحمص بطحينة، والفول .. إلا إذا كانت الجامعة العربية تخطط لاستخدام الغازات الناتجة عن هضمها، في أسلحة الدمار الشامل المستقبلية.

عودة إلى صديقي اليهودي، الذي لم يكتف بارتداء اليشماخ والجلابية.. بل ارتدى قضايا العرب، وتحزم بمصائبهم، وعشق تراثهم، وزار مدنهم، وتعلم لغتهم، واستمتع بأكل كبتهم وتبولتهم، وكسكسهم وفسنجونهم، وتيّم بآثارهم ومعابدهم (وفسي فسائهم)... والأدهى أنه أصبح يتابع مسلسلاتهم التلفزية، ويلتقط الحوارات الدائرة، ويعرف فيصل القاسم، والمفكر الإستراتيجي سمير عبيد!!...

قبل مدة التقيته في بيتي، ودار بيننا حوار طويل.. كان محبطا، بلا رأي، (على غير عادته) كأنه يعاني من ترهل فكري وبلادة، وانسداد في المسالك الرؤيوية.. وعندما أخبرته بانطباعاتي، أجاب:

معك حق.. ربما بسبب إدماني على المحطات التلفزية العربية، وهروبي من عالم الكتب والثقافة الجديّة.. تخيّل.. أجلس لساعات أتنقل بين المحطات.. أسمع الظواهري على الجزيرة، ثم أنتقل إلى قناة الزوراء وأشاهد صيد الهمرات وصواريخ الجبوري البدائية، ثم أستريح بعدها على ربوة المستقلة للهاشمي، فأرى، نموذجا لإعلام ديمقراطي وهابي طبيعي (بيو)، خالي من الإضافات الكيميائية (ومن المذيعين).. وعندما يدخلني الملل أذهب إلى قناة أهل البيت، فأتابع ندبا على الحسين باللغة الباكستانية، وبما أني لا أفهم اللغة، أكتفي برؤية هزات رأس الداعية، وسماع العويل أو  كلمات من قبيل: كربلاء.. عجل الله فرجه.. أبو الفضل العباس.... (وآل بيته الأتهار).... وعندما يطفح الكيل، أغلق التلفزيون، وأبحر فوق أمواج الإنترنت، وأفتح بريدي الإلكتروني، وأهزّ بدني برسائل طالب الرماحي ومركز العراق الجديد لدراسات (الكراهية المذهبية)!! والطريف أني أقرأ بين الفينة والأخرى بعض رسائله (قبل أن أفقس عينها بواسطة الفأرة)؟؟ هل تريد أن تعرف سبب بلادتي الفكرية وسبب ترهلي الثقافي.. أنتم سبب مصيبتي!! يامن تغنّون في الطاحون، ولا أحد يسمعكم.... أنتم يامن تمارسون استمناءً فكريا، وتتلذذون في زواريب الثقافة.. انظر إلى حال ليبراليتكم العربية، التي تدّعي التنوير، (دون أن تملك أمبير واحد من المعرفة أو فولت من الإنسانية)، إنها أشد عتمة من الظلام نفسه؟؟ أصولية جديدة، لا تقلّ بلادة عن قرينتها في قندهار، همومها لا تتجاوز قصة أم قرفة (التي أمر محمد بقتلها، عقابا على هجائها له)، أو قصة زواج محمد من عائشة، أو قصص طواها الزمن منذ قرون، متناسين نكاح أمريكا للأمم الفقيرة... إنهم منشغلون بالبراغيث.. ولا يعنيهم دويّ طائرات الإف 16 التي تحيل المدن إلى ركام!!  فأي بؤس أكثر من هذا البؤس؟؟ قاطعته قائلا:  هؤلاء ليسوا من الليبرالية بشيء، هم حفنة لا تملأ حافلة لنقل الركاب؟؟ حفنة تتباهى بفضائل أمريكا، فينطبق عليها وصف أبي حيّان التوحيدي القائل: من يتباهى بفضائل غيّره، كخصيّ يتباهى بطول أيّر مولاه..

