هنا النمسا

 

من نحن

 

 

برونو كرايسكي

  

مناسبة هذا المقال وربما ما قد يتبعه من مقالات هي احتفالات النمسا بالذكرى المئوية لمولد مستشار النمسا الراحل برونو كرايسكي، الذي أدار شئون البلاد من 1971 وحتى 1983، قبل أن يعتذر عن تشكيل أول حكومة ائتلافية لحزبه الاشتراكي الديمقراطي مع حزب الأحرار اليميني عقب خسارة حزب كرايسكي الأغلبية المطلقة في البرلمان النمساوي، فيخلفه نائبه الراحل فريد سينوفاتس في رئاسة الحزب والحكومة الائتلافية مع "نوربت شتويغر" رئيس حزب الأحرار آنذاك.

المؤكد أنني كنت من المتابعين باهتمام شديد لسياسات برونو كرايسكي وحزبه الاشتراكي، سواء ما يتعلق بشؤون النمسا الداخلية أو سياستها الخارجية، وبالتحديد ما يخص منها الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية.

استقبل كرايسكي الرئيس المصري الراحل أنور السادات أكثر من مرة في فيينا وسالزبورج، ورتب لقاء للسادات مع الرئيس الأمريكي آنذاك جيرالد فورد، وأخذ كرايسكي بنصيحة السادات بالحوار مع ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، كما ساند مستشار النمسا الراحل مواطنه النمساوي كورت فالدهايم في تذليل العقبات أمام دعوة عرفات لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفتح كرايسكي أمام ياسر عرفات أبواب الساسة في عدد من دول أوروبا من خلال الاشتراكية الدولية الذي كان مع الراحلين فيلي برانت مستشار ألمانيا الغربية وأولوف بالمه رئيس وزراء السويد، كما ذلل العقبات أمام تدفق اللاجئين اليهود من دول الاتحاد السوفيتي السابق على إسرائيل. وبادر بتكوين جمعية للعلاقات العربية النمساوية تضم ممثلي كافة الأحزاب النمساوية، وظل رئيسا شرفيا لها حتى رحيله عن عالم الأحياء في 1990.

استقبل برونو كرايسكي معمر القذافي في فيينا، وبث التلفزيون النمساوي لقطات معبرة عن انبهار وإعجاب رئيس ليبيا بفن العمارة ومظاهر العظمة في القصور النمساوية في الهوفبورج.

تمكن كرايسكي الاشتراكي بمساعدة كورت فالدهايم المحافظ من حصول بلدهما النمسا على امتياز استضافة المقر الأوروبي الثاني لعدد من منظمات الأمم المتحدة في فيينا، ليفتح أبواب ونوافذ النمسا أمام العالم، ويغير من الصبغة الريفية المحافظة لعاصمة الإمبراطورية النمساوية الغابرة، لتصبح واحدة من عواصم السياسة الدولية، وجاذبة للسياحة العالمية بدرجة امتياز.

استضاف مراسم توقيع اتفاقية "سولت" لتقليص الأسلحة النووية بين بريجنيف سكرتير عام الحزب الشيوعي السوفيتي وجيمي كارتر رئيس أمريكا الأسبق، واستقبل جورباتشوف وريجان في فيينا، وحرص على توطيد علاقات بلاده مع كل دول المعسكرين الشرقي والغربي في أوج عصر الحرب الباردة، انطلاقا من حياد النمسا الإيجابي.

تابعت الحادث الإرهابي الذي تعرض له وزراء منظمة الأوبك خلال اجتماعهم في فيينا، وظهور اسم الإرهابي العالمي "كارلوس" لأول مرة في وسائل الإعلام النمساوي والعالمي، واغتيال النقابي النمساوي "هاينز نيتيل" أمام بيته في فيينا على أيدي رجال أبو نضال، واغتيال سفير سابق لليبيا في النمسا، وأشياء وأحداث أخرى كثيرة.

أما على الصعيد الداخلي، فحدث ولا حرج عن إنجازات كرايسكي وحكومته في مجال تحديث البنية الأساسية، والتصنيع ومجانية التعليم في كل مراحله وصرف الكتب المدرسية بلا مقابل، وإعفاء التلاميذ والطلبة من تكاليف استخدام وسائل المواصلات،  والتوسع في بناء المستشفيات وتحديثها، وإنشاء المساكن الشعبية للطبقات الفقيرة، وتقديم الدعم المالي للأسر ومكافأة الأطفال التي تمنح لكل أسرة بغض النظر عن دخلها المادي ووضعها الاجتماعي، وزيادة الدعم الممنوح للمؤسسات الثقافية.

