عودة إلى جسور

2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28  29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69

كتابات أخرى

 

راسلوني

shallal@jusur.net

  1

تقويم لمسألة

التعليم العربي في النمسا

 

 

 

علينا بادئ ذي بدء أن نحدد السؤال المطروح وأن نتواضع ابتداءً على نبذ العند والتنطع الفكري لمجرد تضييع الوقت في فانتازيا الكلام. والسؤال هو من نحن وماذا نريد؟. ويكون لنا الحق أن نختار من أحد ثلاث إجابات: عرب متأوربون، أو نحن أوروبيون مسلمون، ويحق للبعض في إطار التغييب الحضاري الطرح الثالث علينا أن نبحث في شأن الهوية في ظل هلامية الشخصية الشرق أوسطية إبان اللحظة التاريخية الراهنة.

ونبدأ بالطرح الثالث وليس بالفاسد كل الفساد، إذ أن البحث في شأن الهوية في زمان ضاعت فيه المعايير أصبح أمرا واردا وربما أمرا لازما، ولكنه للحقيقة مبحث طويل وعميق ومجهد يحتاج إلى إفراد دراسة خاصة به وليس المقام له.

أما والخيار الأول وشأنه أننا عرب متأوربون فيقينا مؤكدا أن الأوروبيين لن يتعربوا ولا العكس، وكل محاولة في هذا المضمار قد باءت بالفشل الذريع لتناهي المحددات لدي كلا الطرفين إلى غير مرمى، فالأصول والعقائد متباينة وكذا فإن المعالجات مختلفة بل وتبدو حينا متناقضة، ومن ثم فالنتائج - ولابد أن تكون - على غير هوى كل فريق من المتخاصمين في حلبة الصراع. ويتبقى لنا - لحسن الحظ - الخيار الثاني وهو أننا أوروبيون مسلمون، وقد ارتضاه من تناهت الحقيقة إلى مسامعه، وعلى المعترضين والمخالفين أن يتجرعوه ولو كانوا له كارهين. ومفاد هذا الطرح أن علينا أن نمارس الإسلام في إطار الطرح الأوروبي، وصحيح كذلك أننا أوروبيين في ثوب إسلامي.

وعبر خمسين عاما خلت كانت هناك محاولات عدة، كان أولها مدارس الأحد في المركز الثقافي المصري، ثم في المركز الإسلامي بفيينا وبعض المساجد، وهي محاولة في إطار "زرا للرماد في العيون". ثم انقسمت المحاولات التالية في مجملها في أربعة اتجاهات، كان الأول نقل التعليم من بلد ما – مصر أو السعودية أو ليبيا - بقضه وقضيضه كما هو دون أي تعديل، مع تدريس اللغة الألمانية كلغة أجنبية ثانية في مدارس تابعة للمكتب الثقافي التابع لكل دولة، وكان المقصود من هذا الطرح تحديدا مواصلة أبناء المرتحلين من العرب لتعليمهم أثناء تواجد أولياء أمورهم في البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، ولو توقف الأمر في هذا الطرح عند هذا الحد لاستوى القب وهان الخطب، إذ تقتصر العملية التعليمية آنذاك على غير المقيمين، ولكن آحاد وزرافات من المقيمين وقفوا بهذا الباب يرجون حجز مكان لولدهم في مدارس هذا النظام، وهو ما لا يتوافق في كثير منه وربما كله مع مقتضيات الأمور وطبائع الأحداث، وتكون النتيجة في المراحل المتقدمة (المرحلة الثانوية) كارثية بكل المقاييس، إذ يحصل الطالب على شهادة الثانوية العامة معترف بها في الوطن الأم وغير ذلك في بلد الإقامة، وتبدأ رحلة العذاب مع أجهزة الدولة المختلفة في محاولات مضنية للاعتراف بالشهادة ومعادلتها، وكم يضيع من الوقت والجهد وتركيز التلميذ في غير ما شأن.. هذا غير مستوى التعليم المحلي المتدني بالنسبة إلى ما هو عليه في بلاد المهجر، وما على التلميذ أن يبذله من جهد أضعافا في سنوات الدراسة الأولى بالجامعة ليصل إلى مستوى قرينه الذي تخرج من مدارس البلاد لهو البلاء بعينه. وعليه فإن صح هذا الطرح لأبناء المرتحلين فلا يصح لغيره.