ختاما أقول: كم فرحت لدموعك يا عبد الحسين شعبان.. فقد ذكّرتني بشاعر المهجر إلياس فرحات الذي كتب:

الخد يعلم ما في الدمع من حرق

وليس  تعلم  ما فيه  المناديل

إن البكاء على قدر الشعور فكم

تبكي الرجال ولا تبكي التماثيل

 

  12 

حول تطبيق الشريعة الإسلامية في ألمانيا؟

 

أثارت قاضية ألمانية زوبعة صحفية، بعدما حكمت برفض دعوة تفريق، تقدمت بها سيدة ألمانية من أصل مغربي، ضد زوجها، الذي كان يعتدي عليها بالضرب!! واستندت القاضية في حكمها على الشريعة الإسلامية، وعلى الآية القرآنية، التي تتحدث عن  اضربوهن واهجروهن في المضاجع!! وبهذا سجلت هذه القاضية، سبقا عالميا، أثار علامات التعجب، والاستهزاء.. الإسلاميون من جهتهم صمتوا، ولم يعلقوا على الموضوع، فالله الذي سخر لهم الفلك والبحار، واخرج لهم الثمار، هاهو اليوم يسخر لهم قاضية ألمانية تحكم بما أنزل الله.. ذكرت للتو أن الحكم أثار لغطا وهرجا، واستنكارا من المنظمات الحقوقية والمدنية في ألمانيا، فالضرب والاعتداء الجسدي، هو انتهاك لحقوق الحيوان فما بالك بالإنسان.. أما تبرير القاضية، واستنادها على فقرة قانونية، حول مراعاة الحقوق الثقافية للأقليات الدينية، فكان عذرا أقبح من ذنب....

الموضوع أثارني لطرافته وغرابته.. فهل يجوز لقاضية ألمانية، أن تعتمد على نصوص دينية في استنباط أحكامها، وهل عرفت أن (اضربوهن) هي مثار جدل ونقاش، في الأوساط الإسلامية، وأن بعض الفقهاء القروسطيين فسرها على أنها ضرب خفيف (بالسواك مثلا) وصولا إلى تفسيرات حديثة لفعل (ضرب) تستبعد أن يكون بمعنى الاعتداء أو الأذى الجسدي، كأن نضرب في الأرض (نسافر)، ونضرب باب الخيمة، ونحفظ جدول الضرب، ونضرب لهم مثلا..... فإذا كان العالم الإسلامي لا يطبق الشريعة (في معظمه) ويختلف في قراءة النصوص وتأويلها، ولا يعتمد الموروث الديني في دساتيره الحديثة... فهل يجوز لقاضية أن تبارك اعتداء ألماني (مسلم) على زوجته الألمانية (المسلمة)؟؟ أم علينا أن (نضرب) الآراء بعرض الحائط، ونجلس القرفصاء (نضرب) أخماسا بأسداس.

في الحقيقة ورغم البلبلة والزوبعة الإعلامية والتنديد بالقاضية، وكفّ يدها عن العمل، أجد نفسي متعاطفا معها، وأطالب البرلمانات في ألمانيا الاتحادية وفي النمسا، وسويسرا والإتحاد الأوروبي، أن تشرع قوانين تبيح تطبيق الشرائع الدينية ليس على الجاليات المسلمة وحدها، وتهيئ المناخ الثقافي لقبول ذلك، (من خلال البدء في مراعاة الحقوق الثقافية للأغلبية المسيحية)،  كالسماح لعودة محاكم التفتيش القروسطية، وحرق الساحرات والمهرطقين.. وأن تبادر كذلك إلى استيراد  الشيوخ والعمائم لكل الملل والنحل الإسلامية والترخيص لاستئجار، فرق من جماعات الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن النكر، كما تستأجر الشركات الأمنية، ويمكن الاستعانة بخبرات الدول العربية، التي تطبق الشريعة، والتعاقد مع جلادين وسيّافين ذوي خبرة في إقامة الحدود، وقطع الأيدي، وجلد الزانية والزاني الغير محصنين، ورجم المحصنين منهم، ومعاقبة كل من ينتهك الفرائض، كالصوم والصلاة... ولا بأس من منح المسلمين الساحات الكبرى في أوروبا، يوم الجمعة (فقط) لإقامة حدود الله في الهواء الطلق، واقترح ميدان شتيفان في فيينا، وميدان الرايخستاغ في برلين، وساحة الكونكورد في باريس (حيث يمكن استثمار المسلة المصرية لتطبيق عقوبة الخوّزقة في بعض الحالات المستعصية)  وأقترح أيضا الاستعانة بالدول العسسية (البوليسية) العربية ذات المهارة العالية، في انتزاع الاعترافات بالكماشة لضبط السلوك الهمجي والعدواني لبعض المسلمين، الذين لا تنفع معهم إلا شريعة المخابرات والأمن المركزي ومحاكم(أنا قلبي دليلي)...