كنت أتابع كغيري كل هذا عن بعد، لكنني لم أكن قد التقيت هذا الرجل إلى أن حلّ في صيف 1986 ضيفا شرفيا في حفل تخريج دفعة من طلبة مدرسة فيينا الدولية من مقرها الجديد الذي أهدته حكومة النمسا وبلدية فيينا للجالية الدولية لتكتمل منظومة العمل للآباء في مقر المنظمات الدولية والتعليم للأبناء في هذه المدرسة.

كلفني مدير المدرسة آنذاك الفرنسي "موريس بيزيه" مع زميلتي الإنجليزية " بات فيجيليه" بمرافقة الضيف الكبير في جولة داخل المبنى، فسنحت لي فرصة الاقتراب من الرجل وتبادل الحديث معه، فسألني عن موطني الأصلي، وحدثني عن علاقته بالرئيس السادات ومصر وإسرائيل وجولدا مائير، وتطرقنا إلى الحديث عن تجربة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب في حكم السودان بعد انقلابه على جعفر النميري، وتسليمه السلطة في السودان لرئيس وزرائها المنتخب الصادق المهدي، وعن كتابات "بيتر هاندكه " الروائي النمساوي الأشهر آنذاك، ثم بدأ الرجل يحدثني عن نفسه، فروى لي كيف توطدت علاقاته الشخصية مع الطبيب المصري على المفتي، الذي استدعته المستشفى الأمريكية من القاهرة لإجراء جراحة في عين كرايسكي.

قال الرجل: "كان علينا أن نتردد على أمريكا على فترات متقاربة يسافر الطبيب المصري من القاهرة والمريض النمساوي من فيينا إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة مرحلة ما بعد العملية الجراحية في عين كرايسكي، فاقترح الدكتور المفتي على مريضه أن يتابع حالته في فيينا بدلا من أمريكا ليخفف عن الرجل متاعب السفر ومشقته، وهكذا تردد الطبيب على فيينا أكثر من مرة، كان يأتي إليها يوم الخميس ويغادرها يوم السبت، حتى اكتمل شفاء المريض، ففاتحه برونو كرايسكي في أمر أتعابه، فرفض الطبيب المصري أي مقابل مادي، لكنه مع إصرار الرجل اقترح الطبيب المصري تقديم النمسا بعض الأجهزة الطبية الحديثة لقسم أمراض العيون بمستشفى القصر العيني الجامعي ففعل كرايسكي".

سألني مستشار النمسا الراحل عن عملي في المدرسة، فذكرت له أني منذ عام 1980 أدرّس وزميل لي اللغة العربية للتلاميذ العرب من أبناء العاملين في المنظمات الدولية وأغلبيتهم في الأنروا المعنية برعاية شئون اللاجئين الفلسطينيين، وشرحت له وضع اللغة العربية في المدرسة، وكيف أن إدارة المدرسة تصر على تحميل أولياء أمور التلاميذ العرب تكلفة دروس اللغة العربية لأبنائهم، وتعلل ذلك برفض مندوب النمسا في مجلس الأمناء الموافقة على تدريس العربية رسميا في المدرسة التي تتلقى دعما ماليا سنويا يصل إلى عشرات الملايين (كان الشلن عملة النمسا الرسمية آنذاك)، فسألني الرجل عن نسبة التلاميذ العرب في المدرسة، فأجبت: "نحو 20% "، فأبدى دهشته، وقال ساخرا إن الحزب الذي يحصل على 4% من أصوات الناخبين يحق له التمثيل في البرلمان النمساوي ويتلقى دعما ماليا من الدولة، فكيف يحرم هذا العدد من التلاميذ العرب من حقهم في تعلم لغتهم في مدرسة دولية تدعمها حكومة النمسا؟

ثم أتبع: "لا تشغل بالك بهذا الأمر! وكل ما أطلبه منك أن تذكرني يوم الاثنين ـ كان لقاؤنا أحد أيام السبت في يونيو "حزيران" ـ بهذا الأمر، فهذا رقم هاتف مكتبي، فاقترحت أن أكتب له المشكلة في سطرين، فاستحسن هذا، فتركته لدقائق قليلة عدت بعدها حاملا ورقة في يدي كتبت فيها: " السيد الدكتور برونو كرايسكي، أعرف أن لديكم الكثير من المشاغل، لكننا نعاني هنا في المدرسة الدولية من مشكلة كبيرة تتمثل في رفض ممثل النمسا في مجلس أمناء المدرسة الدولية الموافقة على اعتبار اللغة العربية واحدة من المواد الرسمية في منهج المدرسة، مما يحرم كثيرا من التلاميذ العرب من تعلم ودراسة لغتهم الأم، لذلك فإننا نرجوكم مساعدتنا في هذا الأمر، ولكم كل التقدير والاحترام!