ثم كان الطرح الثاني وهو تعليم الديانة الإسلامية في المدارس النمساوية باللغة الألمانية للتلاميذ المسلمين الدارسين فيها، ويقوم بهذه المهمة مدرسون تابعون للهيئة الإسلامية الرسمية في النمسا وتحت إشرافها المباشر، ورغم ما في هذا الطرح من نكد لا يخفى على الكثيرين ممن يعلمون ويتابعون العملية التعليمية، إلا أنهم في مجملهم لا يرفضونه بالكلية، وأسباب القبول على مضض أن أعدادا لا يستهان بها من التلاميذ المسلمين متفرقين في أنحاء شتى من البلاد بأعداد أحادية اليد ولا تزيد في الغالب إلا ما شذ في العاصمة أو بعض المدن الكبيرة ما يجعل هذا الحل الهزيل الذي "لا يغني ولا يسمن من جوع"  مقبولا في إطار "مالا يدرك كله لا يترك كله" ودامت للجميع الثقافة الإسلامية على مستوى "المعلوم من الدين بالضرورة"  عسى الله أن ينفع بها.

ونأتي إلى الطرح المأسوي الثالث، إذ التأم غير نفر من المتحمسين والراغبين في الخدمة العامة وقاموا بالتعاقد مع الأزهر الشريف لتصدير المناهج الأزهرية إلى مدارس عرفت فيما بعد باسم المعاهد الأزهرية في النمسا، حيث يدرس المنهج الأزهري كاملا بجانب المنهج النمساوي كاملا في نظام اليوم الكامل، في محاولة لمحاكاة مدارس الإرساليات التبشيرية وخفي على القائمين على شأن المعاهد الأزهرية بالنمسا التباين الواضح بين الإسلام والمسيحية في الثوابت (المعطيات) والمعالجات والأهداف، ولست هنا ـ مطلقا ـ بصدد المقارنة بين الديانتين لا جملة ولا تفصيلا - إذ ليس من عاقل يدخل عش الدبابير راغبا - ولكن الأمر بالفعل مختلف تماما فيما بين الاثنين، وما يصح لقوم في أرض وزمان قد يصح أولا يصح لأقوام غيرهم في غير أرض وزمان، وليس من حتم -لازم-  أن ما يدرس في المعاهد الأزهرية في مصر وما هو على نفس النسق في السعودية يصح برمته وقابل للتدريس في بلاد المهجر بشكل عام، خصوصا أن نضع في الاعتبار مستوى تأهيل القائمين على شأن مدارس الإرساليات ومن يماثلهم من القائمين على إدارة مشروع المعاهد الأزهرية وأهداف كل فريق ومعالجاته.  الأمر الذي يسير بخطى حثيثة في النفق المظلم إلى نهايته الحتمية - مهما طال الزمان ـ وإن أدخل حجرة الإنعاش بين الحين والآخر، فمصيره حتمي إلى مخازن الذاكرة وأوراق التاريخ ويكفي القائمين عليه شرف المحاولة.

ونصل إلى مرفأ النهاية والطرح الرابع، وهي محاولة فيما نعلم ونرجو أن تكون هي المحاولة الصحيحة وأن تتوفر لها عوامل النجاح، وإن كانت ما تزال في مهدها وتحتاج بحق لكل يد داعمة ولكل مجهود صادق، وهذا الطرح ينتهي إلى إنشاء مدارس نمساوية تابعة بالكلية لوزارة التعليم النمساوية يدرس فيها بجانب المنهج النمساوي المعتمد من قبل الوزارة وفقط منهج اللغة العربية والتربية الدينية المعتمد في وزارة التربية والتعليم المصرية، فمن ناحية لا نزج بأجيالنا في ترهات الخلاف والاختلاف فيما بين المناهج المدنية، ومن ثم يكون التلاميذ في نهاية المطاف قد حصلوا على وجبة تعليمية وحظا متكافئً مع زملائهم النمساويين، وأيضا دون إغماط لحقهم في تعلم لغة الآباء ومعرفة الإسلام بنفس القدر المتساوي مع نظرائهم في الوطن الأم. فهل تفاجئنا الأيام بتطابق الحلم والواقع أم تفجعنا كما سابقاتها؟ دعونا إذن لا نرمي الأمور بظهر الغيب وعلينا أن نكون في قلب الحدث أيدي داعمة وجهود صادقة.

 

 

 

 

عودة إلى المدخل