بعد أن هدأت قصة الكاريكاتور في الدانمارك، وبعد صمت المسلمين على صمت البابا رايتسينغر (واعتبار الصمت علامة الرضا) تأتي عاصفة القاضية  لتثير  شهية الألمان (وناطقي الألمانية)، لمزيد من التندر على حالنا، في هذا السياق، أتذكر بداياتي في أوروبا، حينها كنت أتسكع طويلا في الحدائق العامة، وعادة ما كنت التقي بعجائز، ثرثارات، يصطحبن كلابهن، في نزهة، وما أن يلمحن (وجهي) ويكتشفن ملامحي العربية، حتى ندخل في أحاديث متنوعة، ومن الطبيعي أن يسألن عن العرب والمسلمين وعدم أكلهم للحم الخنزير وحقيقة زواجهم من أربع نساء... الخ !! البارحة، شاهدت إحداهن، كانت سيّدة في الثمانين من عمرها.. وتشبه مومياء.. سألتني عن حقيقة أن القرآن يسمح للرجال بضرب النساء!! لم أكن أرغب في الحديث، ولا أعرف كيف أترجم لها كلمة (نشوزهن) للألمانية، ولا يعنيني الموضوع من أساسه.. في هذه الأثناء مرت عجوز أخرى، بصحبة كلب آخر. فاستفز أحدهما الآخر، ودارت معركة عواء ونباح حامية وصاخبة بين الكلبين، استثمرتها بالانصراف. فشكرا لهما؟

 

 

  13 

مؤتمر (الزفت) في زيورخ

 

تزامنا مع قمة العربان في مضارب آل سعود، عقد في زيورخ مؤتمر حقوق أقليات الشرق الأوسط، وذلك بمبادرة وتمويل من منظمة أقباط متحدون (والله أعلم)، وكما ذكر أحد الكتاب، كان الدافع وراء المؤتمر، مقولة شاعرية، قطفها من فم عدلي أبادير، (الأب الروحي للمؤتمر)، الذي قال: نحن هنا كي لا ننام على الإسفلت مرة ثانية؟؟ الدافع إذاً هو (الزفت) أو الوضع العربي الأزفت؟

في الحقيقة لا أنوي التهكم، بقدر ما أريد  فتح بوابة النقد، والدخول وطرح المزيد من الأسئلة، فما سمعت وما قرأت من مداخلات وكلمات، أثار شهوة الكتابة، والاستطراد والاسترسال، والسؤال عن البيضة ومن باضها... رغم أن القضية بسيطة، ولا تحتاج إلى تأويل وتطبيل وتهويل  وملخصها، أن مليونيرا مصريا، (أنعم الله عليه، بوافر فرنكاته) قام بدعوة كوكبة من الكتاب والصحفيين وبعض طويلي اللسان (معظمهم يعيش في الغرب) لشتم الحالة العربية، والبصاق عليها ما أمكن.. وبرأيي.. فالقضية  لا تخرج عن كونها معاناة من آثار احتباس (كلامي) سببته الأنظمة العربية القمعية، لكنه في جوهره نتاج لحضارة الرقميات، التي دفعت الكثيرين للعيش في عوالم افتراضية هلوسية، وبنفس الوقت القبول بحياة طفيلية هامشية في الغرب، مع شعور بالإحباط  وعدم القدرة على الاندماج الحقيقي في مجتمعاته!! ومنعا للالتباس، ارتأيت أن أقدم بعض التصورات، عن مفاهيم الأقلية والهوية والدين وعلاقة ذلك بالتداعيات السياسية الراهنة، وبما يتناسب مع هذه السطور المقتضبة..