قرأ الرجل تلك الكلمات ودسّ الورقة في جيبه، ثم فاجأني بسؤاله: "ماذا ستفعل بعد انتهاء هذا الحفل؟ فأجبته، سأتجه مباشرة إلى الحي التاسع عشر لزيارة صديق، فأجابني: "أنا أيضا سأعود إلى بيتي في الحي التاسع عشر، هل تود أن تصاحبني في سيارتي، فشكرته وقلت إن هذا شرف كبير لي، ولكن ما رأيه ـ وكنت أمزح - في استخدام مترو الأنفاق، فأعجبته الفكرة وطلب من حارسه الشخصي أن يصرف السائق، لأنه سيستخدم وسائل المواصلات العامة مع السيد بارود، فقلت: "إذا كان الأمر هكذا، فتذكرة المترو على حسابي، فابتسم قائلا: "شكرا لكرمك، وأظن أن حارسي لديه اشتراك سنوي"!

غادرنا المدرسة متوجهين إلى محطة Kagran وكان الرجل يستند على ذراعي بيد، ويتكئ على عصاه باليد الأخرى حتى وصلنا هدفنا، فدخلنا إحدى عربات القطار وجلسنا متقابلين، بينما وقف الحارس الشخصي للرجل على مسافة قصيرة منا.

بادر برونو كرايسكي بالحديث قائلا: "أشكرك على هذا الاقتراح، فهذه هي المرة الثانية التي أركب فيها مترو الأنفاق، فقد كانت المرة الأولى مع كورت فالدهايم أثناء احتفالنا بافتتاح مقر الأمم المتحدة، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي أعبر فيها نهر الدانوب بفرعيه القديم والجديد بمترو الأنفاق".

حدثني عن فترة إقامته في السويد لاجئا سياسيا، وعن بيته في "مايوركا الأسبانية" وشغفه بالاستجمام والاستمتاع بالبحر وهوائه، وقضائه أوقات كثيرة في القراءة. وأضاف: "أدركت منذ اشتغالي بالسياسة حاجة النمسا كدولة صغيرة تقلصت مساحتها بعد انهيار الإمبراطورية عقب الحرب العالمية الأولى، وانحسرت داخل حدودها الحالية كدولة مغلقة بلا سواحل على البحر، أن تكون علاقاتنا طيبة مع كل دول العالم، كي يتمكن النمساويون من الاستمتاع بالبحر في عطلاتهم، فتجدهم على شواطئ إيطاليا وكرواتيا، ورومانيا وبلغاريا"!

فعقبت: "ومن لا يقدر من سكان فيينا على الاستمتاع ببحيرات النمسا، يستطيع أن يقضي عطلته على جزيرة الدانوب "الصناعية"، التي صارت مقصدا رئيسيا لسكان العاصمة وزائريها!"

فقال: "صحيح، لكنك ربما لا تعرف حجم معارضة حزب الشعب لمشروع جزيرة الدانوب، لكن إدارة المدينة الاشتراكية كانت بعيدة النظر"، وتساءل: "هل يمكن تصور مبنى الأمم المتحدة بدون هذه الجزيرة؟!"

تحدّثنا عن مبادرة السادات للسلام، وردود أفعال الدول العربية، وعن الحرب بين إيران والعراق وآثارها السلبية على المنطقة، وعن دور الرئيس الأمريكي الراحل ريجان والبابا يوحنا بولس البولندي الراحل في الحرب الأمريكية ضد الشيوعية العالمية، وعن موقفه من الأديان باعتباره "Agnostiker"، فقال: "لست ملحدا أنكر وجود إله، لكنني لست مؤمنا بعقيدة بعينها"، وسألني إن كنت أعرف أن له أخا يعيش في إسرائيل، فأومأت بالإيجاب!

اعترفت له بأنني شاركت في الحملة الشعبية في النمسا ضد المفاعل النووي الوحيد في النمسا بمنطقة "Zwentendorf"، حينما علمت باتفاقه مع الرئيس السادات على تخزين نفايات الوقود النووي في صحراء مصر الغربية، حيث قمت بتوزيع المنشورات والخروج في المظاهرات الرافضة للمشروع. فردّ بتفهمه لموقفي وموقف معارضي المشروع، إلا أنه كان يسعى لتوفير مصدر آخر للطاقة، تحسبا لوقوع أزمات أخرى في إمدادات النفط، وارتفاع أسعاره في ظل استمرار حالة التوتر في الشرق الأوسط.