من ملاحظتي لأسماء الشخصيات الثقافية المشاركة، لاحظت أن جل الحضور ينتمي (بالضرورة) للأكثرية الناطقة بالعربية، وهذا يستحق التوقف قليلا، لأهميته القصوى ودلالاته، فالانتماء إلى فضاء لغوي (معرفي وميثولوجي) مشترك، يعني أيضا انتماء إلى شخصية تاريخية، وأطر مشتركة للهوية.. والأهم برأيي المتواضع، دور اللغة الأم، باعتبارها الآلة المتيسّرة الوحيدة للتفكير والحرث المعرفي وصياغة الوجدان لأية جماعة إنسانية. لهذا أجد صعوبة منهجية في تحديد معنى ((أٌقلية)) خصوصا لناطقي العربية من مسيحيي مصر والمشرق العربي والصابئة.. أو حتى أمازيغ المغرب وأكراد العالم العربي، الذين يعتمدون العربية كأداة لتشكيل خطابهم المعرفي.. فكل هؤلاء، هم مكونات جوهرية، لمركب الثقافة العربية (بالمفهوم الأنطولوجي).. لا بل إني أجازف وأقول: بأن الإسلام (التاريخي) ليس نتاج تأملات مجردة لغار مكّة، أو تداعيات لوحي يثرب، بل هو خلاصة  لتمظهر وتجليّ تلك الثقافات القبل إسلامية... فالإسلام لم يخترع عقيدته في الربع الخالي؟ ويغزو العالم القديم، ويفرض بداوته ووحشيته بالسيف؟؟ فهو صيرورة، نمت وترعرعت على تراث من الطغيان والاستبداد والعبودية السائدة آنذاك، وعلى أدبيات يوشعية توراتية، أمرت باقتحام أرض الآخر، وسفك دمه وقتل كل نفس حيّة (بما فيها البهائم) وسبيّ النساء والأطفال، وإحراق المدن وإبادتها عن بكرة أبيها. ولا بد من التذكير بأن الفاتحين البيض لأمريكا، استمروا في حمل تلك التصورات الدينية اليوشيعية، التي سببت إبادة معظم السكان الأصليين في العالم الجديد.. لذا فمن المفيد جداً أن نفهم روح العصر، الذي نتحدث عنه. مع تقديري أن مجمل التراث الديني، ينتمي إلى عصور أسطورية، اعتمدت الرواية الشفهية، والفانتازيا وما يلهب الخيال، ولم يكن ليحدث خارج مخيّلة الكهنة والكتبة، لكن هذا التراث  يعكس بشخوصه الأدبية الملحمية، منظومة القيّم والمعرفة والمعايير التي سادت وقتئذ..

أقصد مما سلف الإشارة إلى بعض متحدثي المؤتمر، الذين أغمضوا عيونهم عن ويلات الحاضر والغزو والقنابل الفوسفورية وترويع الشعوب وتدمير المدن!! ولم يفطنوا إلا لغزوات محمد وأتباعه واستباحتهم (بلاد القبط والسريان والأمازيغ) قبل أربعة عشر قرنا!! والوقوف حدادا على أرواح (يهود بني قريضة)... هؤلاء الأنفار، ربما تركوا بصمة مهمة في المؤتمر، مع أنهم لا ينتمون إلى بيئة الثقافة باعتبارها إضافة إنسانية إلى الطبيعة البكماء.. هم بسطاء وحمقى وفي أحسن الأحوال من عصابيي الإنترنت، الذين (يفكرون أنهم يفكرون).. فتراهم يرددون نفس (اللا) منطق السلفي الأصولي، الذي يحتكم وينقاد كالأعمى وراء مدوّنات أسطورية وعصور متخيّلة، اعتمدت الميتاتاريخ، وتسليم العقول إلى أحداث متخيّلة، ثم النقل عنها حرفيا، كما لو أنها حقيقة وقعت فعلا؟؟

أما الدلالات والمعطيات السياسية، فقد أثارت بدورها المزيد من الشكوك، والتوجسات، وفضحت كثيرا من النوايا المتلبسة.. فوجود العنصري الصهيوني مردخاي نسيم (الذي يطالب بطرد الفلسطينيين من الضفة والقطاع) وردود الفعل التي أثارها، وبرغم احتجاج الكاتب (أحمد أبو مطر) وآخرين. وسحب كلمته من البروتوكول، إلا أن تبرير وجوده في المؤتمر (تحت ذريعة إبلاغه رسالة رفض للسياسات الإسرائيلية) هي لطمة كبيرة، لنضال (الأقليات) التاريخي ودورها الرائد، في مرحلة التنوير والحداثة العربية، وتلويث سمعتها بإلصاق تهمة العمالة والسفالة بها... لأن نفس الذريعة يمكن استخدامها، في  دعوة الظواهري أو ملا عمر، أو غيرهم من العاهات البشرية... وربما يكون الدور الذي لعبه الكاتب شاكر النابلسي (مقرر المؤتمر)، الدور المهم في اختناق المشهد العام للمؤتمر، لكونه أحد المثقفين (الوطنيين)، الذين يدينون بالولاء المطلق، لوطنه الجديد أمريكا، ولسياساتها العدوانية، وتحقيق مصالحها القومية، وهذا ليس سرا، إذ يمكن قراءة ذلك في معظم مقالاته، التي يبثها في فضاء الإنترنت!! وربما تكون التجربة العراقية، بعيد الاحتلال، والتي نقلت عددا غفيرا من عاهات مقاهي لندن، وصعاليك المنفى، إلى سدة الحكم..  قد فتحت شهية الكثيرين   وأثارت لعابهم، للسير على خطى الربيعي والجلبي وصولاغ وغيرهم، من أبطال  إمارات الخراب والجثث المجهولة الهوية..        