لم تخل رحلتنا في مترو الأنفاق من بعض المواقف الطريفة، خاصة ما يتعلق منها برد فعل الركاب من النمساويين الذين كانوا يفاجئون بوجود برونو كرايسكي داخل عربة القطار يجالس شخصا أجنبيا مجهولا، يتبادلان أطراف الحديث وكأنهما صديقان حميمان، فكان بعضهم يتجرأ ويلقي التحية على السياسي العجوز، وبعضهم يهمس لرفيقه بوجود كرايسكي ضمن ركاب القطار، وبعضهم يختلس نظرات يوجهها نحو الرجل وجليسه!

بعد نحو 45 دقيقة كنا ندخل بيت كرايسكي في الحي التاسع عشر بعد أن أصر على دخولي بيته لأشرب كوبا من عصير البرتقال - شربته واقفا - فقد كان الرجل الذي يعاني من مرض في كليته مرهقا، فاستأذنت وخرجت لأواصل مشواري إلى صديقي...

لم أنم ليلتي الأولى بعد هذا اللقاء، فقد ظلّ شريطه يطاردني بلا توقف، ولم يتغير حالي كثيرا في الليلة التالية، إذ كنت قلقا لا أستطيع الانتظار حتى صباح الاثنين كي أتصل بمكتب برونو كرايسكي، فقررت أن يكون اتصالي من المدرسة التي كان عليّ أن أتواجد فيها في الثامنة صباحا، حيث كنت مكلفا ذاك الصباح بالإشراف على دخول التلاميذ مبنى المدرسة، ثم أدرّس الحصة الأولى التي تنتهي في التاسعة صباحا، لأفاجأ بعد انتهائي من درسي الأول باتصال من مكتب مدير المدرسة يطلبني فورا للقاء المدير، فهرولت متوجسا خيفة من هذا الاستدعاء، داعيا الله أن يكون الأمر خيرا، وقفزت درجات السلم المؤدي إلى مكتب المدير وأنا ألهث، لأجد نفسي أمام الرجل الذي استقبلني بابتسامة غطّت كل وجهه متسائلا: "خبرني! هل أنت عشيق السفيرة ( )، ممثلة النمسا في مجلس أمناء المدرسة؟!"، فأجبت بالنفي، فقال: "تصور! لقد اتصلت بي "هذه المرأة" ـ هكذا ـ منذ لحظات، وكأنها توبخني أو على الأقل تلومني لعدم تدريس اللغة العربية كمادة رسمية في المدرسة، فلما قلت لها أنها طالما رفضت ذلك، أنكرت، وادّعت أنها لا تذكر شيئا من ذلك، وطلبت منيّ عرض الأمر على مجلس أمناء المدرسة في اجتماعه المقبل قبل انتهاء العام المدرسي الحالي لاتخاذ القرار اللازم في هذا الشأن"!

تنفست الصعداء، وارتجف صوتي وأنا أروي له في إيجاز ما تم قبل يومين في حديثي مع برونو كرايسكي، ورحلتنا المشتركة في مترو الأنفاق، فسرّ لما حدث وكلفني ببدء الإعداد للوضع الجديد للغة العربية في المدرسة، فاقترحت عليه في نفس المقابلة أن يقترح على مجلس الأمناء تدريس اللغة العربية كلغة أجنبية لغير العرب بجانب تدريسها كلغة أم، فاستحسن الفكرة، وقد كان!

عدت من لقائي مع مدير المدرسة فأخبرت زميلي محمود قاسم بالتطورات الجديدة، ورفعت سماعة الهاتف لأتصل بمكتب الدكتور برونو كرايسكي مستشار النمسا السابق، لا لأذكّره بمشكلتنا، ولكن لأشكره على حلّها.

...................................................................

فيينا في 19/1/ 2011      

 

 

 

 

  Bookmark and Share

للتعليق على الموضوع

 
 

postmaster@jusur.net

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

برونو كرايسكي

 

(2)

أول الغيث قطرة

 

(3)

منحة ياريس

كيرششليجر!

 

(4)

الصراع على منصب المدير العام

لوكالة الطاقة

 

(5)

ليلة وفاة الزعيم

 

 

 

 

 

 

 

صفحته

.......................

hassanbaroud@hotmail.com