ملاحظة :

عندما يتلفظ المرء في أوروبا  بكلمة (أقلية) يتبادر إلى الذهن فورا، الملونين والمهاجرين (عرب، أتراك...) لذا استغرب أن يجتمع مؤتمر الأقليات في زيورخ دون دعوة الأقليات (الحقيقية)، وهي جيوش مليونية من الخادمات والعمال الآسيويين، الذين يعانون أشد أنواع التمييز العرقي والديني، وأحيانا يرزحون (في دول عربية عديدة)  تحت نير الرق والاستعباد القروسطي... فإلى هؤلاء، أخوتي في الإنسانية.. أقول سلاما

                    

  14 

 

من المهد إلى اللحد

 

عندما قرأت، النص الرشيق والذكي، للكاتب سفيان الخزرجي بعنوان: إرضاع الكبير هل سيحل مشكلة البرلمان العراقي؟ قلت في نفسي: لن أكتب في هذا الموضوع، فقد سبقنا سفيان، ونفض مافي جعبتنا من أفكار.

لكني وبعد أسبوع من هذا المنعطف التاريخي، الذي أحدثته فتوى د. عزت عطية رئيس قسم الحديث في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، أدركت أننا لأول مرة أمام منعطف تاريخي لذيذ، فأخذت أفكر وأفكر ثم أفكر (قلما أفعل ذلك)، وبعد يومين من التفكير المجهد، اسمحوا لي أن أتجاوز سفيان الخزرجي، وأقدم ما يعود بالنفع لأمتنا وشعوبنا: أقترح أن تبادر الجامعة العربية، بمساعدة وإشراف د. عزت رئيس قسم الحديث في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، لإعلان يوم عربي للرضاعة، أسوة بيوم الطفل، ويمكننا دمجه بمناسبات تقويمية أخرى كعيد شم النسيم، أو عيد رأس السنة الفارسية (الانقلاب الربيعي)، أو أعياد الخصوبة البابلية. ولا بأس أن تراعى أيضاً حقوق الأقليات الدينية والعرقية، في يوم الرضاعة هذا، كالسماح بزواج المتعة للراغبين (وفق شروط المذهب الجعفري: كدفع النفقة، والتسريح بإحسان) ولا أظن أن المذاهب المسيحية ستحتج على هذا اليوم، ففيه إحياء لتقاليد الأمومة الميثولوجية، التي بدأت بصورة الإلهة المصرية إيزيس ورضيعها حورس، وصورة الأم مريم العذراء وهي تحتضن يسوع وترضعه. وأيضا فيه إحياء لعصرنا الأمومي العربي الذي مثلته اللات والعزة، سيما وإن العصر الأبوي لم يجلب لنا غير الويلات والحروب!! لكني أقترح أن تحدث الأمور بصورة رمزية طقوسية، وأن تراعى قواعد الحداثة، والنظافة، لتجنّب ويلات الأمراض السارية والعدوى والتلوث، والحليب المنضّب، وكاقتراح عملي أنصح السيدات بتلقيم الرجال (إخوة المستقبل) مصاصات بلاستيكية (بالعراقي مُلهي وبالشامي ببرونة) خمس مرات، مصّات كاملة، وبهذا تصبح الخلوّة شرعية، وننتهي من قصة الحجاب وهذا التبذير والاستهلاك المفرط في الأقمشة.

 

 

kraitt@jusur.net راسلوني

عودة إلى المدخل